|
دراسة أسباب هجرة العقول الوطنية وكيفية التعامل معها
د. عوض يوسف الحداد: يشير الباحثون إلى أن هجرة العلماء والمفكرون والأدباء ليست ظاهرة جديدة في تاريخ العالم بل أنها قديمة قدم العلم نفسه وحركة مألوفة في تاريخ المجتمعات الإنسانية منذ العصور القديمة والحديثة. ومصطلح هجرة الأدمغة أو نزيف الأدمغة والعقول ابتدعها البريطانيون ووصف خسارتهم خلال الستينات من القرن الماضي من العلماء والمهندسين والأطباء، بسبب الهجرة من بريطانيا إلى الخارج وخاصة الولايات المتحدة، إلا أن العبارة أصبحت الآن تطلق على جميع المهاجرين المدربين تدريباً عالياً من بلدانهم الأصلية إلى بلدان أخرى.
الفنية والفكرية من بلد نام أو حتى من بلد متقدم وتسربها تدريجياً إلى بلدان أجنبية متقدمة أو أكثر تقدماً وغني. وتتضمن جميع حقول الدراسة والنشاط البشري دون استثناء مع تركيز على العلوم.
والمعلوم أن هجرة الأدمغة أو الكفاءات من البلدان النامية إلى البلدان المتقدمة والغنية وكذلك من البلدان المتقدمة إلى الأكثر تقدماً، بات تدريجياً هاجساً يشغل إلى حد كبير بال رجال السياسة والتربية والاقتصاد والتخطيط والاجتماع... الخ.
وهذا ينطبق على البلدان النامية والبلدان المتقدمة على حد سواء. ولهذا أصبحت هجرة الكفاءات مشكلة سياسية وللأهم اقتصادية ومصدر قلق للدول وأصبحت تلفت انتباه الرسميين فعقدت المؤتمرات وأجريت الدراسات واتخذت التدابير اللازمة للحد من هذه الظاهرة وربما استقطاب من هاجر.
وهناك في الوقت الحاضر مخاوف بعد ظهور مجتمع المعرفة العالمية من أن تأثير ظاهرة هجرة الكفاءات على الدول التي تكافح من أجل الحفاظ على قدراتها للنمو والتنمية الداخلية سيكون سلبياً بسبب تزايد حركة الأفراد الذين تتركز فيهم المعرفة بشكل خاص، استجابة لديناميكية السوق الدولي للمهارات.
المتتبع لحركة هجرة الكفاءات يلاحظ أن نمط الحركة كان متجهاً جغرافياً من دول الجنوب إلى دول الشمال المتقدم خلال فترة ما بعد الاستعمار بين عامي 1960-1970 إلا أن هذا النمط قد انتقل في أواخر الثمانينات وأوائل التسعينات إلى خروج الكفاءات العلمية من الشرق إلى الغرب في أعقاب الحرب الباردة وانهيار أجهزة دول الكتلة الشرقية العلمية والتكنولوجية والصناعية.
واليوم تتنبأ كل وسائل الإعلام عن هجرة الكفاءات من كل أنواع الأماكن إلى مركز جذب مختلفة نتيجة للتقدم الهائل في تكنولوجيا المعلومات والاتصالات الجديدة التي زودت السوق بأدوات مناسبة للتوفيق الفوري والشفاف بين العرض والطلب على نطاق عالمي.... ولهذا قد يكون من حق الأماكن ذات الكثافة المنخفضة في المعرفة أن تشعر بالخوف من أن تصبح معرضة للنزيف في كفاءاتها الوطنية بسبب عدم قدرتها على الاحتفاظ بهذه الكفاءات التي أصبحت غير مقيدة والتي لا يمكن احتواؤها داخل الحدود الوطنية بروابط اجتماعية أو تنظيمية أو روابط أخرى. والخوف يتزايد مع تزايد الضغط الذي يمارس من الطلب على العمالة الماهرة التي يولدها الاقتصاد الجديد في الدول العالية التصنيع.
صعوبات البحث:
1ـ يُعد الخوض في بحث ودراسة هجرة الكفاءات الوطنية إلى الخارج من بين أكثر البحوث صعوبة وتحدياً نتيجة للسرية المتعلقة بالإحصاءات الخاصة بالكفاءات وعدم تجاوب الجهات المسؤولة مع الباحثين في هذا المجال أو إضفاء طابع من الغموض على كثير من البيانات.
