مستقبل الدولة الوطنية على ضوء ارتدادات.. ثورات الربيع العربي

محمد بوعزارة


هل الأمر مجرد سقوط للأنظمة، أم هو محاولة لإسقاط الدولة الوطنية؟ 

تتعددُ التعريفات بخصوص مفهوم الدولة حسب فقهاء القانون وخبراء السياسة وكذا المهتمين بالتاريخ، ويمكن القول بصفة عامة، بأن الدولة هي مجموعة من الناس أي الشعب، الذي يقيم في إقليم معين ويخضع لسلطة سياسية معينة.

غير أنه ينبغي قبل ذلك، أن أسجل هنا، أنني سأركز في مداخلتي هذه على مسألة مستقبل الدولة الوطنية في العالم العربي باعتبار أن هذا الربيع العربي أو هذه الثورات حسب تعبير البعض، قد جاءت في اعتقادي لتقويض أسس ما تبقى من أركان الدولة الوطنية المهترئة أصلا في العالم العربي، ومن ثمّة فإن هذه الأحداث كما سنفصل ذلك، مست بجوهر الدولة الوطنية ككل من حيث السيادة ومن حيث المنظومة الأمنية والإقتصادية والإجتماعية والثقافية وبالنسيج الإجتماعي ككل، وبشتى المجالات الأخرى المتعلقة بسير الدولة وبمؤسساتها في بعض جمهوريات العالم العربي، وفق أجندات كانت مُعدّة بإحكام من قَبْلُ مثلما نعتقد، استنادا إلى ما عُرِفَ بخطة الفَوْضَى الخَلاَّقة التي تبنتها الإدارة الأمريكية في عهد الرئيس السابق بوش الإبن، كما جاء ذلك على لسان وزيرة خارجيته كوندوليزا رايس، بل وما قبلها، وكذلك من بعض الأفكار التي تبناها المفكر الإيطالي صاحب كتاب “الأمير مكيافيلي” الذي أشار أن الفوضى تُولّد في النهاية النظام وكذلك رهانات مؤسسات الإستشراف الإسرائيلي بما في ذلك جماعة الأيباك ذات التأثير البالغ في السياسات الأمريكية.

لقد قُلتُ في مقالة تحليلية لي، صدرت عام 2011، بأن مفهوم الثورة قد ابتُذل إلى الحد الذي صار يأتينا معلبا من عواصم الغرب على ظهر الدبابات وعبر تنظير، أمثال برنار ليفي، حيث صارت الثورة باردة كالصقيع القادم من الغرب أو عبر اللورنسيين الجدد الذين أصبحوا يصدرون لنا طبيعة الحكم ونوعية الرجال البيادق الذين يريدون بواسطتهم حُكْمَ شعوبنا والسيطرة على خيراتها وثرواتها، بعد أن أرعبتهم ثورتنا بالأمس والتي استعدنا بواسطتها استقلال بلدنا وسيادة دولتنا وافتككنا حريتنا المسلوبة،

وإذا كانت الأحداث التي عُرفت بالثورة العربية في المشرق العربي مطلع القرن العشرين، والتي قادها الإنجليز، خصوصا بتخطيط من توماس إدوارد لورانس المعروف بـ«لورانس العرب” قد انتهت بسقوط دولة الخلافة العثمانية، فإن ثوراتُ هذا الربيع العربي، إن كانت تلتقي مع تلك الثورة في بعض جوانبها،  فإنها تختلف تماما عن الثورات النبيلة الهادفة إلى التحرر والإستقلال من الإحتلال في أهدافها واستراتجيتها وحتى في قياداتها.

