|
لماذا انهارت أنظمة الحكم الليبرالية العربية؟
د. علي محافظة: نشأت أنظمة الحكم الليبرالية العربية في ظل الاستعمار والهيمنة الغربية. ولذا حرصت على استمرار العلاقة مع الدول الغربية التي استعمرت بلادها ، وتوطيد هذه العلاقة وترسيخها من خلال معاهدات التحالف والصداقة التي أبرمتها معها ، ومن خلال التبعية الاقتصادية والمالية لها ، والاتصال الثقافي الوثيق بها. ولما طرحت عليها فكرة الأحلاف العسكرية في مطلع الخمسينات من القرن العشرين لم يتردد بعضها في قبولها ، بينما تردد البعض الآخر، وقاومتها مصر الناصرية ونجحت في ردع الدول الراغبة في الانضمام إليها وتلك المترددة إزاءها.
اعتمدت الأنظمة الليبرالية على طبقة الرأسمالية العربية الناشئة وعلى الإقطاعيين والأسر المتنفذة في المدن والأرياف التي كانت تستغل غالبية السكان من الفلاحين والعمال والحرفيين وصغار الموظفين ، وتنظر إليهم نظرة دونية ، وتعاملهم باستعلاء يثير حفيظتهم وحفيظة أبنائهم الذين تمكنوا من الحصول على نصيبهم من التعليم في المدارس الوطنية التي أخذ عددها في الازدياد والاتساع بعد نيل الاستقلال مباشرة ، وتمكن بعضهم من دخول الكليات العسكرية التي كانت في السابق مقصورة على أبناء الإقطاعيين والمتنفذين.
وازدادت أعدادهم في الجيوش الوطنية حتى أصبحوا يؤلفون الأكثرية الساحقة من ضباطها. وقد أدرك هؤلاء بسهولة ووضوح أن فرص التقدم في السلم الاجتماعي محدودة أمامهم ، وأن فرص المشاركة في السلطة مسدودة في وجوههم. وغاظهم الثراء والنفوذ اللذان تتمتع بهما الطبقات العليا التقليدية ، وقد أتيح لهم من خلال الدراسة وانتشار المؤلفات الغربية حول الاشتراكية والعدالة الاجتماعية والصراع بين الطبقات أن يقارنوا بين أوضاع الطبقات أو الفئات الاجتماعية التي ينتمون إليها وبين مظاهر الثراء والبذخ والنفوذ والجاه التي يرونها لدى الطبقات العليا في مجتمعاتهم.وهالهم الفساد بمختلف أنواعه السائد في إدارة الدولة وفي مؤسساتها العديدة: من رشوة ووساطات وتجاوزات للقوانين والأنظمة السارية المفعول في البلاد ، وسرقات للمال العام واعتداء عليه. وقد أتيح لهؤلاء الضباط زيارة الدول الغربية من خلال دورات تدريبية اطلعوا أثناءها على أحوال تلك الدول وعلى أنظمتها السياسية والاقتصادية والإدارية والاجتماعية والثقافية ، وأعجبوا بالمساواة والعدالة في هذه المجتمعات ، بالحريات العامة والفردية ، وبانحسار الفقر والبطالة فيها. وكانوا دوماً يقارنون بين ما يشاهدونه وبين ما كان يجري في مجتمعاتهم من ظلم وما يسودها من فقر ومرض وجهل. وتبيّن لهم ولأقرانهم من المدنيين الذين درسوا معهم في المدارس الثانوية والتحقوا بأجهزة الدولة المدنية أو أكملوا تعليمهم الجامعي ومارسوا مهناً حرة كالطب والهندسة والمحاماة والصيدلة ، أو أصبحوا موظفين في مختلف مؤسسات الدولة المدنية ، أن الطريق إلى التقدم في السلم الوظيفي والمشاركة في السلطة ضيقة جداً أو تكاد تكون مسدودة. ولذا وجدوا أن الانقلاب هو السبيل الوحيد إلى التغيير وفتح الباب إلى المشاركة في السلطة.
