Warning: include(/home/content/l/i/b/libyaforum/html/new/media/system/utf.php) [function.include]: failed to open stream: No such file or directory in /home/content/71/3922071/html/index.php on line 9

Warning: include() [function.include]: Failed opening '/home/content/l/i/b/libyaforum/html/new/media/system/utf.php' for inclusion (include_path='.:/usr/local/php5/lib/php') in /home/content/71/3922071/html/index.php on line 9

Warning: include(/home/content/l/i/b/libyaforum/html/modules/mod_breadcrumbs/tmpl/javascript.php) [function.include]: failed to open stream: No such file or directory in /home/content/71/3922071/html/index.php on line 12

Warning: include() [function.include]: Failed opening '/home/content/l/i/b/libyaforum/html/modules/mod_breadcrumbs/tmpl/javascript.php' for inclusion (include_path='.:/usr/local/php5/lib/php') in /home/content/71/3922071/html/index.php on line 12
LibyaForum.org من تجربة العراق: مشروع المصالحة بين الواقع السياسي والطموح الوطني : إطلالة من منظور نقدي

من تجربة العراق: مشروع المصالحة بين الواقع السياسي والطموح الوطني : إطلالة من منظور نقدي 

ثامر عباس


بداية ينبغي التنويه بأننا تعمدنا تضمين صيغة العنوان طابع النسبية من حيث التوجهات والمنطلقات ، والمرحلية من حيث الآليات والممارسات ، والافتراضية من حيث الاحتمالات والتوقعات . فعبارة ( مشروع المصالحة ) على سبيل المثال توحي بكونها برنامج أولي يقوم على مجموعة مختارة من المقاربات والخيارات التي يتاح من خلالها للقوى والتيارات الفاعلة، ضمن محيط الدائرة السياسية العراقية ، التعاطي مع مستجدات الحالة الراهنة وما تفرزه من وقائع وما تنتجه من تداعيات ، بغية المشاركة في إدارة الشأن العمومي للمجتمع والمساهمة في الحد من مظاهر العنف ومعالجة استشراء الفوضى . مع احتمال أن تكون معدلات القبول بصيغتها والموافقة على مضامينها موازية أو مساوية لمعدلات رفضها والإعراض عنها .هذا بالإضافة إلى ان مفردة ( المشروع ) تشير إلى ان هذه المبادرة مرشحة لأن تمتد على مسار زمني لم يحدد سقفه ، بعد أن استبعدت عنه اشتراطات التخوم والنهايات ، على أمل أن تتغير قناعات القوى الرافضة والمعترضة ويطال التحول مواقفها السابقة حيال شرعية السلطة ومشروعية السياسات التي تتبناها ، إما بحكم مقتضيات الأمر الواقع أو ضرورات الفعل اليومي والممارسة الواقعية . هذا من ناحية ، أما من الناحية الثانية ، فأن عبارة ( الواقع السياسي ) تجسد حقيقة أن طبيعة المرحلة التي يمر بها العراق – بكل ما لهذه الكلمة من بعد تاريخي وعمق حضاري ونسيج اجتماعي وأفق مستقبلي – لا يمكن وصفها بغير الخاصية السريالية حيث سيولة الملامح وانثيال الأحداث وتداخل المشاهد ، للحد الذي يصعب معه ان لم يكن متعذرا" بلوغ مأرب التوصيف لما هو قائم من علاقات ، والتشخيص لما هو آت من توافقات ، والتعيين لما هو محتمل من تداخلات . فكل شئ مرهون بلحظته وكل شئ محكوم بظروفه فلا سلطان للإرادة المرتهنة ولا تأثير للنوايا المكبلة . إما من الناحية الثالثة ، فقد أريد بعبارة ( الطموح الوطني ) حمل الأطراف والكيانات المعنية بما فيها صاحب المبادرة / المشروع ( الحكومة ) على قبول فكرة ان كل ما يشاع حول حصيلة ما قد يسفر عن تلك المبادرة من نتائج وما قد يصاغ حولها من توقعات ، لا تعدو أن تكون مجرد افتراضات وتكهنات تطرح برسم المجهول واللامعلوم . وذلك انطلاقا" مما يفرضه الواقع الاجتماعي والسياسي من الزامات واشتراطات ، وليس مما ترغب به الارادات المضمرة وتبتغيه النوايا المبيتة لهذه الفئة أو تلك ، لاسيما وان تداخل العوامل الداخلية مع العوامل الخارجية ( إقليمية ودولية ) باتت تشكل معضلة مستعصية تحول دون الوصول لأية حلول معقولة أو مخارج ممكنة ليس فقط أمام القوى السياسية والحزبية المتخبطة في الحكومة فحسب ، بل وأمام قوى الاحتلال الأمريكي وبقية أطراف التحالف الدولي الأخرى . وهو الأمر الذي يقوض أية جهود يمكن أن تبذلها الحكومة وتتبناها أطراف المعارضة على حدّ سواء . وهنا لا مفر من العودة إلى حيثيات المربع الأول واستئناف المراوحة ضمن نفس الأطر القديمة والسياقات التقليدية .

