English Articles
 

الرئيسة arrow تنموية arrow قضايا تنموية arrow البحث العلمي في مهب الريح
PDF Print E-mail
قضايا أساسية - قضايا تنموية
Written by عبد العزيز التومي   
Aug 15, 2025 at 01:24 PM

البحث العلمي في مهب الريح

عبد العزيز التومي: الانتماء للوطن هو الدافع الاساسي للرقي به , ومحبة الوطن تزرع في النفس القوة الكافية لأحداث التغيير , ولا احد ينكر ان بلادنا قد مرت بفترة جمود نتيجة عدة متغيرات ساهمت فيها الاوضاع الداخلية والخارجية نظرا للتحديات التي واجهتها بلادنا عبر الحقبة الزمنية الماضية , فالمواجهة مع الغرب ساهمت في عزلة بلادنا وعن توقف عجلة البناء والحراك السياسي لفترة من الزمن , ورغم ان تلك التحديات فرضت فرضا على بلادنا نظرا لمواقفها المشرفة ودعمها لبعض القضايا العربية والاسلامية . الا انها في نفس الوقت اضرت بعجلة البناء والتطور والتقدم في شتى المجالات .

   

ولعل الحديث عن فترة الجمود تلك يجرنا عن اكثر القطاعات تضررا في تلك الحقبة والذي لا يختلف اثنان على انه اهم القطاعات على الاطلاق وهو قطاع التعليم والبحث العلمي المنوط به تحديث العنصر البشري وهو الاهم في معادلة التطور والحضارة بالنسبة لأي بلد في العالم ,

 

ان قطاع التعليم في بلادنا واجه على مدى عدة سنوات ماضية مرحلة طويلة من الجمود والانطواء , فالمناهج القديمة والبنية التعليمية المنعدمة وانعدام الاهتمام بالبحث العلمي وأيضا عدم كفاءة عدد كبير من طواقم التدريس واستجلاب عناصر من الخارج تنقصها الكفاءة في المجال التعليمي جعلت من بلادنا تخرج  عدد كبيرا من الأجيال التي لم تكن مؤهلة للتحصيل العلمي العالي . او حتى الولوج مباشرة لسوق العمل .

 

ولعل غياب الاحصائيات الدقيقة لمخرجات التعليم في ليبيا قد تجعل من الباحث في هذا المجال يواجه صعوبة تامة في تتبع مكمن الداء وايجاد الدواء لهذه المعضلة الكبيرة , الا ان هذا لا يمنع من استشفاف الواقع من خلال النظرة المباشرة لما يحدث حولنا وخصوصا في مجال الدراسات البحثية التي تعنى بالارتقاء بهذا القطاع

 

ولعل هذا الواقع يتطلب منا الاعتراف بضعف التخطيط في المجال التعليمي وان أزمة البحث العلمي في ليبيا لا زالت مستمرة، ولا زالت مؤسساتنا البحثية تعيش حالة من الغيبوبة، في وقت سبقنا فيه القاصي والداني في إنهاض بحثه، وماليزيا الإسلامية خير دليل، وكوريا الجنوبية خير شاهد، ففي الوقت الذي لا تتجاوز فيه نسبة الإنفاق على البحث العلمي 0.05 % من الدخل القومي في ليبيا منذ عشرات السنين، نرى النجم الكوري في صعود وزهو إذ انتقل معدل إنفاقه على البحث العلمي من 0.2% في الستينيات، ليرتفع عام 2000 إلى حوالي 5% الأمر الذي يفسر علة النجاحات الكورية في شتى ميادين الصناعة في السنوات الأخيرة . لقد خلق تقاعس الدولة عن دورها في دعم الابحاث العلمية وخصوصا ما يعنى منها بالارتقاء بالمؤسسات التعليمية في بلادنا هوة كبيرة ساهمت في تحييد دور الباحثين وجمود كلي في مجال تطوير البنية التعليمية ولعل ذلك راجع الى ثلاثة عقبات رئيسية

