English Articles
 

الرئيسة arrow فكرية arrow قضايا فكرية arrow العولمة.. وسيادة الدولة الوطنية
PDF Print E-mail
قضايا أساسية - قضايا فكرية
Written by محمد زاهي بشير المغيربي   
Jul 17, 2025 at 01:04 AM

العولمة.. وسيادة الدولة الوطنية

محمد زاهي بشير المغيربي:  أثارت العولمة، فيما أثارت، جدلا أكاديميا عميقا وحاداً حول مضامين العولمة وآثارها على نظام وستفاليا الذي تأسست عليه العلاقات الدولية منذ أكثر من 350 عاما، والذي أصبحت فيه الدولة الوطنية (القومية) الحديثة محور وأساس التفاعلات الدولية. وبرزت في هذا الإطار مدرستان فكريتان متمايزتان اختلفت تقييماتها لمضامين وآثار العولمة على الدولة الوطنية وسيادتها ودورها وأهميتها في العلاقات الدولية المعاصرة.

   

ترى المدرسة الفكرية الأولى، التي يعبر عنها، أساساً، الليبراليون الجدد "Neo-Liberals"? أن من أهم نتائج وآثار العولمة هو التقليل من أهمية ومركزية الدولة الوطنية في التفاعلات الدولية، إلى جانب الحد من سيادتها واستقلاليتها وحرية حركتها.  أما المدرسة الفكرية الثانية، التي يعبر عنها الواقعيون الجدد "Neo-Realists"? فترى أن الدولة الوطنية ما تزال هي محور العلاقات الدولية المعاصرة وأن العولمة لا تمثل ظاهرة أو عملية جديدة لم يكن لها سابق أو مثيل. إلى جانب هاتين المدرستين، برز في أدبيات العولمة تيار حاول أن يقدم تقييما موضوعيا لآراء هاتين المدرستين، وأن يضع منظوراً جديدا لفهم العولمة وآثارها على سيادة الدولة الوطنية. يرفض المتشككون من الواقعيين الجدد افتراض أن العولمة تنبئ ببروز نظام عالمي جديد أقل تمركزاً حول الدولة. فبدلا من اعتبار أن الحكومات الوطنية أصبحت عاجزة ومقيدة بالحقائق والضرورات الدولية، فإنهم يشيرون إلى تزايد مركزيتها في تنظيم وضبط وتشجيع النشاط الاقتصادي عبر الحدود.

 

فالحكومات والدول الوطنية ليست ضحايا سلبية للعولمة، ولكن على العكس من ذلك، فإنها تعتبر المهندس والمشيد الأساسي لها. وفي الواقع، فإن البعض يعتبر العولمة نتاجاً فرعيا للنظام الاقتصادي المتعدد الأطراف الذي جاءت مبادراته الأولى من الولايات المتحدة الأميركية في أعقاب الحرب العالمية الثانية، مما أدى إلى توليد الدافع لتحرير الاقتصاديات الوطنية. (Gilpin,1987). ومن منظور مختلف تماما، يفسر البعض الآخر الكثافة الحالية في التجارة العالمية والاستثمار الأجنبي على أنها طور جديد للإمبيرالية الغربية أصبحت فيه الحكومات الوطنية أدوات لرأس المال الاحتكاري. Callinicos . et.al.1994.

 

رغم أن المتشككين ينطلقون من منظورات مختلفة، فإن هناك تلاقيا في وجهات النظر حول أن العولمة، مهما كانت القوى الدافعة لها، لم تؤد إلى تخفيف درجة عدم المساواة بين الشمال والجنوب، بل على العكس من ذلك، فإنها كانت مصحوبة بتهميش اقتصادي متنامي للعديد من البلدان النامية نظراً لكثافة تدفقات التجارة والاستثمار داخل الشمال الغني مع استبعاد معظم بقية العالم. Hirst and Thompson, 1996 بالإضافة إلى ذلك، فإن الواقعيين الجدد يسعون لتحطيم خرافة وأسطورة "الشركة العالمية" Global Corporation? مسلطين الضوء على حقيقة أن تدفقات الاستثمار الأجنبي مركزة بين الدول الرأسمالية المتقدمة، وأن معظم الشركات العابرة للقومية تظل أساسا مخلوقات لدولها أو أقاليمها. بناء عليه، فإن وجهة النظر الواقعية الجديدة ترفض بصفة عامة فكرة أن العولمة تؤدي إلى إعادة هيكلة عميقة ومهمة للعلاقات الاقتصادية العالمية ، بل إنهم يؤكدون على أنماط عدم المساواة والهيراركية المتجذرة في الاقتصاد العالمي الذي لم يتغير بنيويا إلا بصورة ضئيلة خلال المائة سنة الماضية. Held et.al., 1999,P.6.