2ـ حصول بعض أو الكثير من الكفاءات المهاجرة على جنسية الدولة التي تتم الهجرة إليها، وتوالد الأجيال فيها تقود إلى عدم دقة البيانات المتعلقة بالكفاءات المهاجرة خاصة وأن هذه الدول تعطي تسهيلات كبيرة في حصولهم على الجنسية.
3ـ حركة الكفاءات باتجاهات جغرافية مختلفة وعدم استقرار بعضهم خاصة في ظل العولمة التي سهلت هذه الحركة نحو المكان الأفضل.
4ـ ظاهرة ازدواجية الجنسية الأمر الذي يجعل الشخص الواحد يحسب مرتين في بلدين مختلفين. 5- درجة الاعتباطية التي تنتاب تقسيم فئات وتصنيفات قوة العامل المهاجرة مثل التفرقة بين الكفاءات المهاجرة والعقول المهاجرة والعلماء المهاجرون، وغيرها من المصطلحات.
تحديد الكفاءات المهاجرة على المستوى الوطني: يمكن أن نصنف الكفاءات الوطنية إلى الفئات التالية:
أ- الاختصاصيون والتقنيون. Specialists and Technician
ب- المهنيون Professional
ج- العلماء Scientists
وللتفرقة بين هذه الكفاءات من حيث إتقان عملية العمل نشير إلى أن التقنيين هم الذين يملكون الخبرة التقنية المتخصصة وقرب قمة الهرم يقف المهنيون أي الذين حققوا مستوى علمياً ومعرفياً في إطار التعليم العالي من الدرجة الجامعية وما فوقها مباشرة وعلى القمة يتربع العلماء أي الذين حققوا أعلى مستوى في المعرفة العلمية والنظرية والتطبيقية.
وحيث لا يوجد حد فاصل دقيق بصفة كاملة بين هجرة الكفاءات وهجرة العقول سوف نستخدم في هذه الدراسة مصطلح الكفاءات ليشمل الفئات الثلاث (أ ، ب، ج) سابقة الذكر.
حجم حركة هجرة الكفاءات الوطنية:
تشير الدراسات الإحصائية الحديثة حسب تقديرات أمانة اللجنة الشعبية العامة للتخطيط سنة 2007ف أن عدد الباحثين عن العمل يبلغ نحو 170000 شخص من المتوقع أن يتزايد هذا العدد سنوياً بنحو 40000 شخص في المتوسط خلال السنوات الخمس القادمة كما تشير الإحصاءات إلى ارتفاع معدل البطالة في ليبيا 10.7% عام 1995م إلى 17.3% عام 2003ف، كما تشير الإحصاءات أيضاً إلى أن عدد العلماء والمهندسين حتى سنة 2005ف بلغ حوالي 350 عالماً ومهندساً لكل مليون من السكان أي يصل عددهم إلى حوالي 1500 شخص هذا الرقم إذا ما قارناه بعدد الكفاءات الوطنية في الخارج والذي يصل إلى حوالي 4518 شخص من تخصصات مختلفة (أطباء، مهندسين، أساتذة جامعيين) فيتضح لنا مقدار الخسارة الكبيرة للوطن من جراء هذه الهجرة.
أسباب هجرة الكفاءات الوطنية:
كانت هناك محاولات جادة قامت بها الدولة الليبية في أوائل السبعينات من القرن الماضي بهدف استعادة العلماء العرب والحفاظ على الكفاءات الوطنية من الهجرة ونتج عن هذا دعوة مجموعة من العلماء العرب إلى طرابلس مطلع عام 1974 لدراسة إمكانية إنشاء مدينة أو مجمع للعلماء العرب في ليبيا، كما شاركت الدولة الليبية في اجتماعات "لجنة هجرة الكفاءات العربية إلى الخارج" المنبثقة عن مجلس جامعة الدول العربية في القاهرة بتاريخ 2 من شهر الحرث سنة 1974ف ونتج عن هذه المحاولات من أجل استعادة الخبرات العربية عن قانون رقم 13 لسنة 1975 بشأن تشجيع الخبرات العربية اللازمة للتنمية. كما أنشئت إدارة عامة لتشجيع هذه الخبرات تابعة لوزارة الخارجية في تلك الفترة وضمت الإدارة مكاتب متخصصة، كانت هذه المحاولات الوطنية القومية الصادقة بمثابة عوامل جذب لهذه الكفاءات العربية واستقرار للكفاءات الوطنية في البلد الأم. إلا أن هذا التوجه القومي والوطني لم يستمر طويلاً وذلك لتزامنه مع أحداث محلية كثيرة كانت بمثابة عوامل طرد للكفاءات الوطنية من الدولة الأم وتوفر عوامل جذب في دول المقصد وخاصة الدول الغربية ، من أهم هذه العوامل حسب وجهة نظر الباحث ما يلي:
أولاً: عوامل الطرد:
ـ المناخ السياسي الذي أوجدته حركة اللجان الثورية التي تأسست في منتصف السبعينات من القرن الماضي وتزامنت مع اتخاذ الدولة استراتيجية المشاركة الشعبية التنموية -التي اعتمدتها الأمم المتحدة في تلك الفترة- كأيديولوجية سياسية لها(*) كانت بمثابة العامل الطارد الأساسي في هجرة العديد من الكفاءات الوطنية الشابة في كل المجالات نتيجة لما قامت به عناصر هذه الحركة من تنكيل وقمع واغتيال لهذه الكفاءات في الداخل والخارج إلى جانب كبت للحرية الفكرية والإبداع والخلق عند هذه الكفاءات (فمثلاً بلغ عدد الكفاءات الوطنية المهاجرة في أواخر السبعينات أي بعد تأسيس حركة اللجان الثورية بقليل حوالي 320 شخص من تخصصات علمية مختلفة).
