مسؤولية الأحزاب في نظام الحكم 

حسن غانم الشريف


من الأمور البديهية في نظام الأحزاب في مختلف دول العالم بأن هناك أحزاباً حاكمة أو مشاركة في الحكم ، وهناك أحزاب معارضة وهي التي تتربص بالأحزاب الحاكمة ونوجه لها النقد وتقود إلى معارضتها وتكشف الحقيقة أمام الشعب وتعمل على إسقاط الأحزاب الحاكمة والحصول على أكثر عدد من الاصوات للإحلال محلها ، ولا يمكن لأي حزب أن يجمع بين الحكم أو المشاركة فيه وبين المعارضة وهذا هو التعبير عن الديمقراطية الحقيقية التي لا تعرف ازدواجية المواقف ولا تلبس إلا رداء واحداً وليست قابلة لمبدأ التلاعب الذي لا يقره لها النظام أو الدستور ، وإذا ما أراد حزب من الأحزاب أن يتحول إلى المعارضة فما عليه إلا أن ينسحب من الحكم أو المشاركة فيه وينظم إلى أحزاب المعارضة بشكل واضح ، وسليم في حينها يمكنه التوجه بالنقد إلى الحزب الحاكم وهذه ضوابط الديمقراطية لنظام الأحزاب وممارستها لأدوارها في هذا النظام.

غير أن ما يدور في ليبيا التي ولدت فيها الأحزاب قبل وقتها وقبل إقرار الدستور من قبل الشعب وصدور القانون الذي ينظم عملها وكيفية ممارستها للسياسة بالطرق الديمقراطية فقد وقعت هذه الأحزاب في المغالطات وازدواجية المواقف والصراعات التي لا تعرف الحدود والاتجاه الذي تسير فيه وهل هي تمثل الحكومة أو المعارضة وما هي واجباتها الحقيقية في ممارسة السلطة ، حيث التبست عليها الأمور وأصبحت كمن يحرث في البحر وإثارة الضجيج دون إنتاج الطحين المفيد إلى أن أصبح الشعب يرفض الأحزاب ويدعو إلى تجميدها إلى ما بعد إقرار الدستور ، ولعلى الوصول إلى هذه النتيجة كان بسبب عدم معرفة الأحزاب لواجباتها الحقيقية وممارسة دورها بالشكل الصحيح والمطلوب في بناء الدولة دون خلط المفاهيم وبعثرة الأوراق التي تنظم العمل وتحدد الحقوق والواجبات والخطوط العريضة التي ترسم الطريق لبناء المستقبل وتوضح الاتجاهات الصحيحة التي يسير عليها نظام الحكم وخاصة في هذه المرحلة الدقيقة التي يتطلع إليها الشعب الليبي لبناء دولة ليبيا الديمقراطية والتي تتطلب تضافر الجهود وتوحيد الصفوف وحشد كافة الجهود والإمكانيات المطلوبة لتحقيق هذا البناء.

ولذلك فان هذه الأحزاب إذا ما أريد لها الاستمرار في هذه المرحلة فعليها أن تدرك الوقوف في الطريق الصحيح وتساهم في بناء الدولة وتنظم العلاقات فيما بينها وإن تتدارك الأخطاء وأن تعد العدة للوقوف بكبرياء وشموخ في طريق المستقبل الذي يؤهلها لإعداد نفسها للمشاركة الفعلية والصحيحة في إدارة الدولة والمساهمة في تقلد السلطات الذي يعتمد على صناديق الاقتراع وأن تخوض المنافسات الشريفة التي تدعو إلي المصلحة العامة وليست لمصلحة الأحزاب التي عليها أن تنضوي تحت مصلحة البلاد وخدمة الشعب الذي لا يعرف إلا من يقف إلي جانب مصالحه وبلبي مطالبه ويحقق الأهداف العليا للدولة وعدم الارتباط بالمصالح الخارجية وفرض الأيدلوجيات التي لا يقبلها الشعب ولا تعبر عن أرادته الحرة .