 

بالنسبة للعديد من المتشككين، فإن أنماط عدم المساواة تساهم في بروز وإحياء كل من الأصولية والقومية، فبدلا من بروز حضارة عالمية كما يتنبأ أنصار العولمة المتطرفون، فإن العالم يتفتت إلى كتل حضارية وجماعات ثقافية وإثنية. وهكذا ، فإن فكرة التجانس الثقافي والثقافة العالمية هي مجرد خرافات أخرى بالنسبة للمتشككين،هذا إلى جانب أن تعميق عدم المساواة العالمية وحقائق السياسة الدولية و " صدام الحضارات " تكشف الطبيعة الوهمية والخادعة لفكرة " الحكم العالمي ". (Huntington,1996) من ناحية أخرى، فإنهم يرون أن إدارة النظام العالمي تظل، مثلما كانت منذ القرن التاسع عشر، تحت هيمنة وسيطرة الدول الغربية، ويصورون الحكم العالمي والعولمة الاقتصادية على أنها أساسا مشاريع غربية، وهدفها الأساسي هو المحافظة على هيمنة الغرب في الشؤون الدولية.  Held et . al.1999,P.6.

 

بصفة عامة، يمكن تلخيص حجج المدرسة الواقعية الجديدة حول العولمة ومضامينها وتأثيرها على الدولة في النقاط التالية: Burchill , 2001B, PP.95-97 .

 

أولا : يتشكك الواقعيون الجدد في المدى الذي أصبحت فيه العولمة الاقتصادية ظاهرة عالمية حقيقية. ويشيرون إلى أفريقيا وأميركا اللاتينية والشرق الأوسط باعتبارها أقاليم مهمة من العالم لم تلمسها قوى العولمة بدرجة كبيرة. فالعولمة تظل، وبصفة عامة، تجربة وخبرة غربية.

 

ثانيا : إذا تم قياس التجارة أو تدفقات رأس المال كنسبة من الناتج القومي الإجمالي، فإن مستوى الاعتماد الاقتصادي المتبادل في العالم عام 1999 يساوى تقريبا مستوى عام 1910. لذلك، فإن الواقعيين الجدد غير مقتنعين بمزاعم الليبراليين الجدد حول المستويات غير المسبوقة للاعتماد الاقتصادي المتبادل في العالم المعاصر. إلا أنهم يسلمون بأن الأسواق المالية على وجه التحديد قد تمت عولمتها فعلاً نتيجة لسياسات الرئيس الأميركي نيكسون في السبعينيات ونتيجة للتقدم في تقنية المعلومات، مما أدى إلى فقدان الدولة لبعض استقلاليتها في هذا المجال . مع ذلك ، فإنهم يشيرون أيضا إلى أن الأسواق المالية عام 1900 كانت مندمجة بنفس درجة اندماجها الحالية، كما أن تدفقات رأس المال في القرن التاسع عشر، كنسبة من الإنتاج الاقتصادي العالمي، كانت أكبر بكثير من المستويات الحالية.

 

ثالثا : رداً على الادعاء الليبرالي بأن نموذج السوق فقط هو الذي ينتج مستويات مستمرة ومستديمة من الرخاء، فإن الواقعيين يشيرون إلى أنه في الثلاثينيات والخمسينيات كانت معدلات النمو في الاتحاد السوفيتي من أعلى المعدلات في العالم، كذلك كان الحال في اليابان في السبعينيات والثمانينيات عندما كانت تطبق نموذج الميركنتالية الكوربورتارية. فتاريخيا، لم يكن نموذج السوق، أو ما يسمى " وفاق واشنطن Washington Consensus" هو الطريق الوحيد للتحديث الاقتصادي أو النمو الناجح.

