Warning: include(/home/content/l/i/b/libyaforum/html/new/media/system/utf.php) [function.include]: failed to open stream: No such file or directory in /home/content/71/3922071/html/index.php on line 9

Warning: include() [function.include]: Failed opening '/home/content/l/i/b/libyaforum/html/new/media/system/utf.php' for inclusion (include_path='.:/usr/local/php5/lib/php') in /home/content/71/3922071/html/index.php on line 9

Warning: include(/home/content/l/i/b/libyaforum/html/modules/mod_breadcrumbs/tmpl/javascript.php) [function.include]: failed to open stream: No such file or directory in /home/content/71/3922071/html/index.php on line 12

Warning: include() [function.include]: Failed opening '/home/content/l/i/b/libyaforum/html/modules/mod_breadcrumbs/tmpl/javascript.php' for inclusion (include_path='.:/usr/local/php5/lib/php') in /home/content/71/3922071/html/index.php on line 12
LibyaForum.org تجربتي مع الفدرالية الليبية

تجربتي مع الفدرالية الليبية

د.علي احمد عتيقة

اخترت هذا العنوان لمحاضرة القيتها في طرابلس يوم 5/12/2012 في  "مركز دراسات الجهاد الليبي" واما عن  سبب هذا الاختيار فكان إحساسي بإنحصار مناقشة هذا الموضوع الكبير المعقد في خيار واحد: إما أن تكون مع أو ضد عودة نظام الحكم الفدرالي الى ليبيا بعد تحريرها من عهد الظلام والتجهيل والاستبداد العبثي منذ إختطافها ليلة الاول من سبتمبر 1969.

بدأت المحاضرة ببعض المقدمات سأشير اليها فيما بعد ولكن أود أولا أن أطرح في هذا المقال نفس الاسئلة التي طرحتها على الحضور في طرابلس :

أولا : هل يوجد اليوم بلدا مستقلا سبق وان قام على نظام فدرالي ثم قرر إلغائه لمدة ستون عاما ثم عاد أليه ؟؟

ثانيا : هل حصل أن قام نظام فدرالي ألا وكان تأسيسه من كيانات سياسية أدارية منفصلة كانت قائمة قبل تأسيسه ؟؟

ثالثا : عن أي شكل من اشكال نظام الحكم الفدرالي نتحدت  هل هو شكل الفدرالية الليبية الهشة الذي تم ألغائه عام 1963 أو الشكل القوي المتماسك المعتمد على مركزية الدولة الواحدة التي تملك مقومات السيادة الامنية و العسكرية و المالية وبقية الصلاحيات الدستورية اللازمة لبناء الدولة الواحدة و المحافظة على وحدة تراب الوطن ؟؟

طرحت هذه الاسئلة الثلاثة للمناقشة بعد الانتهاء من تقديم المحاضرة.

ذكرت في مقدمة المحاضرة بعض الملاحظات قبل الدخول في الموضوع , ذكرت من هذه الملاحظات كيف كنت قبل انتصار الثورة أدعو الله العلي القدير ان يهلك معمر القذافي ومن  ولاه  ثم بعد ذلك صرت أدعو الله ان يؤلف بين قلوب اللييبين جميعا. أشرت الى ان ليبيا اليوم في نعمة من الله ولكنها في شقاء من صنع البعض من أبنائها ,كما عبرت عن سعادتي بأول لقاء فكري مع  تجمع طيب من أبناء وطني العزيز منذ 1970.

دعيت وقتها للمشاركة في ما أطلق عليه ندوة " الفكر الثوري " بحضور رئيس و أعضاء ما كان يعرف بمجلس قيادة الثورة. طلب مني المشاركة بمداخلة فاخترت موضوع الوحدة العربية وشرحت متطلباتها الاساسية . و حذرت  من صعوباتها و مخاطرها وحتمية فشلها إذا قامت بقوة العاطفة والاستعجال والإرتجال على مستوى القيادة . ثم أقترحت أن يبدأ التعاون العربي بقطاعات المواصلات و التجارة وتحرك الافراد عبر الحدود و حرية العمل و الإقامة بين الدول العربية وغيرها من الخطوات الاساسية لبناء مسيرة التعاون و التضامن العربي .

اتضح للجميع ان كلامي لم يعجب العقيد لانه عبر عن رفضه لما طرحت من أفكار ثم أكد مجددا , تمسكه بالوحدة العربية الاندماجية الفورية.  بالطبع وافقه الجميع على ما قال  وزاد عن ذلك عضو المجلس عمر المحيشي عندما قال: أن هذه لم تعد ندوة الفكر الثوري لأننا سمحنا لوزير في العهد الرجعي أن يتكلم .

