English Articles
 

الرئيسة arrow فكرية arrow قضايا فكرية arrow نحو تأصيل فكر ديموقراطي لا أسسي في العالم العربي
PDF Print E-mail
قضايا أساسية - قضايا فكرية
Written by توفيق المديني   
Nov 19, 2025 at 05:18 AM

نحو تأصيل فكر ديموقراطي لا أسسي في العالم العربي

توفيق المديني: على رغم من تزايد الضغط المحلي والدولي، المسلط على الدول العربية، من أجل التنفيس السياسي وإفساح مجال أكبر أمام القوى السياسية والاجتماعية للنشاط العلني والحر، فإن السلطات العربية تؤكد، يوماً بعد يوم، أنها ليس لها من الاستعداد لتحقيق مطالب المعارضة الديموقراطية وتطلعات الهيئات غير الحكومية.فعلى عكس الخطاب الرسمي العربي الخشبي، الذي يعد دوماً بإصلاحات ديموقراطية "ترفع العالم العربي إلى مصاف الدول المتقدمة"،

 

وخلافا ً لانتظارات المراقبين والمهتمين بالشأن السياسي، والذين راهنوا على الإصلاح المدعوم أميركياً، فإن السلطات العربية، هدمت تلك الأحلام وأسقطت تلك الحسابات في الماء، ووضعت الناشطين والفاعلين في الحقل السياسي أمام واقع متأزم، وفي موقف معقد، وأحرجت العديد الذي ما يزال ينتظر إقدام الحكومات العربية على الإصلاح الديموقراطي وتحسين وضع الحريات.

 

وصار الشعب العربي بعد أن أعيته كل دعايات الحكومات العربية والأميركية حول الديموقراطية والمجتمع المدني والحداثة، قانعا ً بما تيسر من أمن اقتصادي محدودٍ جداًً، فاختصر الحرية السياسية وحرية التعبير، وحرية إنشاء الأحزاب السياسية المعبرة عن تطلعاته وطموحاته، حتى باتت الحرية بالنسبة إليه مجرد إتقاء لشر التسلط والتعسف. والحال هذه، ناصبت السلطات العداء لكل دعوة إلى احترام حقوق الإنسان، ونصبت نفسها ممثلة للحقيقة المطلقة بصفة احتكارية تعلو على السيادة الشعبية.

 

فالديموقراطية هي سياسة الاعتراف بالآخر كما قال شارل تايلور، بينما استغلتها السلطات العربية لخدمة الدولة الأمنية التعسفية والقمعية التي قضت على المجال السياسي، وعلى انبعاث القناعات الديموقراطية لدى فئات الشعب.الديموقراطية مسألة مستجدة على المجتمعات العربية، بل هي وافدة برّانية. فقد اعتقدت النخب الفكرية والسياسية العربية أن الديموقراطية انتصرت بعد نهاية الحرب الباردة وانهيار الأنظمة الشمولية. وفضلاً عن ذلك، فإن الديموقراطية هي المظهر السياسي الذي تتجلى من خلاله حداثة قائمة على اقتصاد السوق من حيث شكلها الاقتصادي، وعلى العلمانية من حيث تعبيرها الثقافي.

 

في كتابه القيّم، الذي يحمل العنوان التالي: "البحث عن ديموقراطية عربية: الخطاب والخطاب المقابل " الذي ترجمه مركز دراسات الوحدة العربية من الإنكليزية إلى العربية، يقدم الباحث التونسي والاستاذ في جامعة إكستر ببريطانيا الدكتور العربي صديقي، رؤية نقدية متميزة للديموقراطية، إذ توخى فيها خارطة ترسم الخطاب والخطاب المقابل على ثلاثة محاور متفاعلة ومتشابكة: خطاب غربي ـ غربي، خطاب غربي عربي، وخطاب عربي ـ عربي.

 

يقول الباحث في مستهل المقدمة من الكتاب :" أتناول الديموقراطية بين دفتي هذا الكتاب على أنها غير ثابتة وغير أحادية. ومن هذا المنطلق أنسج فهماً غير ذلك الذي عوّدتنا عليه أطروحات سطحية جداً لهذه الإشكالية من خلال البُنى المعرفية والثقافية والدينية والسياسية التي تُولَدُ في حُضْنِهَا الخطابات والخطابات المقابلة للديموقراطية سواءً كان ذلك في المخيّلة والوعي العربيين ونظيريْها الغربيين. التَناظر في هذا الموضوع هو شبيه بالجدل الذي عرفه العرب والمسلمون إزاء الفلسفة وموضوعَها إزاء الإسلام كدين وفكر ونظام وهوية وقيمة" (ص11 من المقدمة العربية).

