English Articles
 

الرئيسة arrow تنموية arrow قضايا تنموية arrow التنمية... وواقع المجتمع العربي
PDF Print E-mail
قضايا أساسية - قضايا تنموية
Written by محفوظ البلدي   
May 09, 2025 at 03:39 PM

التنمية... وواقع المجتمع العربي

محفوظ البلدي: إن المزاوجة المتّزنة بين الماضي والحاضر والمستقبل لكل أمّة٬ والاعتماد على ثلاثية العدل والمساواة والحرية – بالترتيب المقصود- فضلا على الاجتهاد –إعمال العقل- تجعل لكل بلد رصيده في الفكر والإصلاح....والتّطور. فإذا كان الغرب قد عوّل على مجموعة من هذه القيّم في رصيده الفكري للقيام بثورته الشّاملة في كل مناحي الحياة والوصول إلى ما وصل إليه٬

   

فان العالم العربي عليه أن يدرك ولو متأخّرا أن الرّهان على الإنسان وحقوقه٬ هو البوّابة الرئيسية والمادة الأساسية في صناعة المستقبل والاعتماد على فلسفة قائمة على هدف جلي ورؤية واضحة.

 

فجلاء الهدف ووضوح الرؤية في مسيرة الفكر العربي مهّد أسباب النجاح في تحقيق تطلعات شعوب منطقتنا في العقود الماضية وسيظل كذلك للأجيال الحاضرة والقادمة. 

 

أوطاننا في مرحلة تطور مطرد ومكاسب وانجازات متعددة٬ وفي الوقت نفسه مرحلة تحولات وانتقال ديمقراطي له خصوصيات وتجاذبات وتعقيدات تحتاج إلى تحليل وتفكيك.

 

تحولات تكسب في كل مرحلة شوطا من التّقدم وتتمتع بالإضافة في كل مرة٬ مسايرة بذلك نضج المجتمع ووعيه وتطور الإنسان فيه.

 

هذه التحوّلات جعلت كل مرحلة فيها تحقق ما تستطيعه من نجاح٬ في ظل ظروفها الخاصة تماما٬ وتترك الآفاق مفتوحة لمن يأتي لاحقا....!! ليواصل المسيرة نحو الأسمى والأرقى.

 

أنا و بخصوص وجهة نظري كمتأمّل ومتنقّل بين مختلف الأقطار العربية ومتعامل مع الدوائر الرسمية والغير الرسمية بحكم عملي في مجال السياحة٬ التي تعتبر بوصلة في معرفة قيمة البلدان وتاريخها وحضارتها وبنيتها الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية والعمرانية٬ تستوقفني مجموعة من الظواهر المتناقضة والغريبة والدخيلة أحيانا على مجتمعاتنا.... القديمة!! و إن تعمّقنا في هذه التناقضات وأصّلنا المقارنة بين مجتمعاتنا العربية -إن صح التعبير في هذا السياق- فإنّنا٬ ثقافيا٬ يمكننا أن نتكلم عن مجتمعات متقدمّة نسبيا ومتناغمة إلى حد ما مع ما تتطلبه الحياة المعاصرة٬ ومجتمعات وان بدت في ظاهرها راكبة لموجة التّقدم والتّحضر٬ في حقيقتها تبيّض أسوار قلاع العصور الوسطى وتتزيّن بلباس أهل الكهوف.

 

وقبل أن نخوض في استعمال المصطلحات الحديثة والتحدّث عن التّنمية بمفهومها الشّامل والاقتصاد والتعليم والإبداع الفكري والفلسفي والامتداد العمراني للمدن في هذه الأقطار٬ والقيام بمقاربات موضوعية في هذا السيّاق فان القصد من هذا الإدلاء وهذه المقارنات٬ هو محاولة ايقاض الضمير العربي والانتباه إلى ما يحاك ويتآمر ضد أوطاننا من تدجين وتجهيل وإهدار لثرواتها٬ والحيلولة دونها ودون النهضة والرّفاه الاجتماعي.

 

شرقيا٬ وبغض النظر على تركيبة الحكم في هذه المجتمعات٬ وطبيعة تضاريس سياستها الوعرة٬ فانه ثمة علاقة معقدة بين مكونات المجتمع نفسه٬ وتضل الحياة بالرغم من كل الامتيازات والإمكانيات المتوفرة لدى ساكني هذه الأقطار مقارنة مع نظيرتها٬ صعبة للغاية، لأسباب قد تكون موضوعية٬ فكثرة الانشغالات والالتزامات التي يفرضها نمط العيش داخل هذه المجتمعات٬ وخاصة الخليجية منها إضافة إلى عبئ التعامل مع جاليات العمالة الوافدة٬ مختلفة الأعراق والثقافات واللغات٬ والتي أصبحت جزء لا يتجزأ من مكوناتها٬ كفاها شر النّضال من أجل العدالة والحرية والديمقراطية والمساواة في المواطنة بين المواطنين الأصليين والوافدين٬ وحتى الدفاع عن الهوية التي أصبحت في خطر٬ ناهيك عن الاهتمام بقضايا بناء اقتصاديات صلبة مبنية على أسس سليمة٬ أو سياسة تعليم متطورة تخرجهم من الأساليب التقليدية والمتخلفة أحيانا٬ أو اعتماد مناهج جديدة في تطوير السياحة في بعدها الترفيهي والتثقيفي والديني٬ معللين بطأ التغيير هذا٬ بالانجاز الرصين وعدم التطرف والغلو في استعمال مكونات الحضارة.

