|
الصين تدخل إلى حلبة المنافسة بين اوروبا وأميركا في المغرب العربي
رشيد خشانة: بعدما كان المغرب العربي تقليديا ساحة صراع على النفوذ وحلبة منافسة اقتصادية بين أوروبا والولايات المتحدة وروسيا، دخل لاعب جديد من الوزن الثقيل على خط المنافسة هو الصين، التي أصبحت أحد عمالقة العالم اقتصاديا وسياسيا وعسكريا.
ولا تقتصر الظاهرة على المغرب العربي وإنما تشمل كامل القارة الأفريقية إذ تشير إحصاءات أوروبية الى ان حجم التبادل بين الصين وأفريقيا ارتفع من 40 بليون دولار عام 2005 الى 55.5 بليون في 2006، وبلغت قيمة استثمارات المؤسسات الصينية مليار دولار. وأنشأت المجموعات الصينية 480 مؤسسة مشتركة توظف 78 ألف صيني في أفريقيا. وكان لافتا أن رجال الأعمال التونسيين وضعوا الدورة الأخيرة من 'أيام المؤسسة'، التي يُقيمها سنويا 'المعهد العربي لرؤساء المؤسسات' تحت عنوان 'المؤسسة المغاربية وآسيا: التحديات والفرص'. وكان السؤال المحوري خلال الأيام الثلاثة من المناقشات التي شارك فيها 600 مستثمر وصناعي وخبير اقتصادي من البلدان المغاربية وفرنسا وعدة بلدان آسيوية 'هل المؤسسة المغاربية قادرة على تحويل المنافسة مع المؤسسات الآسيوية إلى علاقة تكامل وشراكة؟'.
مخاوف وانتقادات
لكن الزحف الصيني بدأ يثير الانتقادات، ففي الجزائر بدأت وسائل الإعلام تعكس برما من 'الغزو' الصيني ما فرض على الحكومة اتخاذ إجراءات جديدة لضبطه، من بينها إعداد قانون لتنظيم العمالة الصينية التي تُنجز بالخصوص مشروعات ضخمة في قطاع البناء. وفي هذا السياق سيتم ضبط أنشطة العمال الصينيين ومنعهم من العمل خارج الإطار الذي جاؤوا من أجله. ويتهم أصحاب العمل والحكومة الشركات الصينية بعدم احترام بنود العقود التي أمضوها إذ تغتنم غالبية العمال الصينيين أوقات الفراغ للعمل سرا في مصانع أخرى أو نصب موائد لبيع السلع الصينية، وهي التي تشكل أساسا للسوق الموازية. وقدر عدد العمال الصينيين في قطاع البناء والمحروقات والأشغال العمومية بنحو 10 آلاف عامل.
مع ذلك يعتقد خبراء اقتصاديون ورجال أعمال ومسؤولون سياسيون أن الإنتشار الآسيوي اللافت في المنطقة ليس شرا مطلقا ويمكن أن يشكل حافزا على تطوير القدرات التنافسية للمؤسسات المحلية. وفسروا تفاؤلهم هذا بالمزايا التفاضلية التى يمكن للبلدان المغاربية توفيرها بحكم موقعها الاستراتيجي كبوابة نحو إفريقيا وأوروبا، فضلا عن إتقانها للغة وقربها من الاتحاد الأوروبي وما يتيحه ذلك من سرعة فى التسليم.
ورأى رجل الأعمال الليبي محمد حسان بك أن البلدان الآسيوية وخصوصا الصين ستصبح الشريك الأساسي للبلدان المغاربية والأفريقية عموما، مشيرا إلى أن الإستثمارات الصينية في القارة بلغت 400 مليار دولار في ميادين مختلفة من البنية الأساسية إلى الطاقة والزراعة. وتوقع في تصريح لـ أن الشراكة مع الصين ستكون ناجحة لأنها (أي الصين) تستفيد من التعاون مع أوروبا وأمريكا لتحسين مستوى منتوجاتها التي يعتقد الجميع أنها تنقصها الجودة. واكد ان الميزات التاريخية المتشابهة بين الصين والمغرب العربي مثل عراقة الحضارة واحترام الديانات ستساعد على إنجاح الشراكة بين الجانبين.
وشاطره الرأي رجل الأعمال المغربي رامي بوشايب رئيس نادي المستثمرين المغاربة في الخارج الذي شدد في تصريح لـ على ان الوقت حان لتكريس آلية الشراكة مع البلدان الآسيوية مضيفا أن الرئيس الفرنسي سبق الأحداث في بداية عهده وتوجه إلى الصين كي يتقرب من الآسيويين. وأكد ان الشراكة هي الطريق التي ستتيح تشغيل العاطلين ودفع التنمية في المغرب العربي.