 

رابعا : كذلك من الصعب تبرير عداء الليبرالية الجديدة للدولة. فلقد نسى الليبراليون أو تجاهلوا حقيقة أن الدولة تؤدي وظائف سياسية واجتماعية واقتصادية جوهرية، ولا تنافسها منظمة أخرى في هذه المجالات. فالدولة لا يوجد لها منافس جدي كشكل مفضل من أشكال المجتمع السياسي، وهي تحتفظ بالعديد من السلطات المهمة ، رغم العولمة، بما في ذلك السيطرة الاحتكارية على أسلحة الحرب واستعمالها الشرعي، والحق الوحيد لفرض الضرائب على مواطنيها. والدولة الوطنية هي الوحيدة التي تستطيع أن تطالب مواطنيها بالولاء السياسي وتحكم في المنازعات التي تنشب بينهم.

 

خامسا : إن النشاط الاقتصادي ليس عالميا بالدرجة التي يعتقدها بعض الليبراليين. فالاقتصاديات الأكبر ما تزال مستمرة في تسيير معظم أعمالها داخل أسواقها المحلية، فعلى سبيل المثال فإن 90% من مخرجات الاقتصاد الأميركي هي سلع وخدمات موجهة للسوق المحلية وليس للأسواق الخارجية. وإذا ما تم تقييم والحكم على الشركات العابرة للقومية في إطار الموقع الرئيسي لأصولها وإدارتها وملكيتها ومقراتها الرئيسة وتمويل أبحاث التطوير، فإن هذه الشركات ليست عالمية بالدرجة التي يعتقدها البعض. فعلى الرغم من التصور والانطباع السائد عنها، فإنها تظل، وبصفة عامة، متمركزة في أوطانها.

 

سادسا : كما هو متوقع، فإن الواقعيين الجدد يعتبرون القوة العسكرية للدول أكثر أهمية من العولمة الاقتصادية، في تحديد والتحكم في السياسة الدولية. فالأحداث الأكثر أهمية في السياسة الدولية يمكن تفسيرها بالاختلافات في قدرات الدول وليس بالقوى الاقتصادية العاملة عبر الدول أو التي تتجاوزها. فالمستويات العالمية من الاعتماد الاقتصادي المتبادل في بدايات القرن العشرين فشلت في منع الحرب العالمية الأولى. كذلك لم يوقف الاندماج الاقتصادي تفكك يوغسلافيا والاتحاد السوفيتي في نهاية القرن. فعندما يتعلق الأمر بمنع الصراع، فإن الواقعيين الجدد لا يساورهم شك في أن الأسلحة النووية أكثر فعالية من المصالح الاقتصادية المشتركة. فالتوزيع غير المتساوي للقدرات ما يزال هو الإطار الأساسي لفهم السياسة الدولية. 3 الرأي الثالث – العولمة عملية تحول يتصدر أطروحة أنصار التحول الاعتقاد بأن العولمة، ومع بزوغ فجر الألفية الجديدة، تمثل قوة دفع مركزية للتغيرات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية المتسارعة التي تعمل على إعادة تشكيل المجتمعات الحديثة والنظام العالمي. وفقا لهذا المنظور، فإن العملية المعاصرة للعولمة غير مسبوقة تاريخيا بالدرجة التي فرضت على الحكومات والمجتمعات في جميع أنحاء العالم ضرورة التكيف مع عالم لم يعد فيه هناك تمييز واضح بين الشؤون الدولية والمحلية، والخارجية والداخلية.Giddens,1990,Rosenau,1990 ويرى روزونو أن تنامي تداخل الشؤون الدولية والمحلية، أو ما يسميه Intermestic? يضع " حدوداً جديدة"، اتسع بها الفضاء السياسي والاقتصادي والاجتماعي الذي يتقرر فيه مصير المجتمعات. وفي هذا الإطار، فإن العولمة يتم تصورها على أنها قوة تحول فعالة أدت إلى التأثير على المجتمعات والاقتصاديات ومؤسسات الحكم والنظام العالمي تأثيراً عميقا وضخما. (Held et .al. 1999.P.7. مع ذلك فإن أنصار منظور التحول يعتقدون أن اتجاه هذه التأثيرات غير مؤكد وذلك نظراً لأن العولمة هي أساسا عملية تاريخية مليئة بالتناقضات، وهذا يعنى أن هذا المنظور يطرح تصوراً ديناميا ومفتوحا حول الوجهة التي قد تؤدي العولمة إليها وحول نوع النظام العالمي الذي قد تشير إليه.

