|
المراجعات الليبية شارك فيها قيادات من خارج السجون .. قلة من العلماء تقف وراء المراجعات
حواره موقع 'الإسلاميون.نت': يرى الدكتور أحمد الريسوني، ، أستاذ أصول الفقه والمقاصد بجامعة محمد الخامس بالرباط، وأحد العلماء الذين ثمنوا مبادرة الجماعة الليبية المقاتلة، أن عالمنا العربي والإسلامي في أمسّ الحاجة إلى المبادرات التصالحية والتوافقية والسلمية؛ لكونه مثخنا ومنهكا ومحطما ومستنزفا بكثرة الصراعات والحروب الداخلية. ويؤكد الريسوني في حديثه لموقع 'الإسلاميون.نت' أن الدواء الشافي والعلاج الكافي لقضايا المحاكمات المرتبطة بملفات ما يسمى 'السلفية الجهادية'، إنما هو العلاج السياسي الاجتماعي الفكري.
ومبديا عدم استعداده الراهن لمحاورة المعتقلين فيما يسمى بملف 'السلفية الجهادية' بالمغرب، يميز الريسوني بين مفهومي المراجعة والتراجع بالقول إن: 'من رجع إلى الشرع والسنة، وتراجع عن غلوه وخطئه، فنِعْمَ المراجعة والتراجع'، مشددا على ضرورة الجدية والصدق ورعاية مصلحة الأمة وجميع الأطراف، حالا ومستقبلا.
ويصحح ما أوّله بعض المعتقلين بعبارة 'اذهبوا فأنتم الطلقاء'، خلال ندوة 'المقاربة التصالحية'؛ حيث اعتبرها البعض تشبيها لهم بكفار قريش، موضحا سياقها العلمي ومقصود كلامه. ويشيد عالم المقاصد بجهود المنظمات الحقوقية المحلية والدولية وجهودها في الدفاع عن المعتقلين في حين لا يظهر أثر للسياسيين.
قيمة المراجعات الليبية
*استحسنتم مراجعات الجماعة الإسلامية المقاتلة، خاصة أنها أعدت تحت إشراف قادة الجماعة وبتوجيه من قيادات علمية، أين يمكن وضع هذا الاستحسان: هل من قبيل التقريب أم أن للمراجعات قيمة ودلالة في ذاتها وأبعادها؟
-بداية.. تعد مراجعة الإنسان لنفسه ولأفكاره وعلاقاته، لأجل تنقيتها وترقيتها وإصلاح أخطائها واختلالاتها فضيلة من الفضائل ومكرمة من المكارم، فهي محمودة في ذاتها، وقليل من الناس من ينحو هذا المنحى ويرتقي هذا المرتقى الثقيل على النفوس، بينما الحقيقة أن من لا يفعل هذا فهو كأنما يدعي العصمة لنفسه، وهو في الحقيقة تخشب وتحجر.
من جهة ثانية، فعالمنا العربي والإسلامي في أمسّ الحاجة إلى المبادرات التصالحية والتوافقية والسلمية؛ لكونه مثخنا ومنهكا ومحطما ومستنزفا بكثرة الصراعات والحروب الداخلية، فكل من يخطو خطوة في الاتجاه المعاكس لهذا الواقع المزري، فهو في نظري عاقل وحكيم ومشكور.
*في كل مرة ينتظر الرأي العام الإسلامي والدولي قيام الإسلاميين بمراجعات من جانبهم، لماذا فقط الإسلاميون دون غيرهم، أين غيرهم من فضيلة المراجعة خاصة الأنظمة القائمة؟
- للأسف الأنظمة القائمة لم ترتق بعد إلى هذا المستوى، ولا هي تفكر فيه أو تقترب منه. هناك الآن رؤساء وسياسيون مرفوضون ومدانون شعبيا من جميع التيارات، ولكنهم كما قال الله تعالى {جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آَذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا}. هذا شيء مؤسف ومؤلم، ولكنه مع ذلك لا يُسَوِّغ التعاملَ معهم بالمثل، فكلٌّ ينفق مما عنده. وفي الحديث الصحيح أن رجلا قال: 'يا رسول الله إن لي قرابة أَصِلُهم ويقطعوني، وأحسن إليهم ويسيئون إلي، وأحلُم عنهم ويجهلون علي. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: 'لَئِن كنتَ كما قلتَ فكأنما تُسِفُّهم المَلّ، ولا يزال معك من الله ظهير عليهم ما دمت على ذلك'.