 

النقد الراديكالي

مايميز طرح الباحث فيما يتعلق بالديموقراطية هو النقد الراديكالي للنمط الغربي للديموقراطية بوصفه أساسا يجب على العالم كله أن يتبناه، حيث يقول :"الديموقراطية بوصفها قيمة تفتح آفاقاً كانت موصدة وراء تعنّت وتعصب النمط الفكري المعروف بـ الأسسي (Foundationalist) بزعمه أن الديموقراطية منظومة قابلة للتطبيق خارج منشئها الغربي، وفي هذا تحد للزمان والمكان، وكان الديموقراطية ظاهرة طبيعية تكون وتكثر عندما تجتمع قوانين ثابتة، فكأنما الديموقراطية مطر يُثْلِجُ مَاءً تحت العوامل الطبيعية نفسها بقطع النظر عن الظرف الزماني. من هُنا، فإن الجديد في ما أطرحه هو النمط الفكري اللاأسسي (Anti-foundationalist) والذي فيه مراجعة وإعادة قراءة للنهج العقلاني التنويري الأوروبي ونزعته الاستكبارية والنرجسية. هنا ندخل لحظة شكّ وربما أيضاً إن صحّ التعبير، لحظة إلحاد معرفي بالعقلانية الغرّبية في وعي العقل الغربي الذي مات فيه الله ليتبوأ عرشَ الربانية الإنسانُ المتعقلن بلا حدود الذي ما فتئ من خلال ثورات معرفية وثقافية وصناعية يتملك الحقيقة من قناعة أنه مرجعيّة في حدّ ذاته للبشرية جمعاء" (ص12).

 

المشروع التنويري الغربي بكل ما يحمله في صيرورته التاريخية من القيم التي رفعها إلى مرتبة ألهة العقلانية والديموقراطية وصل إلى مأزقه المحتوم في ظل أزمة الحداثة الغربية،و الحال هذه بات على مثقفي العالم العربي بلورة ما يسميه الباحث بالفكر اللاأسسي للديموقراطية، والقيام بالمراجعة النقدية لفكرة الديموقراطية الغربية، وإسقاط صبغة القداسة عنها،.

 

وإذا كانت الديموقراطية شكلت لحظة إبداع في المشروع التنويري الغربي، ودشنت فتحا معرفيا وفكريا مهماً في تاريخ البشرية، فإن الديموقراطية بوصفها قيمة أخلاقية إنسانية متحركة تظل خاضعة لنسبيات شتى كالتاريخ واللغة والدين والزمان والمكان / من هنا بيأتي رفض الكاتب للنمط الأحادي التي تريد الديموقراطية الغربية فرضه على باقي العالم المختلف في ثقافاته وحضاراته عن العالم الغربي.

 

يقول الباحث في كتابه: "على الرغم من تزايد الكتب عن الديموقراطية في الشرق الأوسط، وهي تزيد بلا ريب من فهمنا لطبيعة عمليات التحرّر السياسي العربي ونطاقها، فإن النشاط البحثي لا يقدّم إيضاحاً وافياً كما قد يؤمّل. وربما يعود سبب ذلك إلى الاعتماد غير النقدي على تعريفات الديموقراطيّة المتمركزة حول أوروبا من جهة، وإلى انشغال كثير من المستشرقين بالدفاع، مثلاً، عن الفردانيّة والعلمانية بوصفهما شرطين مسبقين للديموقراطية من جهة أُخرى. وفي كلتا الحالتين، هناك نقص في الاهتمام بالخصوصيّة والقرينة أو (السياق)، إذ لم يول كثير من الاهتمام لحالة النقاش الدائر حالياً حول الديموقراطية في الوطن العربي. ولا تظهر الروايات التي يقدّمها العرب أنفسهم كثيراً في المناقشات العلميّة للديموقراطية في الشرق الأوسط العربي، فغالباً ما يُدرس الإسلاميون، على سبيل المثال كأشياء مجردة، ويغيب عن البحث ازدواجيّة اللغة في الخطاب الديموقراطي في الوطن العربي، وهو أمر يعود إلى ثنائية التشكيلات السياسيّة العلمانية والإسلاميّة (ص 22).

