Warning: include(/home/content/l/i/b/libyaforum/html/new/media/system/utf.php) [function.include]: failed to open stream: No such file or directory in /home/content/71/3922071/html/index.php on line 17

Warning: include() [function.include]: Failed opening '/home/content/l/i/b/libyaforum/html/new/media/system/utf.php' for inclusion (include_path='.:/usr/local/php5/lib/php') in /home/content/71/3922071/html/index.php on line 17

Warning: include(/home/content/l/i/b/libyaforum/html/modules/mod_breadcrumbs/tmpl/javascript.php) [function.include]: failed to open stream: No such file or directory in /home/content/71/3922071/html/index.php on line 20

Warning: include() [function.include]: Failed opening '/home/content/l/i/b/libyaforum/html/modules/mod_breadcrumbs/tmpl/javascript.php' for inclusion (include_path='.:/usr/local/php5/lib/php') in /home/content/71/3922071/html/index.php on line 20
LibyaForum.org الدولة العميقة.. مرجعية جديدة

الدولة العميقة.. مرجعية جديدة

إسراء أحمد إسماعيل

عندما وصل رجب طيب أردوغان ورفاقه في حزب العدالة والتنمية إلى السلطة، كانت هناك مخاوف على نطاق واسع من الإسلاميين، ومن توسيع تركيا العلمانية، ولذلك كان أردوغان يخشى مقاومة ما يشار إليه عادة باسم derin devlet أو «الدولة العميقة» «Deep State» وكان المقصود بها في ذلك الوقت: شبكة سرية مفترضة من ضباط الجيش وحلفائهم المدنيين الذين قاموا بقمع، بل وفي بعض الأحيان قتل المعارضين من الشيوعيين والصحفيين والإسلاميين والمبشرين المسيحيين والأقليات، وأي شخص يعتقد أنه يشكل تهديدا للنظام العلماني الذي تأسس في عام 1923 من قبل مصطفى كمال أتاتورك. وفي رأي بعض المؤرخين أن الدولة العميقة مثلها مثل حكومة الظل، يعمل القائمون عليها على نشر الدعاية لإثارة الخوف العام أو زعزعة استقرار حكومات مدنية لا تروق لها. وعلى الرغم من تخوف أردوغان من أن الدولة العميقة تعيقه أمام الحكم إلا أن سياساته التى قربت تركيا من الغرب وأصبحت وسيطاً بينه وبين فلسطين وإيران وسوريا، وحاولت المساعدة فى بناء جسر بين الغرب وطهران فى الأزمة النووية الحالية، مما جعل أردوغان فى نظر زعماء أمريكا وأوروبا قائد ديمقراطية إسلامية لا غنى عنها، وتقدم نموذجاً محتملاً لمصر وتونس وسوريا فى أعقاب الربيع العربى .

وكشفت وثائق ويكيليكس أنه بعد 12 يوما فقط من وصول حزب العدالة والتنمية (AKP) إلى السلطة في عام 2002، أرسل السفير الأمريكي في أنقرة تقريرا إلى واشنطن بعنوان «الدولة العميقة في تركيا» جاء فيه: «يجري الطعن على سيادة الدولة العميقة خطوة بخطوة مع حدوث حالة انفتاح نادرة في تاريخ الجمهورية التركية». ووفقا للتقرير فإن مفهوم الدولة العميقة يشير إلى «نوع من الحكم غير الرسمي وشبه القضائي ينبع بدافع من منظور موسع للأمن القومي».

ويستخدم مفهوم «الدولة العميقة» لوصف السلطة التنفيذية التي تعمل سرا باعتبارها جزءا من الدولة، وتقوم بأعمال وعمليات غير مشروعة وبشكل سري، وإذا ما ظهرت هذه العمليات السرية للعلن، لا أحد يتحمل مسؤوليتها، وبهذا المعنى فإن «الدولة العميقة» عادة ما تواجه مشكلة تتعلق بالشرعية، ويتم حل هذه المشكلة عن طريق إبقاء عملياتها سرية.