كما أن الأعضاء المستقلين في المؤتمر الوطني العام والذين تم انتخابهم من قبل الشعب على هذه الأساس لم يلتزموا بهذا الاختبار ، بل قاموا بتأسيس بعض الكتل التي لا يعرف كيف يتم تصنيفها السياسي وتحولت إلى ما يشبه الأحزاب بل وأن بعضها أصبح مؤيدا لبعض الأحزاب ولم تلتزم بصفه الاستقلالية التي اختيرت على أساسها والتي منحت النسبة العالية من عدد أعضاء المؤتمر بحيث لا تستطيع الأحزاب السيطرة على قرارات المؤتمر وتوجهاته إلا أن ما حصل هو الخروج عن هذه القاعدة ، كما أن الأحزاب المشاركة في الحكومة والتي عليها أن تتحمل معها المسئولية قد تحولت إلى أحزاب معارضة لهذه الحكومة دون أن تسحب مشاركتها فيها ، وأصبح الحكم بالفشل كما يقولون ينحصر في رئيس مجلس الوزراء دون غيره وكأن الوزراء الممثلين في هذه الحكومة وأغلبهم من الأحزاب لا يعينهم الأمر من قريب أو بعيد إلى أن وصل الأمر بمطالبه بعض الأعضاء بالمؤتمر إلى إقالة رئيس الوزراء وتكليف أحد الوزراء لممارسة مهامه وكان الفشل مربوط في شخص رئيس الوزراء فهل يعني منطق العقل والتقييم الموضوعي أن هذه هي مدرسة الديمقراطية الحرة أو هي مجرد لعبة سياسية لمن كان ضد اختيار رئيس الوزراء من أساسه ، وقبل أن يمارس مهامه وهي كانت بذلك تحاول تكليف أحد من يمثلها لحماية مصالحها وفرض وجودها على سدة الحكم لتعمل ما تريد حتى وأن كان مخالفا لإرادة الشعب الليبي الحر الذي لا تنطلي عليه مثل هذه المحاولات بعد أن فعل فيه النظام السابق ما فعل تحت شعارات كاذبة ومخادعة . وبذلك فأن على الأحزاب أن تدرك مسؤوليتها في بناء الدولة والمساهمة في أدارتها والمحافظة على مصالحها في أيطار الديمقراطية الحقيقية التي يحب أن تذوب فيها الصراعات والخلافات وتتحول إلى منافسة شرعية لخدمة الشعب وتحقيق أماله التي لا تفرق بين الأفراد مهما كانت توجهاتهم التي لا يجب أن تخرج على الطريق المستقيم الذي يقود إلى مصلحة البلاد دون أي اعتبار للايدولوجيات التي تمثلها الأحزاب وغيرها من التيارات السياسية . وأن أسلوب العمل الصحيح في التيار الديمقراطي هو مشاركة جميع التيارات السياسية وعدم إتاحة المجال لواحدة منها السيطرة على البلاد وفرض ما تراه على الآخرين . وأن على الأحزاب ومؤسسات المجتمع المدني وغيرها من فئات الشعب أن تعمل على بناء الديمقراطية في ليبيا على الأسس الصحيحة والقواعد الثابتة والأساليب والطرق المستقيمة والرؤيا الواضحة التي لا يختلف عليها اثنان يسعى كل منهما إلى تحقيق المصلحة العامة والابتعاد عن المصالح الشخصية الضيقة التي تتحول في النهاية إلى خلافات وصراع لا يحمد عقباه ويحدث الضرر بمصلحة البلاد وأمنها وسلامتها التي لا يستفيد منها إلا أعداء الوطن ومن يريد له الفساد والدمار.

ولابد لنا أن نعلم بأن ليبيا البعيدة عن الصراعات والتيارات والقبائل المتشددة إذا ما نزع السلاح و اقتصر على من يجوز له حمله قانونا من رجال الجيش والشرطة والأمن فأنها ستكون من أقرب الدول المؤهلة لاحتضان الديمقراطية والسير بها إلى طريق النجاح ، وسيكون الشعب الليبي هو من يعطى الدرس للشعوب الأخرى التي تسعى من أجل الوصول إلى الديمقراطية .

وعلى الشعب الليبي أن يدرك ذلك جيداً ويعمل من أجل الوصول إليه بتوحيد الصفوف وقوة الكلمة وصدق الممارسة واستيعاب الرأي الأخر والاستماع إليه بكل الهدوء والحكمة وعدم الدخول في حلبات الصراع التي لا يتقنها إلا الثيران التي لا يرضى أي إنسان أن يكون مثيلا لها . وأن كل من يدخل مدرسة الديمقراطية عليه أن يتسلح بسلاح العلم والإيمان والالتزام بالأخلاق الحميدة والصدق في القول والعمل والتحلي بالشفافية والصراحة والوضوح والموضوعية وعدم المجاملة والابتعاد عن الحقيقة وأن يكون شعاره الله والوطن والشعب وولائه لدولة ليبيا الديمقراطية الحرة ، ولا تختلط عليه المفاهيم السياسية المستوردة من الخارج وأن يراعي مصلحة ليبيا بالدرجة الأولى والأخيرة وإلا يكون مرتبطا أو متأثرا بالايولوجيات الخارجية والتي لا تعبر عن حقيقة هذا الشعب .

وعلى الشعب الليبي وهو يتجه نحو صناديق الاقتراع أن يفكر جيداً وأن يكون قراره لصالح الوطن وليس لمصلحة أي فرد كان ما لم يكن حريصا على مصلحة البلاد دون غيرها مهما كان قريبا أو صديقا فأن القريب والصديق هي مصلحة ليبيا العليا التي تمثل مصلحة الشعب ، خاصة وأن انتخابات المؤتمر الوطني العام أعطتنا الدرس المستفاد الذي يجب أن يكون مائلا أمام أعيننا لاختيار الرجل المناسب في المكان المناسب ، وإذا ما وقع الاختيار على رجل غير مناسب ممن يخادعون الشعب أثناء الانتخاب ويتظاهرون بألوان أخرى لا تعبر عن حقيقتهم فأن من يختار مثل هؤلاء عليه أن يسعى لمحاسبتهم وإسقاطهم من المهمة دون تأخير أو انتظار وأن الإنسان لا يلدغ من الجحر مرتين وأن الدعاية التي يروج لها أثناء الانتخابات لا تعطي الدليل القاطع الذي يقود إلى الحكم السليم على الأفراد ولكنه من خلال البحث والتحري والمرجعيات الصادقة يمكن أن تكشف الحقيقة وتظهر المصداقية التي علينا أن نتحراها جيدا في مسؤولية اختبار العناصر القادرة على إدارة البلاد بالصدق والأمانة والإخلاص وفقاً لما يريده الشعب وما تتطلبه مصلحة البلاد .

شبكة الأخبار الليبية


Email Drucken Favoriten Twitter Facebook Myspace Stumbleupon Digg MR. Wong Technorati aol blogger google reddit Yahoo

Add comment


Security code
Refresh