 

أصبح إنسان هذه الأقطار كونه يقطن منطقة متوسطية جعلته يتلقّى ثقافات من مشارق الأرض ومغاربها٬ تأثر بها سلبا٬ فأصاب نظرته بعض التطور العكسي٬ ولّد فيه تناقضا بين المحافظة والحداثة مما ينعكس على سلوكه في معاملة الآخرين بجانب عدواني ولكن ليس عند الكلّ.

 

فعوضا عن التعامل مع العولمة والثورة المعلوماتية التي أثرت وبقوة في الثقافات٬ عادت هذه المجتمعات إلى عصور الرق والإقطاع والعبودية للوافدين باعتبارها هي نفسها مستعبدة

 

لقد طلّت عليهم ظواهر غريبة وبالغة الخطورة٬ غادية في طريقها لتهديم ما تبقى من صرح الحضارة وتفكيك البنية الاجتماعية والأخلاقية٬ حيث أصبحت المادّة و رأس المال المتوحّش٬ هما الموجّهان للعلاقات بين النّاس.

 

إن الواقع ينسحب وينطبق على كثير من دول المنطقة٬ سواء من حيث آليّات العمل، أو الأهداف، أو الإكراه النّضالي الذي يصادف المناضلين، وغيرها من الأمور المتعلقة بـآليات المقاومة بأبعادها الشاملة الذي هو في العمق عمل مزدوج وصعب، مقارنة مع واقع الحال.بالرغم مما تتيحه بعض المجتمعات الشرقية من حرية التعبير والتنظيم نظراً للمناخ الديمقراطي السائد داخل هذه المجتمعات على شاكلة لبنان وقطر.....

 

وحتى  تتّجه جل هذه الشعوب نحو الفعل السياسي حيث تشكل المواضيع الحيوية٬ أحد أبرز محاور أنشطتها٬ دفاعا عن معاني أساسية في حياة كل فرد ﴿الهوية– التنمية الإعلام –التعليم الانتقال الديمقراطي – المصالحة - حقوق الإنسان وغيرها من المواضيع﴾ تضلّ التّغييرات المتلاحقة عنوان واجهة الصّراع الاجتماعي والثقافي.

 

مغاربيا٬ تطور تدريجي ورصيد فكر إصلاحي تحكمه مجموعة من القيم المتواترة باستمرار٬ توجّه هذا الفكر وتمهّد له أسباب النّجاح في تحقيق أهدافه، ومن أهمّها العدل والحرية والمساواة، مع اعتماد العقل والاجتهاد والرّهان على الإنسان وحقوقه، في كسب معركة التقدم والارتقاء بهذه المجتمعات نحو الأفضل٬.غير آبهين بالوجه الثّاني لعملة التطور والتمدن.

 

إنّ تعلق مفكّري هذه الشعوب ودعاة الإصلاح فيها بالقيّم الدستورية وما تفرضه من مبادئ مثل الحرية والعدالة٬ جعلها تفرض أسس التطور في بلداننا٬ وبناء قاعدة اقتصادية متينة وضعتها في مقدمة بلدان العالم المنتجة والمصدّرة.‏

 

لقد تمكّنت هذه الشّعوب من أمثال المغرب وتونس على وجه الخصوص٬ على امتداد العقود الماضية من اللّحاق بركب التّطور في العالم٬ بفضل ما حقّقاه من نهضة علمية واقتصادية وسياحية للنّهوض بالإنسان وتحقيق التّنمية الشّاملة بالرّغم من بعض النّقائص٬ ناهيك عن تطوير البنية التحتية والاعتناء بالمدن٬ تخطيطا وتنظيما٬ أعطاها مظهراً ومنظرا جذّاباً٬ لاسيما العاصمة الغراء تونس الخضراء.