وهي تقوم بهذه الأعمال من منطلق الدفاع عن مكانتها وسلطاتها التي شعرت أنها بدأت تفقدها مع التغييرات الحادثة في سياق التطور الديمقراطي، والتي يمكن تلخيصها في احترام أحكام القانون، والفصل بين السلطات، واستقلال القضاء، وحصانة السلطة التشريعية التي تستمد شرعيتها من المجال العام، وما إلى ذلك من الإصلاحات والتطورات التي تعمل على تقييد صلاحيات السلطة الحاكمة، الأمر الذي يدفعها إلى محاولة ممارسة القوة سرا، وتصبح أكثر عمقا في التنفيذ، وتنفيذ بعض الإجراءات سرا. أما في حالة حدوث انقلابات عسكرية، فتصل المخاوف من وجود «الدولة العميقة» إلى الحد الأدنى، وذلك لأنه يتم الاستيلاء على السلطة التشريعية من قبل العسكريين، ويختفي إشراف السلطة القضائية، ويتم اتخاذ تدابير أمنية استثنائية ضد المعارضة الاجتماعية، فضلا عن قمع الحريات الصحفية والسياسية، لكي لا يُترك أي مجال للمعارضة السياسية، وكل ذلك يتم بشكل معلن، فلا مجال هنا للدولة العميقة.

لكن من ناحية أخرى، أظهرت التجربة التركية وجهًا آخر لمفهوم الدولة العميقة، وجه لا يرتبط بالمؤسسة العسكرية التي طالما حاولت الحفاظ على امتيازاتها، وعلى الطابع العلماني الراديكالي للدولة، فبعد فوز حزب العدالة والتنمية بأغلبية المقاعد في البرلمان لمدة 10 سنوات، ونجاحه في تأسيس مرحلة جديدة وسيادة الاستقرار في تركيا، قام باتخاذ خطوات عززت من قوة السلطة التشريعية، واستقلالية القضاء، ورقابته على السلطة التنفيذية، فضلا عن اتخاذ بعض الخطوات تجاه حرية الصحافة والحريات السياسية، هذه الخطوات جعلت حكومة حزب العدالة والتنمية في حاجة إلى عمليات أخرى منفصلة، وبعبارة أخرى، شجعتها على إيجاد «الدولة العميقة»، فرغبة الحكومة في استمرار قوتها وضمان الاستقرار يبرر لها قمع كل القوى المعارضة عن طريق استخدام الأساليب التي تعتبر قانونية في مظهرها، ولكن مشكوك فيها عندما يتعلق الأمر بمدى قانونيتها. ومع إعادة هيكلة النظام القضائي بعد إجراء الاستفتاء الذي جرى في سبتمبر 2010، فقد عملت الدولة على تحويل قوة إنفاذ القانون إلى أداة سياسية دون أي حرج، مستمدة هذه القوة من شرعية إنجازاتها على الأصعدة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. وفي هذه الحالة تبدأ الحكومة من إجراءات وتدابير قد تبدو «عميقة» في البداية، لكنها ما تلبث مع ازدياد قوتها وشعبيتها من التحول من العمق إلى العلن»Surfaced State»  ، دون حرج أو خوف استنادا إلى شرعيتها. وإذا كان من الصعب مواجهة نفوذ وعمليات «الدولة العميقة» فإنه من الأصعب الوقوف أمام سلطات ونفوذ الدولة الظاهرة القائمة التي قد تنحرف بالتدريج عن المسار الديمقراطي، وتتحول إلى دولة سلطوية.

