|
التعليم في ليبيا ... استمرار سيناريو الأزمة
د. ميلاد مفتاح الحراثي: التعليم هو قضية القضايا، إن لم نقل هو أم القضايا في الدول النامية وتحديات تطورها يقع في مدى تطور نظمها التعليمية. ونحن هنا في ليبيا لا يزال التعليم محور معوقات التنمية والنمو من خلال سيناريو الأزمة واستمرارها بشكل دوري، والمؤشرات على ذلك عدم استقرار التعليم الأساسي والثانوي والجامعي على خيارات محددة، وإقحام فلسفة التعليم الخاص والذي يطلق عليه زوراً بالتعليم الأهلي والتشاركي، وكذلك الانسحاب الجزئي للدولة من دعم العلم والبحث العلمي عموماً.
فمخرجات التعليم في ليبيا في الغالب تخدم ثلاثة أهداف :
ـ أعداد كوادر في العلوم التطبيقية مثل النفط والطب والطيران ولكن سوق عملها ليس الداخل ولكنها معدة للدول الأخرى. والأمثلة كثيرة دول أوروبا الغربية والخليج والولايات المتحدة الأمريكية،
ـ أما الهدف الثاني التخرج العشوائي لطواقم كبيرة من الكتبة والإداريين من خلال التلقين،
ـ والهدف الأخير الربط المستمر بين التعليم ومتطلبات السوق من خلال لوائح وإجراءات غير ثابتة ومستقرة.
إذاً سيناريو التعليم واستمراره يعتمد على مؤشرات وأهداف تشكل وباستمرار معالم تعثر قضية التعليم وانعكاساتها السلبية على التنمية في ليبيا. هذا بسبب البناء الهيكلي لقاعدة وهرم التعليم في ليبيا، فتلك الأهداف والمؤشرات هي وليدة أخطاء إدارة التعليم في هذه البلاد. فالتعليم لا يحتاج إلى أمانة قطاعية مركزية تقوده، وتستحوذ على التخطيط والتمويل، وهذا لم يعد موجوداً في الدول المتقدمة مثل كندا والولايات المتحدة ومعظم النظم الفيدرالية، فهناك فقط إدارات عامة للتعليم على مستوى المركزية، أما "الوزارة" أو الأمانة المركزية للتعليم فهي في المناطق أو المقاطعات.
فتطوير التعليم لا يتم بإجراءات غير مدروسة، ولا يعني أيضاً التنظيم، إلا أنه يعني بالمقام الأول التخطيط والتمويل والمتابعة مركزياً، أما الإجراءات والتنظيم والقرارات ومن يتعلم ومن لا يتعلم ومن يواصل تعليمه، فهي أمور تتعلق بقاعدية التعليم وليس بهرميتهُ. كل ذلك لا يتم إلا في ظل ثورة هادئة دائمة باستخدام العلم. من الخطأ ربط مدخلات ومخرجات التعليم بآلية السوق، فالسوق دائماً يتقلب، ولكن التعليم لا يتقلب، التعليم فقط يتطور بتطور المجتمع المستهدف.
إن تحويل قطاع التعليم والنظر إليه بأنهُ قطاع استثماري ينبغي أن يكون لهُ دور في الاقتصاد بديلاً للدور التنموي، أدى إلى نشوء ثقافية مغايرة بأن الرقي الاجتماعي والثقافي لم يعد مرتبطاً بالحصول على الشهادات العلمية بعد أن أدركت هذه الثقافية بأنها الأقل ضماناً لنيل الثروة، وهذا سبب أسهم سلباً في مخرجات التعليم على ليبيا. لقد أدى تهميش العناية الموضوعية بالتعليم إلى تكديس فائض من الخريجين وحاملي الشهادات العليا دونما أن يتحول هذا الكم إلى لاعب أساسي في التحولات التنموية. فتحولت القوى العاملة والتدريب والتشغيل إلى فنون الانتشال وسياساتها لخلق الحلول المناسبة لمخرجات منظومة التعليم لدينا.
ولقد أدى هذا السيناريو المستمر للمنظومة التعليمية بأن تتبنى سياسات تتسم بالتقطع والتردد، ولم يُعرف بعد هل هي عائق من عوائق التنمية أم عامل من عواملها ؟ وبذلك تحول شعار التعليم من التعليم المجاني والمدرسة للجميع إلى شعار "التعليم لمن استطاع إليه سبيلا"، من خلال فكرتي الاستثمار والتعليم الخاص أو التشاركي. الشعار الذي ينبغي أن يكون من ضمن أوليات ليبيا الغد هو أن يكون التعليم عامل من عوامل التنمية وليس نتيجة لها، وليس علينا كسب رهان تطوير التعليم وأقدامنا لم تطأ بعد أرضهِ.
والبحث العلمي من أهم هدفيتهُ وهو تنمية العلم والعلوم ويبقى التعليم بيئته الأساسية والحاضنة لهُ، فهو أرضية انطلاقة وتجاربهُ وإسهاماتهُ، ولكن الانسحاب الجزئي لدور الدولة من دعم البحث العلمي سوف يؤثر على مخرجات ومدخلات منظومة التعليم في ليبيا، فلا يرتقى مستوى التعليم بدون الإنفاق على العلم والعلوم لإحداث نقلات نوعية فيه.
للخروج من الأزمة ونفقها :
ـ تحويل الأمانة المركزية إلى إدارة للتعليم وعنايتها بالتخطيط والتمويل والمتابعة.
ـ ترحيل الاختصاصات إلى مستويات الدنيا.
ـ ضم التعليم الثانوي في مستوى واحد تحت مسمى كلية إلى جانب تخصصات التعليم المتوسط والمهني والتطبيقي، وعدم ربطها بالجامعات.
ـ التحول من التعليم الذي يعتمد على استكمال الواجبات آخر النهار وتبني نظام اليوم التعليمي الكامل.
ـ اعتماد نظام كل التخصصات المتعلقة بالمعرفة والعلوم.
ـ إعتماد النظم الجامعية في الأداء والتقييم وأساليب المحاضرات وإستبدال إسلوب الحصص.
ـ توحيد نسب القبول بالجامعات لاستقبال مخرجات هذا النظام.
ـ تقسيم مخرجات هذا النظام إلى قسمين: قسم يحق لهُ مواصلة تعليمهِ الجامعي وفق التقسيم الجامعي للنسب، والقسم الآخر لسوق العمل.
ـ اعتماد نظام الساعات المكتسبة وبمسميات جامعية.
وهكذا يكون التعليم عامل من عوامل التنمية من خلال ثورة هادئة دائمة باستمرار حاجتنا للعلم والتعليم والعلوم.
قورينا ـ 8 يناير 2010
|