English Articles
 

الرئيسة arrow سياسية arrow قضايا سياسية arrow موقعنا على طريق الديمقراطية
PDF Print E-mail
قضايا أساسية - قضايا سياسية
Written by جميل مطر   
Jan 10, 2026 at 08:51 PM

موقعنا على طريق الديمقراطية

جميل مطر: اختلفنا على تسمية المرحلة التي نعيشها، أنعيش مرحلة خروج من الاستبداد أم مرحلة ولوج في الديمقراطية، أم مرحلة لا تسمى؟ واختلفنا على تعريف الضمانات الضرورية لكي نستمر في التقدم في المرحلة التي نعيشها فلا ننتكس بل ولا نتوقف.  ماذا يضمن لنا أن الطريق الأولى، طريق الخروج من الاستبداد أو التفلت منه في اتجاه طرق أقل وعورة، لا تنقطع فنبقى فيها سنوات أو عقودًا أخرى؟

  

وماذا يضمن أن تتراكم التغييرات و”الإصلاحات” وأن تعود الطبقة الوسطى للتوسع، وأن تنتفض القيم والأخلاقيات الطيبة وأن يظهر جيل جديد من السياسيين أقل فساداً وإفساداً وأصدق إيماناً بإمكانات بلاده الداخلية والخارجية؟

 

بدأنا مناقشة استمرت يومين، وكنت ضيفاً على جماعة “ديمقراطيون في المستقبل”، بدأنا بإعلان نيتنا البحث عن وسيلة أو أداة تساعدنا في التعرف إلى نوع هذه الحياة السياسية التي نعيشها. أردنا بهذه المحاولة الوصول إلى ما يجعلنا نقرر بأنفسنا ولأنفسنا وبإرادتنا الحرة شكل المرحلة التي نمر فيها وجوهرها. أردنا التأكد من حقيقة ما تردده أجهزة السلطة في دولنا العربية من أننا نعيش “أجواء” ديمقراطية أو تمهد للديمقراطية أو بمسحات ديمقراطية، أو التأكد من حقيقة ما تردده وبنفس التكرار والقوة تيارات وأحزاب في المعارضة، من أننا نعيش إن صح التعبير، أو مغروسين، في “تربة” استبدادية. كان البعض منا حتى وقت قريب، أقربه الساعات التي قضاها باراك أوباما في مصر، ينتظر رأي الزعيم الأمريكي وآراء المسؤولين والحقوقيين في دول الغرب لنعرف منها أي حياة نحياها وتحت أي عنوان يجري تصنيفها ونسمع توصيفاً لحكامنا عرباً ومسلمين. كان الفضول يدفع البعض منا للسؤال عن كيف يبدو أمام الآخرين، ويتوسل إليهم أحياناً ليدلوه على نواحي النقص والتقصير وسلبيات السلوك وينصحوه بما يجب عمله، وقد رأينا هذا الآخر تارة ينصح شعوبنا بالتمرد على حكامها المستبدين وتارة أخرى رأيناه يؤلب الحكام المستبدين على شعوبهم أو على الأقل يعرب لهم عن “تفهمه” مبررات الاستبداد وقهر الشعوب.

 

لا شيء في مجتمعاتنا العربية ثابت أو جامد. على أساس هذه البديهية انطلق النقاش، حتى الاستبداد الذي هو بحكم طبائعه يبدو ثابتاً وجامداً تضطره الظروف لتقديم تنازلات صورية ومؤقتة أحيانا، وتنازلات انتهازية في معظم الأحيان، يتملق بها قطاعا ثم قطاعا آخر من الشعب، أو يجامل حكومة أجنبية معروفاً أن إعلامها عالي الصوت ومصالحها متعددة الأذرع، أو يبرد حرارة التعاطف الذي يبديه رأي عام عالمي مع شعب يبدو مقهوراً أو مظلوماً. يعرف رجال الاستبداد ونساؤه أن كل تنازل يقدمه مهما كان صورياً أو انتهازياً أو ضرورياً يترك آثاراً تتراكم مهما أبدع الاستبداد في صنع المضادات لها والمبيدات وأساليب القهر، وفي هذه البيئة يزدهر الحنين وينتعش الحلم، وكلاهما عدو للاستبداد.