 

مقارنة بأطروحات المتشككين وأنصار العولمة، فإن منظري منظور التحول لا يزعمون أي شيء فيما يتعلق بالاتجاه المستقبلي للعولمة؛ ولا يسعون إلى تقييم الحاضر في ضوء " عالم معولم " وحيد وثابت ومثالي، سواء كان سوقا عالميا أو حضارة عالمية. بدلا من ذلك، فإنهم يعتبرون العولمة عملية تاريخية طويلة المدى مليئة بالتناقضات وتتشكل غالبا بعوامل ظرفية (Mann,1997).  إلا أن هذا الحذر وعدم التيقن حول مستقبل العولمة كان مصحوبا بقناعة بأن الأنماط المعاصرة للتدفقات الاقتصادية والعسكرية والتقنية والإيكولوجية والسياسية والثقافية هي أنماط غير مسبوقة تاريخيا. وكما أشار البعض فإن " كل بلدان العالم تقريبا، إن لم يكن كل جزء من أراضيها وكل قطاع من مجتمعاتها، هي الآن، وظيفيا ، جزء من نظام عالمي أكبر من جانب أو أكثر ".

(Nierop, 1994, P.171) إن وجود نظام عالمي وحيد ليس دليلا على التلاقي أو التوحد العالمي Global Convergence أو على تحقيق مجتمع عالمي واحد. على العكس من ذلك، فإن منظور التحول يرى أن العولمة مرتبطة بأنماط جديدة من التقسيمات والتصنيفات أصبحت فيها بعض الدول والمجتمعات مندمجة بصورة متزايدة في النظام العالمي، بينما صارت دول ومجتمعات أخرى مهمشة بصورة متزايدة أيضا، وأن ترتيبات جديدة لعلاقات القوة العالمية قد بدأت في التشكل مع بروز تقسيم دولي جديد للعمل لدرجة أن "الهرم المألوف لهيراركية المركز والهامش لم يعد تقسيما جغرافيا، ولكنه تقسيم اجتماعي للاقتصاد العالمي ". إن استمرار الحديث عن الشمال والجنوب، أو العالم الأول والعالم الثالث، يعني تجاهل وإغفال الطرق التي عملت بها العولمة على إعادة صياغة الأنماط التقليدية من الضم Inclusionوالاستبعاد Exclusion بين البلدان عن طريق صياغة وتشكيل هيراركيات جديدة تغلغلت في جميع مجتمعات وأقاليم العالم. فبدلا من النموذج الهرمي التقليدي للبنية الاجتماعية العالمية، فإنه يمكن تصور هذه البنية على أنها تتكون من ثلاث دوائر ذات مركز واحد تتقاطع مع الحدود الوطنية وتمثل كل من النخب والقانعين والمهمشين على التوالي. Hoogvelt , 1997,P.xii.

 