طلبت الرد لأقول بأنني لم أطلب المشاركة حتى يقال بأنه سمح لي بالكلام بل طلب مني المشاركة وباصرار كل من محمد خليل و سالم والي ولكن بعثت الى السيد عمر الحامدي برجاء ان لا افعل ذلك وذكر اسم وزير اخر من العهد الملكي و هو السيد عبد اللطيف الشويرف , الذي كان قد تحدث في الندوة قبلي.  قبلت بطلبه وقررت ان لا استمر في الحضور وعدت الى عملي الجديد (مديرا عاما ) لشركة ليبيا للتأمين .

ذكرت في مقدمة المحاضرة مدى أطلاعي الميداني على جميع مدن وقراء وواحات ليبيا باستثناء ثلاثة منها و هي القطرون, وادي و, وبحيرة الدوادة. عملت قبل الاستقلال في كل من مصراته التي ولدت ونشأت فيها, ثم في زليتين وطرابلس ونالوت وبنغازي. أما بعد الاستقلال وبعد عودتي من الدراسة فقد قمت بحكم عملي بزيارات ميدانية الى كل مناطق ليبيا. لذلك اعتبر هذا الوطن وحدة واحدة عزيزة علي كما هي عليكم جميعا .

أكتفي بهذه المقدمة و أعود الى موضوع المحاضرة وهو  " تجربتي مع نظام الحكم الفدرالي في ليبيا", هنا لابد من الاشارة الى الخلفية التاريخية التي أنتجت ذلك النظام الفدرالي الهش الفضفاض . تم توحيد الحكم الايطالي في ليبيا منذ عام 1930 بعد تعيين المرشال بودليو حاكم عام على كل البلاد وتم تقسيمها إداريا الى خمسة مناطق كان مراكزها من الشرق الى الغرب في درنه ,بنغازي,مصراتة,طرابلس ومنطقة الجنوب بكاملها من الحدود المصرية السودانية الى الحدود الجزائرية والنيجيرية التشادية وكان مركزها الاداري العسكري في واحة هون.

اذًاً كان الحكم الايطالي في ليبيا موحد قبل تحريرها من ذلك الاستعمار الاستيطاني الغاشم عام 1943. ولكن للأسف رغم فرحة الشعب الليبي بذلك الحدث الكبير ( الذي ماكان ليحصل لولا أرادة الله بانتصار الحلفاء على المحور في الحرب العالمية الثانية ). فقد تم تقسيم البلاد اولا بين الحكم العسكري البريطاني والفرنسي وتم تقسيم الجزء الاكبر الخاضع للحكم البريطاني الى منطقتي برقة وطرابلس الغرب. اما الجزء الجنوبي الغربي المعروف بفزان فاصبح تحت الحكم الفرنسي. وزيادة في تعميق هذا الانقسام الخطير على مستقبل البلاد قامت القوات الحاكمة برسم الحدود وفرض القيود الصارمة على حقوق المواطنين في التحرك والعمل والاقامة بين منطقة وأخرى. وزيادة في التقسيم والفرقة ايضا اعتمد الجنيه المصري عملة رسمية في برقة والفرنك الفرنسي الجزائري في فزان وطبعت عملة بريطانية عسكرية خاصة للتداول في طرابلس الغرب ( MAL ) اي ليرة السلطة العسكرية (Military Authority Lira  ).

اتصور ان هذا التقسيم الحاد للبلد الواحد كان يهدف الى تكوين ثلاثة كيانات منفصلة غير متعاونة وتحت الهيمنة البريطانية والفرنسية والايطالية بالنسبة لطرابلس الغرب,ظهر هذا واضحا في مشروع  بينيفين/اسفورزا البريطاني الايطاليي الذي قُدم الى الجمعية العمومية للامم المتحدة عام 1949 وسقط بفضل الله ,والصوت الرافض المندوب هيتي (السفير أميل سان لو) بعد ما اقنعه الدكتورعلى نور الدين العنيزي بعدالة القضية الليبية .

أذاً ينبغي أن نتذكر دائما بان بلادنا وقت الاستقلال كانت مقسمة بين امارة برقة التي أعلنت اسقلالها في يونيو صيف 1949 ومنطقة طرابلس الغرب التي كانت تحت الحكم العسكري البريطاني ومهددة بعودة الهيمنة الايطالية ,ومقاطعة فزان التي كانت تحت الحكم العسكري الفرنسي. وهكذا اصبحت هوية المواطن الليبي تقسم الى برقاوي وطرابلسي وفزاني وللاسف استمر استعمال هذه الهوية المقسمة حتى بعد الاستقلال الذي اعتمد النظام الفدرالي الهش المكون من برقة و طرابلس الغرب وفزان. اصبحنا بعد إلغاء ذلك النظام نسمع بعودة الهوية الليبية الواحدة التي غابت عنا أثناء الاحتلال الاجنبي وفي فترة الحكم الفدرالي .