ـ سيادة العرف القبلي قبل الكفاءة في اختيار الأشخاص غير المؤهلين للمراكز القيادية أحدث حالة من الفوضى والقمع الإداري الذي مارسته هذه القيادات بسبب تخوفهم من الخبرة القادمة، وكان بداية لظهور ما نطلق عليها ظاهرة "الفساد السياسي القبلي". - ضعف الدخول المادية للخبرات والكفاءات الوطنية وخاصة عندما لا يتم التفريق بين أصحاب هذه الكفاءات وغيرهم من الفئات الأقل علماً ومعرفة مما أدى إلى تطبيق خاطئ لمفهوم العدالة الاجتماعية.
ـ غياب مفهوم الانتماء للوطن وضعف الوازع الديني والأخلاقي لدى بعض المسؤولين في القطاعات العامة أدى إلى استغلال هؤلاء لمواقعهم الإدارية والأكاديمية من أجل تحقيق مصالحهم الخاصة قبل مصالح الوطن وزاد من وتيرة الهجرة بعيداً عن الوطن الأم. - تدخل العديد من أجهزة الدولة المنظورة وغير المنظورة في اختيار الأشخاص للمناصب القيادية في المؤسسات التعليمية والأكاديمية ساهم في هجرة الكفاءات الوطنية.
ـ الإحباط لدى الكفاءات الوطنية الأكاديمية الناتج عن نقص التسهيلات العلمية الكافية (معامل، مكتبات، معدات ......، الخ) وضعف مؤسسات البحث العلمي والإنفاق عليها وغياب الحوافز المادية لهذه الكفاءات والبيئة النفسية المصاحبة كل هذا سارع في هجرة هذه الكفاءات للخارج.
- استمرارية تفشي ظاهرة الفساد المالي في كل مؤسسات البحث العلمي في السنوات الأخيرة أدى إلى استمرارية الهجرة بين الكفاءات العلمية في هذه المؤسسات .
ـ سيادة العرف القبلي وغياب أو تهميش القانون سارع في نزوح الكفاءات للخارج. - عدم احترام القدرات العلمية والكفاءات ذات الانتماء للوطن وخدمته والافتقار إلى التشجيع من قبل زملائهم في المهنة. - عدم المساواة في المعاملة المالية بين عضو هيئة التدريس الوطني والوافد.
ـ غياب وجود استراتيجيات واضحة وهادفة للبحث العلمي في مختلف المجالات.
ثانياَ: عوامل الجذب:
الكفاءات هم أفراد متميزون يسعون لتحقيق ذاتهم فكرياً ومهنياً وضمان عمل ومعيشة مريحة تكفل لهم حرية التفكير وإمكانية الإبداع، ولما كان هذا السعي يحبط في أغلب الأحيان في الوطن الأم فإن هذه الكفاءات الوطنية تجد لها مكاناً في دول الغرب المصنعة نتيجة توفر عوامل جذب هامة في دول المقصد خاصة أوروبا الغربية ودول ما يعرف بالعالم الجديد وبالتحديد الولايات المتحدة الأمريكية وكندا واستراليا، وتتمثل هذه العوامل بدرجة رئيسية فيما يلي:
1ـ ارتفاع مستوى الدخل وبالتالي ارتفاع مستوى المعيشة في دول المقصد.