المراجعات والسلفية الجهادية بالمغرب
*هل هناك إمكانية لتفعيل مراجعات لدى السلفية الجهادية المغربية؟ وما هي شروط إنجاحها، مع العلم أنه لم يثبت عليها إلى الآن التورط المادي في العنف؟
- من حيث المبدأ، فالمراجعات مكرمة وفضيلة كما ذكرت، وأما من الناحية الفعلية، فلا أدري.
*ما هو دور الفاعل السياسي الإسلامي والعلماء في الدفع بالمراجعات إلى الأمام لحقن الدماء وإنصاف المظلومين؟
-بالنسبة للعلماء، فهم بين الإقالة والاستقالة، بين الإبعاد والابتعاد، من الشأن العام. مَن اقترب من الملف عاقبوه، ومن ابتعد عنه كافئوه. مع أن قلة قليلة من العلماء هي التي تقف فعلا وراء هذه المراجعات، إما بشكل مباشر انخراطا وتوسطا ومحاورة.. أو بشكل غير مباشر، من خلال كتاباتهم وفتاواهم وأفكارهم.
وأما السياسيون، فقلما تجد منهم من يكون منهم مسموعا ومقبولا لدى الطرفين معا، فضلا عن أن كثيرا منهم يتمتعون بروح عالية من حب الانتقام والتشفي.
لكن لا يفوتني هنا أن أذكر وأشكر فئة أخرى لم ترِد في السؤال، مع أن لها أثرا إيجابيا كبيرا في هذا المجال، وهي المنظمات الحقوقية، سواء منها المحلية أو الدولية.
* تتعدد مقاربة حل ملف السلفية الجهادية بالمغرب بين داع للحوار ومطالب بالتوبة والمراجعة.. أي الخيارين يفضل الدكتور الريسوني لحل هذا الملف الشائك؟
-ملف ما يسمى السلفية الجهادية بالمغرب محاط بكثير من الغبار والغموض والتعتيم، ولذلك كلما تحدثت فيه أو أردت الحديث فيه، يتبين لي أن الجواب الصحيح هو: لا أدري.
*انتقدكم بعض المعتقلين حول عبارة 'اذهبوا فأنتم الطلقاء'، واعتبرها البعض أنها تشبيه للمعتقلين بكفار قريش وهو غير مقبول، كيف توضحون هذا اللبس في قراءة تصريحكم في ندوة المقاربة التصالحية لمعالجة الإرهاب؟
- أنا قلت ما مفاده: إذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد رفع هذا الشعار -'اذهبوا فأنتم الطلقاء'- مع ألَـدِّ أعدائه من المشركين، الذين حاربوه وحاربوا أصحابه على مدى عشرين سنة بكل وسائلهم، وفيها السيف والقتل والتعذيب، ولكنه عليه السلام لم يعذب منهم أحدا ولا سجنه يوما ولا شهرا، مع أن كل ما فعلوه أنهم دخلوا في السلم والإسلام، وانتهوا عما كانوا عليه، فكيف لا نفعل هذا مع متهمين مسلمين من أبنائنا وإخواننا: منهم من لم يفعل شيئا، ومنهم من قال قولا، ومنهم من انزلقوا وتورطوا في جنايات وحماقات، أو ساروا في طريقها خطوة أو خطوتين، ثم استيقظوا فراجعوا أنفسهم ورجعوا عن نهجهم...
هذا مضمون كلامي ومقصودي، وقد كان واضحا في سياقه وأدلته الأخرى، وبعد ذلك فليفهم كل واحد ما يريد، وأفوض أمري إلى الله إن الله بصير بالعباد.