هذا ونظرا لواقع تقسيم البلاد قبل الاستقلال كان لابد من القبول بالنظام الفدرالي الهش كبداية لتوحيد البلاد تدريجيا. لذلك تكونت لجنة الستين لإعداد الدستور من داخل الجمعية الوطنية وقسمت اللجنة الي عشرين عضو من كل من برقة وطرابلس وفزان حسب تقسيم الاحتلال رغم التفاوت في عدد السكان بين هذه الاقاليم. فالاقليم الذي كان لا يحتوي على اكثر من خمسين الف نسمة تساوا في عدد الممثلين في لجنة الستين مع الاقليم الذي يحتوي على اكثر من مليون نسمة او الاقليم الذي به ثلاثمائة ألف نسمة.  قام بتعين اعضاء برقة الامير أدريس السنوسي وفي طرابلس مفتي ليبيا الشيخ محمد ابو الاسعاد العالم وفي فزان احمد بي سيف النصر  .

أتساءل الان لماذا العودة لعدد لجنة الستين ولماذا اختيارهم بالانتخاب المباشر؟ هل واقع ليبيا السياسي اليوم بعد ثورة 17 فبراير المجيدة يماثل الواقع الذي كان قبل الاستقلال وقبل إلغاء النظام الفدرالي.  كيف يعقل ان يقسم اعضاء لجنة الستين بين ثلاثة اقاليم لم تعد قائمة منذ عام 1963؟ ولماذا لا تقسم على عشرة محافظات كانت قائمة قبل ان يغير مفهومها وطبيعة نظامها الاداري الحكم العبثي الفوضوي الذي جاء به القذافي ؟؟

كيف يعقل ان نتجاهل كل هذه الحقائق وكل هذه السنوات من التغير لكي نعود بالزمن الى التقسيم الذي فرض على البلاد بعد تحريرها من الاستعمار الايطالي عام 1943,وكان لابد من البناء عليه كشرط لتحقيق الاستقلال عام 1952؟ اليس من العقل ان تنظر الى المستقبل الليبي والعربي والدولي ونسعي لإختيار نظام الحكم الذي يجمع ولايفرق والذي يضمن في نفس الوقت اللامركزية في الحكم المحلي المستقل اداريا وماليا في كل محافظة وفي كل بلدية؟ بل هذا ما كان مخطط له في السنوات الاخيرة من الحكم الملكي لولا اختطاف الوطن ليلة الاول من سبتمبر 1969.

كيف كان واقع العمل و التطبيق في النظام الفدرالي الليبي :

أختبرت العمل في إطار النظام الفدرالي بعد ألتحاقي بالبنك الوطني الليبي (بنك ليبيا المركزي الان ) في بنغازي عام 1959.  كانت الحكومة الاتحادية تنتقل بين بنغازي وطرابلس كل سنتين وذلك بسبب عدم الاتفاق على عاصمة واحدة وقت اعلان الدستور.  كان الخلاف بين التوجهات السياسية في منطقة طرابلس من جهة ومنطقتي برقة وفزان من جهة اخري يتمحور حول ثلاثة قضايا مفصلية : نظام الحكم الملكي والنظام الفدرالي ومكان العاصمة.  الحكم في برقة وفزان كانا متمسكان بالملكية والفدرالية وبينما اغلب الناس في مقاطعة طرابلس كانت على عكس ذلك,غير انه بعون الله وبجهود كبيرة من القيادات السياسية برئاسة الزعيم الكبير بشير السعداوي( رئيس حزب المؤتمر و المجاهد المعروف ) تمت الموافقة على تبني نظام الحكم الملكي الفدرالي.  ولولا هذا التطور التاريخي الكبير لفشلت جهود الامم المتحدة في تنفيذ قرارها باستقلال ليبيا في موعد لا يتجاوز اول يناير من عام 1952.  ولكن رغم هذا النجاح الوطني استمر الخلاف حول مكان العاصمة.  كان الطرف الذي يتمسك بأن تكون العاصمة بنغازي يقول ان المدينة التي دمرت أثناء الحرب العالمية الثانية يصعب اعادة بنائها وتطويرها إلا اذا اعتمدت عاصمة للملكة الليبية المتحدة.  وكان في الطرف الاخر التمسك بطرابلس العاصمة لاعتبارات تاريخية وسياسية معروفة.  وعند مالم يتفق الطرفان على اية من المدينتين وكان لابد من اصدار الدستور الاتحادي قبل موعد الاستقلال للحيلولة دون عودة قضية ليبيا لهيئة الامم المتحدة تقرر اعتماد كل من طرابلس وبنغازي عاصمتان ,كما تقرر بعد ذلك عند التطبيق ان تنتقل الحكومة الاتحادية بكاملها بين طرابلس وبنغازي من بداية الاستقلال و حتى عام 1960.  زاد بعد ذلك وضع العاصمة غموضا وتعقيدا عندما دخلت مدينة البيضاء كمقر صيفي للوزراء اولا ثم كمقر رئيسي للحكومة.  هكذا تشتت جهود الحكومة و المسؤولين في التنقل بين طرابلس والبيضاء وبنغازي من دون اي تعديل في النص الدستوري بخصوص العاصمتين, حتى بعد الغاء النظام الفدرالي عام 1963.  منح دستور 1951سلطات واسعة للولايات الثلاثة وقلل من سلطات الحكومة الاتحادية وبخاصة المجاليين الاقتصادي والامن الداخلي,كما نص الدستور على ان يتولى الملك السلطات التشريعية بالتعاون مع مجلس النواب والتنفيذة من خلال الحكومة التي يعينها,وهو في الوقت نفسه غير مسئول ومعصوم من المسائلة .