 

التعددية

وبما أن مصلحة الديموقراطية تقتضي التعددية، ولا سيما أن الديموقراطية متغير وتعددية بطبيعتها، فإن الديموقراطية هي خصيصة مميزة ترفض عنف الإقصاء من خلال الثبات والسلطوية والأحادية. تلك هي الفكرة الجوهرية التي يدافع عنها الكاتب، أي رفض النظرة الواحدانية بخصوص الديموقراطية التي تصر أن هذه الأخيرة متأتية من عقل واحد أو من حقبة تاريخية واحدة أو من نظام حكم سياسي واحد.

 

و يوضح الكاتب هذه الفكرة بقوله:"ربما لا يمكن دحض التأكيد بأنها حتّى الآن المنتج النهائيّ السياسيّ للحضارة الغربية، فالديموقراطية الأثينية، والنهضة، والإصلاح الأوروبي وعصر العقل، تشكّل جزءاً من تراث الحضارة الغربية السياسي، لكنّ الحضارة الغربية جزء من الحضارة الإنسانية. ولذلك فإنّ تلك المزاعم الاحتكارية بأنّ الديموقراطية منتج أوروبي حصراً هي مزاعم إقصائية ومتعصبة إثنيّاً في آن معاً. وقد طُبق هذا المنطق الاعتذاري داخل الغرب وخارجه لتبرير حكم المستبدين التابعين. ويجب على الشعوب غير الأوروبية ألا تذلّ وألا تمنح الغرب احتكار ممارسة الديموقراطية (ص 30).

 

التحدي

ويضيف الكاتب قائلا: "إن مناظرة الديموقراطية في الشرق الأوسط العربي لا يحدث في فراغ، ويجب وضع هذه المناظرة التي يمكن رسمها هنا بصورة عامّة جداً فقط، في السياق الغربي نظراً إلى أن أصول الديموقراطية غربية من الناحيتين النظرية والعملية. ويتجلّى في الغرب التحدي الذي تلقاه خطابات الديموقراطية السائدة من خطابات مضادة ظهرت حديثاً. وهكذا قدّم انبثاق الديموقراطية انقسامات جديدة وقديمة على حدّ سواء وما يسميه شميتر "أخطاراً ومعضلات"، ففي أواخر الحداثة، أصبحت مناظرة الديموقراطية حادة جداً. ولفهم هذه القابلية للمناظرة، لابدّ من تقديم خريطة للتضاريس التحليلية والنظرية الشاسعة لمناقشة الديموقراطية التي طرحها عدد من الخطابات. وقد تمّ ربط الكتابات النقدية عن الديموقراطية بخطاباتها النموذجية بغية عدم تتفيه قوّتها وخصوصيّتها. تتكوّن التضاريس التحليلية من خطوط استجواب قديمة وجديدة تركّز على مسائل تتعلّق باتساع الديموقراطية إثارة مسائل مزعزعة للاستقرار* في إطار تاريخي معولم ومناصر للحركة النسوية وتعدديّ" (ص ص35-36).

 

في عالم ما بعد الحداثة، برزت خطابات جديدة مزعزعة للمحورية الغربية حول الديموقراطية، رداً على مجموعة من الضغوط أو الإجهادات أو التحديات المطروحة من جانب النزعة الأبويّة الغربية، وإنسانية عصر التنوير والعولمة والأحادية الثقافيّة. وثمة أربع مدارس فكريّة مؤسسة لهذه الخطابات الجديدة، منها ـ الحركة النسوية، وما بعد الحداثة، والتضامن العالمي والإصلاح، وتعدّدية الثقافات/الكوزموبوليتانيّة ـ التي تشكل القوالب التي صيغ ضمنها إضفاء الراديكالية على مناقشة الديموقراطية والمجادلات الناجمة عنها.

