|
تحجّر العقل الليبي..!!
موسى الدرسي: اذا سلطنا الضوء على ما ينشر في وطننا (ليبيا) من ادبيات، في الصحافة والكتب والاعلام، يتضح لنا ان هناك قدرا من نظريات المؤامرة والتحذيرات من الخطر الثقافي والحقوقي والفكري الآتي من الخارج، تشغل حيزا مهما فيها، فهي دائما تدق نواقيس الخطر، وتقرع طبول الخوف من التأثيرات الخارجية الهدامة في افكارنا ومبادئنا وتقاليدنا، ويبدو لي ان هذه المخاوف مبالغ فيها..!!
ان القائمين على المؤسسات الثقافية والفكرية والاعلامية في بلادنا، بذريعة المؤامرة والخوف، خلقوا لنا حالة من الجمود والتحجر في العقل والفكر الليبي، حالة من الهزال والضعف والخوار، عقل غير قادر على انتاج المعرفة والثقافة والفنون بحرية تامة..!!
ان هناك، بالفعل، خطرا ما حقا يهدد الفكر والعقل الليبي، ولكنه على ما ارى، لايفد من الخارج، بقدر ما ينبع من الداخل. وهو يتجلى بوضوح تام في كل اجهزة الاعلام الليبية الموجهة التي ترمي الى التأثير في عقل الانسان الليبي، تأثيرا احاديا، في اتجاه مرسوم سلفا، بهدف تحقيق اغراض سياسية وايديولوجية ثورية، فمثل هذه الاجهزة، ممثلة بالصحافة او الاذاعة او القنوات الفضائية، لاتعني في جوهرها ومراميها البعيدة، بالحقائق او الاحداث او الوقائع او التطورات، بقدر اهتمامها بحشو عقول الناس بافكار مغرضة وتوجيهها توجيها خاصا هادفا، في سبيل خدمة مصالح قوى مسيطرة على البلاد، انها تدفع القاريء او المستمع او المشاهد دفعا نحو توجه معين، وتحشره حشرا ضمن بوتقة ضيقة واحدة فلا تسمح له بالخروج منهما وتخطيهما نحو فضاء واسع من التعددية، وذلك تحقيقا لمصلحة زعيم او فئة او ايديولوجية او اتجاه سياسي ما..!!
ان مثل هذه الاجهزة، التي استنفرت كل امكاناتها للدعاية والترويج طيلة السنوات الماضية، وحاصرت العقل الليبي والجمت تفكيره وسدت عليه جميع منافذ الحوار والمناقشة والاستنتاج وتقليب مختلف اوجه الرأي، وابقته حبيسا ضمن شرنقة ضيقة..هذا، في رأي، السبب الحقيقي الذي اصاب عقولنا بالجمود وسمم ثقافتنا، وهو الذي اضعف بنيتنا الثقافية والفكرية، ويجعلنا قابلين للتأثر بالغزو الخارجي..!!
لقد آن الاوآن بالسماح للعقل الليبي بالتحرك والانطلاق، ومنحه قدرا كبيرا من حرية التفكير والاختيار، واعطائه المزيد من المنابر ليستطيع من خلاله انتاج الثقافة والفكر والفنون، بعيدا عن التوجيه والاحادية المتسلطة. واما الغزو الخارجي، فسيصبح من السهل التغلب عليه، بعد ان ندعم بيتنا الفكري والثقافي الداخلي..!
* باحث في التاريخ
أخبار ليبيا ـ 14 يناير 2010
|