Warning: include(/home/content/l/i/b/libyaforum/html/new/media/system/utf.php) [function.include]: failed to open stream: No such file or directory in /home/content/71/3922071/html/index.php on line 17

Warning: include() [function.include]: Failed opening '/home/content/l/i/b/libyaforum/html/new/media/system/utf.php' for inclusion (include_path='.:/usr/local/php5/lib/php') in /home/content/71/3922071/html/index.php on line 17

Warning: include(/home/content/l/i/b/libyaforum/html/modules/mod_breadcrumbs/tmpl/javascript.php) [function.include]: failed to open stream: No such file or directory in /home/content/71/3922071/html/index.php on line 20

Warning: include() [function.include]: Failed opening '/home/content/l/i/b/libyaforum/html/modules/mod_breadcrumbs/tmpl/javascript.php' for inclusion (include_path='.:/usr/local/php5/lib/php') in /home/content/71/3922071/html/index.php on line 20
LibyaForum.org كتاب: معركتي من أجل الحرية

كتاب: معركتي من أجل الحرية

كتاب: معركتي من أجل الحرية 

محمد يوسف المقريف


أشهر معارضي القذافي يروي معاناة النشأة والغربة والنصر

بعد 31 سنة في المنفى، عاد الرئيس السابق للمؤتمر الوطني العام في ليبيا د. محمد المقريف إلى طرابلس في 20 أكتوبر عام 2011، يوم مقتل معمر القذافي. يتحدث في كتابه المعنون Mon Combat Pour La Liberté {معركتي من أجل الحرية}، عن معاناة الليبيين بسبب دكتاتورية القذافي ويقول: {يؤسفني أن يُضطر الضحايا وعائلاتهم إلى الاكتفاء بموته كتعويض عما لحق بهم.

*الفصل الأول*

ليل الخميس الواقع فيه 9 أغسطس عام 2012، كان الحر خانقاً في طرابلس. في صالة البرلمان، كنت أنتظر مع المقربين مني النتائج. بدا التصميم الداخلي مذهلاً. فقد غطى الجدران بياض ناصع جعل الصالة تبدو هائلة الحجم. كنا نحن ثلاثين شخصاً. ألفت جيداً تلك الوجوه المبتسمة والقلقة أحياناً. جلست وأعصابي مشدودة بعض الشيء. لكن الإجهاد لم يكن السبب. رأيت حياتي تمر أمامي كما لو أنها شريط مصوّر. فقد جُزّئت كل مرحلة من هذه المعركة المستمرة ومرّت أمامي ببطء ودقة مذهلة. تذكرت التفاصيل كافة التي نسيتها. وما عدت أعرف ما إذا كانت ذكرياتي صحيحة أو أنها من ثمار مخيلتي. عندما أعود بشريط حياتي إلى الوراء، ألاحظ أن حياتي لا تشبه حياة أي إنسان آخر. لذلك تملكتني الرغبة في تدوين هذه القصة، قصتي. فعندما أشارك الآخرين فيها، تغدو أكثر واقعية بالنسبة إلي، وربما أكثر واقعية أيضاً. لا نكفّ عن التعلّم وعن الازدياد نضوجاً. يعبّر الإنسان خلال حياته في مراحل عدة تشكّل بحدّ ذاتها حيوات منفصلة. أما حياتي، فتبقى حياة رجل مثالي قدّم كل ما يملك في سبيل أحلامه.

همس ابن أخي محسن في أذني، مؤكدّاً أن الأمور كافة ستسير على خير ما يُرام. ظنّ على الأرجح أنني كنت قلقاً، إلا أنه كان مخطئاً. فقد ترشحت في هذه الانتخابات ولي ملء الثقة من أنني لن أفوز بها. أقدمت على هذه الخطوة من أجل مَن آمنوا بي منذ البداية، مَن دعموني في المنفى، مَن أوصلوني إلى السلطة، ومَن دعموني لأواصل النضال. أرادوا أن أترشح، فأقدمت على هذه الخطوة لأعرب لهم عن مدى امتناني وشكري. فالفوز في الانتخابات ليس الهدف. تبقى المعجزة الحقيقية سقوط القذافي. كنت قد بلغت مرحلة فقدت فيها كل أمل. ولكن ها أنا اليوم هنا في هذا البرلمان.

عندما نكون في حالة ترقب وانتظار، يطول الوقت: تتحوّل الدقائق إلى ساعات والثواني إلى دقائق. وتظل الشمس مشرقة، كما لو أنها تنتظر هي أيضاً النتائج. ثم يعلو صوت المؤذن. فشعرت أنه وسيلة خلاص. تساعدني الصلاة على التفكير. ما كنت أرغب في التحدث إلى أحد: لكني أستجيب دوماً لنداء الله. أسلم أمري دوماً لربي. فعلاقة بالقدير قوية جدّاً: أخبره أسراري وهو يعرف أعمق أعماقي. انعزلت عن المجتمعين لأصلي. حين رجعت إلى الصالة، أسفت على الصمت والنقاوة اللذين نعمت بهما خلال تضرعي لله. وددت البقاء وحيداً. ولكن ما إن خطرت هذه الفكرة على بالي حتى بدّلت رأيي، لأن العزلة في لحظة مماثلة كانت ستذكرني بالمنفى. راح المقربون مني يكلمونني، إلا أنني لم أسمع إلا نصف ما قالوه. ما كانت النتائج تشغل بالي. لم أنظم الحملات أو أروّج لانتخابي. ولم أتوانَ عن الإفصاح عما يثقل قلبي.