 

هكذا أيضا يكون حال الديمقراطيات حديثة النشأة، ومنها الديمقراطية التي تأتي محمولة على دروع الدبابات أو تحت الضغط الخارجي أو في أعقاب الهزائم العسكرية ونتيجة “فورات” الشوارع وتلك التي تأتي بها المراجع الدينية. تفتقر هذه الديمقراطيات إلى ضمانات تضمن استمرارها. وإن استمرت ففي الغالب ستكون مسخاً أو هزلاً مجسماً، قد يرى الحالمون بالديمقراطية أن هذه الأشكال من الديمقراطية أفضل من لا ديمقراطية وأن بعضها قابل للاستمرار، ولكن يغيب عنهم أن خيبة الأمل التي عادة ما تحل في أعقاب فشل هذه الديمقراطية حديثة العهد تخلف آثارا غائرة في المجتمعات التي جربتها لأنه في غياب منظومة قيم اجتماعية واقتصادية وثقافية وقواعد وركائز راسخة تعززها وتحميها من عشاق الاستبداد والجماعات المتخصصة في تزيينه وتجميل صورته وإثارة الحنين إليه، لن تقوى هذه الديمقراطية على الاستمرار.

 

أما الديمقراطية بعيدة عنا، نحن شعوب العرب، زماناً ومكاناً، والاستبداد مطبق وجبار ولكن دائما خائف من شعب في الداخل ظاهره شبه مستسلم وبكل تأكيد غير ثابت أو جامد، ومطمئن لخارج هو نفسه متراوح وغير ثابت في دعمه أو جامد في موقفه، يبدو محتملاً أن مجتمعاتنا المحشورة داخل أعناق زجاجات الاستبداد ستجرب “الانتقال” والدخول في حالة “بين بين” بتراث استبدادي ونخبة حاكمه أغلبها مستبد وجماعات مصالح اكتشفت أن تكلفة الاستبداد حارة باهظة، يتوصلون جميعاً إلى ضرورة عقد صفقة تضمن حماية مصالح الفئات المساندة للاستبداد والمستفيدة منه تشبع تطلعات القوى الساعية للانتقال إلى الديمقراطية. حدث شيء قريب من هذا التطور في إسبانيا والبرتغال قبل دخولهما مرحلة الانتقال وحدث أيضا بدرجات متفاوتة في أمريكا اللاتينية، وحدث في دول شرق أوروبا بتدخل خارجي صريح وهائل من جانب دول الغرب. نجحوا في أوروبا الشرقية ونجحوا بدرجة أقل في أمريكا اللاتينية، ونجحوا بدرجة ممتازة في إسبانيا والبرتغال ونجحوا بدرجات متفاوتة في دول آسيا باستثناء الهند التي كانت دائما متفوقة.

 

أين نحن من هذه التجارب الناجحة ونصف الناجحة والفاشلة؟ هل سنبقى طويلاً محشورين في أعناق زجاجات؟ هل بدأنا السير على طريق الخروج من الاستبداد أم أننا بدأنا فعلاً السير على طريق الانتقال إلى الديمقراطية؟ حاولنا الإجابة تساعدنا مؤشرات وعلامات تفيد في قياس المسافة التي تفصلنا عن غيرنا من الأمم وتجاربها، وفي قياس درجات الطموح واليأس واحتمالات دخولنا في المستقبل طريقاً أو أخرى وما إذا كنا جاهزين لها؟

 

أما المؤشرات التي اخترناها لمساعدتنا في معرفة مدى قابليتنا للاستمرار في هذه الطريق أو تلك فهي:

 

كيف يدير المجتمع تنوعه الديني أو العرقي، أيديره بالعنف والقهر والانحياز، أم يديره بالحوار والنقاش والقانون؟ هل يتضامن الناس في حماية المقهور والضعيف والفقير والمعتقلين السياسيين، وهل يتشاركون في رفع القمامة من الشوارع وسلالم العمارات وأسطحها؟ هل يبذلون جهداً مناسباً للسماح لسيارات الإسعاف بأسبقية المرور و.....الخ؟.