ظروف ملتهبة وبيئة معبئة

الملاحظ على توقيت طرح المبادرة / المشروع إنها جاءت في ظروف استثنائية تتسم بالفوضى السياسية والتمزق الاجتماعي من جهة ، وارتفاع معدلات العنف الطائفي وتصعيد وتائر القتل على الهوية من جهة أخرى ، وسط بيئة حكومية موبوءة بالفساد الإداري والفضائح المالية ، فضلا" عن العجز الكارثي في إطار تقديم الخدمات الأساسية وضمان الحد الأدنى من الأوضاع الإنسانية ، وفقدان هيبة القانون وانعدام مركزية الدولة . وهو الأمر الذي أفقد تلك المبادرة جدواها وواقعيتها من وجهة نظر الجماعات المناوئة التي أطلقت أصلا" لاستمالتها في الانخراط بالعملية السياسية ، أو على الأقل تحييد قسم منها حيال الصراع الدائر بين الحكومة والقوى السياسية والمرجعيات الدينية المتخندقة معها من جهة ، وبين أقطاب المعارضة والتيارات المنظوية تحت لوائها من جهة أخرى . كما ان صيغة المبادرة جاءت مشروطة وانتقائية إزاء القضايا التي تعتبرها غالبية أطياف المعارضة المسلحة ( ثوابت ) جوهرية لا يمكن التنازل عنها أو التفريط بها ، خصوصا" تلك المتعلقة بالموقف من بقاء قوات الاحتلال الأمريكية وجدولة انسحابها من العراق ، لاسيما وأنها (= المعارضة ) وجدت في المواثيق والأعراف الدولية مرتكزات قانونية وشرعية تؤيد مواقفها وتدعم توجهاتها . ولهذا فقد فسرت معظم فصائل المعارضة ان ضعف الحكومة وقلة حيلتها إزاء ما يجري من أحداث وما يتمخض من تداعيات ، هما الدافع الرئيسي وراء إطلاق مثل هذه المبادرة وليس كما يشاع في أروقة تلك الحكومة وعبر وسائل أعلامها من أنها جاءت لضمان حقوق الجميع في المشاركة السياسية على قدم المساواة مع بقية الأطراف الأخرى ، فضلا" عن ادعائها الحرص على حماية مكونات الوحدة الوطنية من عوامل الفرقة والاحتراب المتفاقمة ، وسعيها الجاد لتفعيل حركة الاعمار والقضاء على البطالة . والحقيقة ان هناك جملة من العوامل الذاتية والموضوعية قد أسهمت ، بهذا القدر أو ذاك ، بالحدّ من زخم هذه المبادرة وقللت من فرص نجاحها . ولعل في مقدمة تلك العوامل يقف كحجر عثرة (الشرخ المتسع) بين ما يقال في التصريحات الشخصية ويعلن في المقابلات الرسمية ويشاع في المؤتمرات الصحفية إضافة لما تبثه وسائل الإعلام وتروجه بين أوساط الرأي العام التي اعتبرت ذلك بمثابة إنجاز وطني كبير ، وبين ما يجري على أرض الواقع من مآس وكوارث يندر أن يجد لها مثيلا" في مجمل حقب التاريخ البشري . فبقدر ما يكون الخطاب الرسمي سخيا" في إغداق الوعود والتطمينات التي يراد منها ؛ محاربة العنف الطائفي وتحجيم آثاره ، عبر تعزيز وحدة الصف الوطني المتضعضع ، والقضاء على مظاهر الفساد المالي والوظيفي ، عبر إحالة المسيئين إلى سلطة القضاء المستتبع ، والتصدي لعبث المليشيات المتناحرة عبر احتمالات حلها أو دمجها في مؤسسات الدولة الخربة . فان الممارسات والإجراءات تشي بحصول العكس من ذلك تماما"، إن