صدرت النتائج بعد نحو 22 ساعة. لم يهلل المقربون مني لانتصارنا. لم أسمع صيحة فرح، بل كان الجميع يقيسون صعوبة ما تبقى علينا إنجازه، فمن الضروري بناء كل شيء. عادت إلي ذكرياتي مع والدتي حين كانت امرأة سعيدة محاطة بكل أولادها. اغرورقت عيناي بالدمع، وطلبت سرّاً من فاضل، صديقي الحميم منذ أكثر من أربع وعشرين سنة، فتح النافذة. فلاحظ أن عينيّ احمرتا، إلا أنه تصرف بلباقة وذكاء، متفادياً لفت أنظار الآخرين، واكتفى بالتربيت بمحبة على كتفي. أدرك الأحاسيس التي كانت تخالجني. لم نتفوه بأي كلمة، فالكلمات تكون أحياناً عقيمة. هل غفرت لي أمي غيابي الطويل؟ هل كانت تفخر بابنها؟ يبقى الرجل ابن أمه حتى مماتها. وعندما أفكر في والدتي، يعود هذا الرجل، الذي أصبحت عليه في الحادية والسبعين من عمري، ذلك الصبي الصغير الذي يتلو جدول الضرب. بسبب القذافي، عجزت عن شكرها. شعرت في داخلي بصراع قوي أصابني بالصداع. صحيح أنني ظللت الرجل ذاته، ولكن في رأسي كانت الذكريات السيئة والجيدة تتضارب. كان الماضي يتحدى الحاضر، فيما حاول المستقبل التوسط بينهما. كم عبرنا من الدرب! فقد سقط القذافي وتحررت ليبيا، إلا أنها لم تبلغ بعد بر الأمان.

ما زلت أذكر اليوم الذي وطأت فيه قدمي أرض طرابلس، بعد أن أمضيت 31 سنة في المنفى. لم ألحظ أي تغيير، كما لو أنني لم أرحل يوماً. عرفت رائحة تلك المدينة، لون جدرانها، وابتسامة أهلها الدافئة، ابتسامة تخفي وراءها حزناً كبيراً. هنا، فقد الجميع شخصاً عزيزاً على قلبهم، وذاقوا الخوف أو التعذيب. كان شعب بأكمله يحاول النهوض، غير أن المصالحة بدت بعيدة. فهل تتفوق إرادة التوحد على الحقد العنيد؟ عدت إلى طرابلس في 20 أكتوبر عام 2011، يوم مقتل القذافي. لم أشعر بالفرح، لأن الموت كان نعمة لهذا المجرم. فكان يجب أن يدفع ثمن جرائمه، وأن يُحاسب على أعماله. صحيح أنه أفلت من عدالة البشر، غير أنه لن ينجو من العدالة الإلهية، بل سيُرغم على الخضوع لها. يؤسفني أن يُضطر الضحايا وعائلاتهم إلى الاكتفاء بموته كتعويض عما لحق بهم. بموته حمل معه أسراره وجرائمه كلها وكرهه إلى القبر.

في التاسع من أغسطس عام 2012، لم يكفّ هاتفي عن الرنين بسبب الاتصالات المتواصلة. إلا أنني همت في ذكرياتي ورفضت الإجابة. احتجت إلى تنظيم أفكاري. تبدأ الثورة من العقل. صحيح أن ليبيا تحررت، إلا أنني بقيت أسير أوهامي. وكي أتحرر منها علي أن أستعيد ثقتي بنفسي. راودني شك مخيف. هل أكون على قدر المسؤولية؟ وماذا ينتظرون مني؟ ماذا يمكنني أن أقدّم لهم؟ قدّمت ليبيا لي كل شيء، إلا أنها سلبتني أيضاً كل ما أملك. راح الناس يهنئونني وتسابقوا لمصافحتي ومناداتي «سيدي الرئيس». رفضت التغيّر. سأبقى الرجل الذي كنته دوماً مهما حصل. فلن تبدلني السلطة وامتحاناتها البتة. خرجت إلى الشرفة متذرعاً بأن علي الإجابة على الهاتف. كان الهواء ساكناً، وقد رفضت الشمس بعناد الغروب تماماً. رنّ هاتفي، فأجبتُ من دون تفكير. كان المتصل ابني المقيم في دبي. ما زلت أذكر حوارنا: العواطف البادية في صوته، الفخر في كلماته، السعادة في نبرته، والإعجاب في سكوته، كل هذا مسّني في الصميم. فقد تخطينا الصعاب كافة وصرنا أكثر توحدا من أي وقت مضى. قيّمت عندئذٍ ضخامة المهمة التي أوكلت إليّ.