وأدركوا أن العمل بالوسائل السلمية عن طريق الانتخابات النيابية للوصول إلى غاياتهم طويل وشاق وأمامه عراقيل كثيرة ومعقدة لا يستطيعون اجتيازها. وأن السبيل الوحيد المتاح أمامهم والأسهل ، على الرغم من خطورته ، هو الانقلاب العسكري. وكانت قد حدثت انقلابات عسكرية ناجحة مثل انقلاب بكر صدقي في العراق سنة 1936 وانقلاب حسني الزعيم في سورية سنة ,1949 وتتالت الانقلابات العسكرية بعدهما في سورية انقلاب سامي الحناوي وأديب الشيشكلي بين 1949 و 1952 ، وانقلاب الضباط الأحرار في مصر سنة 1952 وانقلاب مصطفى حمدون في سورية سنة 1954 ثم انقلاب عبدالكريم قاسم وعبدالسلام عارف سنة 1958 ، وانقلابات سورية سنة 1961وسنة 1963 ، وسنة 1970 ، وانقلاب العقيد عبدالله السلال في اليمن سنة 1962 وانقلاب العقيد معمر القذافي في ليبيا سنة 1969 وقبله انقلاب العقيد هواري بومدين في الجزائر سنة ,1965كانت نكبة فلسطين سنة 1948 وهزيمة جيوش المشرق العربي أمام العصابات الصهيونية والاهانة والإذلال اللذين شعر بهما الضباط في الجيوش العربية التي شاركت في قتال الصهاينة قد وجهت الأنظار إلى أنظمة الحكم العربية الليبرالية التي اعتبرت مسؤولة عن الهزيمة ، وأثارت الأحقاد ضد الغرب الذي زرع إسرائيل ، هذا السرطان في الجسم العربي.
ولذا كانت الانقلابات العسكرية في المشرق العربي بعد النكبة ، انتقاماً من أنظمة الحكم التي سببت لجيوشها عار الذل والاهانة.واعتقد الجيل الجديد من الضباط المنتمين إلى الطبقة الوسطى الناشئة في الأقطار العربية أن تولي الجيش للسلطة سوف يسهل عملية الإصلاح والتحديث التي تحتاجها هذه الأقطار ، ويسرع في القضاء على الجهل والفقر والمرض والفساد المستشري في أوطانهم. وكان مصطفى كمال في تركيا مثالاً يحتذى أول الأمر ثم غدا جمال عبدالناصر القدوة للضباط العرب.اتهمت الأنظمة الليبرالية العربية بالتهاون والتخاذل في مواقفها من الاستعمار الجديد ، بعد أن حصلت معظم الأقطار العربية على استقلالها السياسي المربوط بمعاهدات تحالف واتفاقات للتعاون الاقتصادي ، حالت دون بناء اقتصادي وطني سليم.
وتطلعت الشعوب العربية إلى التحرر من الهيمنة الغربية وما رافقها من استغلال ونهب للثروات العربية وتجهيل وفقر وبطالة. وعقدت آمالاً عريضة على الضباط الشباب والجيل الجديد من المدنيين المتعلمين الذين طرحوا أفكاراً عظيمة لحل مشكلات الفقر والجهل والمرض ، والإقدام على الإصلاح والتحديث الجذريين. وساهمت هذه الآمال في اندفاع الجماهير وراء الثوار من العسكر والمدنيين.
وكان للأحزاب القومية واليسارية دورها في قيادة هذه الجماهير وتوجيهها نحو الإطاحة بالأنظمة الليبرالية التي اعتبرت أنظمة رجعية وتقليدية عاجزة عن القيام بالمهام المنوطة بها وهي الإصلاح والتحديث.والواقع أن الأنظمة الليبرالية قد جاءت إلى الحكم رافعة شعار خدمة الشعب وإدخال الإصلاحات الضرورية في مختلف جوانب الحياة وتحديث أجهزة الدولة ومؤسساتها واقتصاد البلاد والمجتمع ككل.
ولكنها التهت بالصراع على السلطة وجمع المال ، وربطت مصيرها بالقوى الأجنبية التي استمر نفوذها في البلاد بعد خروج قواتها العسكرية وموظفي إدارتها من البلاد. وعجزت عن مواجهة التحديات في مرحلة الاستقلال الوطني. وانشغلت بالفساد الذي أغرقت البلاد فيه ، حتى أصبح الخلاص من هذه الفئات الحاكمة مطلباً شعبياً ملحاً.
كانت الأحزاب السياسية الليبرالية العربية قد ألمت بها أمراض المجتمع العربي من تغليب المصلحة الشخصية على المصلحة العامة بين قياداتها ، مما أدى إلى شيوع الانقسام والتشرذم في صفوفها ، واشتداد التناحر بينها ، وتخليها عن الأهداف الرئيسية لها ، فأضعفها. وأصابها التعصب الأسري والعشائري والجهوي والطائفي والمذهبي فزاد في تشتتها وضعفها وابتعاد الجماهير عنها. وأخذت السمعة الطيبة التي اكتسبها العديد من قياداتها إبان النضال من أجل الاستقلال الوطني في التلاشي ، وتجمع حول هذه القيادات زمر من الأعوان أثرت بطرق غير مشروعة ، وتعاظم نفوذها السياسي والاجتماعي ، وأصبحت مع الزمن من أساطين الفساد وقواعده المتينة ، وهدفاً سهلاً للناقدين ، ومعول هدم لنظام الحكم. وبذلك انهارت هذه الأنظمة غير مأسوف عليها.
الدستور ـ 15 نوفمبر 2009 |