لم تكن بصورة أكثر مأساوية على الصعد كافة . فالاستقطاب الجهوي والاحتقان الطائفي بلغ حدا"من التأزم بات قاب قوسين أو أدنى من الحرب الأهلية بشهادة الكثير من الخبراء والمحللين . كما أن معدلات الفساد المالي والإداري بلغت مستويات لا تطاق من الوقاحة والفضائحية وكأن أموال هذا البلد وثرواته الطائلة تحولت بدلا"من أن تكون نعمة تسهم في تحقيق رخاء المواطنين وتعميم الرفاهية بينهم ، إلى نقمة تجلد بها ظهورهم وتسفك بسببها دمائهم ، بعدما  استبيحت من قبل مختلف أنواع العصابات وشتى أشكال قطاع الطرق . والأدهى من ذلك ان هذه الأعمال اللصوصية لا تجري بدون علم الحكومة أومن وراء ظهر السلطة ، بل على مرأى منهما ومسمع دون أن تحركا ساكنا"من باب حفظ هيبة القانون وتعزيز مركزية الدولة . هذا في حين تحولت المليشيات المدججة بالسلاح والمعبئة بايديولوجيا التخوين والتكفير، إلى دول مستقلة وكيانات مؤسسية تمارس سلطاتها وتحرك عناصرها وتشرع قوانينها وتمارس صلاحياتها ، بعيدا" عن رقابة الحكومة وخلافا"لأوامرها وفي معظم الأحيان ضدها ، محدثة الخراب والدمار في كل قرية وناحية ومدينة وطأتها ، بما لم يشهده تاريخ العراق الاجتماعي منذ اجتياح هولاكو ولحد الآن . وعليه ففي مثل هذه الأجواء الملبدة بالزوابع والأعاصير ، يغدو الحديث عن مشروع المصالحة الوطنية ضربا"من الطوبى العابثة لاسيما وأن هناك الكثير ممن لا يرغبون بالتئام الجروح النازفة وتهدئة النفوس المجيشة وإزالة الضغائن المستنفرة واقتلاع الكراهية المؤججة . ولأن برنامج الحكومة السياسي وأجندتها الوطنية لا يعبران - وهذا واقع لا مراء في نكرانه أو التستر عليه -  عن وجهة نظر مستقلة وحازمة حيال المشاكل والأزمات المطروحة على جدول أعمالها ، وإنما يعكسان مصالح أطياف قوى سياسية مختلفة وحركات دينية متباينة لا يجمع بينها جامع سوى التنافس المحموم للفوز بأفضل المناصب التي تدر المال الوفير وتمنح النفوذ الواسع ، بصرف النظر عما يعانيه الوطن ويشكو منه المواطن . وهكذا فقد تنوعت مواقف تلك القوى والحركات من أبعاد المبادرة والغايات التي تنشدها ما بين رافض أو مؤيد أو محايد . ففيما أعلن البعض رفضه لأي نوع من أنوع المصالحة مع من ينعتهم بقوى الإرهاب والتكفير ، على خلفية ما يجري من أعمال مسلحة وأحداث دامية ، دون أن يحاول قراءة ما بين سطور الأحداث من مضاعفات وتعقيدات ليس من الحكمة إهمال دورها وإسقاط وظيفتها حيال ما جرى ويجري ، أو غضّ الطرف عما يحاك خلف الكواليس من مشاريع ومخططات يراد لها مسخ الهوية ونسخ الذاكرة ، وكأن الأمر لا يعنيه لا من قريب ولا من بعيد ، باستثناء ما يراه مساسا"بمصالحه وتهديدا" لامتيازاته . هذا في حين يشترط البعض الآخر أن تتخلى العناصر المسلحة عن استراتيجية المقاومة العنيفة لإنهاء الاحتلال والتسليم بصحة النهج الذي تتبعه الحكومة في التعامل مع الملفات