ما كنت قد استوعبت تماماً دوري كرئيس، حين عدت إلى الغرفة وساد الصمت. كانوا ينتظرون مني التكلم. توقعوا أن أُلقي كلمة، كما نرى عادةً في المسلسلات الأميركية. لكنني لست ممثلاً، ولا أستطيع أداء هذا الدور. فهذه مهمة يعتمد عليها مصير بلد وأولاده. تخرج الكلمات وحدها. علي أن أشكرهم الواحد تلو الآخر لأن كلاً منهم مدّني بمساعدة قيمة. أعرف هؤلاء الأشخاص الأربعين كلهم: حياتهم، آلامهم، ندمهم، صفاتهم، عيوبهم... أردت أن أصبح رئيساً يحرص على ألا ينسى أننا نعمل معاً حين نخوض المعارك معاً. أعي أن أعضاء مجلس النواب الذين اختاروني لم ينتقوني بشكل أعمى. وهذا بالتأكيد ما لم أطلبه منهم. عندما تنتهي معركة، يبدأ صراع جديد. أردت أن أعيد لبلدي مكانته على الساحة العالمية. نتمتع بكثير من المزايا، وخصوصاً رجالاً ونساء أعربوا عن الشجاعة وتوقهم إلى الحداثة والحرية. ننعم في ليبيا بموارد طبيعية متنوعة، ما يُعتبر بالتأكيد ميزة إيجابية. لذلك بدا من الضروري أن تولد ليبيا من جديد. رغبت في أن يتحوّل بلدي إلى ديمقراطية منفتحة يسودها التسامح، ديمقراطية يستطيع فيها الجميع التعبير عن آرائهم. أردت تأسيس دولة ليبيا مزدهرة تحلل وتنتقد. صحيح أن الدرب ما زال طويلاً، غير أن تصميم الجميع يستطيع التغلب على الجراح التي لن يشفيها إلا الزمن وحده. كاد هاتفي أن ينفجر. لذلك اضطررت إلى الإجابة. تلقى باراك أوباما لتوه الأخبار عما آلت إليه الانتخابات. كنت أجهل كم الساعة في واشنطن، ولكن في ليبيا كانت الساعة متأخرة، مع أن ليلي كان لا يزال طويلاً. هنأني الرئيس الأميركي بحرارة وسأل عن أحوالي. لم يكن أحد حتى تلك اللحظة قد سألني عن حالي. فاجأني سؤاله هذا. لذلك توقفت قليلاً قبل أن أجيبه. كيف حالي؟ لا أعلم، حتى إنني لم أطرح هذا السؤال على نفسي. لكني أكّدت له أنني بخير كي أتفادى الاستفاضة في الشرح والكلام. هذا ما اكتفيت بقوله لباراك أوباما.

*الفصل الثاني*

وُلدت في 31 ديسمبر عام 1940 في مدينة بنغازي. كان أبي بقالاً وكانت أمي ربة منزل. كنا نقيم في منزل صغير تخترقه الحرارة بسهولة. وقد عمل أبي بنفسه على توسيعه تدريجاً مع تنامي أفراد عائلته. وقد اعتبرنا الجيران جزءاً لا يتجزأ من أسرتنا. نتيجة لذلك، ساد بيننا تكاتف حقيقي. فكان بعضهم يقرضنا الطحين والبعض الآخر الزيت. كذلك كنت ابن كل جاراتنا. في شارعنا الصغير، تعلمت الاحترام، التكاتف، وأهمية العائلة. عندما كنت أسئل في صغري عن عدد إخوتي وأخواتي وأعمامي وعماتي، كنت أعدّ أيضاً الجيران وأصدقاء العائلة. ومرّ وقت طويل قبل أن أعي أنهم لم يكونوا حقّاً من عائلتنا. كان شارعنا كثير التعرجات ومعتماً بعض الشيء. واعتدنا لعب الورق في المساء، فيما كان حكيم، أخو صديقي مراد، يعزف على الغيتار. كان يعزف الألحان الشائعة، ما ساعدنا في حفظ الأغاني الرائجة آنذاك. ما زلت أحتفظ بذكريات جميلة عن تلك الأيام. كانت أمي تهوى الطهو وتحرص على إبقاء منزلها نظيفاً. أعتقد أن همها الأول كان إبعاد كعوب الأحذية عن سجادتها الزرقاء. كم كرهت تلك السجادة! فإذا أخطأنا وسمحنا لألعابنا بأن تطأها أو مشينا عليها وفي قدمينا أي شيء غير جوربين، كانت تهوج وتموج. كنا نملك على الأرجح سجادات أخرى، إلا أن هذه أثرت فيّ على وجه الخصوص. كان أبي وأمي يصليان عليها. واعتدت أحياناً الانضمام إليهما. ما كنت أعرف الصلاة بحد ذاتها. لكنني أحببت طريقة الصلاة. وقد حفظتها عن ظهر قلب، وصرت أكررها في غرفتي في ما اعتبرته آنذاك نوعاً من الخطوات المنسقة. أعتقد أن حبي للإسلام ولد في تلك المرحلة. كنت الولد الثاني في العائلة والصبي الأول.

أراد أبي أن يعلّمني كيف أصبح رجلاً بحق، في حين تولت أمي تعليم أختي كيف تصبح امرأة. في أربعينيات القرن الماضي، كان دور المرأة يشمل تعلّم الطبخ وتنظيف المنزل. أتسأل اليوم كيف تتعلم المرأة الخنوع. لكن أمي لم تكن خنوعة. أدرك راهناً أن الفكرة التي كونتها عن نساء تلك الحقبة كانت خاطئة. فكانت المرأة تدير شؤون المنزل، وتتولى شراء الحاجيات وتعليم الأولاد. وإذا عاكستها الحياة وترملت، فكانت تضطلع أيضاً بدور الزوج. قدّمت لنا أمي كل ما في وسعها. رُزقت بتسعة أولاد. وأعتقد أنها كانت ستنجب المزيد، لو أنها استطاعت ذلك. تألف بيتنا من ثلاث غرف نوم: واحدة لوالديّ وأخرى للفتيات وثالثة للفتيان. كذلك ضمّ غرفة طعام وأخرى للضيوف. وقد مُنعنا من دخول الأخيرة لأنها كانت مخصصة للزوار. كانت الأجمل بين غرف المنزل.