ان اكبر خلل تضمنه الدستور في المجال الاقتصادي والمالي كان في المادة الخاصة بالسلطات المشتركة والتي نصت على ان تتولى الحكومة الاتحادية سلطة التشريع بينما تتولى الولايات سلطة التنفيذ.  أدى هذا النص العجيب الى شلل و ارتباك ومخالفات خطيرة في التطبيق بالنسبة للتشريعات الاقتصادية التي اصدرتها الحكومة الاتحادية.  فعلى سبيل المثال قامت الحكومة الاتحادية بتأسيس البنك المركزي عام 1955 ثم اصدرت قانون البنوك لعام 1958.  كان من المنطق السليم ان يقوم البنك المركزي بالتنظيم والاشراف على البنوك التجارية العاملة في البلاد و التي كانت انذاك كلها اجنبية,ولكن حسب الدستور كان لابد ان تتولى الولايات تطبيق هذا القانون وليس البنك المركزي.  هنا بدأت مشكلتي مع النظام الفدرالي الليبي ,فكلما حاولت الحصول على بيانات مصرفية بصفتي مديرا لإدارة البحوث الاقتصادية في البنك المركزي واجهتني حقيقة تنفيذ قانون من قبل السلطات الولاية ,طلبت ذات مرة موعد مع مدير بنك باركليس في بنغازي المستر فلافيل.  وطلبت منه احصائيات عن الودائع والقروض وغيرها من البيانات المصرفية المعروفة لدى المتخصيصين.  استقبلني بفتور ثم رد علي بحيتيات اجرائية عندما قال " عليك ان تطلب ما تريد عن طريق الحكومة الاتحادية التي بدورها تطلب من حكومة يرقة التي تقوم بطلب البيانات من عندنا والتي سترسل اليك بالطريقة نفسها التي جاء بها طلبك الاصلي ",صدمت واستغربت من هذا الرد العقيم والذي استلمت مثله تماما عندما طلبت مجموعة كاملة من الجريدة الرسمية لولاية طرابلس من اجل التوثيق وبناء محتويات مكتبة ادارة البحوث الاقتصادية.  هذا ما حصل معي بالنسبة للشؤون المصرفية وهذا ماكان يحصل في كل ما يتعلق باسياسات والقضايا الاقتصادية والمالية مثل الضرائب والاشراف على الشركات التجارية وغيرها من الامور المتعلقة بادارة وتوجيه الاقتصاد الوطني,اصبحت كل هذه الامور عند التطبيق تعاني من التبيان في التنفيذ ومن الاهمال والفساد وسوء الادارة داخل الولايات.

