Warning: include(/home/content/l/i/b/libyaforum/html/new/media/system/utf.php) [function.include]: failed to open stream: No such file or directory in /home/content/71/3922071/html/index.php on line 9

Warning: include() [function.include]: Failed opening '/home/content/l/i/b/libyaforum/html/new/media/system/utf.php' for inclusion (include_path='.:/usr/local/php5/lib/php') in /home/content/71/3922071/html/index.php on line 9

Warning: include(/home/content/l/i/b/libyaforum/html/modules/mod_breadcrumbs/tmpl/javascript.php) [function.include]: failed to open stream: No such file or directory in /home/content/71/3922071/html/index.php on line 12

Warning: include() [function.include]: Failed opening '/home/content/l/i/b/libyaforum/html/modules/mod_breadcrumbs/tmpl/javascript.php' for inclusion (include_path='.:/usr/local/php5/lib/php') in /home/content/71/3922071/html/index.php on line 12
LibyaForum.org رحمة بالوطن أيها المتنافسون

رحمة بالوطن أيها المتنافسون

محمد نجيب عبدالكافي


تابعت التحول الأسباني خطوة خطوة، ثانية بثانية، فرأيت ما يدعو إلى الإعجاب والدهشة، فتمنيت صادقا أن يتم ذلك في بلداننا، حتى أنني ألفت كتاب «أسبانيا من الدكتاتورية إلى الديمقراطية» أمثولة وقدوة.

رحمة ورأفة بالوطن يا أبناء الوطن، صرخة مؤلمة صادرة من كل قلب في كل قطر من أقطار العالم العربي، أقطار تخلصت من الطغاة الظالمين لتقع في ما هو أشد وأقسى. هللت كل الشعوب وكبّرت عند سقوط الجبابرة، ويا ليتها لا هللت ولا كبرت لأنها خرجت من الظلام الظالم لتدخل دجنة الفوضى والمذابح والخسران، باسم الحرية والديمقراطية والإسلام. فالحرية لم تكن قط إباحية ولا الديمقراطية حيفا وتمييزا، ولا كان وما كان ولن يكون الإسلام اعتداء وتقتيلا وهدرا للمكرومات.

تلقيت ككل أبناء جيلي في البيت والمدرسة والمسجد وفي كل مكان، أن المسلم من سلم الناس من يده ولسانه، ولقننا مربونا رحمهم الله القول الكريم: «لا يكون أحدكم مؤمنا حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه»، وحفظنا قوله تعالى «ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين»، وأن الله لا يحب الفساد، وأوصونا بالتعامل بالحسنى فشربنا حتى ارتوينا من ينابيع كتاب الله وسيرة وأحاديث نبيه صلى الله عليه وسلم، لذا فالدهشة كبيرة والألم أكبر عند الاصطدام بواقعنا الخالي من كل ما يردده قوم يتنافسون وما يتشدقون به من حرية وديمقراطية وإسلام. قالوا إنّ ما يحدث طبيعي لأن البلاد تمرّ بمرحلة انتقالية، فساء ما يقولون، لأن شعوبا غيرنا مرّت بشبه وأعسر ممّا تمرّ به بلداننا ولم تقع فيما نحن فيه غارقون.

أرادت الأقدار وظروف الحياة والمهنة، أن أعيش وأعايش ثلاثة تحوّلات من دكتاتورية إلى ديمقراطية، أولها بالبرتغال والثاني بإسبانيا- وهي الأمثل- والثالث برومانيا. عشت هذه التجارب عن قرب، وتابعت التحوّل الأسباني خطوة خطوة، ثانية بثانية، فرأيت ما يدعو إلى الإعجاب والدهشة، فتمنيت صادقا أن يتمّ ذلك ببلداننا، حتى أني ألفت كتاب «أسبانيا من الدكتاتورية إلى الديمقراطية» أمثولة وقدوة. تعبيرا عن تلك الأماني ومحاولة منّي تقريب تلك التجارب من مواطنيّ في العالم العربي، علّهم يستفيدون من تجربة الغير، لأن العاقل من اتعظ بغيره. أنجزت ذلك وكلّي إيمان بأن أبناءنا سيكونون عند حسن الظنّ، وأنهم سينجزون ما أنجز غيرهم لأنهم لا يقلّون عنهم علما ولا ثقافة ولا نضجا ولا إخلاصا. آمنت بذلك فأخطأت، ولا أدلّ على خطئي أكثر ممّا يجري خاصّة في وطني، مسقط الرأس تونس ومرتع الشباب ليبيا، حيث بكيت بالدمع الساخن على ما عرفته وكيف أصبح بشريا ومعماريا، حسيا ومعنويا.