الأمنية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية ، وبالتالي ضمان حصتها في المشاركة لإدارة مصالح الشأن العام وعبره ومن خلاله تأمين مصالحها الخاصة . وهناك فريق ثالث يعتقد – وان على استيحاء في بعض الأحيان – بأن حق المقاومة مكفول لجميع العراقيين سواء فضلوا سبيل النضال السياسي / السلمي أو اختاروا طريق الكفاح المسلح / العنيف ، وان على الحكومة العراقية واجب الانفتاح على مختلف فصائل تلك القوى والتيارات ، ليس من باب استيعاب مواقفها والتفاعل مع طروحاتها حسب ، وإنما من منطلق احتضان عناصرها واستدماج طاقاتهم واعتبارهم قوى وطنية لها من الحقوق وعليها من الواجبات بقدر ما لغيرها ممن آثروا سلوك الدرب السلمي للمقاومة . من هنا فقد أسهمت هذه المواقف المتباينة والتوجهات المتنوعة إضعاف قدرة الحكومة على الذهاب شوطا" أبعد في دعوتها للحوار مع الأطراف المعارضة ، وأثر ذلك بشكل سلبي على ممارسة سلطتها المركزية حيال هذه القضية / الإشكالية ، بحيث تعزز لدى الآخرين انطباع مؤداه أنها غير جادة وغير صادقة فيما هي تسعى إليه وتروم تحقيقه ، وان كل ما في الأمر لا يعدو أن يكون مجرد حركة تكتيكية اقتضتها الظروف لكسب الوقت الذي بات يجري ضدها وكسرا" لحدة الأزمة التي أمست تعيشها . ومما هو جدير بالملاحظة ان شيوع هذا التسيب واللامركزية وانتشار تلك الميوعة والهلامية من جانب الأطراف المحسوبة على الحكومة إزاء هذه المسألة وغيرها من المسائل العالقة ، لم تأتي من العدم أو تنبع من الفراغ ، بل هو حصيلة اتجاه خاطئ تبنته الحكومة في التعامل مع الأحداث وإتباع سياسة قصيرة النظر حيال الكيفية التي ينبغي من خلالها تسيير شؤون الدولة وقيادة دفة المجتمع وضمان حقوق المواطن . وهو الأمر الذي أسس له وأرسى قواعده نظام المحاصصة المقيت – سنأتي على ذكر عواقبه لاحقا"- حين أعتمد في توزيع مصادر السلطة وتقسيم موارد الثروة على معايير عنصرية وأسس طائفية مفرقة حملت كل فريق منها على الاستئثار بحصة الأسد من غنيمة الدولة المتداعية وأسلاب الوطن النازف  وليس الارتكاز على ثوابت وطنية موحدة تستهدف رأب الصدوع وانتزاع فتيل الأزمات . إذ بات كل مشروع تتبناه الحكومة أو مبادرة تعتزم إنجازها ، تجابه من لدن زعماء الحصص وأمراء الامتيازات بشتى أنواع الممانعة والتسويف ، بحيث تصبح عرضة للفشل أو يكون مصيراها الإهمال ، طالما ان جهة واحدة أو طرف معين لا يرى فيها ما يحقق مباشرة مبتغاه الشخصي أو مصالحه الفئوية . وهكذا وفي ضوء تلك المعطيات والوقائع فانه من المرجح أن تواجه تلك المبادرة تحديات لا تقوى على تذليلها لا في ميدان السياسة ولا في مضمار الاقتصاد ولا في محيط الاجتماع ، وهو ما بات المواطن يلمس نتائجه سياسيا" ويتحمل وزره اقتصاديا" ويكتوي بناره أجتماعيا" ، عبر استمرار مسلسل العنف ودوران عجلة الموت التي ما برحت تحصد الالآف من الضحايا والأبرياء.