2ـ توفر إمكانيات البحث العلمي (كتب، ومجلات علمية، ومعدات، وأجهزة، والوقت اللازم للبحث، والبنيان المؤسسي للبحث العلمي، والاتصال العلمي الدولي).
3ـ توفر مناخ الاستقرار السياسي في بلد المقصد.
4ـ توفر حرية الفكر والرأي والأسلوب العلمي لإدارة المجتمع. الحلول والمقترحات:
على الرغم من هجرة الكفاءات الوطنية قد استفحلت منذ منتصف السبعينات فإن ردود الفعل الجدية للحد من هذه الظاهرة لم تبدأ إلا في السنوات الأخيرة وبالتالي فإن المقترحات التي يمكن طرحها في هذا المجال يمكن تلخيصها فيما يلي:
1ـ عدم ممارسة أي ضغوطات سياسية أو فكرية على الكفاءات الوطنية من أي جهة كانت بهدف تهيئة المناخ العلمي وحرية التفكير والإبداع.
2ـ يتوجب على الدولة استخدام الكفاءات في الداخل ودعوة تلك التي في الخارج للمشاركة الفعلية في إعداد الخطط الوطنية التنموية الشاملة والإشراف على تنفيذها وتطبيقها دون تدخل أي من الجهات المنظورة وغير المنظورة في عملها.
3ـ لا يمكن الحد من هجرة الكفاءات الوطنية واستقطابها إلا بتوفير الظروف المادية والنفسية التي تؤمن الاستقرار الفكري والجسدي لهم وتحقق لهم نوع من المركز الاجتماعي يتلاءم مع مؤهلاتهم العلمية وقدراتهم بعيداً عن الحقد والضغينة والحسد ومن ثم على الدولة إعادة النظر بالكامل في أنظمة المرتبات والحوافز والتسهيلات المادية والمعنوية التي يمكن تقديمها لهذه الكفاءات.
4ـ غياب الحرية الأكاديمية يؤدي إلى عدم توفر المناخ الأكاديمي الصحي السليم ومن ثم على المؤسسات السياسية سن التشريعات التي تكفل توفير الحرية العلمية الأكاديمية والالتزام بهذه التشريعات في إطار نوع من الاستقلالية الأكاديمية للجامعات وأمانة التعليم العالي دون تدخل من المؤسسات السياسية بأي شكل من الأشكال وتحت أي شعار من الشعارات السياسية.
5ـ يعتبر البحث العلمي هو الجزء الخلاق والمبدع في العمل الجامعي وخاصة بالنسبة لأعضاء هيئة التدريس الجامعي، فإن أي عقبات تقف في وجه هذا النشاط تعتبر قوة طاردة لهذه الكفاءات وبالتالي تقترح هذه الدراسة وضع التشريعات واللوائح التنظيمية التي تسمح لأعضاء هيئة التدريس بالقيام بمشاريع بحوث فردية أو جماعية وتمويلها من قبل مراكز البحوث في الجامعات وخارجها بشفافية، وتشجيع حركة الترجمة والتأليف وسرعة نشر هذه الأعمال العلمية دون وساطة أو محسوبية في نشر أعمال دون أخرى.
المراجــع:
1ـ أنطوان، زحلان، "هجرة الكفاءات العربية – السياق القومي والدولي"، المستقبل العربي، العدد 159، سنة 1992، ص23.
2ـ الجمهورية العربية الليبية، المؤسسة العامة للصحافة، إدارة البحوث والتخطيط والمتابعة"، "هجرة الأدمغة العربية وضرورة تنظيم عودتها"، سنة 1974.
3ـ عزت، السيد أحمد، "الكفاءات العربية المهاجرة نزيف واستنزاف يفرضها الواقع العربي" شؤون عربية، العدد 116، سنة 2003، ص122.
4ـ عيسى، محمد عبدالشفيع، "هجرة العقول العربية" واقعها الراهن وسياسات التعامل معها"، مجلة البحوث والدراسات العربية، العدد 30، سنة 1998.
5ـ ماير، جان باتيست "الترحال العلمي"، المجلة الدولية للعلوم الاجتماعية، العدد 168، 2001، ص13-14.
6ـ مركز دراسات الوحدة العربية، "هجرة الكفاءات العربية"، بحوث ومناقشات الندوة التي نظمتها اللجنة الاقتصادية لغربي آسيا (أكوا) الأمم المتحدة، سنة 1981.
|