|
أزمة ثقة.. أم أزمة انتماء؟
عبدالرحمن الشاطر: العلاقة بين الجهاز التنفيذي للدولة أو ما يطلق عليه في النظم التقليدية (الحكومة) وعدة أطياف من المجتمع الليبي تشوبها منغصات عدم الثقة المتبادلة. هكذا تحدث بعض المسؤولين في اجتماعات رسمية على مستوى أمناء عامّين حضرت جانبا منها. ومعرفتهم بوجود عدم ثقة متبادلة لا بد وأن يصحبه إدراك منهم لأسبابها ومسبباتها وبالتالي العمل على معالجتها، إذ وجود شعور بعدم الثقة المتبادلة ليس من مصلحة الدولة في شيء..
وإذا كان الجانب الآخر ( المواطنون ) هو المتلقي الدائم للنتائج السلبية جراء عدم الثقة، متمثلة في الضربات الموجعة بين الحين والأخر. فإنه لا يملك سوى الشكوى أو شرح وجهة نظره للرأي العام عن طريق ما يمكن أن يتوفر له من وسائل إعلام مكتوب ومسموع ومشاهد، أو الالتجاء إلى القضاء للفصل في الغبن الذي يقع عليه.
وفي تلك الاجتماعات الرسمية عبر الجانب غير التنفيذي عن وجهات نظرهم وهي تتلخص في توفير بيئة عمل مناسبة تحميها قوانين عادلة وتنفيذ هذه القوانين على الجميع. غير أن الجانب الرسمي يظل يسمع ولكنه لا يستجيب.
فعلى مستوى وسائل الإعلام المختلفة تحدث الناس عن مشاكلهم وعبروا عن وجهات نظرهم. ومطلبهم هو الآخر بسيط ويتركز في توفير سياسة معلنة رسمية والالتزام بها وفق قوانين عادلة وتنفيذها على الجميع. ولو أضفنا إلى ما يرد في وسائل الإعلام الوطنية، التقارير العالمية التي نشرت والتي تقول أن ليبيا تقع في أسفل خانة الشفافية وفي أعلى قائمة الفساد..فإن الجانب الرسمي يقرأ ويستمع ويشاهد ولكنه لا يريد أن يستوعب أو يتجاوب أو يتحرك كما لو أنه يتلذذ بهذه النتائج.
وعلى مستوى القضاء ، التجأ بعض المتضررين من الأهالي إلى القضاء وحيث أنصفهم وأصدر أحكاما لصالحهم. (طنش) الجانب الرسمي وظل يتلقى تلك الأحكام ولم ينفذها أو يلتزم بتنفيذها. وهذه كارثة الكوارث.
السؤال الذي يطرح نفسه بقوة وحرقة. لماذا هذا التجاهل من العديد من الأجهزة الرسمية للمواطنين وأفراد الشعب؟
وأقول التجاهل لأنه يأخذ هذه الصبغة، أو هكذا يبدو لي، عندما يبدي الجانب الآخر(المواطنون) تفهما ورغبة في تسوية المواضيع فيأبى الجانب الرسمي للدولة ويوغل في إيذاء الناس والمواطنين. بل ويصل به الأمر إلى اتهامهم بالمتاجرة في أرزاق الناس والمتسبب الرئيس في ارتفاع الأسعار والسمسرة ويصفهم بمصاصي الدماء والديناصورات وما إلى ذلك من اكليشيها يسارية. كما لو أن الجهاز التنفيذي للدولة نظيف لا ينخره الفساد المالي والإداري والاعتداء على المال العام. فإن كان بيت المسؤولين من زجاج فلماذا يرمون بيوت المواطنين بالحجارة لإيذائهم؟
وأقول إيذاء الناس والمواطنين، لأن أغلبية المواطنين الذين ترتبط مصالحهم أو أعمالهم بالإجراءات الرسمية - وهي بالضرورة كذلك- فهم في الغالب يواجهون العنت والتسويف والمماطلة وكذلك الاعتداء على ملكياتهم المقدسة بالهدم الفوري تارة وبنزع ملكيتها تارة أخرى. وفي كافة الأحوال، لا يتم ذلك بالتراضي أو بالتعويض العادل أو توفير البديل. أليس هذا اعتداء على المواطنين أصحاب السلطة الشعبية؟
مثلا وليس حصرا..المتعاقدون على أعمال مع أجهزة ومؤسسات وأمانات الدولة في شكل مقاولات أو توريدات أو خدمات. في الكثير من الحالات لا يستلمون أموالهم مقابل تلك الخدمات ، وغالبا ما يبحث لهم بعد انجاز العمل والاستلام الصحيح له عن ثغرات لتسويفهم وأكل حقوقهم ، وان استلم بعضهم حقوقه فإنه يكون قد دفع الثمن غاليا. وكثيرون لسنوات طويلة وربما إلى هذه الساعة لم يتمكنوا من تسوية مستحقاتهم المالية مع الدولة. ويبدو هذا المشهد محزنا لأنه يؤدي وقد أدى إلى خراب بيوت أناس كثيرين. فهل من صميم أعمال الجهاز التنفيذي للدولة أن يضرب الناس في مصالحهم وأموالهم وملكياتهم وأرزاقهم؟.. إذا كان ذلك كذلك فإن العداء يكون من جانب واحد ومع سبق الإصرار والترصد للمواطنين.