غياب الأسس واضطراب المعايير

لعل في التاريخ الاجتماعي والسياسي للشعوب والأمم التي أصابها ما أصاب العراق من حيث انتهاك سيادته وتدمير بنيته ، وتعرضت لذات النوائب التي تجرع الشعب العراقي مراراتها من حيث اختراق نسيجه وتكبيل إرادته ، ما يشكل موروثا"غنيا"يستفاد منه لاستخلاص الدروس البليغة واستنباط العبر المفيدة التي يمكن في حالتنا اختصارها إلى الحكمة التي مؤداها ؛ انه لابد كضرورة مصيرية – لكي ينهض المجتمع من كبوته ويعالج جراح محنته ويستأنف مسيرة عطاءه – من الشروع بوضع الأسس الوطنية الصحيحة ، وصياغة المعايير السياسية السليمة ، واستدعاء البواعث المصيرية المشتركة ، واعتماد المرجعيات الرمزية المؤسسة ، التي من شأن الاستعانة بقيمها والاعتبار بهديها ، إزالة آثار النكبات السياسية واجتثاث المصائب الاجتماعية وإيقاف الانهيارات الاقتصادية ، والتصدي ، من ثم ، لكل ما يثير النعرات الطائفية ويؤجج الحساسيات العنصرية ، من خلال كبح جماح الأولى وانتزاع فتيل الثانية . فضلا" عن الشروع بتفعيل الوعي الجمعي وتعميق الإدراك العام بطبيعة المنعطف التاريخي الذي قدر للمجتمع أن يلج مساراته الجديدة ، وتركيز الجهود والقدرات صوب الأساسيات المادية والضروريات المعنوية لديمومة الحركة الاجتماعية ، بعد محاولات تأجيل ما هو ثانوي من القضايا واستبعاد ما هو طارئ من الأمور التي تمس حياة الأفراد والجماعات ، بالإضافة إلى إعادة ترتيب الأولويات وجدولة الأهميات فيما يخص المنطلقات الآنية والتوجهات المستقبلية التي يراد لها أن تكون قواعد انطلاق صلبة ومراكز وثوب ثابتة ، حين يتعلق الأمر بالبناء المادي والروحي لصرح الدولة وكيان المجتمع وبنى الشخصية . ذلك لأن أي تهاون أو تنازل عن أي من هذه الأسس والمعايير ستفضي لا محالة إلى مزيد من مظاهر الدمار والمزيد من مشاهد الخراب والمزيد مؤشرات الانحطاط . والحال ما هي تلك الأسس والمعايير التي اعتمدتها الحكومة عندما حزمت أمرها لطرح مثل هذا المشروع الخطير والحيوي ، لكي تضمن من خلاله تجييش الإرادة الوطنية واستنفار القدرات العراقية ، لتجاوز عواقب ومثالب مثل كارثة كالتي عصفت بالوطن وابتلي بها المجتمع ، لاسيما وان كل الدلائل والمعطيات تشير إلى ان ما وقع في العراق من خطوب على مستوى الجغرافيا والتاريخ والاجتماع والثقافة ، منذ التاسع من نيسان عام 2003 ولحد الآن تؤكد بأن الذي خسره العراقيين بسبب الطريقة الهمجية التي انتهجتها القوات الأمريكية لإسقاط النظام السابق ، ليس فقط استقلالهم السياسي وحقوقهم المدنية وكرامتهم الإنسانية فحسب ، بل والمرجح أن يفقدوا كذلك عناصر وحدتهم الوطنية ونسيج علاقاتهم الاجتماعية ومزيج روابطهم التاريخية ، مع استمرار تفاقم الأزمات واستفحال المشاكل على خلفية ما تسببه الأحداث السياسية من هزات وانكسارات ، وما تفرزه الظروف الأمنية من انهيارات وتداعيات ، وما تشيعه الأوضاع الاقتصادية من تعقيدات ومضاعفات . وهكذا ففي الوقت الذي يحاول فيه خطاب المصالحة كسر الحواجز النفسية وإزالة الحدود البينية ، واستمالة الأطراف المعنية كافة لأن تربأ بنفسها عن كل ما يثير الحساسيات ويوقع المنازعات ، فان الوضع السياسي والواقع الاجتماعي يدعوها بقوة للاصطفاف خلف عصبياتها الأولية والانتصار لولاءاتها المذهبية والانحياز لانتماءاتها الاثنية ، انطلاقا" مما تأسس عليه النظام السياسي واعتمدته مرجعيات السلطة . وذلك بالاحتكام إلى قانون المحاصصة الذي شرع له المحتل منذ البداية لأسباب باتت معروفة ، دون الأخذ بالحسبان ماهية العواقب السياسية والاحتقانات الاجتماعية التي ستنجم عنه وتترتب عليه ، لاسيما ما يتعلق بمستقبل البلاد ومصالح العباد ، التي جاءت المصالحة للإعلان عن تلافي عيوبها والحدّ من مضّارها والتخفيف من وطأتها .

ولهذا فإننا نظر بعين القلق إلى آفاق هذه التجربة / المبادرة ، ونخشى أن يلازمها الإخفاق ، طالما إنها أهملت هذه الخلفيات وتجاهلت تلك السلبيات ، مراهنة على ما يجيش في صدور العراقيين من آمال في إشاعة الأمن والسلام ، وما يعتمل في نفوسهم من رغبات في نبذ العنف والتطرف ، دون مراعاة ان سيكولوجية الشارع العراقي حاليا" لا تحكمها اليوتوبيا بقدر ما تتحكم بها الايديولوجيا ولا تحتكم إلى الوقائع بقدر ما تغريها الوعود . من هنا فان النجاح الذي تتوقعه المبادرة وتتوخى حصوله مرهون بشكل أساسي بالتخلي عما أسسه نظام المحاصصة من تقسم السلطات وتوزيع الثروات ، وتجاوز عما شرّعه في منح الامتيازات والصلاحيات ، والتخلص عما سنّه في إباحة الاستزلامات والاستئثارات من جهة ، والعودة لتبني خيار الثوابت الوطنية العليا التي ينبغي أن تكون هي الفيصل والمعيار للتقييم والمفاضلة فيما بين الفصائل جميعا"من جهة أخرى . وإلاّ فلا معنى للمصالحة بين فرقاء لا تجمعهم حمية تلك الثوابت بقدر ما تفرقهم حمى المكاسب والامتيازات .

