English Articles
 

الرئيسة arrow سياسية arrow قضايا سياسية arrow في زيف ادعاء التدرج نحو الديمقراطية والإصلاح السياسي
PDF Print E-mail
قضايا أساسية - قضايا سياسية
Written by نور الدين العويديدي   
May 15, 2025 at 11:52 AM

في زيف ادعاء التدرج نحو الديمقراطية والإصلاح السياسي

الأنظمة العربية والحفاظ على مغانم الحكم .. بالانتخاب المزور أم بالقوة

نور الدين العويديدي : على الرغم من أن الانتخابات التي تقام في البلاد العربية لا تأتي بجديد، والحاكم فيها تُجدد له دورات الحكم حتى الموت، ويرثه من آله من توفرت فيه الشروط، وجمع بين يديه رضا الأجهزة الأمنية وقبول القوى الخارجية..

 
فإن المدافعين عن إجراء تلك الانتخابات بشكل دوري يذهبون إلى أن تلك العملية ضرورية للحياة السياسية العربية، وأن لها أغراضا تربوية وأخرى سياسية، فهي تعتبر تدريبا على "الممارسة الديمقراطية"، وتعويدا لشعوب، لا تُعد الانتخابات من تقاليدها السياسية والاجتماعية الراسخة، على الممارسة الانتخابية، وتهييئها من ثم لحياة ديمقراطية حقيقية، تنضج مع الزمن
.

 

ويرى هؤلاء المدافعون أن دورية الانتخابات تحمل في طياتها، إضافة إلى معاني التعود على الممارسة الانتخابية، معاني التدرج في الإصلاح السياسي، والتدرج في التمثيل الشعبي في مؤسسات الحكم والإدارة، ورفض فكرة الإصلاح المتعجل، باعتبار أن ذلك النوع من الإصلاح يؤدي في غالب الأحيان إلى نقيض الأهداف التي قام من أجلها. وفي هذا السياق يُعدّ ما حصل في الجزائر، في مطلع التسعينيات من القرن الماضي، من اكتساح واسع للجبهة الإسلامية للإنقاذ لنتائج الانتخابات البرلمانية، التي عرفتها الجزائر في العام 1991، وانقلاب الجيش على تلك الانتخابات، ودخول البلاد فيما يشبه الحرب الأهلية، مثالا مفضلا يضربه هؤلاء على خطر التعجل المرفوض في عمليات الإصلاح الديمقراطي.

 

تتأسس مقولة التربية على الديمقراطية والتدرج في الإصلاح السياسي، في الواقع، على فكرتين رئيسيتين:

 

أولاهما أن التطور في الحياة السياسية للمجتمعات، بخلاف الحياة الفردية، بطيء ويتم على مدى زمني طويل نسبيا، لأنه يقوم على استيعاب قيم ومعان جديدة، وإدماجها في النسق الاجتماعي. وهذا أمر قد يحتاج أجيالا حتى يتحقق ويؤتي ثماره.

 

ثانيهما، وهي فكرة لم يعد ممكنا المجاهرة بها، من دون حرج ظاهر، في أوساط النخب العربية الموالية للسلطة، إلا قليلا، هي فكرة عدم نضج الشعوب العربية والمسلمة، بما يكفي لإقامة انتخابات تنافسية نزيهة وشفافة، تمثل فيها سائر العائلات الفكرية والسياسية، على قدم المساواة، على اعتبار أن تلك الشعوب لم تنضج لديها معايير الاختيار بين القوى المتنافسة، وأن أحكامها عاطفية وغير عقلانية، وأن هناك قوى ارتدادية تشد إلى الوراء، تهدد المكاسب المتحققة، وأن الشعوب الساخطة أو الطامحة للتغيير، يمكن أن تختار تلك القوى، بما يؤدي إلى نتائج كارثية على الأمن والاستقرار والقبول الدولي.

 

في الرد على فكرة التدرب اللانهائي على الانتخابات

 

1ـ يلاحظ المراقب أن القائلين بفكرة المزيد من التدريب على الانتخابات في العالم العربي، بهدف "التربية على الديمقراطية" والتدرج في الإصلاح، هم من الكتاب والمثقفين السائرين في ركاب الأنظمة الحاكمة. فهذه الأفكار لا تعبر عن حاجة اجتماعية حقيقية، بقدر ما تعبر عن مصالح فئة ضيقة من الكتاب وأصحاب الرأي، هم في الغالب موظفون في أجهزة الحكم، أو مثقفون مسوغون لما تتخذه الحكومات من قرارات سياسية، بما فيها دورية الانتخابات، التي لا ترى فيها تلك الحكومات سوى عمليات مبايعة دورية، يمكن أن يتم تزيينها بإشراك بعض المنافسين الضعفاء المنتقين بعناية، لزوم الديكور الديمقراطي التعددي.