هذا ما كان عايه الحال في المجال الاقتصادي أثناء الحكم الفدرالي.  و اما الجانب الامني والعسكري فكان هو الاخر مشتت ومفكك بين الولايات ومع الحكومة الاتحادية, فكانت هنالك بالأضافة الى القوة الامنية قوة دفاع برقة في الشرق و القوة المتحركة في الغرب وقوة ثالثة الصغيرفي الجنوب,ثم كان الجيش اللليبي الصغير والمهمش والذي كانت بعض من قياداته تفكر وتخطط للإطاحة بنظام الحكم القائم.  اذكر كيف زارني في المنزل احد كبار الضباط في الجيش ليطلب مني الإنضمام للجانب المدني من الحركة التي كانت تخطط لأنقلاب بأسم الثورة على غرار ما حصل في مصر والعراق مثلا.  أستغربت من هذا الطلب وانا في بداية عملي مع البنك الوطني كما صدمت ان الجيش الليبي الاتحادي توجد به حركات أنقلابية عقائدية متنافسة.  جاوبته بعدم أستعدادي للأنضمام نظرا لما جائت به هذه الإنقلابات من قهر واستبداد وفساد في الاقطار التي قامت فيها مثل مصر والعراق وغيرها من بلاد العالم الثالث ,أستمع الي الضابط الكبير ثم قال وماذا نفعل معك الان بعد ما اخبرتك به من اسرار؟ أجبته بوعدي القاطع ان لا ابيح بهذه المعلومات وطلبت منه في المقابل ان لا يتعدوا علي فوافق على هذا العرض,إن الخلاصة التي لابد من تأكيدها هي عدم قدرة النظام الفدرالي الذي إختبرته في بلادنا على حماية الوطن من التهديد الخارجي ومن مخاطر الإنقلابات العسكرية في الداخل وللاسف,أستمر هذا الواقع الامني والعسكري المشتت حتى بعد ألغاء النظام الفدرالي .

واما العلاقة بين الولايات الثلاثة والحكومة الاتحادية فكانت تتسم بالتوتر والنزاع حول الاختصاصات وطبيعة العلاقة الدستورية بين الوالي والسلطات التشريعية والتنفيذية في الولايات,مثل ما حصل في القضية رقم واحد في المحكمة العليا عام 1954 بين والي طرابلس ورئيس المجلس التشريعي.  كما ان استئثار الولايات بجباية الضرائب وبتنفيذ كل القوانين الخاصة بالشؤون الاقتصادية والمالية جعلت الحكومة الاتحادية عاجزة عن القيام بواجباتها في تنمية البلاد وتطوير مواردها المادية والبشرية.  فلولا أكتشاف النفط وتصديره عام 1961 لبقية الحكومة الاتحادية معتمدة على عائدات الجمارك وعلى ما كانت تستلمه من مساعدات مقابل القواعد الامريكية والبريطانية التي تأسست قبل استقلال البلاد بعدة سنوات. وكان على الحكومة الاتحادية ان تقوم بتوزيع تلك المساعدات بينها وبين الولايات.  واما عن طبيعة العلاقة بين الولايات فكانت في أطار الرسميات الروتينية التي لا تساعد على تنفيذ سياسة تعاونية أو تنفيذ برامج تنموية مشتركة.  بل حتى حركة التجارة العادية و عبور الافراد من ولاية الى أخرى كانت تخضع الى إجراءات رسمية عير مشجعة على التعاون والتكامل على مستوى الوطن بكامله.  لذلك كان من الواضح ضياع الهوية الليبية بين البرقاوية والطرابلسية والفزانية.  فهل كان من الممكن بناء الدولة الليبية في إطار مثل هذا التشتت في الهوية والاهداف ؟؟

لماذا تم إلغاء النظام الفدرالي عام 1963

إن السبب المتداول اليوم ينحصر في دور شركات النفط الاجنبية وقدرتها في التأثير على قرار الملك إدريس بإلغاء النظام الفدرالي,قلت في المحاضرة ان هذا الاستنتاج غير صحيح ولكني اعود الان وبعد التفكير والمراجعة لأعترف بمشاركة شركات النفط في الضغط على السلطات الليبية من أجل إلغاء النظام الفدرالي ولكن هذا الدور لم يكن وحده الذي سبب في إلغاء النظام الفدرالي,ان اهم الاسباب كانت إقتصادية وسياسية وامنية بينما شركات النفط كانت ترغب في التخلص من التعامل مع لجنة البترول ووزارة البترول والسلطات الولاية التي كان لها الحق في الحصول على 15% من عائدات النفط المنتج من اراضيها,هذا كان السبب في تحرك شركات النفط وليس الحرص على وحدة البلاد,إلا انه رغم ذلك كان لدور شركات النفط الاثر المطلوب أصلا من جانب الحكومة الإتحادية لانها لم تستطع مواصلة القيام بواجباتها في الاستفادة من الثروة النفطية من اجل تنمية الوطن ومع ما تتطلب من تشريعات وبرامج وطنية متكاملة.لهذا نلاحظ كيف صدر قانون بنك ليبيا لعام 1963 الذي اعطائه الصلاحيات الكاملة في رسم السياسة النقدية وفي تنظيم القطاع المصرفي وتحديد طرق الاشراف والتوجيه بما يخدم المصالح الوطنية كما صدر في نفس العام قانون التخطيط والتنمية وأعتمدت أول خطة خمسية للتنمية 1963-1968/69.