وقد مثلت قضية التآمر لقلب نظام الحكم، والتي تعرف باسم «ارجينيكون» معلما آخر من معالم التحول في مصطلح «الدولة العميقة» على الطريقة التركية، حيث تمثل شبكة ارجينيكون «الدولة العميقة» التي نصَّب بعض أعضاء النخبة العسكرية من خلالها أنفسهم كحماة للهوية العلمانية في تركيا، وعملوا على الإطاحة بحكومات منتخبة ديمقراطيا والتي اصطدمت مع المؤسسة العسكرية في أعوام 1960، 1971، 1980، و1997. لكن اتخذت المحاكمات في هذه القضية مسارا آخر كذريعة للتخلص من بعض الشخصيات المعارضة ليس للدولة العميقة ذات الخلفية العسكرية، ولكن دولة عميقة من نوع آخر، ذات خلفية دينية ممثلة في حركة فتح الله جولان، وهو رجل دين مسن يعيش في منفى اختياري في ولاية بنسلفانيا، كوَّن شبكة قوية لتشغيل الآلاف من المدارس في 140 بلدا، ويدعو إلى الحوار بين الأديان، ويشجع على دراسة العلم والدين على حد سواء، ويقول مؤيدوه، أن هدف الشبكة فقط يتمثل في تعزيز التعليم وأخلاقيات الخدمة العامة في جميع أنحاء تركيا وبقية العالم، وبغض النظر عن أهدافها ومدى اتساع نطاقها، استخدم جولان شبكة دعمه والمعروفة باسم Cemaat أو «المجتمع» ليس فقط لكسب استطلاعات الرأي العام على الإنترنت، حيث فاز بالمركز الأول وفق استطلاع أجرته مجلة فورين بوليسي لاختيار أهم المفكرين في العالم عام 2008، ولكن وفر أتباعه قاعدة انتخابية رئيسية من أجل حزب العدالة والتنمية، وشغلوا مناصب عليا في الأجهزة الحكومية، وفي الشرطة والقضاء.

وليست المشكلة في الانتشار وتأييد حزب العدالة والتنمية، وشغل المناصب الرفيعة في الدولة، لكن ما ينذر بالخطر هو متابعة ومحاولة التخلص من أي صوت ناقد لهذه الحركة من المفكرين والمثقفين والصحفيين، لدرجة دفعت البعض للقول بأن قضية ارجينيكون هي الوسيلة التي ستسمح للـ Cemaat بالاستيلاء على السلطة في البلاد، وأن الدولة العميقة لا تزال مستمرة، ما تغير فقط هو مالكها الذي أصبح يتشكل من ائتلاف مكون من حزب العدالة والتنمية وCemaat.

ويؤكد بيتر دال سكوت Peter Dale Scott أن مصطلح «الدولة العميقة» ظهر في تركيا بعد حادث تحطم سيارة مرسيدس مسرعة في عام 1996، والتي كان يتألف ركابها من: عضو في البرلمان، وملكة جمال، ونقيب بارز في الشرطة المحلية، ومهرب مخدرات كان معروفا بأنه رئيس منظمة شبه عسكرية إجرامية «الذئاب الرمادية». وأصبح من الواضح في تركيا أن هناك علاقة سرية بين رجال الشرطة الذين كانوا من المفترض أنهم يبحثون رسميا عن هذا الرجل، وهؤلاء الناس الذين ارتكبوا جرائم باسم الدولة، والدولة التي ترتكب هذه الجرائم دولة سرية، أي ذات بنية سرية، ومن هذا المنطلق فإن مصطلح «الدولة العميقة» في رأيه يشير إلى حكومة سرية موازية، تنظمها المخابرات والأجهزة الأمنية، بتمويل من مهربي المخدرات والاشتراك في أعمال عنف غير مشروعة، لحماية الوضع القائم ومصالح بعض عناصر النخبة العسكرية ضد تهديدات المثقفين، والجماعات الدينية، وفي بعض الأحيان الحكومة الدستورية.