 

علماً أن مرحلة ما بعد الحداثة، بوصفها وجهة نظر عالميّة نقدية، لا تشكل نظرية سياسية متّسقة خاصة بالديموقراطية،ولا موقف ما بعد حداثي واحد من الديموقراطية. غير أن هناك وجهة نظر ما بعد حداثية بشأن إشكالية الديموقراطية. لكن ما يصر عليه الكاتب، هو أن تشترك مرحلة ما بعد الحداثة في النقد الدائم للمحورية الغربية بصدد الديموقراطية، في سبيل بلورة نظرية خاصة ومميّزة للديموقراطية التي أقرّ فوكو بأنّ الحداثة تكبتها بصورة منهجيّة، وبالتالي يجب أن تفعل ذلك لأغراض الانعتاق ما بعد الحداثة، وهي أغراض لا يمكن تقييدها بالمنطق الأسسيّ للعمل العقلانيّ أو بعمليات استحضار ثابتة وشمولية للمشروع التنويري الغربي.

 

فلا السوق السياسية المنفتحة والقادرة على المنافسة هي الديموقراطية، ولا اقتصاد السوق يشكل بحد ذاته مجتمعاً صناعياً. بل إن في وسعنا القول، في الحالتين، إن النظام المنفتح سياسياً واقتصادياً شرط ضروري من شروط الديموقراطية أو التنمية الاقتصادية، لكنه غير كافٍ. صحيح أن لا وجود لديموقراطية من دون حرية اختيار الحاكمين من قبل المحكومين، ومن دون تعددية سياسية، ومن دون حرية تعبير، لكننا لا نستطيع الكلام عن ديموقراطية ما إذا كان الناخبون لا يملكون إلا الاختيار بين جناحين من أجنحة الأوليغارشية أو الجيش و/أو جهاز الدولة، لأن العولمة الرأسمالية التي تقودها الولايات المتحدة الأميركية تتساهل تجاه انضمام دول مختلفة لاقتصاد السوق، منها دول تسلطية، ومنها دول ذات أنظمة تسلطية آخذة بالتفكك، ومنها دول ذات أنظمة يمكن تسميتها ديموقراطية، أي أن المحكومين فيها يختارون بملء إرادتهم وحريتهم من يمثلهم من الحاكمين.

 

هجمة العولمة

يقول الكاتب في هذا الصدد ك"إن إضفاء الإشكاليّة والخلاف على الديموقراطية هو أيضاً ردّ على اكتساح العولمة والقوى والعناصر الفاعلة العابرة للحدود القوميّة على نطاق غير مسبوق. لقد أصبحت الحدود الإقليمية والثقافية والاقتصادية والسياسية غير محكمة الإغلاق بفعل هجمة العولمة، فمن جهة، تعني العولمة انتشار الخطابات الديموقراطية، لكنها من جهة أُخرى تولّد ممارسات غير ديموقراطية، وخصوصاً عن طريق سيطرة أقلية غير مسؤولة من أصحاب الشركات والمشاريع على حياة ومعاش غالبيّة كبرى من البشر. لقد سرّعت العولمة التي لا تعتبر بأي حال من الأحوال عملية منتظمة أو إيجابية أو تكاملية أو لا تُعكس، جدليّات إلغاء القطرية واللاقطرية، والمحليّة واللامحليّة. يصف تعريف غيدنز (Giddens) للعولمة "تكثيف العلاقات الاجتماعية العالميّة التي تربط الحقائق البعيدة بحيث تشكّل الأحداث التي تقع على بعد أميال عديدة الوقائع المحلية والعكس بالعكس". ثمة عنصر مهمّ غائب عن تعريفات العولمة، وخصوصاً في ما يتعلق بجدليّات التبادل، وهو عنصر الاختلاف. ربما لا يوجد شيء يوضح هذه النقطة مثل نقل موقع الديموقراطية من بيئتها الخاصّة والمحددة، أي الغرب، وترجماتها المحلية في بيئها الجديدة. (ص41).

 

فالفكرة الديموقراطية التي يتبناها "الوعي السلطوي" العربي، والتي سبقتها صراعات اجتماعية وسياسية وحتى عسكرية، ومخاضات عسيرة حول مفهوم الديموقراطية وآليات تطبيقها، ومدى ملاءمتها للبيئة العربية، ظلت عرضة للأخطار والانتكاسة والتراجع بسبب عدم احترام السلطات للحريات الأساسية، وعدم اتجاهها نحو الحد من سلطة الدولة على الأفراد، وبقائها أسيرة المصالح الخاصة، والحزبية الحاكمة، ذات المنشأ غير الديموقراطي.