أصبحت الحكومة الليبية بعد ذلك قادرة على التحرك في رسم السياسات الاقتصادية والاجتماعية الشاملة لكل أجزاء الوطن. اصبح بمقدور المسؤولين و المواطنين التحرك والعمل في كل انحاء البلاد مما ساعد على تنمية الروح الوطنية والهوية المشتركة في محل الهوية الضيقة التي سادت في عهد الفدرالية, قررت الحكومة بعد تأسيس وزارة التخطيط والتنمية بفترة قصيرة تعيني في منصب  " وكيل وزير التخطيط و التنمية " فطلبت أنا الانتداب من البنك حتى أستطيع العودة الى ادارة البحوث الاقتصادية التي تعلقت بها, تمت الموافقة على طلبي وباشرت العمل في ابريل 1964, بدأت مع جهاز الوزارة في متابعة تنفيذ الخطة الخمسية الاولى والإعداد اللازم لمحتويات الخطة الخمسية الثانية بعد اجراء الدراسات القطاعية والاقتصادية الشاملة والقيام بالزيارات الميدانية الى كل اجزاء الوطن,أذكر من تلك الزيارات رحلة الى منطقة فزان في شهر مارس 1965,كان هدف الرحلة الاطلاع على واقع تلك المنطقة الشاسعة التي كانت تعرف بولاية فزان في العهد الفدرالي, تكون فريق الزيارة من بعض المتخصيصين الليبين ومن خبير امريكي من اصول افريقية اسمه الدكتور فارلي,نقلتنا ثلاث سيارات ( لاند روفر ) وكانت واحدة منها مخصصة لنقل البنزين ,ونظرا لأن جل الطرق في تلك المنطقة كانت غير معبدة فكان لابد السير البطيئ المتقطع استغرقت الرحلة اكثر من اسبوع ولكنها ساعدتنا على اكتشاف ما كانت عليه ولاية فزان من تخلف وفقر واهمال يصعب وصفه الان ,فوجدنا بعض الناس تعيش على اكل جمار النخل وغيرهم يعاني من قلة الغذاء والسكن والخدمات الصحية بالإضافة الى الشعور بالخوف من السلطات الولاية التي كانت تمارس عليهم ايام الحكم الفدرالي, أشتملت الرحلة على زيارات ميدانية الى كل انحاء فزان من الجفرة الى سبها ثم وادي الشاطي من يراك الى ادرى وبعد ذلك اتجهنا جنوبا الى غدوة وتراعن ومرزق ثم وادي العبة ووادي الاجال والى العيونات ثم غات التي مضينا فيها يومين اشتملت على زيارة لوحدة فيوت المجاورة ثم الوصول الى الحدود الجزائرية الليبية الواسعة.

من الشخصيات التي لا تنسى في غات كان متصرفها السيد الحسيني ابو بكر الملقب بسلطان الطوارق,تحدثت معه طويلا حول شؤون المتصرفية وعرفت منه بعض المعلومات الجديدة علي مثل تقسيم السكن والاقامة في واحة غات بين الاسياد وهم الطوارق والاشراف وهم العرب القادمين من شمال البلاد وبعدهم العبيد القادمين من الدول الافريقية المجاورة. استغربت من هذا التقسيم العنصري المعتمد في هذا الجزء من البلاد رغم نصوص الدستور الليبي التي تساوى بين كل المواطنين في الحقوق و الواجبات,سئلت نفسي هل كان يمكن لمثل هذا الواقع الاجتماعي ان يستمر بعد الاستقلال لولا حماية النظام الفدرالي لتصرفات الولايات في داخلها ولولا سيطرة بعض شيوخ القبائل على مقاليد التحكم في حياة الناس داخل الولايات.

عرفت من متصرف غات عدم رضائه عن الحكومة الليبية لانها لا تعترف بقدره ومكانته الاجتماعية بدليل سماحهم لاحد عبيده حسب قوله برفع دعوة قضائية عليه في مقر محافظة اوباري.  سألته عن موضوع النزاع فقال " هذا العبد أدعى انني أخذت منه ارضه " وتم الحكم غيابيا لصالحه لان المتصرف رفض الحضور في المحكمة امام عبده, سألته ماذا فعلت بعد ذلك فقال طلبت من محامي الاستئناف ان يقول لحضرة القاضي" كيف تكون  لهذا العبد ارض وهو نفسه ملك لي و ابوه كان ملك لأبي وجده ملك لجدي"؟؟ كان يتحدث بهذا الاسلوب العنصري الواضح وهو واثق من صحة ما يقول غير واعي بحقوق الانسان التي يضمنها الدستور الذي يفترض انه مسؤول عن تنفيذه كمتصرف في غات.