عُلّقت على جدرانها الأطر واحتلت مقاعدها مساند منتفخة، في حين اكتست أرضها بسجادة حمراء. أصبحت رجل المنزل عام 1955، حين أصبح أبي عاجزاً عن العمل بسبب المرض. وفي ليبيا، كما في بعض الدول الأخرى، يخسر الرجل الذي لا يؤمن المال لعائلته الكثير من سلطته. لذلك صرت أعمل في السوق قبل بدء المدرسة وبعدها وفي أيام العطل. لكن أمي ظلت تردد على مسمعي أن مستقبلي يكمن في الكتب لا بين عربات البطيخ والحمير التي تجرها. غير أن العمل سمح لي بتحديد مكاني في هذه العائلة الكبيرة. فما عادت عائلتي تستغني عني. حسمت الأمر: كان من الضروري أن أجد عملاً أفضل حين أكبر. أردت طوال فترة أن أصبح طبيباً. ولكن عندما زرت المستشفى لتقطيب جرح صغير، بدّلت رأيي. فلم أستطع تقبل فكرة إيلام الناس، ولم أتحمل رؤية الدم. رغبت بعد ذلك في أن أصبح شرطيّاً، إنما من دون سلاح، فلم يستهوِني يوماً. لكن هذا مستحيل. وبما أن الفتيات كن يرغبن في تلك الحقبة بامتهان التعليم، فلم أشأ أن أنتقي عملاً مخصصاً لهن، مع أن فكرة مساعدة الآخرين وتعليمهم كانت تروق لي سرّاً. لذلك كنت أساعد أخوتي وأخواتي على إنجاز واجباتهم المدرسية: كنت أطلب منهم أن يتلوا دروسهم، ويقوموا بواجباتهم مرات عدة... كنت شديد التطلب. وكنت أحذرهم دوماً من أنهم إذا أخفقوا في دراستهم، سأرغمهم على مساعدتي في السوق، وكان ذلك الأمر يخيفهم جدّاً.

«ما كان يجب أن يموت»

القذافي... أرى وجهه. أستطيع أن أميّز معالمه: نظرته السوداء، صوته العريض، نبرته الساخرة، عيناه المليئتان بالحقد، يداه الغليظتان، وأصابعه العريضة... لطالما تساءلت عما إذا كان يرتدي قناعاً. ولكن ما من قناع يستطيع أن يعكس كل هذه البشاعة الداخلية: كان هذا وجهه الحقيقي. أعي أن عظمة الإنسان لا تُقاس بعدد مَن قتلهم. العظمة... شعور لم يحس به هذا الرجل، الذي مات مثل الكلب، في أي لحظة من حياته. لم أنسَ أي تفصيل عن هذه الشخصية الشريرة. مات وحيداً بعدما هدر دم عدد مخيف من الأبرياء. تملكني سخط كبير. ما كان يجب أن يموت. أردت أن أقف أمامه مجدداً وجهاً لوجه. رغبت في أن أقول له مرة أخرى إن الحكم بالكره لا يؤدي إلا إلى السقوط بالموت. ما كان القذافي يخيفني، وما كنت أعتبره إنساناً أعلى شأناً. على العكس، جعلني التعليم الذي تلقيته والقيم المغروسة فيّ إنساناً أعلى منه شأناً. لم يجد القذافي استعمال السلطة. عرف السبيل إلى الإمساك والاحتفاظ بها، إلا أنه لم يتقن استخدامها. ما كان القذافي يتصرف إلا وفق ما تمليه عليه مصالحه الشخصية. لم يدرك أن وراء كل دولة سياسية أو عسكرية يقف رجال. إلا أنه اعتبر هؤلاء الرجال مجرد عامل يمكن تعديله. أذكر طرفة رواها قريب مسن للقذافي. فطوال 15 سنة، كان الرجل عينه يحضر له كل صباح الفطور. وطوال 15 سنة، لم يعرف القذافي اسمه. فقد كان القذافي والمقربون منه يدعون «ذلك الرجل». فما كان القذافي يهتم إلا بنفسه وبالمقربين منه. أما الإنسان ومشاعره فكانوا في نظره أموراً معقدة. لطالما تساءلت عما إذا كان هذا الرجل يملك مشاعر. هل كان يشعر بالحب؟ أشك في ذلك حتى اليوم. اعتاد أبي أن يقول لي إن قيمة الإنسان تُقاس بموقفه ممن هم أضعف منه. وأعتقد أن رأيه هذا مصيب.

«أقاربي دفعوا الثمن»

فكّرت في والدتي، تلك المرأة التي أنجبت تسعة أولاد وماتت وحيدة كما لو أنها نكرة. من أولادها التسعة، ما كان أحد حاضراً ليدفنها. ما كان أحد منا حاضراً ليطلب منها السماح. لم أستطع أن أطلب منها الصفح. عندما قررت معارضة القذافي عام 1980، شعرت عائلتي بالقلق: علمت أنني بذلك أعرِّض المقربين مني للخطر. لكن رفضي التعاون كان أقوى من حبي للمقربين مني، الذين اضطروا منذ ذلك الحين إلى دفع ثمن (باهظ) لقاء عصياني. كان بإمكاني ألا أتفوه بكلمة أو أقدم على أي خطوة. كان باستطاعتي الاستفادة من نظام بدا مستعداً ليقدّم لي كل ما أريد. ولكن هل كان بمقدوري العيش حرّاً مع تأنيب الضمير؟ أي عبرٍ كنت سأقدمها لأولادي إذا كنت أرى أمامي قاتلاً كلما نظرت في المرآة؟ لا يكون المرء حرّاً ببقائه خارج السجن، فالحرية في عقل الإنسان. لذلك اخترت حرية الضمير على حرية الرفاهية المصطنعة. الحياة في تبدّل مستمر. أُلقي ستة من إخوتي وأخواتي في السجن وتعرضوا للتعذيب، في حين نجحنا نحن الثلاثة الباقين في الهرب إلى المنفى في المغرب ومصر وإنكلترا والولايات المتحدة الأميركية. لا تنقصني الشجاعة، غير أنني ما كنت لأتحمل السجن. ما كنت لأتحمل تقييد حريتي وتعرضي للذل وحرماني من كرامتي التي أعتبرها بالغة الأهمية. وأشكر الله لأنه جنبي السجن. أدرك في أعماقي أنني رحلت لأعود أكثر جهوزية: فلا مجال للتفكير في أنني قد أهجر وطني. هذا البلد بلدي، وقد ولدت لأخدمه.