الثورة الجزائرية، التي لم تكن من صُنع فرد أو قائمةً على زعامة فردية، ولم تكن ثورة مُسْتَوْرَدَة، ولكنها كانت ثورة نابعةً من عبقرية هذا الشعب ومن صُنْع قيادة جماعية نَبَذت حُكْمَ الفرد الذي يكون قد تسبب في تَأَخُر استقلال الجزائر لعدة أعوام رغم وطنيته المبكرة وزعامته الفردية الجامحة، ولذلك فإضافة إلى أن الثورة الجزائرية حققت إلتفافا واسعا وسريعا حولها من طرف الشعب الجزائري منذ اندلاعها في أعوامها الأولى، فإنها ألهمت كثيرا من شعوب المعمورة لتساندها وتقف مع كفاحها، خصوصا في العالم العربي وأجزاءَ عدة من العالم، كما تأثرت بثورتنا كثيرٌ من شعوب العالم، مثلما حصل بالنسبة لإفريقيا، حيث اسْتلهم كثيرٌ من الثوار وحركات التحرر الأفارقة، الكفاح من الثورة الجزائرية وتمكنوا من تحرير بلدانهم مثلما حدث مع جنوب إفريقيا، التي صرح زعيمها الكبير نلسون مانديلا بأنه استلهم الكفاح في بلاده ضد نظام التميز العنصري من الثورة الجزائرية، وأن هذه الثورة هي التي جعلت منه رجلا، وكذلك الأمر بالنسبة للعديد من الثوار الأفارقة ومن بينهم الراحل أميكار كابرال، زعيم غينيا بيساو، الذي كان يرى في الجزائر كعبة للثوار، ناهيكم أن 27 حركة تحرير كانت توجد بالجزائر خصوصا في الستينيات والسبعينيات و حتى الثمانينيات.

ورغم هذا، فإن أي من قادة الثورة الجزائرية منذ استعادتها لإستقلالها لم يصرح يوما بأننا نريد تصدير الثورة للخارج لأي كان، كما أن الجزائر لم تَمُنّ بمساعداتها على أي كان، وهذا عكس ما وقع في بعض التجارب الأخرى التي لم تَرْقَ لمستوى عظمة الثورة الجزائرية، حيث حاول هؤلاء تصدير بعض الأفكار الطوباوية المعلبة خارج بلدانهم، متسببين في زرع حروب أهلية ونزاعات عرقية ودينية بل ومذهبية وفتن، وليس في غرس قيم أو ثورات، كما هو الأمر بالنسبة لإيران التي تحاول تصدير المذهب الشيعي.

«إن الثورة في اعتقادي، شيءٌ مقدس، يحمل المبادئ السامية والأهداف النبيلة ويرمي إلى إحداث التغيير الإيجابي لصالح الشعوب المستعبدة”.

صحيح إننا قد نتحفظ على ممارسات أنظمة تلك الدول، التي مسها هذا الربيع والتي سَهّلتْ على أصحاب تلك الأجندات تمرير أجنداتهم ومشاريعهم بسهولة ويُسْر، ثم سرقت الحلم الإفتراضي الديمقراطي ووهم الرفاهية من الشباب الذي كان ثائرا ضد تلك الأنظمة وأسقطها، ولكن دون الإستفادة من ثمرات ذلك الربيع المزعوم، وهذا بعد أن ركب موجةَ التغيير الشعبي واعتلى الحُكْمَ أناسٌ جلهم قد يكونون من صُنْع غربي، إذ يُلاَحَظ أن أغلب الحكام الجدد في بلدان هذا الربيع كان يعيش في الغرب متشبعا بأفكاره الحداثية مظهريا ولكنه جاء بروح الإنتقام ضد مَنْ سبقه في الحكم، و لذلك أصبح بعض هؤلاء متشبعين بفكر ديكتاتوري من نوع خاص، مغلف بشعارات الديمقراطية المزيفة، كما أن البعض الآخر، كان يعيش لفترة طويلة في غياهب السجون منقطعا عن الواقع وعن الحقائق الوطنية والمتغيرات الإقليمية والدولية، وهو ما يكون قد أثّر سلبا على الأداء الحكومي خصوصا في تونس قبل تشكيلة مهدي جمعة، ومصر وفي ليبيا التي بقيت حالة شاذة بسبب انتشار السلاح ووجود جماعات وميليشيات مسلحة عديدة تنتمي لتشكيلات مختلفة باتت تهدد اليوم كيان الدولة.