 

2ـ ومما يسفه فكرة التدرج اللانهائي أنه لم توجد تجربة عربية واحدة، على مدى أكثر من نصف قرن منذ الاستقلال، تطورت فيها العملية الانتخابية بشكل تدريجي، من نقطة أدنى إلى نقطة أعلى. فالانتخابات العربية كانت وما تزال، ويرجح أن تستمر، باعتبارها عملية شكلية، جوهر الغرض منها هو عملية مبايعة معروف سلفا من هو المعني بها، ومن هو المستفيد منها. فلا يزيد الأمر عن كونه تجديد مبايعة الحاكم في كل دورة انتخابية جديدة، من دون أن يطرأ أي جديد، أو أن يحصل أي تقدم في الواقع، ولا أي تدرج في الإصلاح، فالحاكم هو الحاكم نفسه لا يتغير، والسياسات هي السياسات نفسها لا تتبدل، والحكم لا يزيد قربا من التمثيل الشعبي، والشعب لا يزيد قربا من السلطة التي تحكمه.. بل بعدا.

 

3ـ لم يعد مقبولا بعد أكثر من نصف قرن من الاستقلالات العربية القول بفكرة عدم نضج الشعوب العربية والمسلمة، بما يكفي لإقامة انتخابات تنافسية نزيهة وشفافة. فالحقيقة أن الأنظمة العربية والنخب الموالية لها والمدافعة عنها هي الأدنى نضجا من شعوبها. فالحاكم العربي ينظر إلى السلطة لا باعتبارها مؤسسة منظمة لقوى المجتمع، وممثلة له، ومدافعة عن مصالحه، وقائدة لتطوره، بل باعتبارها مغنما للحاكم وآله، لا يمكن التفريط فيه أو التنازل عنه. ولهذا تستخدم القوة لحفظه تارة، والانتخابات المزورة للإبقاء عليه تارة أخرى، وتستخدم الأقلام وأجهزة الدعاية للذب عنه، مثلما تستخدم العصا للمنافحة عنه. ووعي الحاكم العربي هنا أدنى من وعي رئيس قبيلة. فرئيس القبيلة يشاور من معه من شيوخ، ويرتهن مواقفه وقراراته لمصلحة قبيلته. أما الحاكم العربي فحكم فردي لا شورى فيه، والمصلحة الفردية الضيقة، أعني مصلحة البقاء في الحكم، ولو خرب البلد، أو مصلحة الأسرة النووية الصغيرة، لا أكثر ولا أقل، هي المرجع والمعتبر في القرارات والمواقف، التي يصدر عنها هذا الحاكم أو ذاك.

 

3ـ في المقابل فإن شعوبنا وقواها الحية لمستعدة لو صدقت الحكومات إلى مواثيق تضمن التطور التدريجي للحياة السياسية، بما يقود إلى انتخابات حرة ونزيهة، وإلى حياة ديمقراطية حقيقية، المرجع والقول الفصل فيها للدستور والقانون، ولكن الحكومات هي أول من يحول دون ذلك، ويعمل على منعه، لأن رؤيتها للحكم باعتباره غنيمة رؤية ثابتة لم تتغير بعد، وهي للأسف ترى في الدستور والقانون كوابح تحول دون التمتع بشهوة الحكم، أو باحتكار ثماره دون الآخرين.

 

الحالة التونسية .. مبايعة وغنيمة وتطور للوراء

 

تعتبر الحالة في تونس خير تجسيد لما سبق من ملاحظات. فالانتخابات الرئاسية والتشريعية التونسية المقامة في الخامس والعشرين من شهر أكتوبر 2009 لا تخرج عن سياق استمرار احتكار السلطة ومغانمها. فهذه هي الانتخابات الخامسة في عهد الرئيس ابن علي منذ وصوله إلى السلطة في العام 1987. وهي الانتخابات التي تتزامن وبلوغ ثروة الرئيس الشخصية 5 مليارات دولار هذا العام. وقد صممت هذه الانتخابات على مقاس الرئيس الحالي، ومعروف لمن له قدر يسير من الإلمام بالمشهد السياسي التونسي أنها انتخابات لا يمكن أن يفوز فيها غير الرئيس ابن علي، ما يعني أنها مجرد مبايعة خامسة له في السلطة، لا تزيد عن ذلك ولا تنقص.