دعانا بعد ذلك الى الغداء فااجلسني بجانبه ولاكنه امتعض عندما دعيت الخبير الامريكي الاسمر ليجلس معنا.  سألني من اين جئت بهذا العبد؟ فقلت هذا خبير استغرب و تسائل هل يوجد عبد خبير؟.  سألته عن الثروة الحيوانية في غات فقال هي بخير لو تخلص منكم المسؤولين لانكم تستهلكونها في زياراتكم المتكررة بدون فائدة. ثم تحدث مدير الشؤون العربية في المتصرفية وقال الان معنا وكيل وزارة التخطيط الذي وعدنا بتحقيق اهم مطالبنا و منها بناء مقر للمتصرفية, استمع السلطان وقال " كلوا كلوا والله ماهي صايرة فيها حاجة "هكذا كانت شخصية هذا المتصرف السلطان في غات البعيدة عن مقر الحكومة المركزية و بخاصة في عهد النظام الفدرالي تحت حماية سلطة الولاية في سبها .

عاد فريق الزيارة من فزان وتقدمنا بتقرير ميداني مفصل موجه لكل الوزارات والدائر المعنية التي اصبحت مسئولة بعد إلغاء النظام الفدرالي باشرت الحكومة في تحسين احوال الناس في فزان وتوسعت في تعبيد الطرق الرئيسية والفرعية وانشاء المدارس والمرافق الصحية في اطار تنفيذ الخطة الخمسية الاولى وخططت للمزيد من مقومات التنمية البشرية والمادية ضمن مشروعات الخطة الخمسية الثانية 1969-1974, وذلك كله قبل اختطاف البلاد والعباد من قبل مجموعة الفاتح من سبتمبر 1969.

اعدت الخطة الخمسية الثانية في اربع مجلدات من ورق الستنسيل التي اصبحت غير معروفة بين جيل الشباب صدرت الخطة بقانون في مارس 1969 بعد اعتمادها من قبل مجلس النواب والشيوخ ولكنها اصبحت بعد انقلاب الفاتح عرضة للانكار والاهمال بل وحتى التلف المتعمد. اصبح الكل يخشى مجرد التطرق لوجودها اصلا.  لذلك حرصت على إخراجها من مكتبتي في طرابلس ثم نقلها على قرص CD وهي الان في اخر مراحل النشر في ثلاثة مجلدات سيصدرها قريبا مركز الدراسات الليبية في مدينة اكفورد البريطانية تحت اشراف مدير المركز الناشط الاخ يوسف المجريسي.  نأمل ان يقرئها اكبر عدد من الشباب الليبي لكي يعرف ما كانت الدولة تخطط لمستقبله قبل اختطاف البلاد وتدمير امكانياتها البشرية والمادية.

كانت الخطة الثانية تهدف الى اعداد المتطلبات التنظيمية والقانونية والاداراية لجعل المحافظات العشر تتمتع بحكم محلي لامركزي مستقل ماليا واجرائيا بقيادة مجلس منتخب بعد فترة من التجربة.  ارجو العودة لهذه الفكرة ودراسة ملائمتها لتحقيق هدف اللامركزية بدلا من الدعوة الى اعادة النظام الفدرالي الليبي الفاشل.  كما هدفت الخطة الى تنويع مصادر الدخل من اجل تقليل الاعتماد على تصدير النفط الخام وكان من الممكن تحقيق هذا الهدف الاسترتيجي خلال الاربع عقود الماضية لو استمر النهج التنموي المتبع قبل انقلاب الفاتح.

أما الان فلابد من ادارة موارد البلاد الشحيحة وتنمية قدراتها البشرية والابتعاد عن بعض التصريحات التي اسمعها على لسان البعض من قيادات المرحلة الانتقالية مثل القول بأن "ثروات ليبيا لا تحصى ولاتعد",ان مثل هذه التصريحات تخدع المواطن و تجعله يطلب العون المادي قبل ان يقوم بواجب العمل المطلوب من اجل تنمية الوطن وضمان مستقبل اجياله. بل من واجب المسؤولين في ليبيا ان يصارحوا الشعب بحقيقة شح الموارد مثل الماء والنفط والقدرات الفنية الليبية وضرورة المحافظة عليها وتطويرها وحسن استعمالها.  ان اتباع مثل هذه السياسة ليست ضرورة مصيرية فحسب بل هي اقل ما يمكن عمله وفاءا لدم الشهداء الزكي الطاهر, اذكر هنا ما سمعته من عامل فني في ليلة باردة أواخر سنة 1973 في جوار حقول النفط.  حاسي مسعود في الجزائر, كان الوقت منتصف الليل وكان الرجل يحرس جهاز عزل الغاز المصاحب للنفط اقتربت منه وقلت بعد التحية انا معجب بكم في الجزائر كيف استطعتم ادارة المنشأت النفطية بعد تأميمها. جاوبني بهذه الجملة القصيرة " هذه حق الشهداء علينا " اتمنى ان يدركوا الليبيون هذه الحكمة و ان تكون دائما ارواح الشهداء امامهم في كل ما يقوموا به من اعمال واقوال .