^^^

تغيّبت تلميذتي زهرة عن الجامعة فعلمت أن القذافي وضع يده على رأسها وأومأ إلى حراسه... فأُخِذَت واغتُصِبَت

...

تراجعت صحة والدي يوماً بعد يوم. وكان يخبرني دوماً أن نتائجي الجيدة في المدرسة خير علاج له. لذلك كنت أبذل قصارى جهدي في دراستي، لأنني ظننت أن علاماتي الممتازة قد تشفيه. كنت تلميذاً مجتهداً، هادئاً، وفضوليّاً. كنت أنهل من الكتب وأعشق الأسلوب الأكاديمي. فقد أحببت رسم أسطر تحت العناوين، إعداد البطاقات، وتعلّم دروسي بدقة. ما كنت أهوى المطالعة، لأنني خشيت الخمول الذي يفرضه الكتاب. وتولّدت لدي في تلك المرحلة قناعة أن العقل لا يفكّر حقّاً، عندما تتحرك العينان وتنساب الكلمات. وما كان والداي يملكان أي كتب غير القرآن وكتب الطبخ. وبما أنني ما كنت أحب الطهو، اكتفيت بقراءة القرآن. رغبت في فهم قواعد الإسلام ومعرفة مكانة المرأة والأهل... كذلك أردت أن أطلع على صفات الرجل النزيه والمسلم الصالح. خلا الإسلام الذي قرأت عنه والذي غرسه والداي فيّ من أشكال العنف كافة ومن الخضوع لأي رجل آخر. صحيح أن حياتنا كانت متواضعة، إلا أننا لم نشعر بالعوز مطلقاً. أخبرتني أمي أن علينا الصلاة والطلب من الله أن يمنحنا المزيد... كان علينا العمل لنؤمن قوتنا. تحلت عائلتي باحتشام كبير، شأنها شأن العائلات الليبية كافة في تلك الحقبة. فما كنا نتناول مواضيع الحب والسياسة والدين. لذلك كان على كل شخص أن يخمّن في مسائل مماثلة، يكتشفها بمفرده، ويحتفظ بأسراره لنفسه.

عندما التحقت بالجامعة، التقيت بشابة لن أنساها أبداً: سناء. كانت تعيش مع والدتها، بعدما ترك والدها منزل الأسرة في مرحلة باكرة من حياتها. كانت تهوى الآداب، وتتمتع بأسلوب كتابة مميز. كنا نتواعد سرّاً، فنشتري بذور دوار الشمس ونأكلها فيما نسرح بأحلامنا. كانت المواضيع كلها تثير اهتمامها. وقد أذهلتني بمدى اتساع ثقافتها العامة. فبفضلها يمكنني اليوم تحديد كوكبة الدب الأكبر في السماء. أخبرتني سناء أن النجوم لا تنطفئ إلا في رؤوس مَن ينسون أن يحلموا، وأن السماء من دون نجوم حياة من دون حب. لكن سناء لا أب لها، وضع ما كان أهلي ليقبلوا به. فلا يمكن للفتاة التي لا أب لها أن تكون زوجة صالحة. فهي، في رأيهم، لم تعتد سلطة الرجل. لذلك لن ترضى الخضوع لرجل لا تعرفه البتة. إلا أن أهلي لم يفهموا أنني لم أرد امرأة تخضع لي. ولكن كان علي أن أحترمهم وأخضع لمشيئتهم. تابعت دروسي في المحاسبة في جامعة بنغازي، وأنا أعلل النفس بأن أهلي سيتقبلون سناء بمرور الوقت. لكن موقفهم لم يتبدّل وظلوا متمسكين برأيهم، فأسفت لحالها وحالي وحال أهلي. لم يكن لزواج عن حب مكان في مجتمعنا. كان يكفي أن يلائم الزواج الجميع وأن تتوافق مصالح العائلتين: ومّن يأبه بالعروسين؟ فسينتهي بهما المطاف إلى التكيّف أحدهما مع الآخر.

تركت جامعة بنغازي عام 1962. فبعدما حصلت على الشهادة، رغب والدي في أن أعثر على عمل مربح في طرابلس، في حين أصرت والدتي على بقائي في بنغازي. ولكن عندما حصلت على منحة جامعية لمتابعة دروسي في بريطانيا العظمى، شكّل ذلك صدمة كبيرة للعائلة. حدّدت أمي موقع المملكة المتحدة بين الصين والسنغال، وأبي بين كندا وألمانيا. لم يكونا واسعي الاطلاع في المسائل الجغرافية.