إن إعادة صياغة وأنماط التقسيم والتصنيف الدولي يتم ربطها باكتساب الإنتاج والتمويل بعدا عالميا وعبر قومي متزايد. من ناحية أخرى، يرى البعض الآخر أن الاقتصاديات الوطنية يعاد تنظيمها عن طريق عمليات العولمة الاقتصادية ، بحيث لم يعد الفضاء الاقتصادي الوطني يتطابق مع الحدود الإقليمية الوطنية. ففي هذا الاقتصاد المعولم، تنسج نظم الإنتاج والتبادل والتمويل عبر القومي حظوظ ومصائر المجتمعات والبيوت في قارات مختلفة ضمن نسيج متشابك واحد (Held.et . al., 1999. P.8). تتمركز وجهة نظر أنصار التحول حول الاعتقاد بأن العولمة المعاصرة تعمل على إعادة تأسيس أو "إعادة هندسة " سلطة ووظائف الحكومة الوطنية – وفي الوقت الذي لا يختلفون فيه مع الرأي الذي يرى أن الدول ما تزال تحتفظ بالسلطة القانونية النهائية المتعلقة بالسيادة الفعالة تجاه ما يجرى داخل أراضيها، فإن أنصار التحول يجادلون بأن ذلك موجود جنبا إلى جنب، وبدرجات متفاوتة، مع اتساع نطاق سلطة مؤسسات الحكم الدولية، ومع القيود والالتزامات المشتقة من القانون الدولي. ويتضح ذلك على وجه الخصوص في الاتحاد الأوربي، حيث تنقسم السلطة السيادية بين سلطات دولية ووطنية ومحلية، كما أنها واضحة أيضا في عمليات منظمة التجارة العالمية. مع ذلك، وحتى عندما يبدو أن السيادة لم تمس أو تنتقص، فإن الدول لم تعد لها السيطرة المطلقة والوحيدة على ما يحدث داخل حدودها الإقليمية. فالنظم العالمية المتشابكة، من المالي إلى الإيكولوجي، تربط مصير المجتمعات في أحد الأماكن بمصير مجتمعات في أقاليم بعيدة من العالم. بالإضافة إلى ذلك، فإن البني التحتية العالمية للاتصالات والمواصلات تدعم أشكالاً جديدة من التنظيم الاقتصادي والاجتماعي تتجاوز وتتعدى الحدود الوطنية. فمواقع القوة والخاضعون للقوة قد تفصل بينهم، حرفيا، المحيطات والبحار. في مثل هذه الظروف، فإن الفكرة العامة حول الدولة الوطنية بأنها وحدة حكم ذاتي مستقلة تبدو كنظرة معيارية أكثر من كونها عبارة وصفية لواقع فعلي. إن المؤسسة الحديثة للحكم السيادي المحدد إقليميا تبدو إلى حد ما وضعا شاذا موجودا بجوار التنظيم عبر القومي لجوانب عدة من الحياة الاقتصادية والاجتماعية المعاصرة. وفقا لهذا الطرح، فإن العولمة ترتبط بتحول أو تفكيك العلاقة بين السيادة والإقليم الأرضي وسلطة الدولة. McGrew,1997, PP.9-14.

 

في الواقع أن عدداً قليلاً جداً من الدول مارست بالفعل سيادة كاملة أو مطلقة داخل حدودها الإقليمية، كما يتضح من ممارسة الحصانة الدبلوماسية. وبالفعل، فإن ممارسات الدولة السيادية، بعكس فكرة السيادة، تم تكييفها دائما مع الحقائق والوقائع التاريخية المتغيرة. ومن خلال حججهم بأن العولمة تعمل على تحويل وإعادة تكوين قوة وسلطة الحكومات الوطنية، فإن أنصار فكرة التحول يرفضون كلا من خطاب أنصار العولمة المتطرفين حول نهاية سيادة الدولة الوطنية وادعاءات المتشككين بأنه لم يتغير شيء كثير. بدلا من ذلك، فإنهم يؤكدون على أن " نظام سيادة " جديد يحل محل التصورات التقليدية حول الدولة باعتبارها شكلا من السلطة العامة المطلقة غير المجزأة والحصرية على إقليم أرضى محدد المعالم. على هذا الأساس، فإنه من الأفضل فهم السيادة في هذه الأيام، ليس باعتبارها حاجزاً محدداً بالإقليم الأرضي، ولكن من خلال اعتبارها متغيرا ضمن عملية سياسية تتميز بشبكات عبر قومية متشابكة. Held.et.al., 1999,P.9.

 

إن هذا لا يعنى القول إن الحدود الإقليمية لم يعد لها أية أهمية سياسية أو عسكرية أو رمزية، ولكنه يعنى الإقرار بأنها أصبحت، وباعتبارها المحدد المكاني الأساسي للحياة الحديثة، تمثل إشكالية في فترة تتميز بالعولمة المكثفة. بالتالي، فإن السيادة وسلطة وقوة الدولة والإقليم الأرضي توجد الآن وسط علاقات معقدة ومتشابكة عما كانت عليه أثناء حقبة تكوين وتشكيل الدولة الوطنية الحديثة. بالفعل، فإن وجهة نظر أنصار التحول هي أن العولمة لا ترتبط مع " نظام سيادة " جديد فحسب، ولكنها ترتبط أيضا ببروز أشكال جديدة قوية وغير مرتبطة بالإقليم الأرضي من التنظيم الاقتصادي والسياسي في المجال العالمي، مثل الشركات العابرة للقومية والحركات الاجتماعية عبر القومية والوكالات التنظيمية والضبطية الدولية ..الخ.