كل هذا دفعني إلى مراجعة مذكراتي التي جمعتها وأنا أتابع التحولات الثلاثة، ثم ما سجلته لإعداد الكتاب السالف الذكر، فيا ليتني ما فعلت، لأنّ ما وجدته من مفاهيم وتضحيات شخصية، ونبل تفكير وإنجاز، وجميل صفات وأخلاق وتصرّفات، وحرص ومثابرة لبلوغ هدف الجميع، عبر الحوار والتنازلات المتبادلة، وتقديم الأهم على المهم، وإرجاء الحقوق إلى ما بعد بلوغ المرام، زادني حزنا وأسى على ما أشاهده في بلديّ.

غير أنني، عملا بقوله تعالى «وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم» سأسمح لنفسي بنقل بعض ما وجدت بين أوراقي عسى أن يكون ذلك لإخواني، هنا وهناك، حافزا ومنيرا، لأني لم أفقد الأمل في مواطنيّ وأبناء جلدتي، فهُم، رغم ثقافة اللاثقافة، ثقافة المادة والتواكل والواسطة والنهم والأنانية التي ولدوا في رحابها، وتربوا بها، وعاشوها عشريات عديدة، فهم بدينهم وتربتهم وتاريخ آبائهم وأسلافهم، لاشك سيعتبرون، وبالإخلاص للوطن في آخر الأمر يتحلّون.

مات الدكتاتور الأسباني فرانكو، فترك للملك ولرئيس حكومته الذي سيدير عملية التحوّل ميراثا ثقيلا معقدا. فالنظام بقي قائما وبداخله طبقة سياسية مقاومة عمليا لأي تغيير، وبجانبها قوات مسلحة تعتقد أنها حارسة ضامنة لشرعية نظام الدكتاتور، ومع هؤلاء أولائك المنتصرون في الحرب الأهلية التي أنجبت ذلك النظام ثم أداروا عملية الانتصار. كما كانت هناك قوات شرطة وأمن تدين هي أيضا بالنظام، فهي مكوّنة تحت مظلة عقيدته وكلفت بمتابعة وملاحقة أية معارضة لأن المعارضة إجرام. فكيف التخلص من نظام ليس مثله نظام، لأنه كان مندمجا في المجتمع، مجتمع نصفه أو أكثر من نصفه لم يعرف رئيسا غير الدكتاتور، ولا نظاما غير نظامه. فكان على الراغب في تنفيذ التحوّل، أعني الرئيس أدولفو سواريث، تعويض الطبقة الحاكمة من ذلك النظام، بطبقة أخرى بدأت تمتلك وبرهنت على ما يؤهلها للديمقراطية. فمن غير الاعتماد على الطبقة السياسية الصّاعدة داخل النظام، لم يكن هناك سبيل لأي إصلاح كان. فإما إدماج الكفاءات الجديدة وإشراكها في المشروع الديمقراطي، وإلا فلا قيمة ولا نتيجة لأي قوانين وإصلاحات.

كيف التصرّف وما العمل أمام وضع شائك معقد كهذا؟ التحلي أولا بالصبر والإرادة والمثابرة. بعد ذلك تعيين الهدف والغاية: غاية يجب أن تكون تجسيما لما تريده وتطالب به الأغلبية أي الخروج إلى نور الحرية والمساواة أي إلى نظام ديمقراطي. هذا لا يتم إلا بالقطيعة الكاملة مع ما كان قائما ونتيجته تطاحن سيؤدي حتما إلى حرب أهلية أخرى، أو بتحويل النظام إلى ضدّه: تغييره من داخله وبأيدي رجاله، وهذا يضمن بلوغ المرام دون كسر أو تحطيم. هنا برزت مقدرة وإخلاص الرجل. فأول مبدأ وضعه بعمليته الهرقلية الضخمة هو: من القانون إلى القانون أي من الشرعية إلى الشرعية وهذا يحتاج إلى رجال فأحسن انتخابهم، وكان من حظه أو حظ التحوّل الحصول على الأشخاص المناسبين في الوقت المناسب. أما الشعار الثاني فكان: الاستماع إلى كل من كان له شيء يقوله أو شيء يطالب به. أدّى هذا إلى الانفتاح على الحوار السياسي مع المعارضة البارزة. حوار انطلاقا من نسيان الماضي السياسي الذي مزّق المواطنين إلى شقين. لكن هذا لا يتمّ إلا بشرط وهو العدول عن شيء، ولو إلى أجل ما. هذا ما نجح في تحقيقه بفضل ما وجده من تجاوب وبحث عن بلوغ الهدف من الجميع. فالجميع قاموا بالعدول عن شيء لفائدة المصلحة العامة، مصلحة الدولة والوطن. تنازل الملك عن امتيازات، وتنازل أعضاء آخر برلمان لعهد الدكتاتور عن اعتقاداتهم الخاصة، وتنازل الحزب الشيوعي عن العلم الجمهوري ورموز أخرى، وتنازل الحزب الاشتراكي عن برنامجه الجمهوري الكبير ثم عن الماركسية، وتنازلت الكنيسة عن بعض حقوقها وعن أولويتها، وتنازلت القوات المسلحة عن مفهومها بأنها الرّاعية لوصية الدكتاتور الرّاحل.

