|
عبدالمطلب الريشي: جدل الفكر وإشكاليات الواقع
المنتدى الليبي: في غياب الجدل الفكري المبني على تقبل الآراء والأفكار المبني على التبادل والتفاعل أخذاً وعطاءً رفضاً أو قبولاً مما يؤدي إلى تطور الأفكار ونمو الإبداع الفكري لدى الفرد والمجتمع، بغير ذلك الجدل الفكري الذي لا ينظر إلى الأفكار باعتبارها شيئاً مقدساً بما تحتويه من مسلمات غير قابلة للحوار وكأنما باب النقاش قد قفل إلا من خلالها، أما تناولها فيعتبر من المحرمات التي لا ينبغي الاقتراب منها أو الخوص فيها.
إن النظر إلى الأفكار بهذه الصورة يصيب الوعي الجماعي بالجمود الذي يؤدي على التقهقر والنكوص وغالباً ما تكون الأساطير والخرافات هي السائدة ويصبح الوعاء العقلي على استعداد أو لتقبل ما يملي عليه الوعاء العقلي على استعداد لتقبل ما يملى عليه حيث إن ميكانيكية الفكر شبه معطلة أو غائبة وبالتالي فإنه يفتقد إلى آلية النقد المنهجي المستنير ويتجه إلى التحجر بدعوى المحافظة ويخشى الخوض في قضايا يرى أنها قد تشكل خطراً على موروثه الثقافي وبنائه الذهني حيث إنه لا يمكن عبور بوابة المستقبل إلا من خلال تقييم الماضي،إن هذا الاتجاه الذهني هو نقيض العقل العلمي الواعي القابل لحركة نقدية واعية في جدلية مع المتغيرات المستحدثة والوقائع المفاجئة،وبهذا يكون العقل المنفتح المستوعب لكافة المتغيرات هو أداة تحليل وتفكيك لما يواجه المجتمع من مشكلات حياتية تحتاج إلى التعاطي معها بإدارك الواقع إدراكاً تاماً لا بالقفز فوق مكوناته ولا بالخضوع إلى وقائعه بل بدراسة معمقة لمعطياته وتفهم واعٍ لمتغيراته واستيعاب البنى الاجتماعية والاقتصادية للواقع المعاش بحيث لا تتأتى النتائج عكس ما هو متوقع وتنحرف الأهداف عما هو مأمول إنطلاقاً من أن الأفكار بصورتها التجريدية قد تصطدم بإشكاليات الفعل أثناء الممارسة العملية مما يستوجب إعادة قرأتها وكيفية صياغتها.
من هنا فإن ما يطرح من أفكار وما يقوم من تصورات تتمثل أهميتها في تعاطيها مع الوقائع وقدرتها على تفسير إشكاليات الفعل من منطلق إنها في حراك جدلي مستمر بشكل تبادلي أخذاً وعطاءً فاعلاً ومتفاعلاً موروثاً كان أو مستحدثاً آخذاً في الحسبان عوامل النشأة والتكوين لمحاولة لإمكانية البحث عن حلول تقود إلى مصالحة ما قد يحدث من خلل أثناء التعامل مع متطلبات الفعل.
إن العلاقة بين جدلية الفكر وإشكاليات الواقع يجب إلا تكون علاقة رفض وانكفاء على الذات أو علاقة استلاب واحتواء خارج المكون الذاتي بعيداً عن الخضوع للآخر وتعظيماً له مما يؤدي إلى الإحساس بالدونية أو تهوينا له وتعظيماً للذات بصورة نرجسية إنطلاقاً من:
ونشرب إن وردنا الماء صفواً ويشرب غيرنا كدراً و طيناً
إذا بلغ الرضيع لنا فطاماً تخر له الجبابر ساجدينا
إن هذا الاتجاه الذهني لا يدرك أهمية الجدل الفكري ويقود إلى متاهات الأوهام ويحجب الرؤية السوية للأنا والآخر ويحول دون خلق تيار مجتمعي يهدف إلى التغير في الأفكار من أجل تفهم إشكاليات الفعل.
عن قورينا ـ 1 مارس 2009 |