English Articles
 

الرئيسة arrow وطنية arrow التجربة الليبية arrow الخبر..إعادة هيكلية الدولة
PDF Print E-mail
تجارب سياسية - التجربة الليبية
Written by محمد المدني   
Jul 31, 2025 at 05:20 AM

الخبر..إعادة هيكلية الدولة

د. محمد المدني: طالعتنا بعض المواقع الإلكترونية والصحف المحلية الأيام القليلة الماضية بخبر مفاده أن اللجنة الشعبية العامة قد استعرضت في اجتماعها التاسع عشر لهذا العام، بمدينة بنغازي الإجراءات التنفيذية المتعلقة بما انتهت إليه اللجنة المشكلة لمراجعة مقترح نظام الإدارة المحلية للجماهيرية العظمى (الهيكلية الإدارية)، وقررت اعتماد المقترح مع الملاحظات والتعديلات التي أثيرت في هذا الاجتماع . انتهى الخبر..

 
وعلمنا أيضا بوسائلنا الخاصة أن هذا المقترح قد أعده المجلس الوطنى للتطوير الاقتصادي الذي كان نتاج بعض الخطوات الجريئة والمهمة لبرامج الاصلاح في ليبيا، والذي يعد المؤسسة المتخصصة في التخطيط الإستراتيجي والاستشاري، وذلك من خلال لجنة من الخبراء الليبيين المتميزين الذين تتلمذوا في مدرسة سلطة الشعب
.

 

الخبر كان مقتضبا وخجولا ولم تصاحبه أية تعليقات أو ردود أفعال رسمية رغم أهميته، مما جعله محل شك من قبل العديد من المواطنين حول إمكانية تنفيذه ومدى تحمس المسؤولين لتطبيقه على أرض الواقع، بالرغم من أنه مبعث أمل للكثيرين من الذين يهمهم وضوح الرؤية، والذين يتطلعون إلى اليوم الذي تستقر فيه أركان الإدارة وتثبت مرتكزاتها وتتوقف نهائيا تلك الفوضى المصطنعة.

 

شك المواطن له ما يبرره، ففي كل مرة كنا نسمع ويسمع الذين من حولنا عن محاولة لتنظيم شؤون الدولة على المستوى الوطني والمحلي فتنتعش آمالنا وآمالهم، ولكنها سرعان ما تتلاشى وتعود الأوضاع إلى ما كانت عليه إن لم تكن إلى ما هو أسوأ... ولكن هذه المرة قد تصدق الرؤيا ويؤخذ الخبر على محمل الجد، لأن المحاولة كانت ضمن المبادرات التي انطلقت في إطار برنامج ليبيا الغد بهدف إصلاح بعض شؤون الدولة، والقرار الذي سبق ذكره صدر من قبل أعلى سلطة تنفيذية (اللجنة الشعبية العامة) مما يعطي المبرر للجماهير أن تضغط في هذا الإتجاه لتأكيد تنفيذه.

 

إن إعادة النظر في هيكلية الدولة بشكل عام والإدارة المحلية بشكل خاص بتحديد وحدات الحكم المحلي وتقسيماتها من شعبيات وبلديات وفروع بلديات ومحلات وتحديد سلطاتها التشريعية والتنفيذية وعلاقتها الإدارية بالمستوى الوطني أضحت ضرورية لتحديد اتجاهات الدولة وأهدافها. فلم تعد الدول تمارس أنشطتها أو سلطتها للقيام بشؤونها بشكل إداري مركزي, أي بتركيز السلطة فى عاصمة الدولة، وإنما انتهجت باختلاف انظمتها السياسية أشكالا لامركزية متعددة، من خلال توزيع السلطة التشريعية والتنفيذية والقضائية (أحيانا) على مستوى الأقاليم أو المحليات.

 

اللامركزية عبارة عن أداء إداري للقيام بأنشطة الدولة بواسطة وحدات لا مركزية، يتوفر لها الاستقلال المالي والإداري والتنظيمي، وهي إما أن تكون حكما محليا، أو إدارة محلية، ولكل منهما خصائصه:

ـ فالإدارة المحلية عبارة عن نموذج للامركزية التنظيمية والإدارية في مجال السلطة التنفيذية، وهي نظام يذهب إلى مدى أبعد مما يذهب إليه نظام الفروع الإدارية للأجهزة المركزية، حيث أن هذه الفروع تعد إمتدادا للكيانات التنظيمية المركزية ولا تتمتع بالإستقلال التنظيمي أو الإداري أو المالي عنها.

ـ أما الإدارة المحلية فإنها تعد وضعا تنظيميا يتضمن توزيع السلطات والاختصاصات بين الأجهزة الإدارية المركزية، وبين وحدات مستقلة تعمل على المستوى المحلي.