بهذا المعنى، فلم يعد بالإمكان تصوير النظام العالمي على أنه متمركز حول الدولة أو حتى أنه محكوم بالدولة، نظراً لأن السلطة أصبحت منتشرة بصورة متزايدة بين وكالات عامة وخاصة على المستويات المحلية والقومية والإقليمية والعالمية بحيث لم تعد الدولة الوطنية المركز الوحيد أو الشكل الرئيسي للحكم أو السلطة في العالم. (عبدالخالق عبدالله، 2002? صفحات 34-35). هكذا، ونظراً للنظام العالمي المتغير، فإن أشكال ووظائف الدولة يتم تشكيلها وإعادة صياغتها للتعامل مع حقائق العالم المعولم، عن طريق وضع استراتيجيات ووضع تنظيمات وضوابط دولية من أجل الإدارة الفعالة لعدد متنامي من القضايا عبر الحدودية التي تبرز بصورة منتظمة ضمن الأجندة الوطنية. فالواقع أن العولمة لم تؤد إلى " نهاية الدولة" ولكنها شجعت على تطوير سلسلة من استراتيجيات التكيف. وفي بعض الجوانب، أصبحت الدولة أكثر تدخلا ونشاطا. تأسيسا على ذلك، فإن قوة وسلطة الحكومات الوطنية لم تتقلص، بالضرورة، بسبب العولمة. ولكن على العكس من ذلك، فإنها تتعرض لإعادة التشكيل وإعادة الهيكلة استجابة لتعقد وتشابك عمليات الحكم في عالم أكثر ارتباطا والتصاقا. Nordhaug , 2002, PP.11-12.

 

إن الخصائص المميزة للعولمة المعاصرة لا تنبئ بانتهاء وانقضاء الدولة الوطنية (القومية) أو حتى تآكل وانحسار قوة وسلطة الدولة. في الواقع، فإن الدولة، وبالذات في المجتمعات الرأسمالية المتقدمة، أصبحت أكثر نشاطا، على الرغم من أن أشكال وأساليب هذا النشاط تختلف عن أشكال وأساليب الفترات السابقة. مثلما أن الأشكال التاريخية السابقة للعولمة كانت مرتبطة بأنواع معينة من تكوين وتحول الدولة، فإن عمليات العولمة المعاصرة هي الأخرى مرتبطة ارتباطا وثيقا بعمليات تحول وإعادة تشكيل قوة وسلطة الدولة الوطنية الحديثة فيما يتعلق بوظائفها ودورها وسلطتها واستقلالها وسيادتها. إن استقلالية وسيادة الدولة لم تختف بسبب عمليات العولمة. في الواقع، إن أي تقدير وتقييم للتأثيرات التراكمية للعولمة يجب أن يقر بطبيعتها التمايزية وتفاوتها. فتأثير العولمة يتحدد بوضع الدولة في الهيراركيات السياسية والعسكرية والاقتصادية العالمية، ببناها الاقتصادية والسياسية المحلية، وبالاستراتيجيات الحكومية لمواجهة وإدارة وتخفيف آثار العولمة. الخلاصة إن التصورات والمفاهيم التقليدية، حول سيادة واستقلالية الدولة تتعرض لإعادة صياغة وتوضيح في إطار العمليات والبنى المتغيرة للنظام الإقليمي والعالمي، بالإضافة، فقد أصبحت الدول مقحمة ومتورطة في مجالات سياسية متنوعة ومتشابكة ومتداخلة. بالتالي يجب التفكير في السيادة الوطنية والاستقلال الوطني باعتبارهما مندمجين ضمن أطر أوسع من الحكم لا يشكلان فيها سوى مجموعة واحدة من المبادئ، ضمن مجموعات أخرى، تؤسس لممارسة السلطة السياسية. إن نظام وستفاليا المتعلق بسيادة واستقلالية الدولة يتعرض لتغيير وتحول مهم. مع ذلك ، فإن ذلك لا يعنى، بأي حال من الأحوال، أن هذا التغير والتحول واضح ومحدد وأن اتجاهه مستقيم ودائم.

 

أويا ـ 16 يوليو 2009

<Previous   Next>

 

الرئيسةوجهات نظرفكريةسياسيةالاصلاححركيةتنمويةدوليةتاريخيةعامةوطنيةمغاربيةمشارقيةعربية دراساتحواراتندواتالبرلمانمختارات كتب ودواوينتقارير ودراسات
 
 

Mambo is Free Software released under the GNU/GPL License.