محاكمة القناعات والنوايا
*المحاكمات التي جرت بالمغرب ثبت أنها محاكمة آراء ونوايا وأفكار وتجنيد للشباب للجهاد أكثر منها ممارسات ميدانية، كيف تقرءون الأحكام الثقيلة في حق الحكم على القناعات الشخصية ما لم تترجم إلى أفعال؟
-سبق أن شهد مسئولون وحقوقيون متعددون أن هذه المحاكمات وظروفها ليست سليمة ولا بريئة، وأنا بعيد عن هذا المجال وخفاياه وخطاياه، ولكن ما أنا على يقين منه هو أن الدواء الشافي والعلاج الكافي لهذه القضايا، إنما هو العلاج السياسي الاجتماعي الفكري.
*راج في وسائل الإعلام ترحيب أغلب المعتقلين بشخصكم محاورا لهم، ما هي أهم الملفات التي ترونها ممهدة لإنجاح هذا الحوار من الطرفين: المعتقلين والدولة المغربية؟
-من الناحية المبدئية والمنهجية، فإن الحوار نفسه هو الذي سيحدد الملفات والقضايا التي تحتاج إلى حوار ومعالجة، فإذا تم اختيار منهج الحوار، فيجب أن يبدأ الحوار التمهيدي لأجل خوض الحوار وتحديد ملفاته وترتيب قضاياه؛ لأننا قد نذهب لمحاورة هؤلاء المعتقلين على خلفية معينة وتهم مسلمة، فنجد عندهم خلاف ذلك، أو بعضا من ذلك دون بعض، وقد نجد عندهم ما لم يكن على بالنا، أما بالنسبة لي شخصيا، فأنا الآن غير مستعد وغير مناسب لمثل هذا الأمر.
مراجعات من داخل السجون
*يرى البعض أن المراجعات داخل السجن ستكون إما تقية أو رضوخا للظلم، أما المراجعات الحقيقية أو تقييم الأداء فيجب أن يكون في الأضواء وأجواء الحرية، كيف نفرق بين المراجعة والتراجع في ملف السلفية الجهادية؟
-ليس كل من قاموا بالمراجعات في مصر وليبيا وتونس والجزائر والسعودية... هم من سكان السجون، وعلى سبيل المثال فالمراجعات الليبية -النموذج الأخير- قادها وتحمس لها وشارك في صياغتها قياديون خارج السجن، بل خارج ليبيا نفسها، أما مسألة التقية فشأن باطني لا سبيل لنا عليه.
وأما الرضوخ للظلم، أي ظلم الحكام، فله معنيان: أحدهما ألا نواجهه بالسيف والقتال، وهذا هو مقتضى الشرع، وقد رجع إليه المراجِعون، بل هو جوهر مراجعاتهم وعمودها الفقري، فمن رجع إلى الشرع والسنة، وتراجع عن غلوه وخطئه، فنِعْمَ المراجعة والتراجع.
والمعنى الثاني للرضوخ للظلم: هو السكوت عنه والتطبيع معه وعدم إنكاره، فهذا مَن فعله فقد خاب وخسر، ولا أعرف أحدا من أصحاب المراجعات صار إلى هذا المصير.
*هل تحبذون إجراء الحوار مع السلفية المقاتلة تحت إمرة الأنظمة أم من لدن جهات غير حكومية وشخصيات علمية؟ وأيهما الأصلح مقاصديا؟
-المطلوب أساسا وأولا في مثل هذا الموقف هو الجدية والصدق ورعاية مصلحة الأمة وجميع الأطراف، حالا ومستقبلا، وبعد ذلك، فما هو علمي لابد فيه من العلماء ومن التصفية العلمية للأمور، وإلا فسيكون الحوار تفاوضا وتشارطا وصفقة سياسية.. ولكن من جهة أخرى إذا أريد لمثل هذا الحوار أن يحقق أكثر ما يمكن، أو أقصى ثماره وغاياته، فلابد للدولة أن تكون طرفا أساسيا فيه، لكن تكون طرفا مباشرا أو غير مباشر، من البداية أو في النهاية.. هذه كلها خيارات ممكنة.
اسلام اونلاين ـ 10 نوفمبر 2009
|