 

وبمقتضى هذا النمط من اللامركزية، فإن الدولة تقسم إلى أقاليم محددة تقوم على إدارة كل منها أجهزة مستقلة عن السلطة التنفيذية المركزية في نطاق رقعتها الجغرافية وفى حدود ما يخوّل لها من سلطات وصلاحيات، وترتبط هذه الأجهزة بالسلطة التنفيذية المركزية بما يكفل الوحدة السياسية والأمنية والإدارية للدولة. ويتضح من ذلك أن السلطة التنفيذية فقط هي التي يتم توزيعها بين الأجهزة المركزية في (العاصمة) والأجهزة اللامركزية في المحليات، ولذلك يطلق على هذا النوع من اللامركزية الإدارة المحلية.

 

أما الحكم المحلي فإنه نظام يتم بمقتضاه توزيع سلطات الدولة التشريعية والتنفيذية والقضائية بين الأجهزة المركزية وبين الأقاليم أو المناطق. ويقوم نظام الحكم المحلي باعتباره أسلوبا لممارسة الحكم ذاتيا من خلال مشاركة المواطنين في المحليات في تسيير أجهزة محلية تتمتع بقدر كبير من الإستقلال الذاتي، على ثلاثة أركان هي:

1ـ تقسيم الدولة إلى وحدات جغرافية كل منها يتضمن تجمعا اقتصاديا وسكانيا مناسبا.

2ـ وجود أجهزة محلية مستقلة عن الجهاز المركزي (العاصمة).

3ـ هذه الأجهزة تتمتع بسلطات تشريعية وتنفيذية.

 

ومن وجهة نظرالعديد من خبراء الإدارة وبعض الدراسات في هذا المجال، يعتبر نظام الحكم المحلي أفضل من نظام الإدارة المحلية، وذلك لأنه يتيح قدرا أكبر من المشاركة فى السلطة على مستوى الأنظمة السياسية التقليدية.

 

وحيث أن النظام السياسي في الجماهيرية العظمى يقوم أساسا على ممارسة السلطة مباشرة، فمن البديهي أن يفرض مفهوم السلطة هذا علاقات غير تلك العلاقات القائمة والمتجسدة فى الحاكم والمحكوم وعلاقات السلطة وخطوط التنظيم التى ترسخها النظم السياسية التقليدية السائدة وتنظم شؤونها، الأمر الذي يجعل للسلطة الشعبية طابعا متميزا، يتم من خلاله تركيزالسلطة بيد الشعب، وممارستها بشكل كامل ومباشرة، أي الحكم الشعبي المباشر وهو المفهوم الحقيقي للديمقراطية. وهذا لا يتأتى إلا من خلال نظام للحكم المحلي يجسد السلطة (التشريعية والتنفيذية) في المحليات والمؤتمرات والبلديات والفروع والمحلات.

 

وبالغوص في بعض التحليلات والتفاصيل يتأكد لدينا أن أي خطوة في هذا الإتجاه هي ترسيخ لسلطة الجماهير التي يتساوى فيها المواطنون في ممارسة السلطة، ويتقاسمون ثرواتهم الوطنية، مع ضمان وصول الخدمات الضرورية إلى مدنهم وقراهم ومحلاتهم دون عناء.

 

ومن البديهي أن هذه العملية تحتاج إلى معايير محددة وحقيقية في عملية التقسيم الإداري التي لا يمكن أن تغفلها اللجنة المشكلة لإعداد الهيكلية الجديدة، والتي تتمثل في البعد السكاني من حيث الكثافة والنمو والاستقرار البشري ونوع وتعدد النشاط الاقتصادي للسكان وموارده، والبعد الاجتماعي من حيث درجة الانتماء العائلي وقوة أو ضعف العلاقات الاجتماعية والضبط الاجتماعي والمعيار الأمني الذي ينظر إلى أهمية كل منطقة (شعبية) من الناحية الأمنية، من حيث تحديد مناطق الحدود والمواني والمطارات والمنافذ الأخرى والسفارات والمنشآت الاقتصادية الهامة.

 

ومن أجل أن يتحقق هذا الحلم ينبغي التنويه إلى ظاهرة مقاومة التغيير المعروفة والمتأصلة في الكثير من عناصر القوى المحافظة في الجهاز الإداري، ومن المنتفعين من حالة عدم الاستقرار، ومن ذوي النفوذ القبلي، الذين يتوقع رفضهم للبديهيات أو المبادئ العلمية، للإبقاء على مزاياهم الخاصة وأوضاعهم المتميزة عن طريق التشبت بالأوضاع والاجراءات السابقة، أو محاولة التشكيك فيما يقدم على أنه غير ناضج. وهذه القوى لا يمكن مقاومتها إلا بوعي الجماهير وإدراكها لما يدور حولها ووضع تشريعات وقوانين تكون موازية لهذا العمل.

 

ومرة أخرى نؤكد أن الجماهير أولى بحماية سلطتها...

 

 أخبار ليبيا ـ 30 يوليو 2009

 

<Previous   Next>

 

الرئيسةوجهات نظرفكريةسياسيةالاصلاححركيةتنمويةدوليةتاريخيةعامةوطنيةمغاربيةمشارقيةعربية دراساتحواراتندواتالبرلمانمختارات كتب ودواوينتقارير ودراسات
 
 

Mambo is Free Software released under the GNU/GPL License.