 

فمع إقصاء أحمد نجيب الشابي ومصطفى بن جعفر عن المشاركة في العملية الانتخابية جملة، والتضييق الشديد على مرشح حركة التجديد و"المبادرة الوطنية" أحمد إبراهيم للانتخابات الرئاسية، لدرجة حرمانه من توزيع بيانه الانتخابي ومنعه من المشاركة في الدعاية التلفزيونية، يضاف ذلك حالة الانغلاق السياسي التي تعرفها البلاد، بما يحرم المجتمع من إنجاب قوى وأحزاب سياسية واسعة الحضور وممثلة للجمهور، ويمنع ظهور شخصيات سياسية كاريزمية قادرة على لف قطاعات واسعة من المجتمع خلفها، فنتائج الانتخابات الرئاسية معروفة سلفا قبل إجرائها. فهي انتخابات لا تنافس حقيقيا فيها، ولا تتوفر فيها أدنى شروط التشويق الانتخابي، وهي من شروط المشاركة الواسعة في أي انتخابات حقيقية. أما الانتخابات الصورية فلا فرق فيها بين مشاركة واسعة أو مشاركة محدودة، طالما أنه معروف سلفا من هو الفائز بها.

 

حتى الانتخابات التشريعية معروف من الفائز فيها حتى قبل إجرائها. فالتجمع الدستوري الديمقراطي ينافس نفسه على 75 في المائة من مقاعد البرلمان. أما الـ25 في المائة الباقية من المقاعد فتجري فيها منافسة بين أحزاب المعارضة. ومع مقاطعة الحزب الديمقراطي التقدمي بعد غسقاط معظم قوائمه الانتخابية، وكذلك إسقاط أكثر قوائم حركة التجديد، فالمنافسة ضاقت حتى بين المعارضة نفسها، فأحزاب المعارضة القانونية التي تتمتع بقدر من الاستقلالية والجدية في معارضة السلطة أقصيت من المنافسة، ما يعني أن السباق يجري بين "المعارضين" المرضي عنهم والمنتقين بعناية فائقة. ما يجعل نتائج الانتخابات البرلمانية معروفة هي الأخرى قبل إجرائها: فوز كاسح للحزب الحاكم، وشيء من فتات المقاعد موزع على القوى الدائرة في فلكه، ما يجعلنا أمام برلمان يمثل الحكم لدى الشعب، أكثر مما يمثل الشعب لدى مؤسسة الحكم.

 

الحالة التونسية نموذجية إذن في إثبات بطلان فكرة التطور التدريجي في الحياة السياسية العربية. إنه نموذج لا يسير إلا القهقرى، رغم مرور 53 عاما على استقلال البلاد، لم تعرف فيها تونس سوى حزب واحد حاكم ورئيسين، تم التداول بينهما بواسطة الانقلاب العسكري. إنه نموذج حكم القهر والغلبة الذي يستخدم القوة المفرطة أحيانا كثيرة للذب عن مغانم السلطة، مثلما يستخدم التزوير المتفنن فيه لتحقيق الهدف ذاته. فالانتخابات عملية شكلية أو مبايعة تأخذ شكل الانتخاب، لا لاختيار ممثلين للشعب في مؤسسات السلطة، بل لانتقاء ممثلي السلطة ثم فرضهم باعتبارهم ممثلين عن المجتمع. إنه النموذج الذي يبلغ فيه التزوير حده الأقصى، وتسير فيه الحياة السياسية من سيء إلى أسوأ.. وهذا هو التدرج الحقيقي والواقعي في الأوضاع العربية.

 

أقلام أونلاين / العدد الرابع والعشرون / السنة السابعة/ أكتوبر - نوفمبر 2009

 

Next>

 

الرئيسةوجهات نظرفكريةسياسيةالاصلاححركيةتنمويةدوليةتاريخيةعامةوطنيةمغاربيةمشارقيةعربية دراساتحواراتندواتالبرلمانمختارات كتب ودواوينتقارير ودراسات
 
 

Mambo is Free Software released under the GNU/GPL License.