والحقيقة، أن الديموقراطية تبدأ بإرساء نظم علاقات ديموقراطية وممارستها مؤسساتيا، كما تتطلب التغيير في العقليات والتكوين النفسي، لا في الشكل فحسب ولكن أيضا في المضمون. ومن الأفضل للسلطة السياسية التي ترفع لواء الحداثة والديموقراطية وحقوق الإنسان أن تبدأ بممارسة هذه القيم داخل أطرها المؤسساتية، لأن فاقد الشيء لا يمكن أن يعطيه. وهذا ما هو ليس حاصلاً، وربما لن يحصل في العالم العربي.

 

ويعتقد الكاتب أن بحث الديموقراطية في إطار العولمة، يوجب النظر ملياً في نوعين من الاختلاف على الأقل: "معنى الديموقراطية الإقليمية في عصر انتشار القوى التي تعمل فوق الأمة ـ الدولة، وقابلية نجاح المعايير والإجراءات والمؤسّسات الديموقراطية في العلاقات بين الدول. وتخضع الصلة الجهازيّة التقليدية بين وضع الخرائط الإقليمية والمجتمع السياسي للتهديد بالإكراه. وثمة أسئلة تُطرح عن معنى السيادة في عالم يزداد فيه عمل الشركات العابرة للحدود القوميّة والشركات المتعددة الجنسيات خارج نطاق الولايات القانونيّة الوطنية. وتمارس المجالس الإدارية والتنفيذية غير المنتخبة شعبياً التي تدير الشركات المتعدّدة الجنسيات سلطة كبيرة تصل في الغالب إلى حدّ التأثير في صنع القرار وفي الخيارات السياسية للقادة السياسيين المنتخبين. ويمكن الشعور بنفوذها على حدّ سواء في دول قوية ودول ضعيفة وكذلك في دول ديموقراطية ودول غير ديموقراطية...لقد أنتج التحدي الذي تواجهه الديموقراطية القطريّة من القوى العابرة للحدود القوميّة وتركّز العولمة حركات من دعاة الإصلاح الراديكاليّ العالميّ ودعاة التضامن العالميّ. ويتخذ الأخيرون شكل هويات هجينة/عابرة للحدود القومية ونضالات تسعى إلى التعبئة تحت الدولة، بأسلوب محلّي، وفوق الدولة، بأسلوب معولم. إنّ هذا النموذج الحديث النشأة للمقاومة التي تخوضها هويّات وجماعات كانت مهمشة سابقاً وانعتاقها يؤدي حاليّاً إلى تهميش الدولة القطريّة بصورة نسبية وعن غير قصد" (ص ص 41-42)..

 

لقد دخلت الديموقراطية، بوصفها كلمة دالة، دخلت الشرق الأوسط العربي عندما فقد حريّته أمام القوى الاستعمارية وما تلا ذلك من خلال نشوء نظام الأمة ـ الدولة. لكن بانتقال الكلمة الدالة من مسرحها الغربي إلى الشرق الأوسط العربي تحرّرت من جسدها وتضعضعت بالتالي أهميتها. وينطبق ذلك على الأقل على الروايات السلفيّة والتوفيقية التي تدقق في الدلالات الأصلية أو تزعزعها وفقاً لتصوراتها للمجتمع والهوية. وبرفض الديموقراطية، على سبيل المثال، قد تصف الرواية الداعية إلى السلفيّة الديموقراطية باعتبارها غريبة تماماً، ويحيلها إلى عالم "الآخرية". بالمقابل، قد تسعى الرواية التوفيقيّة إلى تسوية وتفاوض مع الحديث والتقليدي على السواء.

 

لحظة تاريخية

ما يهدف إليه الكاتب في هذا العمل البحثي الكبير والموثق والذي يدل على سعة اطلاعه واستيعابه لمنتجات الفكر الغربي حول الديموقراطية سواء في عصر الحداثة أو في عصر ما بعد الحداثة. وأهم ما يميز هذا الكتاب أنه تمتزج فيه جوانب التناول التاريخي والسياسي والأيديولوجي والفلسفي، في صياغة منهجية وبحثية رفيعة ليصل إلى ما يسميه المؤلف نفسه "لحظة تاريخية في المجتمعات العربية... حيث تبدو على درجة كبيرة من الثقة في الانخراط مع مسألة "الديموقراطية" والمشاركة في مثلها الأعلى وتجربتها".