حزن ووداع

شعرت بحزن كبير وتمزق داخلي حين رحلت عن عائلتي. أحسست أنني جبان. لكنني غادرت بحثاً عن المعرفة والاكتشاف. فما عاد بإمكان بنغازي أن تقدّم لي المزيد. ساعدني أستاذي في مادة الاقتصاد على ملء ملفي وطلبات المنحة. وبدا لي أن ثقته بي أكبر من ثقتي بنفسي. وقد منحتني ثقته هذه زخماً كبيراً. كننت له الاحترام كله. فكان يجيب عن الأسئلة كافة، ويتمتع بمعارف واسعة في المجالات كلها. راح يتحدث عن مختلف البلدان، حتى خُيّل إلي أنه زارها كلها. في صيف عام 1962، كان موعد الانطلاق إلى لندن قد اقترب. بعدما حدّدت لوالدتي جغرافيّاً موقع هذا البلد الذي تجهله, أعدت لي حقيبة مليئة بالكنزات والأوشحة والقبعات الصوفية التي حاكتها برعاية. كذلك أضافت إليها معاطف كانت ستخنقني حتى لو لبستها في سيبيريا. كانت لحظات الوداع صعبة ومؤلمة. فقد أطلق إخوتي وأخواتي وأمي وأبي العنان لعواطفهم، كما لو أن أحداً توفي في منزلنا. فهم سيبقون معاً، فيما أرحل أنا عنهم. كانت هذه المرة الأولى التي سأعيش فيها وحيداً. تملكني الشك. فما كنت أجيد التنظيف، غسل الملابس، أو ترتيب غرفة. ما كنت أجيد سوى العمليات الحسابية... ولكن بما ستفيدني هذه العمليات الحسابية في الحياة العملية؟ هذا مؤسف. ولكن لا يمكنني إرجاع عقارب الساعة إلى الوراء. ركبت الطائرة للمرة الأولى. جلست إلى جانبي سيدة راحت تصلي كي نصل إلى وجهتنا من دون أي مشاكل أو عقبات. أثارت فيّ مغادرة ليبيا القدر عينه من الحماسة والخوف. فكيف سينظر إلي الغربيون؟ هل أحظى بأصدقاء جدد؟ وهل أغالي في طموحي؟

لم يكن وصولي إلى لندن حدثاً استثنائيّاً. ففي هذا البلد، وفق أمي، تطير السيارات، تعوم المنازل على سطح البحر، ويضع الرجال أحمر الشفاه. لكنني لم أحظَ بأي مفاجأة تُذكر في لندن، غير الطعام. فقد خسرت 15 كيلوغراماً من وزني خلال الشهرين الأولين، وراودني حنين كبير إلى طعام أمي. نزلت في مسكن للطلاب الأجانب قريب من جامعة لندن. كان جاري في السكن من مدغشقر، والآخر من الأرجنتين. كان الطلاب والطالبات يقيمون في مساكن منفصلة. رغب باولو، صديقي البرتغالي، في أن يصبح مهندس صوت. لم أفهم يوماً ماهية المهنة التي كان يحلم بها. أحببت الخروج وحدي والهيام في شوارع لندن. كنت أسير ساعات من دون أن أعلم إلى أين أتجه ثم أعود أدراجي من دون أي مساعدة. نتيجة لذلك، طوّرت مقدرة عالية على تحديد الوجهات. كانت المواضيع التي تتركز حولها حوارات الناس تفاجئني: الحب، المرأة، الرجل، الله، والسياسة. ما كنت أشارك في هذه المناظرات بحكم العادة. واعتبرت أولئك الناس شديدي الجرأة لتناول هذه المواضيع بحرية. لم أدرك أن مناقشتها لا تحمل أي خطورة إلا بعد مرور وقت طويل. كنت دوماً طالباً مجتهداً، واتصلت بعائلتي كل أسبوع. قلما كان أبي يكلمني، إلا أن والدتي اعتادت أن تنقل إلي أخباره كافة وأخبار إخوتي وأخواتي والجيران وأولادهم وأصدقاء الجيران وأولاد أصدقاء الجيران... وبما أنني ما كنت أحمل لها أي أخبار قد تثير اهتمامها، اكتفيت بالإصغاء إليها. ولم تتردد في أن تشكو إلي همومها. فكانت تتذمر من أبي. وعندما تنتهي من سردها الطويل، تنتقل إلى توصياتها المعهودة: {لا تتحدث إلى الغرباء، لا تأكل عند الناس، لا تكثر الكلام، لا تطل السهر، لا تشرب الكحول، لا تدخن، واظب على الصلاة، واتصل بي...}.

لندن وزواج

ما كان أصدقائي يتصلون بعائلاتهم بشكل منتظم، وما كان هذا يسبب لهم أي همّ أو قلق. وبما أن ذويهم اعتادوا أن يرسلوا إليهم المال، لم يفهم أصدقائي سبب إرسالي أنا المال إلى عائلتي. تمكنت بسرعة من العثور على عمل في مكتب للمحاسبة. كنت أجيد الإنكليزية بطلاقة. وبدأت أكسب المال الوفير. عندما تقاضيت أول راتب لي، توجهت إلى مكتب مديري لأبلغه أن ثمة خطأ ما. وكنت مصيباً: كان راتبي ناقصاً. صحيح أن الحياة في لندن مكلفة، إلا أنني ما كنت أخرج كثيراً، بل انكببت على الدرس لأنني اعتبرت أن إرسال الجزء الأكبر من المال إلى عائلتي وسيلتي لأكون معهم. لكن ما من أمر عوّض عن وجودي إلى جانبهم. لم أعد إلى ليبيا حتى صيف عام 1964. أرادت كل بنغازي أن تطلع على أخبار حياة الأغنياء البيض (كما لو أنهم هم سود). جمعت والدتي أفراد الحي، فتحوّلت إلى كائن غريب أراد الجميع مشاهدته. لكن حديثي لم يحتوي على ما يثير الاهتمام حقّاً، فضلاً عن أنني وددت الاحتفاظ بأسراري لنفسي. كان والداي يخبئان لي مفاجأة في ذلك الصيف: سعيدة، التي كانت ستصبح زوجتي طوال ما لا يقل عن ثماني وأربعين سنة. ظننت أن والديّ قد جنَّا. أتزوج؟ لم تخطر هذه الفكرة على بالي منذ انفصالي عن سناء.