لكن على خلاف رجال الأعمال الذين نفوا قدرة البلدان المغاربية على منافسة الآسيويين في الأسواق الأوروبية رأى مدير غرفة التجارة في الجزائر عمر صالح رادي أن المغاربيين قادرون على خوض المنافسة 'لأن الظروف التي أدت إلى نجاح التجربة الآسيوية متوافرة الآن في المغرب العربي، بل هي أفضل هنا مما كانت هناك' كما قال. وأشار إلى وجود الثروات الطبيعية وخاصة مصادر الطاقة بالإضافة لعنصر الوحدة الثقافية واللغوية الذي يميز سكان المنطقة. إلا أنه شدد على ضرورة التكافؤ في الشراكة مع آسيا 'كي ينتفع الجميع على عكس الشراكة مع الإتحاد الأوروبي التي ظلت في خدمة المصالح الأوروبية في الدرجة الأولى' على حد قوله.
موقع أفضل للمغرب العربي؟
ودعا المستثمران الى ضرورة تقارب مغاربي آسيوي لإقامة مشاريع مشتركة بين المؤسسات المغاربية ونظيراتها الآسيوية بهدف التمكن من اقتحام السوق الأوروبية والتموقع فيها، لا سيما أن هذه المؤسسات قادرة على الاتفاق فيما بينها بشان كلفة اليد العاملة. وفى مقارنة لمناخ الأعمال بين البلدان الآسيوية و المغاربية أكد وليام ماكو كبير الاقتصاديين لمنطقة شرق آسيا فى البنك العالمى أن القرب من أوروبا بالنسبة للبلدان المغاربية مكن من النهوض بمناخ الأعمال فى هذه البلدان التى يعوقها صغر حجم مؤسساتها مقارنة بالمؤسسات الآسيوية التى تتميز بإدارة أعمال رشيدة.
واعتبر جون شيانغ وهو مصرفى وجامعى صيني وخبير فى المؤسسات متعددة الجنسيات أن المنافسة ليست الكلمة المناسبة للمقارنة بين الاقتصادات المغاربية والآسيوية ولا سيما مع الصين مشيرا الى ضرورة استبعاد فكرة منافسة الصين. وبين أن الحل الأسلم بالنسبة للاقتصادات صغيرة الحجم هو 'البحث عن تلبية حاجات الصين' واستغلالها كفرص للتبادل والشراكة، مشيرا بالخصوص الى قطاع الزراعة فى بلد يفتقر يوما بعد يوم الى الأراضي الزراعية والمواد الأولية. لكن هذه الأماني الجميلة لم توقف المد التجاري والإستثماري الصيني في المنطقة، ومن تجلياته الدور المتزايد لـ'المجموعة الوطنية الصينية للنفط' (China National Petroleum Corp's (CNPC) ) في مد أنابيب نقل الغاز في ليبيا ودور مجموعات صينية أخرى في قطاع البناء والأشغال العامة في الجزائر...
ويُرجح خبراء اقتصاديون أن الصين تركز على البلدان المنتجة للنفط والغاز لكي تؤمن في المستقبل حاجات اقتصادها الذي يمر بفورة تحتاج إلى الكثير من المواد الأولية وبأحجام تتجاوز الإحتياطات المتوافرة في البلد رغم شساعته. غير أن الزحف الآسيوي على المغرب العربي لايقتصر على الصين وإن احتلت موقعا محوريا لأسباب موضوعية، وإنما يشمل النمور الآسيوية بشكل عام. فالكوريون والهنود واليابانيون وسواهم من الآسيويين غمروا المنطقة باستثماراتهم وشركاتهم العملاقة. ولوحظ أن السيارات والرافعات والهواتف الجوالة والمعدات الكورية استأثرت بنصيب وافر في الأسواق المغاربية على حساب مثيلاتها الأوروبية. في هذا السياق يعتبر الخبراء الاستراتيجيون أن استعادة روح التحالف بين الصين والهند، الذي لاحت بوادره قبل سنة بتوقيع اتفاق الشراكة الاستراتيجية الصينية – الهندية، يُعد بمثابة إطار لتحالف – مواجهة يستهدف الولايات المتحدة، وهو أبعد من قيام تعاون صناعي تجاري عسكري مشترك، الأمر الذي يثير قلق الولايات المتحدة وحلفائها. واستمراراً للحرب الباردة غير المعلنة بين الدولتين، أعلنت الصين زيادة موازنتها العسكرية بنسبة قياسية بلغت 17.8 في المئة لعام 2007، لتصبح حوالى 45 بليون دولار، إذ صادقت الجمعية الوطنية الشعبية على الموازنة الجديدة خلال دورتها السنوية الأخيرة. وأوضح المتحدث باسم الجمعية (البرلمان) جيانغ انتشو ان الصين زادت تدريجياً نفقاتها العسكرية، التي تمثل هذه السنة 7.5 في المئة من إجمالي الإنفاق في مقابل 7.4 في السنة الماضية. ولكن هذا التطور يدل على أن التمدد الإقتصادي الصيني في المغرب العربي، وأفريقيا عموما، يمكن أن يتطور إلى تمدد عسكري في يوم من الأيام.
القدس ـ 7 يونيو 2009 |