 

إن الديموقراطية الحقة هي تلك التي تقوم على اعتراف السلطة العربية بضرورة إعادة النظر في بنية الدولة السائدة حالياً، لجهة بناء دولة المؤسسات، دولة كل المواطنين، لا دولة حزب واحد، أو دولة أفراد مهما كبرت أدوارهم التاريخية. ويتطلب بناء الدولة الحديثة أن تطلق السلطة حواراً وطنياً واسعاً طال انتظاره حول قوانين الدولة الوطنية الحديثة، بدءاً من قانون الأحزاب والجمعيات إلى قانون المطبوعات إلى قانون الأسرة وغيره، فضلا عن بناء المؤسسات المجتمعية المقتنعة بالحريات الفردية والعامة، وضمان ممارستها في المجتمع، وعدم كبحها. والحريات الفردية والعامة لا يمكن أن يكون لها وجود عياني ملموس مالم يكن المحكومون قادرين على اختيار حكامهم بملء إرادتهم، وما لم يكن الشعب قادراً على المشاركة السياسية في إيجاد المؤسسات السياسية والقانونية والمجتمعية، وفي تغييرها.

 

إن إحدى ركائز وجود دولة الحق والقانون وجود تعددية سياسية حقيقية مؤسسة على قيم الحوار، والتنافس الشريف، والاعتراف المتبادل. ففي البلدان التي توجد فيها ديموقراطية تعددية، تجري انتخابات حرة ونزيهة بشكل دوري ومنتظم بواسطة الاقتراع العام. ولهذا نرى في هذه البلدان تداولا ً سلميا ً على السلطة، جراء تحقق توافق بين الفاعلين السياسيين حول سير المؤسسات وطريقة عملها، بما في ذلك السياسة الداخلية والخارجية، وضمان ديمومة استمرار دولة القانون، أولاً، ووجود حياة حزبية مستقرة، منتظمة، ومؤسسة على ثقافة المشاركة. فهناك تلازم بين الحياة الحزبية السليمة والعملية الديموقراطية، باعتبار ذلك تعبيراً عن التداول السلمي على السلطة، ثانياً. وفضلاً عن ذلك، فإن فكرة الديموقراطية لا تترسخ في النظام السياسي المعاصر، لا سيما في البلدان المتخلفة، إلا من خلال تفعيل العمل الحزبي وتقويته وتطويره، في أوساط الشعب، الذي من المفترض أن تنتج السياسة في صلبه. ذلك أن الأداء الحزبي، المنتظم، والمستقر، والمؤسس على روح المنافسة، يصقل الديموقراطية ويعمق الوعي بها، ثالثاً.

 

ويشكل هذا الكتاب المرجع، إضافة نظرية قيمة للفكر اللا أسسي حول إعادة تشكيل الديموقراطية في العالم العربي بوصفها سمة تراثية لا أسسيّة. فهوكتاب يتفحّص المدخلات الأسسيّة واللاأسسيّة وما بعد الأسسيّة في مناقشة الديموقراطيّة. وهو أمر تقتضيه التعقيدات اللغويّة والثقافيّة لتطبيق الديموقراطيّة ونموذج إضفاء الديموقراطيّة في أماكن غير غربيّة. وإزاء خلفيّة الخلافات والمناقشات الثقافيّة والحضاريّة المتعالية، الغربيّة والعربيّة الإسلاميّة، يستنبط فهماً للديموقراطيّة يكون فيه للثقافة والديموقراطيّة فرصة لأن تعزّز إحداهما الأُخرى لا أن تستبعد إحداهما الأُخرى.

 

الكتاب: البحث عن ديمقراطية عربية: الخطاب والخطاب المقابل 

الكاتب: الدكتور العربي صديقي

الناشر: مركز دراسات الوحدة العربية ،الطبعة الأولى 2009، (504 صفحة)

 

(*) مزعزعة لحتمية الديموقراطية وصدارتها أو تبوّؤها كل القيم وكل النظم الأُخرى.

 

المستقبل - الثلاثاء 17 تشرين الثاني 2009 - العدد 3486 - ثقافة و فنون - صفحة 18

 

<Previous   Next>

 

الرئيسةوجهات نظرفكريةسياسيةالاصلاححركيةتنمويةدوليةتاريخيةعامةوطنيةمغاربيةمشارقيةعربية دراساتحواراتندواتالبرلمانمختارات كتب ودواوينتقارير ودراسات
 
 

Mambo is Free Software released under the GNU/GPL License.