عرف المحرّك الأول لعملية التحوّل ما هو الحسن لمصير البلاد والمواطنين وكيف يتمّ إنجازه، فأهمل حياته في سبيل هذه المهمّة، وأنهكها واستهلكها في عملية سياسية ذات أحجام تاريخية. بنى وشيّد نظام الحرية والمساواة والتآخي والعفو والتسابق لفائدة الوطن والجميع، على مبادئ وشعارات كان ينادي بها ويطبقها. منها أن التوافق لديه مقدّس وقدسيّته لا تعني الاستسلام السلبي أمام الطرف المقابل أو الخصم، بل هو إتمام لأشغال عظيمة هرقلية لفائدة التسامح المتبادل. تسلح بالإقدام والجرأة وفاء لأحد مبادئه وهو اتخاذ القرارات التي يتحتّم اتخاذها. فهو القائل والعامل بمقولته التي كادت تصبح مثالا وهي: سنرفع إلى الدّرجة السياسية العادية، ما هو على مستوى الشارع وبكل بساطة عادي. كلّ هذا جعله يعمل جاهدا على نقل الأصوات والمطالب التي بالشارع إلى التشريع والتقنين. كان ديدنه وغايته ترميم البيت دون انقطاع الكهرباء أو انعدام الماء في الأنابيب.

بهذه المفاهيم وبما تحلى به الناشطون حوله، من مؤيدين ومعارضين، وهبوا أنفسهم، ولو لحين، لخدمة الوطن، كرماء وهبوا جهودهم، أمناء على ما استلموا، أياديهم طاهرة، التزموا بما يجب عمله، وابتعدوا عن خلق المشاكل التي لا يضرّها الانتظار، في كل هذا استطاعت حكومته بعد سنة من تشكيلها، أن تزيل كلّ الهياكل التعسفية من النظام السابق، وأن تنفذ عشرين مشروعا إصلاحيا في 11 شهرا، وتعطي البلاد أوّل دستور شعبي غير طبقي في ظرف سنتين.

استطاع كل ذلك لأنه آمن، وعمل على أن يؤمن كل المواطنين، بأن لبّ الديمقراطية يكمن في الاختلاف مع الآخر وفي فهم ذلك الآخر لأن هذا الفهم هو أوّل واجب وطني لابد من غرسه في قلوب وإرادة المواطنين. وأيضا لأنه اعتبر أن الحكم يعني تحمّل ضغط الأقوياء المنظمين، الذين بأيديهم آليات مهمة للدفاع عن مصالحهم وعن عقيدتهم. لكن لابد من فهم أن شرعية الحكم والحاكم أعلى من شرعية المجموعات ذات التأثير والسلطة. أما إذا كانت تلك المجموعات أقوى من الدولة والحاكم فمعناه أن شيئا خاطئا يكمن في بنية الدولة.

كثيرة هي الأمثلة، فمنها إرجاء المطالبة برد الاعتبار والتعويضات والبحث عن القبور الجماعية لضحايا التعسّف وغيرها، أرجئت ولم يشرع في المطالبة بها إلا مؤخرا أي بعد ثلاثة عقود من إرساء مركبة النظام الديمقراطي الجديد.

كلّ هذه العظات كان يمكن استنتاجها والاستفادة منها عبر التجربة الأسبانية. هذا على الأقل ما كنت أظنه، مع إيماني بأنّ مواطنيّ في أي قطر عربي، وخاصّة في القطرين اللذين أعرفهما عميق المعرفة، قادرون على إنجاز ما أنجزه هؤلاء. لكن يبدو أنني أخطأت الظنّ، وصدق زميل وأخ ودود كان يعارضني ويقول: إنها جينات يا أخي. هل هذا يعني أن جيناتنا غير صالحة؟ هذا ما ستشرحه الأيام والأحداث القريبة القادمة وسط استغاثة الجماهير ارحموا هذا الوطن أيها المتلهفون.

كاتب تونسي ودبلوماسي سابق

العرب اللندنية


Email Drucken Favoriten Twitter Facebook Myspace Stumbleupon Digg MR. Wong Technorati aol blogger google reddit Yahoo

Add comment


Security code
Refresh