|
المشاركة السياسية في العالم العربي
د. صالح سليمان عبد العظيم: هل لدينا فعلا مشاركة سياسية في عالمنا العربي؟ وهل كل ما يثار حول التغيرات السياسية في العالم العربي يعكس تغييرا جوهريا أم أنه مجرد تغيير شكلي؟ وهل يمكن تناول مسألة عميقة وجوهرية مثل المشاركة السياسية في العالم العربي كقضية عامة بدون وضع التفاوتات بين قطر وآخر في الاعتبار؟ وهل تُلقي الدول العربية بالا لشعوبها وجماعات الضغط الخاصة بها أم أنها تولي القوى الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة أهمية أكبر واهتماما أوفر؟
الواقع أن قضية المشاركة السياسية تصدرت الساحة العربية بشكل خاص بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 والضغوط الهائلة التي مارستها الولايات المتحدة على العديد من النظم العربية المختلفة من أجل تدعيم الديمقراطية وتوسيع دائرة المشاركة السياسية.
فمنذ ذلك الحين وسعت العديد من النظم العربية من مستوى الممارسات السياسية فيها ولو على مستوى الشكل، حيث ظلت مؤسسات الحكم كما هي بدون تغيير سريع أو حتى متدرج.
ورغم ذلك فقد قامت الآلة الإعلامية العربية بتصوير هذا التغيير الجزئي في أعقاب أحداث سبتمبر على أنه تغيير عميق غير مسبوق في المنطقة، وإن أكدت الطابع المتدرج لهذه التغييرات.
ورغم الاحتفاء الإعلامي بهذه التغييرات الشكلية فقد ارتبط ذلك بمعارك أخرى تؤكد أن هذه التغييرات ارتبطت بالأنظمة العربية وغير مفروضة عليها.
ومنذ الحادي عشر من سبتمبر يمكن القول ان المنطقة لم تشهد تغيرات سياسية حقيقية أدت إلى مشاركة فعلية، فما حدث أشاع أجواء من الأمل بين المواطنين ومختلف المؤسسات والأحزاب السياسية، ولم يتمخض عن أي تغيير حقيقي في المنطقة.
فقد تصور البعض أن تلك التغييرات البسيطة التي بدأتها السلطات في بعض الدول العربية تعكس رغبة حقيقية في مشاركة المواطنين السياسية، وتنازلا من جانب السلطة عن القوة المطلقة التي تمتلكها. والواقع أن السلطات في العالم العربي كانت من الذكاء البالغ بحيث انها أبرزت قدرا ما من المرونة بما يمكنها من تجاوز أعباء مرحلة ما بعد الحادي عشر من سبتمبر والضغوط الهائلة التي واجهتها وبشكل خاص من الولايات المتحدة.
وهي مسألة تؤكد أن تلك التغيرات الشكلية التي بدأتها بعض النظم العربية لم تكن نتيجة لضغوط داخلية حقيقية وفعلية بقدر ما كانت استجابة لضغوط الخارج المختلفة من قوى غربية ومؤسسات حقوقية مختلفة.
فالنظم العربية ما زالت أقوى بكثير من كافة المؤسسات والأحزاب الداخلية إلى الحد الذي يجعلها لا تلقي بالا لأي منها إلا إذا ارتبط ذلك ببعض الحملات الخارجية التي تعكر صفوها وتقلق مضاجعها.
ولا تنبع تلك القوة من فراغ بقدر ما تنبع من أجهزة أمنية قوية ممتدة في كل مكان ومتسلحة بترسانة حديثة من الأدوات اللازمة لمواجهة أية احتمالات.
ولا يقف الأمر فقط عند القوة الأمنية المباشرة لكنه يتعداه للملاحقة في لقمة العيش والمطاردة التي تجعل النشطاء لا يأمنون على يومهم وغدهم، وهي مسألة تؤدي بالكثيرين منهم إما إلى إيثار السلامة وإما إلى التوقف عن العمل السياسي، وربما التحول إلى صفوف السلطة التي تغدو صفوفها أطول وأكثر عددا يوما بعد يوم.
ومن الضروري هنا التأكيد على الفروق الكيفية بين النظم العربية المختلفة فيما بينها بخصوص مسألة المشاركة السياسية وبالتالي ما يتعلق بالقمع المادي والمعنوي على السواء. فالملاحظ أن الدول العربية الكبرى في المنطقة هي الأكثر قمعا وتنكيلا بالمعارضين، كما يلاحظ أيضا أنها صاحبة التغييرات السياسية الشكلية التي لم تقدم أو تؤخر في مسار المشاركات السياسية.
ولا تتحمل النظم العربية وزر قمع المشاركة السياسية وحدها، فبالإضافة إلى ذلك تتحمل الأحزاب والتنظيمات السياسية جزءا من ذلك بسبب عدم جديتها في العمل السياسي من ناحية، ومهادنتها للسلطة من ناحية أخرى.
فكما التغييرات السياسية شكلية فإن العديد من الأحزاب والتنظيمات السياسية في العالم العربي شكلية أيضا، وهي مسألة تعمق من ضعف العمل السياسي ومدى انتشاره بين مختلف الشرائح الاجتماعية المختلفة.
إضافة إلى ذلك فإن الشعوب العربية تميل إلى التعامل مع النظم السياسية بقبول أبوي حميم، بغض النظر عن جملة ممارساتها والنتائج السلبية المرتبطة بها، إلى الحد الذي يجعل البعض يدافع عن بعض هذه النظم، وهو يعلم تمام العلم بمدى الأضرار الناجمة عنها. وتُعد سيادة العقلية الأبوية في التفكير العربي مسألة معطلة إلى حد كبير لأية ممارسات سياسية حقيقية.
يبدو الواقع العربي بعيدا تماما عن أي قبول لمشاركة سياسية فاعلة، كما يبدو أن خطاب الادعاء العربي بالتغيير مجرد حيلة وقتية وشعارات جوفاء ساعدت على تجاوز الضغوط الغربية، واستمرار الموكب العربي المثقل بالعديد من التراجعات.
التجديد العربي ـ 28 أبريل 2010
|