 

العقبة الأولى : البروقراطية والروتين

فالباحث الليبي يجد نفسه أمام جهاز إداري تقليدي، روتيني، متخلف، يتصف بالمركزية الشديدة، شعاره "لا مجال للتحديث"، لا يقدّر أهمية العلماء والباحثين في عملية التنمية والنهضة، وغالباً ما يكون البيروقراطي – الروتيني، مستبدًا، يحمل شهادات ومؤهلات أقل من الباحث، فينظر إلى الباحث الشاب نظرة دونية ، ومن هنا تتشكل ظاهرة ما يسمى بأعداء التطور والتنمية، والتي يتحدث عنها معظم النابغين في سيرهم .. كما أن البيروقراطي ينظر إلى نفسه على أنه صاحب الرأي السديد السليم، وأنه ما يُرى الباحث إلا ما يرى وما يهديه إلا سبيل الرشاد، و بالتالي لا يتناقش ولا يتحاور مع الآخرين و لا يأخذ بآرائهم.

 

العقبة الثانية : المحسوبية والرشوة :

فالباحث النابغة، الذي ليس له ظهرًا إلا ربه، سرعان ما يجد نفسه "محلك سر"، وإذا به الأيام تمر، وزميله ممن تم تعينه في الكلية أو المؤسسة البحثية بالواسطة، والتحق بالكادر البحثي "بالوسائل المشار اليها سابقا "، قد سبق، وكأنما فك من عقال، فهذا الأخير قدم الرشاوي والقربات إلى المناصب هنا وهناك، ورش رشته على الكبير والصغير؛ لتُناقش رسالته أو لتُرفع درجته أو ليُتغاضى عن سرقاته التي عرف بها في بحوثه، فأولاد الحسب والنسب – في الكادر العلمي - رُفع عنهم هذا الركن الركين في أدبيات البحث العلمي، ألا وهو الأمانة العلمية ودقة التوثيق ..وقس على ذلك، شتى صور الرشاوى، ومختلف مظاهر المحسوبية، التي اصبحت القاسم المشترك في أغلب مؤسساتنا البحثية ..

 

وتحول المجتمع الأكاديمي الليبي إلى مجتمع قبائلي عائلي لا تهمه المصلحة العامة للبلد والأمة، بقدر ما يهمه تسليم المناصب والدرجات للمقربين و الأقرباء والشلة، وكأن الشعار انقلب إلى وضع الرجل المناسب في المكان غير المناسب.. الأمر الذي صنع جوًا كئيبًا محبطًا يعيشه ويتجرعه العلماء والباحثون الشرفاء في هذه الأوساط الأكاديمية .

 

العقبة الثالثة : ضعف الإنفاق على البحث:

فالحصول على دعم نقدي للبحوث العلمية اصبح من الصعوبة بمكان ان لم يكن لدى الباحث يدا ترعاه من القيادات العلمية العليا . فنوع البحث وتوجهه للتطوير والتحديث لا يعني شيئا للجهات الداعمة امام التوصية والتزكية من قبلها لدعم هذا البحث !

 

ان القطاع التعليمي ليس بمقدوره النهوض والتطور ان لم تكن هناك نية صادقة من قبل المسؤولين عن هذا القطاع لتطويره وتحديثه من خلال دعم الابحاث العلمية ومدها بكل الرعاية لتكتمل ولتساهم في الرقي بهذا القطاع ولتخريج اجيال قادمة تساهم في رقي الوطن .

 

عبد العزيز التومي، باحث ليبي في مجال التنمية البشرية

 

شباب ليبيا ـ 14 أغسطس 2009

 

 

<Previous   Next>

 

الرئيسةوجهات نظرفكريةسياسيةالاصلاححركيةتنمويةدوليةتاريخيةعامةوطنيةمغاربيةمشارقيةعربية دراساتحواراتندواتالبرلمانمختارات كتب ودواوينتقارير ودراسات
 
 

Mambo is Free Software released under the GNU/GPL License.