تتحدر سعيدة من عائلة جيدة واعتبرتها أمي مثقفة بما فيه الكفاية. تمت الخطوبة من دون أن أنبس ببنت شفة. وحان بعد ذلك موعد الزواج. ما كان أحد يأبه بما إذا كانت هذه المرأة تعجبني أو لا. وعندما عدت إلى لندن، ظلت سعيدة في منزل والديّ لأن عائلتها رفضت أن تنتقل معي إلى ذلك المكان البعيد. وقد ناسبني ذلك تماماً، لأنني كنت قد أنهيت دروسي، وحان الوقت لأثبت نفسي مهنيّاً. خلال الاستعداد لرحلة العودة، تولت زوجتي مهمة تجهيز حقائبي. أنجزت سعيدة المهمة بدقة وعناية، إلا أنها أضافت إلى ملابسي مزيداً من الكنزات والمعاطف التي ما عاد أحد يرتديها منذ الحرب العالمية ومعاركها. أمضيت ما مجموعه سبع سنوات في لندن. بعد ذلك، قررت أن الوقت قد حان لأحمل معرفتي وكفاءاتي إلى بنغازي. كان 1969 عاماً مميزاً. كان القذافي، الذي طالما اعتبرته مجنوناً، قد تسلّم السلطة لتوه. كنا نملك عدداً من الأصدقاء المشتركين. لكنني لم أستطع يوماً النظر إليه بتقدير واحترام. أحب القذافي التباهي وإهانة النساء، واقتصر استعراضه لرجولته على الاستعانة بسبعة أو ثمانية أشخاص لإبراح رجل بريء ضرباً. فضلاً عن ذلك، تملكه ميل غريب إلى العنف والبذخ. كان القذافي قائداً. ومع أنه تمتع بسرعة البديهة، إلا أنه افتقر إلى الأفكار... أحب ترداد فكرة أنه وُلد ليلمع نجمه. عارضه 12 رجلاً، من بينهم قريبي محمد المقريف، حين نفّذ انقلابه، فخسروا حياتهم. لم نستطع كفكفة دموع والدته أو تهدئة غضب أشقائه. رغم ذلك، دان كثيرون الانقلاب العسكري، متناسين عملية الاغتيال. وما هدف معارضة انقلاب؟ أراد محمد الموت. فما كان الوضع ليتبدّل سواء تسلم السلطة القذافي أو غيره. في تلك اللحظة بالذات، خطت ليبيا الخطوة الأولى على درب مأساة ستدوم ثلاثاً وأربعين سنة.

عندما علم أبي بخبر وفاة قريبي، عرفت أن علي العودة إلى ليبيا بأسرع وقت ممكن. ما كنت أعلم الدور الذي سألعبه هناك. ولكن كان علي الوقوف إلى جانب عائلتي.

(ينتهي من ضحيّته ويسلّمها لرجاله)

مات محمد. ولم تكن هذه الجريمة الأولى التي ارتكبها القذافي ولن تكون الأخيرة. إلا أنني ما كنت أعرف ذلك حينذاك. لم تكن الأوضاع قد تبدّلت بعد في بنغازي. فما زال أهلها يتفادون تناول المواضيع السياسية. قدّمت لي جامعة بنغازي عرض عمل. وطوال سنتين، علّمت المحاسبة، المال، والاقتصاد لطالب محللين، منفتحين، وفضوليين، ما منحني متعة كبيرة. فكان الطلاب يبقون في الصف بعد انتهاء الحصة ليطرحوا علي الأسئلة عن لندن وأوروبا. فقد بدتا بالنسبة إليهم عالماً مختلفاً. عندما لا يرى الشباب العالم إلا من منظار قريتهم، فهذا يعني أن الإنسانية ليست منفتحة كفاية على الخارج. لذلك شجعتهم على السفر وعلى تجربة حظهم، شرط أن يعودوا في النهاية. لا شك في أن سفر الطالب إلى الخارج ليغني معارفه يعود بفائدة كبيرة على وطنه. فالبلد الذي يفتقر إلى نخبة لا يتطور مطلقاً. حفظت اسماء طلابي، وأثارت حياتهم، هواياتهم، معتقداتهم، وشكوكهم اهتمامي. دفعتهم إلى التشكيك في كل شيء: النظام القائم، عمل الدول... ما كانوا يعرفون حينذاك إلا النموذج الليبي، لذلك اتخذت على عاتقي مهمة إخبارهم عن نماذج أخرى أكثر تحرراً وديمقراطية.