ويربط سكوت وهذا المصطلح وبين مصطلح «السياسة العميقة» Deep Politics، والتي يقصد بها  كل الممارسات والترتيبات السياسية المتعمدة أو غير المتعمدة، والتي يتم قمعها عادة بدلا من الاعتراف بها، وقد حاول من خلال مصطلح «السياسة العميقة» تعريف «الدولة العميقة»، ولكن على نطاق أوسع يمكِّنه من التطبيق على الحالة الأمريكية، حيث حاول توصيف حالة التفاعل بين الدولة الدستورية الشرعية القائمة، والقوى العميقة التي تقف وراءها ذات الثروة والسلطة، والتي تستخدم العنف خارج إطار الحكومة، وهو ما أطلق عليه الباب الخلفي للدولة The Back Door of the State أو طريق الهروب أمامها، مما يتيح الوصول إلى قوى الظلام خارج نطاق القانون. ويرجح سكوت استمرار «الدولة العميقة» حتى بعد رئاسة أوباما، بل وتزايد نفوذها وفاعليتها تماما كما كان الحال في ظل كل رئيس للولايات المتحدة منذ حكم كينيدي فى ستينيات القرن الماضى.ويدلل على ذلك بأنه على الرغم من الخطب المتفائلة في حملته الانتخابية، واصل أوباما توسيع نطاق العمليات السرية في الحكومة الأمريكية. فهو الآن في مستنقع حرب لا يجرؤ على خسارتها، خاصة وأن الفاعلين في الدولة العميقة أو القوى العميقة تهيمن على حد سواء على الحزبين الجمهوري والديمقراطي، وهي قوى قوية جدا، وغاية في الثراء، استثمرت أرباحها من صناعة الحرب، وبالتالي فإنه ليس بمقدور الرئيس تحدي هذه السلطة، حتى في الوقت الذي يصبح فيه عصر الهيمنة الأمريكية على العالم آخذ في التراجع، ويقترب من النهاية مثل بريطانيا من قبل ، وكذلك فقد قام أوباما دون مناقشة أو مراجعة بمد العمل بقانون الطوارئ الذي تم إعلانه بعد أحداث 11/9، مع فرض قيود صارمة على الحقوق المدنية، وذلك بالتوازي مع ضعف رقابة الكونجرس، مما يشير إلى تراجع مبدأ الرقابة والتوازن بين السلطات.

وإذا كانت تركيا هي مصدر ظهور مصطلح «الدولة العميقة» فإن سكوت يُرجع جذوره إلى عملية تطوير ما يسمى «دولة الأمن القومي» في الولايات المتحدة في أواخر الأربعينيات من القرن المنصرم، حيث رأت حكومة ترومان أهمية التركيز على الأمن القومي في استجابة، وقتها، لصراع الحرب الباردة القادمة مع الاتحاد السوفيتي، ، وقع الرئيس ترومان سنة 1947  قانون الأمن الوطنيThe National Security Act  الذي تأسست وفقا له وكالة الاستخبارات المركزية، ووكالة الأمن القومي، ومعظم الأجهزة الأخرى في جهاز الأمن الداخلي والخارجي، وكانت هذه انطلاقة التفكير في دولة الأمن القومي.

فالدولة هي الكيان القانوني المنوط به، والذي يملك شرعية استخدام القوة، والدولة العميقة هي نمط من الهيمنة سواء الرسمية وغير الرسمية. وتظهر مؤشرات الدولة العميقة من خلال غياب الرقابة الديمقراطية وإساءة السلطة التنفيذية في استخدام سلطتها، وحجم سلطة المؤسسة العسكرية، أي مدى نفوذها في عملية اتخاذ القرارات، فكلما ارتفع نفوذها في صنع القرار كلما تراجعت مصداقية المؤسسات الدستورية وأصبحت ذات وجهين مما يولد أرضية خصبة لميلاد الدولة العميقة.

ثمة إتجاه يميز اتجاه بين مؤسسات الدولة الشرعية والدولة العميقة» باعتبارهما حكومتين عاملتين في نفس الوقت، لكن إحداهما مرئية والأخرى سرية، مع اعتبار أن مصطلح الدولة العميقة يعد مرادفا لمصطلح دولة الأمن القومي، وأن الغضب والاستعداد لمواجهة الاتحاد السوفيتي كان الدافع وراء إيجاد جهاز الأمن الوطني أو «الدولة العميقة» التي تقوم بعملياتها غير الشرعية سواء بعلم أو بدون علم مؤسسات الدولة الشرعية. ومنذ ذلك الوقت، أصبحت سياسة ضمان الأمن القومي الأمريكي على رأس أولويات الولايات المتحدة، والمحرك الذي يوجه ويصحح مسار استراتيجيتها في العالم، والمبرر لاستمرار عمل أجهزة الأمن القومي أو «الدولة العميقة».