تغييب التفكير وتغليب التكفير

مما لاشك فيه ان أية فعاليات سياسية أو اجتماعية ، وأية برامج اقتصادية أو ثقافية لا يمكن أن تؤتي ثمارها في بيئة يرتع فيها الجهل وينمو حولها التخلف . فكم كانت – وستكون- الخسائر فادحة والمضّار جسيمة عندما يعاند البعض من المسؤولين السياسيين وقادة صناع الرأي ، حين يقررون بأنه لا ضير من أن يأتي الوعي تاليا" وبصورة عفوية عما يمارسه المجتمع من ضروب النشاط في المعاملات والعلاقات ، من منطلق ان التصادم بين الارادات والاحتكاك بين المصالح كفيل بإشاعة التفكير بأهمية الوعي ومناقب المعرفة . والواقع ان خطأ هذا الافتراض لا ينبع فقط من المنهجية أو الطريقة التي ينظر من خلالها أصحاب هذا الرأي إلى عملية الحراك الاجتماعي وما يصاحبها وينتج عنها من تغيير في أنماط التفكير وتحول في أنساق المعرفة – على رغم أهمية ذلك وضرورته – ولكنه ينشأ من الخطأ في تحليل مكونات الخارطة الاجتماعية والعجز عن قراءة تضاريسها والإخفاق في تركيب عناصرها . مما يفضي إلى انحراف رؤية الواقع الاجتماعي على حقيقته ، والانسياق خلف التعميمات الجائرة والأحكام المتعسفة حيال ما ينبغي تقييم أهميته والانصراف إلى إنجازه والتحرك على وفق نتائجه ، سواء على مستوى الحاضر بكل ما يحويه من تفاعلات وانزياحات أم على صعيد المستقبل بكل ما يضمره من توقعات واحتمالات . وفيما الواقع العراقي يتفجر بكل ما فيه من تعقيدات سياسية واحتقانات اجتماعية وإرهاصات نفسية ومعاناة اقتصادية ، فضلا" عن الاستقطابات العنصرية والتخندقات الطائفية التي ابتدأت تداعياتها تشرأب ومضاعفاتها تنتشر ، على خلفية تخلع بنيته التحتية وتمزق علاقاته الاجتماعية وانشطار مكوناته الانثروبولوجية وتذرر مرجعياته الرمزية ، تأتي المبادرة / المشروع لتطرح قضية رغم ما فيها من آمال وما عليها من تطلعات إلاّ إنها لم تلامس على نحو جدي جذور المشكلة المزمنة والتصدي لمعالجة أوزارها المتوطنة ؛ وهي ان البناء العقلي والتكوين الوجداني للشخصية العراقية المثخنة بجراح الطغيان السياسي ، والمكبلة بقيود الحرمان الاقتصادي ، والمؤسطرة بايديولوجيا القهر الاجتماعي، استمرت حتى بعد أن تغيرت الظروف وتبدلت الأحوال التي كان يشاع إنها سبب تخلف تلك الشخصية ونكوص وعيها وفقدان إحساسها بالمواطنة ، خاضعة لخطاب التخوين الوطني والتكفير الديني والتسطيح الفكري ، بحيث ترسخ لدى العديد من الكتّاب والباحثين المعنيين بالشأن العراقي ، اعتقاد خاطئ مفاده ان الإنسان العراقي مجبول على إتيان العنف وممارسة العدوان ليس فقط ضد الآخرين ممن لا يشاطرونه رأيه ولا ينتهجون مسلكه ، بل وضد أقرب الناس إليه وأبعدهم عن المساس برموزه والتعريض لمعتقداته ، وبالتالي فان جهود حمله على إعادة النظر بنمط شخصيته وتدقيق مصادر وعيه وتنقية مخزون تراثه  غالبا" ما تذهب أدراج الرياح ، بحكم ما تغذى عليه من قيم وما تعود عليه من عادات وما تواضع عليه من تقاليد ، وهو الأمر الذي عزز مظاهر الجهل المنسوبة له وأشاع حالات التخلف المحسوبة عليه ، بحيث ان أي تغيير قد  يطرأ على نظامه السياسي ويطال كيانه الاجتماعي ، لا يجد له صدى مواز لا في مستوى التفكير الذي يتحلى به ولا في بنية الثقافة التي ينتظم فيها ولا في نمط الوعي الذي ينطلق منه . بمعنى ان ما يحصل في الواقع الموضوعي من تحولات وتبدلات ، ليس بالضرورة أن يشمل تأثيرها - بصورة اوتوماتيكية -  مكونات البنية الذاتية / التحتية للإنسان (= منظومة الوعي وبطانة السيكولوجيا) إذ بدون توسط الفعل الإرادي يبقى التفارق قائما"والإشكالية مستديمة . مما يستتبع ان كل محاولة – بصرف النظر عن الدوافع التي تحركها – لا تأخذ بنظر الاعتبار هذا الواقع المعقد وتلك الأصول المتشابكة ، كما لا تشرع منها ولا تبني عليها لا بد أنها ستواجه طريقا" مسدودا" لا يفضي إلى مخرج ، وهو ما نتوقع أن تساق نحوه وتنتهي إليه مبادرة المصالحة ، طالما إنها راهنة على معطيات ما يزخر به الواقع من علاقات سياسية بيّنة وتفاعلات اجتماعية ظاهرة ، وتناست ما يمور به من تعقيدات فكرية عميقة وتشعبات نفسية متراكمة ، سبق وأن حفرت لها أخاديد في بنية الوعي الفردي ومنظومة السيكولوجيا الاجتماعية