صحيح أن القذافي كان قد تسلم السلطة لتوه وبدأ بشق الطرق، إلا أن المجموعات الاجتماعية والإنسانية كانت لا تزال مكبلةً، أو على الأقل مكمّمة. لم يعد زميل لي يدرّس الفلسفة إلى عمله. ولا تزال عائلته تجهل حتى اليوم مصيره. كان القذافي يكنّ لي الاحترام، فعرض عليَّ عدداً من المناصب في إدارته وحكوماته، مناصب رفضتها تلقائيّاً، متحججاً بأنني أحقق نجاحاً كبيراً في مهنة التعليم. شعرت أنني رجل مكلّف بمهمة: رغبت في إعداد الجيل الشاب للثورة وللتفكير. ظننت أن ليبيا معمر القذافي لن تدوم طويلاً. اعتقدت أن رجلاً أكثر منه ذكاء سينهض بين لحظة وأخرى ويقول {كفى!}. غير أنني ما كنت قد اطلعت بعد على فظائع هذا الرجل المجنون كافة. عندما توقفت زهرة، إحدى طالباتي المميزات، عند حضور الصف، قصدت من دون أي تفكير مسبق منزل أسرتها. فالتغيّب طوال شهر عن الجامعة قد يمنعها من متابعة دروسها. مرّت ثلاث ساعات قبل أن يقرر أهلها إطلاعي على الحقيقة. تحججوا بأمراض مختلفة، حتى إنهم ادعوا تعرض أخيها الأكبر لحادث مميت. إلا أنني كنت أعلم أنها لا تملك أخاً أكبر منها سنّاً. علمت في النهاية أن القذافي، خلال زيارة رسمية إلى بنغازي، وضع يده على رأسها وأومأ لحراسه. فأُخذت زهرة، خُدّرت، اغتصُبت، ضُربت، وعُذّبت طوال أسبوع كامل. أتى بعد ذلك عدد من الرجال إلى منزل والديها وأعطوهما مبلغ 500 دينار ليبي مقابل {التزام الصمت} وكـ{تعويض}. عندما كان القذافي ينتهي من ضحيته، كان يسلمها إلى رجاله. وحين ينتهي منها هؤلاء، يقتلونها أو يطلقون سراحها بعد أن يحلقوا شعرها. مع أن وجهها كان مليئاً بالكدمات والندوب وعينها منتفخة ومغمضة، لم تخلع عنها حجابها المعتاد. لم تتجرأ على النظر إلي، بل اكتفت بمسح دموعها سرّاً وهي تخبرني أنها تشكر الله لأنها لا تزال على قيد الحياة. تملكني كره عميق. كان من الممكن أن تكون زهرة أختي، قريبتي، أمي، أو حتى ابنتي. سترغمها الشرطة على التزام الصمت، ستدينها العدالة، وسيحتقرها محيطها. لذلك آثرت الصمت والنسيان. على عائلتها المضي قدماً من دون أي تذمر أو احتجاج. أما أنا، فحملت سخطي في داخلي. أسكرني الكره، فوددت أن أصيح أن كل هذا ظلم. لكنني صمت. ستتخطى زهرة المحنة. حاولت إقناع نفسي بذلك. ولكن كم زهرة وكم من محمد المقريف سيسقطون بعد؟

(حاولت محاربة النظام الداخلي)

في عام 1971، عُيّنت رئيس ديوان المحاسبة. لم يشأ القذافي أن تشمل مهمة المدرسين في عهده تنمية روح التحليل والانتقاد. ولطالما خشيني ذلك المجنون. لم أكن أحضر لانقلاب أو لثورة. فأنا رجل مسالم جدّاً يكره العنف والسلاح بقدر كرهه لذلك المجرم. صحيح أن منصبي الجديد عاد علي بفوائد مادية كبيرة، إلا أنه كان مجرد وظيفة فارغة. ولذلك أُوكلت إلي. فما كان علي القيام بأي أمر. ولكن بما أني فضولي بطبعي وأعمل باحتراف كبير، أخذت عملي على محمل الجد. لاحظت أن وزارة الدفاع تخصص كل سنة ثلاثين مليون دينار ليبي كنفقات طعام وحفلات للقذافي. ولكن بعد إجراء حسابات دقيقة ومن دون أي تعديلات على مأدبات القذافي وحفلاته، تبيّن لي أن هذه النفقات يجب ألا تتخطى 12 مليون دينار ليبي. فأين تذهب الثمانية عشر مليون دولار المتبقية. يحظى كل موظف رفيع المستوى بخمس سيارات وعشرة سائقين. كذلك اعتاد كبار الموظفين أو الوزراء شراء الملابس والسيارات لعائلتهم أو دفع أقساط المدارس من الأموال العامة. ولم تختلف الرواتب باختلاف المنصب أو الأقدمية، بل أيضاً بحسب العلاقة مع ذلك المجنون. نتيجة لذلك، فاق مرتب نائب وزير العدل ما تقاضاه الوزير نفسه. رفضت الخضوع لهذا النظام الظالم. فمع أن ليبيا بلد ثري، يعيش كثير من مواطنيه في الفقر. فكيف أرضى أن يعيش البعض حياة بذخ في حين يكاد آخرون يموتون من الجوع؟ رفضت هذا الواقع رفضاً قاطعاً. وحاولت طوال سبع سنوات طويلة محاربة النظام الداخلي. وكم من مرة أتى مقربون من القذافي إلى مكتبي، ومن بينهم رجلاه عبد السلام جلول ومصطفى الخروبي، وعرضوا عليّ حقائب مليئة بملايين الدينارات لأوقع من دون تردد على حسابات مزورة اعتبروها سرقات مشروعة. لا داعي لذكر أنني كنت أرفض تلقائيّاً. إلا أنهم كانوا يتخطون قراري. حاولت مرات عدة التحدث إلى صحافيين. ولكن مَن تجرأ منهم وأعدّ تقريراً عن الفساد في أعلى مناصب الدولة كان يُعتقل فجأة ويُلقى في السجن بتهمة... اختلاس الأموال. كان الصحافيون يخافون على حياتهم وحياة عائلاتهم. فلا أحد يعارض القذافي أو يخالف رأيه. فحياة الإنسان، مهمن كان، لا قيمة لها في نظر هذا الحاكم الشرير.

الجريدة


Email Drucken Favoriten Twitter Facebook Myspace Stumbleupon Digg MR. Wong Technorati aol blogger google reddit Yahoo

Add comment


Security code
Refresh