|
رجل في خنادق الحق
بقلم: محمود البوسيفي
اسمه (كرميني يوريو جوسيبي) (Giuseppe Carmini Jorio) ولد في نابولي في العام 1883 وشهدت طفولته حزمة من الأحداث المثيرة دفعت كاهن كنيسة بلدته للقول وهو يحدق في عينيه :
(كرميني.. أنت طفل مبارك وسوف يكون لك شأن عظيم.. وأنا على ثقة بأن مستقبلك سيكون حافلاً بالانحياز للحق)..
ما يدعو للدهشة أن الطفل امتنع بعد ذلك عن الذهاب إلى قداس الأحد رغم إلحاح والدته.. وكان يتجنب الدخول في مناوشات أقرانه وصراعاتهم الصغيرة.
في خريف العام 1901 أُجبر كرميني على ترك مقاعد الدراسة والانخراط في سلك الجندية، حيث تخصص في صيانة الأسلحة وإصلاح أعطابها وتطوير أداء بعض أنواعها الخفيفة كالبنادق والمسدسات.. وعندما بدأ الجنود الطليان في الصعود للبوارج والسفن الحربية في مطلع أكتوبر/ التمور 1911 لغزو ليبيا واحتلاها كان الشاب كرميني الذي أصبح يعلق على ساعده أشرطة (العريف) على متن السفينة الحربية سان ماركو (San marco) التي توجهت إلى سواحل مدينة درنة ترافقها سفن بيسا (pisa) وأمالفي (Amalfe) ونابولي (Napoli) واغوردات AGordat وكواتت (KWATET) إضافة إلى ثلاث مدمرات..
في الخامس عشر من أكتوبر ظهرت سفن الأسطول الحربي الإيطالي على أفق شواطئ درنة، وشرعت بعد مفاوضات قصيرة في قصف المدينة الباسلة، في الخامس والعشرين من الشهر نفسه وصل اللواء الثاني والعشرون مشاة لإسناد الأسطول.. وفي 30 من نوفمبر/ الحرث 1911 تم احتلال المدينة بعد معارك ضارية.. أدرك كرميني وهو يخوضها أن الأمر لم يكن كما قيل له ولرفاقه وهم يشحنون للقتال.. لم يكن الأمر نزهة.. ولم يكن العرب جبناء. يروى عن سكان المدينة أن العريف كرميني جوسيبي كان مختلفاً عن جنود فرقته وحرص وهو ينسج علاقاته مع الأهالي على تعلم اللغة العربية التي نجح في الحصول على كم وافر من مفرداتها مكّنه من التحادث بها بلكنة لم تثر سخرية السامعين بقدر ما أثارت تشجيعهم ومساعدتهم. كان الرجل يضمر شيئاً.. كان واضحاً أنه يخطط لشيء..
وسرعان ما باح لأحد معارفه من الليبيين برغبته في تعلم قراءة القرآن الكريم، وهو ما حدث خفية في سويعات ينتزعها من واجباته العسكرية التي أخذت بالتصاعد مع ارتفاع مؤشر الاستعداد الاستعماري لشن حرب إبادة ضد المجاهدين.. في شتاء 1915 وتحديداً في 12 من يناير/ أي النار جرت معركة وادي المقاطع بمنطقة مرتوبة قرب درنة، حيث أظهر الجنود الطليان وحشية شرسة وعدوانية حاقدة لم تستثن الأطفال الرضع والكهول والعجائز والدواب.. كانت المعركة التي تابعها العريف كرميني من موقعه الخلفي مفصلاً في مخططه.. كانت الأسئلة التي طرحها على نفسه تحمل إجاباتها النموذجية، خاصة حول الضحية والجلاد والأسباب والدواعي التي دفعت إيطاليا إلى قتل الليبيين وطردهم من أرضهم، وعن تكافؤ القوة والاعتبارات الأخلاقية الخ الخ..
كان الرجل قد حسم أمره، وفي بداية 1916 كان قد تمكن من إحراز تقدم ملحوظ في قراءة القرآن الكريم، تسلل من حامية درنة صوب شعاب وكهوف الجبل الأخضر حيث سلم نفسه للمجاهدين الذين نقلوه فوراً إلى قيادة المجاهدين في المنطقة، حيث استقبله المجاهد الكبير الفضيل بو عمر، الذي أشهر أمامه إسلامه واختار له اسم يوسف المسلماني، وأعلن انحيازه بالكامل إلى خنادق المقاومة الجسورة.. تولى مباشرة صيانة الأسلحة المعطوبة التي كانت بحوزة المجاهدين في تلك المنطقة قبل أن يعلن رغبته في تأكيد انحيازه إلى خنادق الحق بالاشتراك في القتال وخوض المعارك هذه المرة من موقع مختلف.. موقع ينسجم وإدراكه لدلالة الحق والباطل..
يستفاد من الوثائق أن المجاهد يوسف المسلماني شارك في الكثير من المعارك ومن أشهرها التي أظهر فيها شجاعة كبيرة وأداءً مرتفعاً معركة بير بلال ومعركة مرسى البريقة ومعركة سلوق ومعركة عرق الجلب ومعركة عكرمة.
تدرج المجاهد الكبير في مواقع قيادية ونفذ مهام وعمليات قيادية ببسالة جعلت شيخ المجاهدين والشهداء عمر المختار يرقيه إلى رتبة ملازم. كان قد أصبح من أصدقاء المجاهد الفضيل بو عمر المقربين، وقام بو عمر بترتيب زواجه من سيدة فاضلة من قبيلة المجابرة بالكفرة تدعى تبرة موسى المجبري الشهير بلقب (موسى بعرو) وأنجب منها ولداً وبنتاً.
كان قد أفلح في تعليم مجموعة من المجاهدين كيفية صيانة وإصلاح الأسلحة الخفيفة لكي يتفرغ للمعارك التي لم تتوقف ضد الغزاة.. وكانت المهام التي يكلف بها تتطلب التحرك بين المناطق دون الاستقرار في مكان واحد.
وفي العام 1928 وبواسطة وشاية رخيصة من أحد الخونة المتعاونين مع العدو ألقت القوات الإيطالية القبض على المجاهد يوسف المسلماني في جالو. حاول الغزاة في قيادة المنطقة أياماً إغراءه بالعودة إلى الديانة المسيحية والإرشاد عن مواقع المجاهدين حتى يُخفف عنه الحكم.. لم يفلح الإغراء.. لم يفلح التهديد.. وحين صدر الحكم بالإعدام طلب الرجل كتابة وصيته لأخيه، أكد له فيها أنه مسلم وأنه يرغب في أن يبقى أهل بيته في ليبيا.
صلى ركعتين ووقف في أصفاده رابط الجأش مرفوع الرأس وعلى شفتيه ابتسامة اطمئنان ورضى.. ونطق بصوت مسموع بالشهادتين ورحل إلى حيث مثوى غير المغضوب عليهم ولا الضالين.
إن هذه القصة من تاريخنا الوطني الذي يكتظ بذخائر الطهارة وعبق الجنة التي وعد بها الرحمن شهداء الحق.. جديرة بالانتقال من صفحات الكتب ومتون الدفاتر والملفات إلى وسائل أخرى أكثر انتشاراً.. وهذه دعوة للذين يفكرون في صناعة السينما في بلادنا ولكتاب السيناريو تحويل مثل هذه القصص إلى أفلام ومسلسلات.
المجد للشهداء.. المجد للحق وخنادقه إلى يوم الدين
أويا ـ 18 يونيو 2009 |