ومثلا وليس على سبيل الحصر.. القرارات التي تصدر عن اللجنة الشعبية العامة وربما غيرها والتي تلغي قوانين وكذلك المنشورات الإدارية التي تمنع شركات مؤسسة تأسيسا قانونيا سليما من مزاولة عملها أو القرارات التي تصدر وتسحب البساط من شركات مؤسسة تأسيسا قانونيا سليما. وكذلك استغلال السلطة التقديرية التي تمنحها القوانين أو اللوائح التنفيذية التي وجد فيها المفسدون نافذة للنيل من الناس. كل هذا يعتبر عبثا واستهتارا بمصالح الناس وتشويها للدولة وربما تآمرا على سلطة الشعب لأنه يدفع الناس إلى الاحتقان والاحتقان يؤدي إلى الكراهية والكراهية تولد الحقد والحقد عنصر ضاغط يؤدي إلى الانفجار.
لو أخذنا مثلا مسألة تطوير مدينة طرابلس وما صاحب هذه الحملة البشعة من إزالة فورية دون توفير البديل أو التعويض العادل أو بالتراضي. فإنها مسألة لا تقع ضمن عدم قدرة المسؤولين على التخطيط وإنما في اعتقادي هي لإيجاد مناخ من البلبلة والإضرار بمصالح الناس. وإلا فما معنى أن يغيب التخطيط السليم على عقول نفترض أنها تتمتع بالصحة والعافية وتحمل شهادات تعليمية عالية؟
لقد كتبت وتحدثت وسائل الإعلام وظل الجانب الرسمي غير مكترث بما تقول. وصدرت أحكام قضائية بإلغاء قرار نزع الملكية ولم يمتثل لها الجانب الرسمي من الدولة.
فأين نحن نعيش؟
هل نحن في غابة لا ينفذ فيها القانون فيتم هدم أملاك المواطنين وبطريقة ترويعية بتسليط آليات هندسة الميدان التابعة للقوات المسلحة. وان استعانت الدولة بشركات المقاولة التابعة لها فإنها تدعمها بمصفحات وجنود الدعم المركزي. وإذن لم يعد الأمن في خدمة الشعب. لقد طوعته السلطة التنفيذية وأصبح أداة من أدوات اعتدائها على الملكيات المقدسة للمواطنين ومصادر رزقهم. لقد شاهدنا مثل هذه المشاهد في فضائيات العالم ولكنها كانت من فعل قوات محتلة وغازية.
لو أن في الجهاز التنفيذي للدولة عقلاء وحكماء ووطنيين. ألا يجدر بهم أن يبسطوا الأمور بدلا من أن يعقدوها؟
فمسألة المديونيات لدى مؤسسات الدولة يمكن معالجتها بحصرها ودفعها لمستحقيها. هكذا فعلت الدولة مع الدين العام الذي بلغ سبعة مليارات دينار ليبي. فهل تعجز الدولة عن استقطاع بعض المليارات من الـ136 مليار المتوفرة لديها لتنصف المواطنين وتعطي لكل ذي حق حقه. ويادار ما دخلك شر.
ومسألة تعويض المواطنين عن إزالة ممتلكاتهم لغرض التطوير وكذلك نزع ملكية أراضيهم التي ترى الدولة أنها تريد أن تضمها لأغراض المنفعة العامة هي أيضا مسألة سهلة. ألم ندفع عشرة ملايين دولار أمريكي عن كل شخص من ضحايا طائرة بان آم المنكوبة دفعا تعسفيا على فعل لم نقم به ونحن أبرياء منه بكل المعايير والقوانين. فلماذا عندما يتعلق التعويض بالمواطن الليبي يبخس حقه؟
أعتقد أن المسألة ليست مسألة عدم ثقة متبادلة وإنما هي أزمة انتماء إلى الوطن والى المواطنين، والانحياز الكامل للمصالح والمنفعة الشخصية حرصا على كرسي زائل أو اقتناصا لغنيمة.. هذا هو المفقود أو هكذا تبدو لي الأمور.
29 اكتوبر 2009
|