وهناك اتجاه آخر يرى أن مصطلح الدولة العميقة هو التطور التاريخي لمسيرة الانقلابات في العالم، حيث يقسم هذا الاتجاه الانقلابات إلى نوعين رئيسيين: الأول، الانقلابات العسكرية التقليدية، مثل تلك التي كانت سائدة في أفريقيا وأمريكا اللاتينية أثناء حقبة الحرب الباردة، وتتسم بعنصر التغيير المفاجئ وليس التغيير التدريجي للقوانين، إلى جانب استخدام القوة أو التهديد باستخدامها.

والنوع الثاني، انقلابات ما بعد الحداثة Post-Modern Coup ، ويقع في إطارها أنواع قد تتداخل مع بعضها بعضا، وهي الانقلاب الذاتي Self-Coup ، أو الانقلابات البطيئة Slow-Motion Self-Coups، وفيه تقوم الحكومة التي جاءت إلى السلطة عبر الوسائل الديمقراطية تدريجيا بتقويض المؤسسات الديمقراطية للحفاظ على استمرارها في السلطة بشكل دائم. وقد أوضح ستيفن كوك أن السمة المميزة لانقلابات ما بعد الحداثة أنها أكثر دهاء، فهي لا تعتمد على القوة والعنف بالأساس، بل تعتمد على مؤسسات الدولة غير الرسمية في تحقيق أهدافها.

 

وبالتالي يتشابه مصطلح «الدول العميقة» في هذه الحالة في أهدافه ووسائله مع «انقلابات مع بعد الحداثة» إلى حد القول إن تفعيل الدولة العميقة يعني حدوث انقلاب بطئ أو انقلاب ذاتي أو كلاهما معا.

كذلك ارتبط مصطلح «الدولة العميقة» بمصطلح آخر، وهو «دولة داخل الدولة»، ويعني الأخير أن هناك حكومة على رأس حكومة أخرى، ويتم انتخاب واحدة من قبل غالبية الناس في حين أن الأخرى لا تمر بأي عملية انتخابية، وعادة ما تتألف حكومة ما وراء الكواليس من عناصر داخلية تتمثل في التالي:

1- كبار الموظفين الحكوميين السابقين المدنيين والعسكريين، فهؤلاء يتفقون على التناوب  على السلطة، وعلى تقاسم الثروة والامتيازات، وأحيانا يتنافسون فيما بينهم.

2- النخب الرأسمالية، أي رجال الأعمال الذين يحاولون استخلاص رأس المال، واحتكار الاستثمارات ،استمرار امتيازاتهم المالية.

3- عناصر من الأوساط الأكاديمية والمثقفين والتكنوقراط، لاسيما أولئك الذين يعرفون كيفية السيطرة على الدولة من خلال عملية صياغة الدستور ووضع القوانين والتشريعات الأخرى التي لديها أجندة خفية أو البنود التي تسمح لقوى الوضع القائم بالاستمرار في امتيازاتها ونفوذها.

وذلك فضلا عن الدعم الخارجي الذي يتمثل في التحالفات أو الاتفاقات مع الدول القوية خاصة الولايات المتحدة الأمريكية، فيما يتعلق بحماية المنافع والمصالح المتبادلة.

وتتمثل المهمة الرئيسية لهذه «الدولة داخل الدولة» في عدم السماح بحدوث أي تطور من شأنه أن يفقدها قوتها لصالح حدوث منافسة حقيقية ديمقراطية، وكذلك تهدف الحكومة الخفية إلى:

1- خلق صورة مشوهة عن النظام السياسي الديمقراطي الجديد، وجعل الناخبين يشعرون بأنهم لا يستطيعون الاعتماد على النظام الديمقراطي.

2- جعل الحكومة الديمقراطية عاجزة، لا قيمة لها، وإذا كانت تبدو جديرة بالثقة، تُثار على الفور اتهامات بالفساد والدكتاتورية لهز ثقة المواطنين فيها.

3- تعقيد النظام البيروقراطي في الدولة، والعمل على إعاقة إنجازات النظام الجديد سواء الاقتصادية أو الاجتماعية أو السياسية.

