تباطؤ النمو في بلدان «الربيع العربي» يكرّس عجز الموازنات واختلالات التجارة 

محمد الشرقي


بعد أكثر من ثلاث سنوات على اندلاع ثورات «الربيع العربي» في عدد من دول شمال إفريقيا والشرق الأوسط، أظهرت دراسات صادرة عن المؤسسات المالية الدولية ان المنطقة لم تحقق كل الأهداف الاجتماعية والاقتصادية المتوقعة، بسبب استمرار عدم اليقين السياسي، وتزايد الصراعات في بعض الدول، وانكماش الاقتصاد أو تباطؤه في دول عربية أخرى.

وأكدت تقارير أصدرتها مؤسستا «بريتون وودز» في واشنطن، أي البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، ان معدلات النمو الاقتصادي في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا تراجعت من 4.7 في المئة نهاية عام 2010، أي بداية الحراك الاجتماعي، إلى 3.8 في المئة نهاية عام 2013. وفيما استقر النمو في الدول المصدرة للطاقة بين أربعة وسبعة في المئة، خصوصاً دول مجلس التعاون الخليجي، كان النمو في الدول المستوردة للطاقة أقل، إذ تراجع المتوسط إلى 2.8 في المئة العام الماضي، مقارنة بنحو بخمسة في المئة قبل الثورات. وسجل المغرب أفضل نمو بين هذه الدول بلغ أربعة في المئة في المتوسط، إذ سجل 4.5 في المئة العام الماضي و2.7 في المئة عام 2012، وخمسة في المئة عام 2011.

وسجلت اقتصادات كل من مصر وتونس واليمن نمواً ضعيفاً العام الماضي، بلغ 1.9 و3.8 و3.3 في المئة على التوالي، كما تأثر الاقتصاد اللبناني سلباً بتداعيات الحرب في سورية وتراجع النمو من سبعة إلى نحو 2.3 في المئة. ولم تتضمن الدراسات أي إحصاءات عن اقتصاد سورية العام الماضي بسبب الحرب.

نتائج تراجع النمو

وأدى تراجع مؤشرات النمو في دول «الربيع العربي» إلى تزايد عجز الموازنة وتدهور الميزان التجاري والاحتياط النقدي، وارتفاع معدل التضخم والبطالة. وانتقلت بعض الدول العربية من وضعية الفائض المالي إلى العجز في الموازنة بسبب جهود الإنفاق المالي لضمان الاستقرار الاجتماعي وما تلاه من تعثر اقتصادي وصعوبات في المناخ السياسي أو الأمني.

وعلى رغم ان ليبيا والجزائر دولتان مصدرتان للطاقة، إلا ان التحولات الداخلية انعكست سلباً على الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية، ما دفعهما إلى الاعتماد على احتياط النقد الأجنبي لتلبية المطالب المتصاعدة بالإصلاح الديموقراطي والتنمية الاقتصادية. وكانت الجزائر حققت العام الماضي 3.4 في المئة نمواً، مقارنة بـ 2.5 عام 2012.

وأشارت الدراسات إلى ان «معظم دول الربيع العربي تعاني شحاً في الموارد المالية، إذ قُدر عجز الحساب الجاري العام الماضي بستة في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، ما عزز الحاجة إلى الاستدانة الخارجية التي سجلت في نحو ثلاث سنوات ما يساوي قيمتها في 10 سنين، واقتربت نسبة الدين في بعض دول شمال إفريقيا إلى 70 في المئة من الناتج المحلي».

ولمواجهة عجز الموازنة، لجأت دول «الربيع العربي» المستوردة للطاقة إلى الاستعانة بصندوق النقد الدولي، الذي حدد شروطاً لحكومات تلك الدول مقابل الدعم المالي وتسهيل شروط الاقتراض الدولي، منها رفع الدعم عن بعض السلع الاستهلاكية الأساس، ومنها المحروقات، ومباشرة إصلاحات اقتصادية ومالية غير الشعبية، منها تقليص معاشات المتقاعدين وخفض الاستثمارات الحكومية ووقف التوظيف في القطاع العام، وزيادة الضرائب على الفئات الاجتماعية، ومراجعة المكتسبات الاجتماعية السابقة.

وفي المغرب، رفعت الحكومة نصف الإسلامية الدعم عن البنزين وقلصت نفقات صندوق المقاصة للأسعار، وزادت الضرائب، وخفضت الاستثمارات والتوظيف، بهدف تقليص عجز الموازنة إلى 5.5 في المئة من الناتج الإجمالي، والاستفادة من خط ائتماني من صندوق النقد الدولي قيمته 6.2 بليون دولار.

وخلفت هذه الإجراءات حالة تذمر في أوساط المتعلمين والطبقات الوسطى في دول «الربيع العربي»، التي اعتبرت ان التحـولات السياسيـة، عـلى رغم مكاسبها، لم تحقق الأهداف التي كانت منتظرة منها، بل على العكس، زادت حالة الفقر في المنطقة.

وأظهر تقرير للبنك الدولي ان نحو 14 في المئة من سكان المنطقة يعانون الفقر المدقع ويعيشون بأقل من دولار وربع دولار في اليوم، وزاد عددهم خلال العامين الماضيين نتيجة عدم الاستقرار السياسي والتباطؤ الاقتصادي. وقُدر عدد الفقراء الجدد بنحو أربعة ملايين شخص، من دون احتساب المهجرين واللاجئين السوريين.

البطالة

وأشارت منظمة العمل الدولية في جنيف إلى ان «نسبة بطالة الشباب بين 15 و25 سنة في المنطقة العربية تعتبر بين الأعلى في العالم، إذ تبلغ 25 في المئة من إجمالي القوى النشطة التي يصعب عليها ولوج سوق العمل. وزادت أعداد العاطلين من العمل في شمال إفريقيا والشرق الأوسط في السنوات الأخيرة ارتباطاً بالحراك الاجتماعي، وقدرت النسبة الارتفاع ما بين 3.5 وسبعة في المئة.

وتعتقد المنظمات الدولية ان حالة عدم الاستقرار الاجتماعي تبقى قائمة في المنطقة طالما لم تعالج أسباب اندلاع ثورات «الربيع العربي»، وعلى رأسها بطالة الشباب والحد من تنامي الفقر. وتبلغ بطالة الخريجين نحو 40 في المئة، وهي الفئة الأكثر تعلماً في المجتمع، بينما تشير إحصاءات إلى وجود نحو 30 مليون عاطل من العمل في شمال إفريقيا والشرق الأوسط.

وتنصح المؤسسات الدولية بزيادة النمو الاقتصادي إلى أكثر من سبعة في المئة من الناتج الإجمالي لامتصاص جزء من بطالة الشباب المتعلمين، وتوسيع النشاط الاقتصادي، وتحسين مناخ الأعمال وجذب الاستثمارات الخارجية، وتحقيق الاندماج الإقليمي بما يضمن التكامل الاقتصادي الضروري لمواجهة تحديات الجيل الجديد من الإصلاحات المنتظرة.

الحياة


Email Drucken Favoriten Twitter Facebook Myspace Stumbleupon Digg MR. Wong Technorati aol blogger google reddit Yahoo

Add comment


Security code
Refresh

قضايا الإقتصاد والمال والأعمال