انطلقت الوزارات القطاعية بعد إلغاء النظام الفدرالي في اصدار القوانين واعداد البرامج التنموية في كل المجالات الحيوية في انحاء الوطن,قامت وزارة البلديات بقيادة المهندس و الصديق علي الميلدري بتأسيس اكثر من عشرين بلدية جديدة حتى وصل العدد الى اكثر من 40 بلدية وكان يخطط الى تأسيس المزيد منها للمساهمة في تنمية قدرات الحكم المحلي كما تم بعد إلغاء النظام الفدرالي اعداد المخططات العمرانية لكل المدن والقراء والواحات الليبية من اجل تطويرها و توسعها لمدة 25 عام بعد اعتمادها.

كما صدر قانون الاحوال المدنية الجديد وغيره من التشريعات اللازمة لتنمية البلاد وتطويرها. اذكر على سبيل المثال كيف كان التخطيط لجعل الغاز يصل الى البيوت عن طريق شبكة الانابيب التي تنقله ايضا الى مركز التصدير والاستهلاك المحلي,كان من المخطط استغلال الغاز في انتاج الكهرباء من اجل تحلية مياه البحر لتزويد المدن الليبية بالمياه الصالحة و تاجيل استنزاف المياه الجوفية غير المتجددة و التي اساء اسغلالها القذافي في مشروعه المعروف بسم ( النهر الصناعي العظيم) كنت اتحصر على ضياع هذه الثروة الطبيعية كل ما شاهدت منظر خزانات المياه المفتوحة في وسط الصحراء في فصل الصيف حيث تكون نسبة التبخر عالية جدا.  قامت وزارة التخطيط بعد إلغاء النظام الفدرالي بالعديد من المسوحات الميدانية في مجالات النقل والاسكان والصحة والتعليم والقوى العاملة استعدادا لتكوين محتويات الخطة الخمسية الثانية التي ما كان يمكن ان تعد من دون الغاء النظام الفدرالي .

فتح باب النقاش بعد الانتهاء من المحاضرة وقام احد المشاركين من انصار الفدرالية ليرد علي السؤال الاول الذي عرضته في مطلع المحاضرة.  قال ان المانيا عادت الى النظام الفدرالي فعلقت على هذا المثل بانه غير ملائم لان المانيا عادت الى الفدرالية بعد احتلالها و تقسيمها الى دولتين الغربية والشرقية.  الاولى تحد الهيمنة الامريكية و الثانية السوفيتية.  ان واقع المانيا كان شبيه بواقع ليبيا بعد تحريرها من ايطاليا وتقسيمها الى ثلاثة مناطق منفصلة وغير متعاونة.  سأل مشارك اخر هل النظام الفدرالي له طابع سياسي ام اداري فأجبته باسياسي لانه يتكون من سلطات تشريعيىة وتنفيذية وقضائية وامنية. ولكن اخطر سؤال كان لماذا انهار النظام الملكي في ليبيا,اجبته بجملة واحدة وهي : انهار النظام بسبب اصرار الملك على استبداله بنظام جمهوري مما فتح الباب امام المأمرات الانقلابية التي انتهت باختطاف الوطن وتدميره بعد انقلاب القذافي ومن كان معه واما الجواب الكامل لهذا السؤال الكبير فيحتاج الى محاضرة اخرى بل والى محاضرات وندوات ارجوا ان يعمل الشباب على تنظيمها .

انتهي بالدعاء الى الله العلي القدير ان يؤلف بين قلوب الليبين ويوحد جهودهم من اجل الوصول بالوطن والمواطنيين الى بر الامان والتطور والازدهار ان شاءالله .

 

 

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

 

 

 


Email Drucken Favoriten Twitter Facebook Myspace Stumbleupon Digg MR. Wong Technorati aol blogger google reddit Yahoo

Add comment


Security code
Refresh