بحيث يتطلب الأمر تركيز كل ما بحوزة الدولة من قوى وكل ما بجعبة المجتمع من طاقات ، للحدّ من مضّار تلك العيوب وتخطي آثارها والانتقال بالمجتمع من الحالة التقليدية القائمة على قيم المغالبة البينية والتكفير المتبادل إلى الحالة العقلانية القائمة على قيم المواطنة والوعي المشترك . فبقاء مستويات التفكير السائدة الآن لدى شرائح واسعة من الشعب العراقي دون معدلات الوعي الوطني المطلوب ، فضلا" عن تشبث كل أنواع الثقافات الفرعية وهيمنتها على أغلب مجالات التفكير والتصرف العام ، كفيل بوأد أية محاولة ايجابية يراد لها أن تستنهض المجتمع من كبوته وتنتشل الدولة من محنتها، بقطع النظر عن نوايا الجهة التي تبادر وطبيعة المنطلقات التي تحفزها للقيام بذلك . وعلى ذلك فان النبرة الخطابية المتفائلة والتطمينات المهدئة المفبركة بين أوساط المسؤولين السياسيين والحزبيين وزعماء الكتل لا يبدو إنها تمس شغاف الوضع الملتهب وتشخص أوجاعه ناهيك عن معالجتها والقضاء عليها ، بقدر ما تعبر عن لملمة المشاكل وطمطمة الإشكاليات التي بدون مواجهتها وإيجاد الحلول لها سنبقى ندور في أتون الحلقات المفرغة.