4- استغلال الدعاية الإعلامية لصالح رموز النظام السابق، ومقاومة النظام الجديد.

5- التأكيد للقوى الخارجية أن ضمان مصالحها مشروط باستمرار عناصر هذه الدولة الخفية في السلطة، وأن تغييرهم من شأنه أن يهدد مصالح الدول الخارجية.

وفي سعيهم لتحقيق هذه الأهداف، يحرص القائمون على هذه الشبكة على أمرين، الأول: عدم الكشف عن أنفسهم بغض النظر عن مدى الضغط، ويتم تمرير أي أوامر تخريبية من خلال رموز لتجنب تتبع مصدر الأوامر. والأمر الثاني: تعزز السلطة من خلال خلق حالة تنافسية بين الموظفين والتابعين لهم، بحيث يتم التخلص من الذين يفشلون في تحقيق أهداف الشبكة، ويتم ترقية المفضلين دون مسؤولية أو مراعاة للصالح العام.

في ضوء ما سبق، يمكن القول إنه مع الأحداث والتغيرات المتسارعة سواء على الصعيدين الدولي أو الداخلي، تبلور مصطلح «الدولة العميقة»، وطالته تغييرات، واتخذ أكثر من شكل، فلطالما كان مرتبطا بالمراحل الانتقالية في الدول فقط، وبمجرد حدوث تغيير في النظام السياسي أو الاقتصادي والاجتماعي القائم يحدث خلل في مكانة بعض النخب، وتشعر بالتراجع، مما يدفع هذه الجماعات (قدامى الأثرياء وأصحاب السلطة والنفوذ) لاستخدام قوتهم ومكانتهم الاقتصادية لتحدي النظام السياسي والاجتماعي الجديد، والإبقاء قدر الإمكان على ما تبقى لهم من نفوذ، وفي هذا الإطار يتم اللجوء لأدوات ووسائل شرعية أو غير شرعية لتحقيق أهدافهم، بل حتى إنه قد يتم استغلال المواطنين البسطاء المؤيدين للحرية والديمقراطية دون أن يشعروا بذلك، حيث يجد العاملون البسطاء أنفسهم أمام نمط حياة مختلف، ونسق قيمي جديد يُعلي من سقف توقعاتهم وطموحاتهم، مما يدفعهم لانتهاج أساليب ضد مصلحة الدولة وتقع في صالح جماعة «الدولة العميقة» بالأساس لكن بحسن نية، واستنادا على حقوق ومطالب مشروعة، وهذا ما نراه في مصر حاليا من استمرار لمسلسل الإضرابات والاعتصامات وقطع الطرق، والهجوم على المستشفيات والمؤسسات الحكومية.

ومن ناحية أخرى، تبلور هذا المفهوم ليخرج من نطاق المراحل الانتقالية، ويستمر وجوده حتى خلال مراحل الرسوخ الديمقراطي، بعد أن تستتب الأمور، ويسود الاستقرار في الحكومات الجديدة الديمقراطية، ولكن في هذه الحالة تخرج «الدولة العميقة» من رحم الدولة الجديدة، أي من رحم الديمقراطية، بدعوى الحفاظ على مكاسب النظام الديمقراطي الجديد، وضمان استمراره وحمايته من أي تهديدات خارجية كما في حالة أمريكا والاتحاد السوفيتي، أو داخلية كما في حالة تركيا. وإذا كانت الدولة العميقة في الحالة الأولى ممثلة في أعضاء من النخبة العسكرية بالأساس التي كانت تتولى مقاليد السلطة في العديد من دول العالم النامي، فإنه، ونظرًا للتطور الديمقراطي وإحلال الديمقراطيات ذات الطابع الإسلامي محل أنظمة الحكم الديكتاتورية، فإن الخطورة، هى أن تصبح الدولة العميقة ممثلة في أعضاء الحكومات الإسلامية أو أعضاء الحركات الإسلامية المؤيدة لهذه الحكومات. وقد يصبح الموقف أكثر تعقيدًا إذا ما استمرت حالة عدم استقرار الحكومات الجديدة مع استمرار المنافسة بين عناصر الدولة العميقة ذات الخلفية العسكرية، وعناصر الدولة العميقة الجديدة ذات الخلفية الدينية.