 

2ـ مدى نزاهة المجالس البلدية والريفية. هل يعشش فيها الفساد ويتوطن أم لا يوجد إلا قليله؟ هل يشعر سكان المحليات بأن المجالس تمثلهم حقا وتهتم بمطالبهم وتدافع عن مصالحهم أمام المجالس العليا؟ إلى أي حد تعتمد المجالس المحلية، بما فيها المحافظات وضباط الشرطة على شيوخ القبائل والشخصيات النافذة ورجال الدين، بل وأحيانا على الخارجين عن القانون لتسوية النزاعات المحلية واستعادة الاستقرار وفرض الأمن، أم أنها تلتزم إلى حد كبير القوانين وهيبة الدولة والأساليب الحديثة في تسوية النزاعات؟.

 

3ـ درجة الشفافية التي تتسم بها عملية صنع السياسة والقرار في المستويات العليا للدولة، لا أقصد بطبيعة الحال سياسات الحرب والسلم والقرارات المتعلقة بها، أقصد تحديدا ما يتعلق بالقرارات الاقتصادية والاجتماعية وصعود أفراد وحجم ثروات القيادات السياسية وممتلكاتهم وأنشطتهم التجارية والمالية، ولا أقصد بالتأكيد تفاصيل حياتهم إلا ما انعكس منها على الحياة العامة. هل يعرف الناس، وهم الأصل في السياسة وهدفها، عن قياداتهم ما يطمئنهم على أحفادهم وأولادهم؟ هل تجري بانتظام وبالقانون محاسبة السياسيين وكبار رجال الديمقراطية ونسائها ومكافأة من ينجز ومعاقبة من يخطئ ويقصر؟

 

4ـ هل تتعاطف النخبة الحاكمة، صانعة السياسة ومشرعة القرار والملتزمة تحقيق الديمقراطية وصون العدالة واحترام كلمة القانون، مع انتفاضات الشعوب الأخرى المقهورة والواقعة تحت حكم نظم استبدادية أو تتعرض لاحتلال أجنبي؟. هل يتحرك الشعب، أو قطاعات واسعة فيه، للضغط على حكومته لدعم شعب أو نظام آخر يتعرض لانتهاكات إنسانية أو أخلاقية؟ هل يقف شعبنا والنسبة الغالبة من مثقفينا مؤيدين زعيماً أطلق جيوشه ضد دولة مجاورة يحتلها ويمثل بشعبها؟

 

الدعوة عامة للاشتراك في مناقشة المسألة التي تتحدى شعوباً كثيرة حالها مثل حالنا بهدف الإجابة عن السؤال: هل نحن جاهزون شعباً ونخبة مثقفة ونخبة حاكمة للخروج من عنق زجاجة الاستبداد والدخول في مرحلة الانتقال إلى الديمقراطية؟ دعونا نناقش منفردين وجماعات وعائلات، نناقش في مواقع العمل والبيوت والنوادي، دعونا نبدأ باستفهام أساسي عن مدى اقتناعنا بأن السلطة السياسية يجب أن تخضع للتداول ومدى انشغالنا بمسألة الانتخابات الرئاسية التي ستجرى بعد عامين، ومازلنا لا نعرف بالتأكيد أشخاص المرشحين لمنصب رئيس الجمهورية. وفي حالتنا لا ينفع التخمين ولا يجوز.

 

* نقلاً عن صحيفة "الخليج" الإماراتية

 

 إعادة نشر ـ 9 يناير 2009

Last Updated ( Jan 10, 2026 at 08:53 PM )
<Previous   Next>

 

الرئيسةوجهات نظرفكريةسياسيةالاصلاححركيةتنمويةدوليةتاريخيةعامةوطنيةمغاربيةمشارقيةعربية دراساتحواراتندواتالبرلمانمختارات كتب ودواوينتقارير ودراسات
 
 

Mambo is Free Software released under the GNU/GPL License.