|
الدستور والمخاض العسير!!
عبيد أحمد الرقيق: من جديد يطفو على السطح موضوع الدستور "الميثاق الاجتماعي" وهناك قول بأنه سوف يعرض على المؤتمرات الشعبية قريبا. ولقد كتبنا في هذا الموضوع سابقا ولا بأس أن نعاود الكتابة مرة أخرى. الدستور مصطلح سياسي واجتماعي يحمل معاني ودلالات تنظيمية تتعلق بأسلوب العيش وطريقة الحكم في الدولة. والدستور بالمفهوم التقليدي عبارة عن الشكل أو الإطار الذي ينظم عملية الحكم بين طرفين (الحاكم والمحكوم) فهو وثيقة يضعها ويعتمدها الحكام ثم تعرض للاستفتاء عليها من الشعب.
وبالرغم من مرور أكثر من مائتي عام على كتابة أول دستور مكتوب وهو الدستور الأمريكي لا تزال مشاركة الشعب في وضع بنود الدستور غائبة.
إن الدستور لا يتناقض في الواقع مع أي نظام للحكم سواء كان ملكيا أو جمهوريا أو جماهيريا ...الخ.. لأنه وثيقة يملكها أصحابها ولهم التصرف في محتواها متى شاءوا.. وان كان العيب في الدساتير التقليدية القائمة الآن أنها من وضع فئة محدودة وهي الفئة الحاكمة إلا أنه إذا تم التصديق عليها من الشعب بصورة نزيهة تكتسب الشرعية.. إن قوة الدستور وتفعيله لا يضمنها أحد سوى الثقافة ومقدار الوعي المتراكم لدى أصحاب القرار. ولذلك يحدث التلاعب والعبث بالدساتير في بعض الدول من قبل الحكام الذين يحاولون تكييفها حسب رغباتهم وأهوائهم. وهنا يقف الشعب موقف المتفرج المتحسر.
إن ما يميز الدساتير على مختلف أشكالها هو وضوح آلية انتقال السلطات فيها وتحديدها بحيث لا يترك فراغا سياسيا في حالة غياب أو اختفاء الحاكم فجأة. قد يقول قائل نحن في ليبيا الشعب هو الحاكم وبالتالي تنتفي هذه الفرضية إذ لا يمكن غياب أو اختفاء الشعب كله!! أتفق مع هذا القول من الناحية النظرية، لكن من الناحية الواقعية الأمر يبدو مختلف تماما. فبالرغم من مرور 33 عاما على إعلان الجماهيرية لا يزال أغلب الليبيين يرون في القائد معمر القذافي، الرئيس والحاكم، وهذه ثقافة سائدة يصعب تغييرها. كما إنني أرى في القائد أيضا صمام الأمان والاستقرار للوضع في ليبيا، التي تتشكل من مجموعة قبائل وتحالفات قديمة تتجدد باستمرار بطرق غير معلنة وفق قواعد المأثور القبلي المتجذرة والتي يعرفها الجميع. ولهذا أتوجس خيفة من عواقب الغياب المفاجئ للقائد لا قدر الله!. وهذا الخوف الذي مبعثه الحرص على سلامة ليبيا الشعب والوطن والقيادة هو الذي يجعلني أعتقد في حتمية وضرورة أن يكون لنا دستورا أو ميثاقا اجتماعيا.
إن أي أسلوب للحكم وكذلك الدستور، لا يمكن له أن يستمر إلا إذا ترسخ ثقافة وسلوكا، بإرادة جماهيرية حرة دون تدخل من أحد، ليصبح عرفا تعارف الناس عليه يتوارثونه جيلا بعد جيل ويوثقونه دستورا ومنهاجا لحياتهم.. حينها يصبح المساس به، مساسا بالعرف والتقاليد، مما يستنهض الجميع للدفاع والذود عنه. أما في ماعدا ذلك فتبقى كل أنظمة الحكم عرضة للتغيير، في أي وقت تحكمها عوامل كثيرة، أبرزها القوة والإرادة في التغيير تحت محفزات اقتصادية أو دينية أو اجتماعية أو كلها مجتمعه. وبناء على ما سبق أشعر إننا الآن أحوج ما نكون إلى إعادة صياغة حياتنا السياسية والاقتصادية والاجتماعية فيما يشكل دستورا جماهيريا تتحدد فيه المسؤوليات والاختصاصات والسلطات, ويوثق فيه كل شيء , من اسم الدولة إلى علمها ونشيدها إلى نظامها الإداري والسياسي. إن في ذلك صونا للحمة الوطنية, وضمانا للاستقرار والأمان . انه من العدل أن تترك للشعب حرية اختيار شكل ونوع النظام السياسي الذي يبنى عليه الدستور سواء كان ذلك جماهيريا أو جمهوريا أو حتى ملكيا!! إن دستورا من صنع الشعب وبموافقته سيكون بالتأكيد أقوى من دساتير أخرى يصنعها الحكام. ولهذا تكون مسؤولية المحافظة عليه وصيانته تضامنية شعبية تستند على مدى تفاعل الشعب ومساهمته الحقيقية في وضع ملامحه وبنوده.
هل سيكون العيد الأربعون موعدا لميلاد أول دستور شعبي من صنع الشعب؟، ذلك ما سيعطي زخما قويا لمسيرة العمل الجماهيري في ليبيا، فالأرضية الممهدة من خلال المؤتمرات الشعبية الأساسية، ستكون بيئة مناسبة لذلك الحدث العظيم. فالدستور الليبي الجماهيري سيكون منفردا من حيث أن واضعيه ليسوا فئة بعينها، بل كل الشعب الليبي، الذي سيناقشه في المؤتمرات الشعبية كمشروع للدستور، لصياغته ومن ثم إقراره والتصديق عليه. ليصبح الدستور الشعبي بمثابة العقد الذي يعقده الناس فيما بينهم.. وهو الميثاق الذي يوثقونه ليكون لهم مرجعية يحتكمون إليها عند الحاجة. فهل سنشهد الميلاد بعد مخاض عسير..وان كانت ولادة قيصرية!! أم أن للإجهاض رأي آخر !!
الوطن الليبية ـ 16 يوليو 2009
|