أي أن تحدي «الدولة العميقة» أصبح تحديًا مزدوجًا، والنتيجة النهائية ضد الصالح العام، حيث تسود حالة من عدم الثقة بين أطراف المجتمع، ويفسر كل تجمع أو ائتلاف على أنه تأهب للهجوم على طرف آخر يجب القضاء عليه، فتزداد أعداد الخاسرين، مما يخلق حالة من عدم الاستقرار الاجتماعي والسياسي والاقتصادي، فضلا عن ارتباط القائمين على الدولة العميقة بنشاط تجارة الأسلحة، والاتجار بالمخدرات، وغسيل الأموال، وغيرها من الأعمال غير المشروعة التي تدر عليهم أموالا لخدمة مصالحهم وأهدافهم.

وتتطلب مواجهة هذا التحدي تضافر العديد من الجهود، وتعاون الكثير من الجهات في نفس الوقت، حيث تتطلب بدايةً عامل الحسم في إنفاذ وتطبيق القوانين، بحيث تكون أحكام القضاء رادعة ضد قضايا الفساد والإخلال بالأمن والنظام العام، لتخويف وردع الفئات المستفيدة من تنفيذ عمليات الدولة العميقة القديمة، ونشر حالة الفوضى والانفلات الأمني، كما يتطلب ذلك إدراك القيادة السياسية لخطورة آثار الدولة العميقة الجديدة على المجتمع، لما تتسبب فيه من انتشار حالة عدم الثقة، والشعور بالإحباط، والسلبية تجاه الدولة ومؤسساتها الشرعية، والإحساس بعدم فاعلية هذه المؤسسات وجدواها وجديتها في تطبيق العدالة والمساواة بين الجميع، فضلا عما قد تقود إليه من تحويل النظام الديمقراطي الناشئ تدريجيًا إلى نظام سلطوي مستبد لا يختلف عن سابقه، لذلك فإن وجود الإرادة السياسية العازمة على مواجهة الدولة العميقة بكل صورها، والهادفة إلى تطبيق مبادئ الديمقراطية الحقيقية أمر لا غنى عنه لمواجهة الدولة العميقة القديمة، وتفادي ميلاد دولة عميقة بديلة.

وأخيرًا، من أهم الخطوات اللازمة لمواجهة الدولة العميقة توافر عنصر الشفافية في مؤسسات الدولة، بحيث يتم اتخاذ جميع القرارات والإجراءات والتدابير السياسية والإدارية بموضوعية، وضمان وضوح هذه القرارات واللوائح لدى الموظفين والعاملين والمواطنين الذين ستطبق عليهم هذه القرارات، بحيث يكون كل فرد على دراية بمهمته ودوره وحدود مسؤوليته. ولن يكتمل دور عنصر الشفافية دون وجود نظام دقيق ويقظ للإشراف والمتابعة لضمان عدم الانحراف ومحاسبة الفاسدين، وكذلك إعداد نظام تقييم شامل حقيقي - وليس صورياً كما هو منتشر في جميع المؤسسات - لجميع المستويات الإدارية من أعلى المستويات إلى أدناها وربطه بالثواب والجزاء الفوري لتفعيله، ولضمان الانضباط وتحقيق الأهداف. ونظرا لأن شبكة الدولة العميقة منتشرة في جميع المؤسسات والهيئات، لذلك كان لابد من ضمان التعاون والتسيق بين أقسام التخطيط والتنفيذ داخل المؤسسة أو الهيئة الواحدة أولا، ثم  بين المؤسسات وبعضها بعضا.

عن الكاتب : باحثة بمركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار، طالبة دكتوراة

 

الاهرام الديمقراطية


 

 


Email Drucken Favoriten Twitter Facebook Myspace Stumbleupon Digg MR. Wong Technorati aol blogger google reddit Yahoo

Add comment


Security code
Refresh