 

فهذه الإجراءات الإصلاحية أفرزت تطوراً ملحوظاً على صعيد الاستثمار و أدخلت ديناميكية جديدة على عديد القطاعات التي أصبحت اليوم من الروافد الأساسية في المنظومة الاقتصادية، إذ برزت خلال السنوات الأخيرة٬ قطاعات واعدة على غرار الصناعات التقليدية كالنسيج والملابس٬ برغم ما تعرّضت له هذه المنتجات٬ من ضغوطات، لاسما من طرف المنتجات الصّينية التي غزت أو تكاد٬ كل الأسواق العالمية٬ بل تمكنت هذه القطاعات بفضل ما توفّر لها من مناخ ملائم وكفاءات من اقتحام الأسواق الخارجية وفرض إنتاجها أمام المنافسة٬ هذا إلى جانب التّطور المطّرد الذي شهده قطاع الخدمات في شتى المجالات ﴿تكنولوجيا المعلومات الاتصال-السياحة-الصحة

 

إن ثقتنا كمغاربة بالمستقبل٬ تنمو وتكبر بفضل ما تشهده منطقتنا من تقدم وتطور في جميع المجالات وما يتوفر لها من جليل المكاسب والانجازات، رغم ما يظهر حولها من صعوبات٬ وسيضل المغرب العربي فخورا برصيده الزّاخر بالمكاسب الرائدة والإصلاحات الجوهرية التي تحققت في نصف قرن، بفضل الإرادة السياسية المرتكزة على فكر تحديثي ورؤية إصلاحية متكاملة في أبعادها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

 

وان دعم مزيد من هامش الحرية في مجال الصحافة٬ مثلما أكد على ذلك أكثر من مرة الرئيس التونسي  زين العبدين بن علي٬ وتوسيع الفضاءات الحوارية والإصلاحات وتمكين كافة أبناء الوطن مهما اختلفت توجهاتهم٬ من المساهمة الفاعلة في نهضة البلاد ورقييها ٬ إضافة إلى دعم مجتمع المعرفة والعناية أكثر بالتكنولوجيا الحديثة ووسائل الاتصال وتعميم استخدام الانترنت يجعلنا حقا نموذجا عربيا ذو اهتمام٬ على الصعيدين الاجتماعي والمعرفي٬ نموذجاً للعديد من البلدان٬ يضعها في مرحلة متقدمة على درب التفتح والحداثة والازدهار والرّفاه الاجتماعي.

 

 .... وتظل صفات الإنسان٬ عناصر من ثقافة كل بلد٬ فالهوية الوطنية هي صورة المجتمع إذا عدنا إلى الرجل٬ شرقيا كان أم غربيا٬ نجد له فلسفة معينة تمثّل نظرته للحياة والكون والإنسان٬ ومصادر هذه النظرة متعددة٬ والدّين أوّله٬. فكل إنسان ابن تراثه وبيئته التي تتغّير زمانا ومكانا٬ ولا يستطيع أي إنسان في عصرنا أن يفرض قيّمه على الآخرين٬ لأن الإنسان وفي عصر المعلومات والاتصالات٬صار قادرا على التّحرر من قيود العادات القديمة والتّخلص من أغلال التّقوقع والانغلاق٬ وبالتّالي أصبح أكثر حريّة في التّصرف٬ ومع ذلك فإن تغيير نمط الحياة ليس سهلاً, كما أن بعض القيّم الثقافية٬ راسخة ولا تتغير حتى ولو كان يعرف أنها مجانبة للصواب.

 

وسيظل الإنسان أسير ثقافته السّابقة حتى يتمرّد عليها ويعلن أنه مع زيادة الحريّة٬ فهي الكيان الروحي للمجتمع، وهي التي تتضمن حركة الخلق والإبداع...... حتى يثبت نقّادها أنّها..... كذبة!!

 

أما الاختلاف في نمط العيش، وأساليب الحياة٬ إنّما هو تنوّع من تنوّعات أسماكنا المتوسطية.

 

وفي كل الأحوال٬ لسنا معجبين بالوجبات الجاهزة التي أتت من الغرب في الوقت الذي بدأ يخالف فيه عقائده وما فطر عليه٬ وثوابته التي ضحّى من اجلها عشرات السّنين٬ وضاعت منه الوسائل الضرورية للقياس٬ حتى أضحى فاقداً للهدف الذي يريد٬ أمام خيارات عديدة لعبت فيها دوراً أساسياً٬ هجمة ما يسمّى بالعولمة ووسائل الاتّصال المختلفة٬ ولا نطمح أبدا في استيرادها نموذجا٬ لان فرص نجاحها معدومة ولا تتيح أية إمكانيات للمبدعين لتجاوز العقبات والنكسات المحلّة بهذه الشعوب.

 

وسنظل...ونظل شعوبا صانعة التّاريخ٬ لنا قيّمنا وحضارتنا وفكرنا وسنضلّ نكافح ونكافح حتى تنبثق من حريّتنا ...حريّة.

 

كاتب من فرنسا 

 

نشرة تونس نيوز ـ 5 مايو 2010

<Previous   Next>

 

الرئيسةوجهات نظرفكريةسياسيةالاصلاححركيةتنمويةدوليةتاريخيةعامةوطنيةمغاربيةمشارقيةعربية دراساتحواراتندواتالبرلمانمختارات كتب ودواوينتقارير ودراسات
 
 

Mambo is Free Software released under the GNU/GPL License.