أولويات المصالحة وتابوات المصارحة

منذ أن عرف الإنسان واقعة التجمع في كيانات اجتماعية متمايزة ، وأدرك ضرورة العيش المشترك تحت ظل ثوابت عرفية عامة والانتظام ضمن نطاق سلطة اعتبارية مؤسسة ، لم يخلو تاريخه الاجتماعي وتاليا" السياسي من ظاهرة الاختلاف في عناصره والتنوع في مكوناته والتباين في مصادره والتعدد في مرجعياته . وهو الأمر الذي استلزم وضع الأعراف وسنّ القوانين التي ولدتها الحاجة الاجتماعية الملحة وجسدتها الضرورة التاريخية الملزمة لمعالجة أي طوارئ قد تنجم عن تلك المظاهر من الاختلاف في الرؤى والتنوع في المواقف والتباين في المعتقدات بحيث تفسد الوئام بين العناصر وتخل بالانسجام بين المكونات . وهكذا تنوعت البيئات الاجتماعية واتخذت لها مسارات حضارية شتى على وفق هذا المنطلق وتلك القاعدة . فهناك قسم من المجتمعات أوجد له – بعد مخاضات عسيرة – صيغة من التعايش والتفاهم بين مختلف أطياف المجتمع ، بغض النظر عن أصولها الاجتماعية ومواقفها السياسية ومنطلقاتها الفكرية ومعتقداتها الدينية وأروماتها اللغوية ، عرفت في آداب العلوم الإنسانية بالتجربة (الديمقراطية) حيث يسود الرضى والقبول والتوافق على مجموعة من القواسم المشتركة التي تتصدرها الثوابت الوطنية ، والتي لا يختلف حولها اثنان باستثناء الحالات الخاصة التي تدخل في إطار ان لكل قاعدة شواذ . ومن جملة مميزات هذه التجربة الإنسانية الفريدة ، سيادة مبدأ المصارحة أو (الشفافية) في العلاقات ما بين الحاكم والمحكوم ، ما بين النخب والمواطنين ، ما بين الحكومة والمجتمع ، بحيث لا يمكن فقط معالجة أي خلاف متوقع له أن يبرز في أية تجربة إنسانية ، والحيلولة دون تفاقم حدّته وتأزم مضاعفاته ، بل والحدّ من تكرار ظهوره وتقليص احتمالاته ، الشئ الذي يتيح للمجتمع المعني فرص التطور الهادئ والتقدم المستمر . هذا في حين استمر القسم الآخر من المجتمعات في بلدان العالم الثالث يتخبط خبط عشواء في البحث عما يعتقد انه صيغة ملائمة لخصائصه الثقافية ومناسبة لامكاناته المادية ، بحيث لم يهتد - منذ أن تمتع بظاهرة الاستقلال السياسي ولحد الآن – لأية طريقة أو مدخل يرى إنها تسمح له بولوج عالم الدول المتقدمة والمجتمعات المتطورة ، دون أن يلتفت إلى ما في وعيه الذاتي من قيود لكي يتخلص منها أو البحث عما يكبل إرادته من عادات وتقاليد لأجل أن يتجاوزها . بل انه ترك رزايا ماضيه تتحكم بمزايا مستقبله – كما أجاد الوصف المفكر محمد عابد الجابري – وأصبح تبعا" لذلك أسير هواجسه المذهبية ومنقاد لهواماته العنصرية . ومع ذلك ، ولكي لا ننحرف نحو هاوية التعميمات التي رأينا إنها تحمل الكثير من المآخذ والعديد من العيوب ، فقد حاول البعض ممن أرادوا ، بحسن نية ، تحقيق الإصلاح ونشدان التحديث ، سواء بالفعل السياسي المباشر أو الجهد الفكري اللامباشر ، بما يجنب مجتمعاتهم عواقب الانقسامات السياسية ومثالب الصراعات الاجتماعية التي أصبحت سمة بارزة من سمات التخلف الثقافي والتأخر الحضاري . إلاّ انه كانت هناك العديد من الظروف الداخلية والملابسات الخارجية ، حالت دون إنجاح تلك المحاولات الجريئة والجسورة في بعض الأحيان ، وذلك نتيجة لاعتماد أصحابها على أساليب الترقيع الجزئي والمعالجات الانتقائية ، مما أبقى المشاكل قائمة دون حل والأزمات عالقة دون معالجة . ولعل مشروع / مبادرة المصالحة تأتي في إطار هذه المحاولات رغم ما يميزها عن سواها من اختلافات كمية وتعقيدات نوعية تتطلب الفرز والتصنيف . إذ مما لا شك فيه ان المجتمع العراقي الحالي أشبه ما يكون بسفينة موشكة على التصدع والغرق لا بفعل الأمواج العاتية التي تتقاذفها من كل جانب فحسب ، وإنما بسبب كثرة الربابنة الذين يتولون قيادتها وتسيير دفتها وتعدد مصادر القرار التي تبحر بناء على توجيهاتها . الأمر الذي أفقد الجميع الوجهة التي يرومون التحرك صوبها وأضاع عليهم المسار الصحيح الذي ينبغي سلوكه . والحال ان عملية (المصالحة) الوطنية التي يراد لها أن ترأب الصدع بين مكونات المجتمع   العراقي وتحيي الروابط المصيرية بين أطيافه ، ينبغي لها أن تتخطى عتبة (المصارحة) البينية التي من أهم مقوماتها اختراق حاجز التابوات العنصرية وتجاوز موانع المحرمات الطائفية التي ما زال البعض يتخندق خلف رموزها ويراهن على رصيدها في المخيال الجمعي المجيش . فالمبادرة والحالة هذه لا تصلح أن تكون وسيلة ناجعة فضلا" عن كونها مشروعة لازالت الحواجز النفسية وتقريب وجهات النظر السياسية بين أطراف اعتادوا أن يضمروا بعضهم لبعض غير ما يجهرون به ويعلن عنه من نوايا ومواقف لمجرد الاستهلاك الإعلامي والتعبئة الحزبية . ذلك لأن ما يحاول خطاب المصالحة إنجازه على مستوى الوعي بالواقع ، يضيع ويتلاشى في خضم انعدام المصارحة وما تشيعه من مخاوف وشكوك على مستوى اللاوعي بالآخر .

كتابات

 


Email Drucken Favoriten Twitter Facebook Myspace Stumbleupon Digg MR. Wong Technorati aol blogger google reddit Yahoo

Add comment


Security code
Refresh