يرجع مصطلح الدولة الوطنية أصلاً، إلى بدايات عصر النهضة في أوروبا، ولم يعرف العالم العربي هذا المصطلح أو الشكل من أشكال الدولة الوطنية أو القومية بصفة واضحة إلا خلال خمسينيات القرن الماضي، عندما اعتلى عبد الناصر ورفاقه ــ و جُلُّهم عسكريون ــ سدة الحكم بعد أن أطاحوا بالنظام الملكي للملك فاروق، الذي كان غارقا في الفساد والملذات.

والواقع، أن نشوء الدولة بحد ذاته مرّ بعدة مراحل منذ نشأة الإنسان، ثم ما عُرف بنظرية الحق الإلهي لنشأة الدولة وسُلْطَة الحاكم المُطْلق وخاصة في أوروبا ومن ثمة الثورة الفرنسية والإنجليزية اللتين أطاحتا بالمَلَكِية قبل عودتها من جديد لبريطانيا وزوالها نهائيا في فرنسا منذ 1789.

في نهايات القرن السابع عشر الميلادي إذاً، وبعد عدة حروب أهلية طاحنة بين الأوروبيين وصراع مرير، دام بين البروتستانت والكاثوليك، وبعد أن سادت المعمورة أنظمة ملكية وإمبراطوريات عمّرت طويلا وكانت تضم عدة قوميات، جاء ميلادُ الدولة القومية أو الدولة الوطنية عبر ما عُرف بـ “معاهدة ويستفاليا” التي كَرّست هذا المفهوم وشكّلت الأساس لوجود الدولة الوطنية على أنقاض الإمبراطوريات القديمة.

ويمكن اعتبار “معاهدة ويستفاليا” الموقعة في 15 ماي و24 أكتوبر 1648، الأساس الأول لظهور مفهوم سيادة الدولة الوطنية على أراضيها ووحدة شعبها.

كما أن تلك المعاهدة، وضعت الأُسُس لمبادئ الإستقرار في العلاقات بين الدول، وأرست كذلك مبادئ الولاء للوطن الواحد وكرست الجنسية الواحدة، بغض النظر عن الإنتماءات العرقية والمذهبية والدينية المتعددة، كما أسهمت في حق جميع الدول على سيادة قراراتها داخل حدودها الإقليمية ووحدتها الترابية بعيدا عن التدخلات الأجنبية، مثلما تبنت عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول.

كما أنهت تلك المعاهدة، ما عُرف بحرب الثلاثين عاما في الإمبراطورية الرومانية المقدسة، والتي تضم اليوم معظم أراضي ألمانيا الإتحادية وكذا حرب الأعوام الثمانين بين إسبانيا وما كان يعرف بالأراضي المنخفضة، وقد جرى التوقيع على بنود تلك المعاهدة من قبل ملوك فرنسا وإسبانيا والسويد وهولندا والإمارات البروتستانتية التابعة للإمبراطورية الرومانية المقدسة.

كان نشوء الدولة الوطنية وتطورها، متزامنا مع تطور الرأسمالية نفسها، فقد سعت الرأسمالية على الدوام إلى فرض مصالحها على مختلف بقاع المعمورة، ومن أجل تحقيق هذه الغايات، راحت توسع من حدودها الجغرافية وتسعى إلى الحصول على المزيد من مناطق النفوذ واكتساب الثروات ورفع الإنتاج على حساب العديد من الدول والشعوب، ووظّفت من أجل هذه الغايات والأهداف، جميع الوسائل المادية والعسكرية والمالية للحصول على المزيد من الأرباح والفوائد دون إعطاء أدنى اعتبار للإنسان أو لحقوقه في هذه البلدان، التي صارت مجرد مستعمرات خاضعة في تسييرها وثرواتها للدول المهيمنة، ثم  قامت الشركات العملاقة المتعددة الجنسيات لاحقا بدورها، بفرض قوانينها الخاصة على دول أخرى كانت مستقلة شكليا ولكنها كانت في الواقع تحت سيادة تلك الشركات التي راحت تتدخل في القرار السياسي والإقتصادي وحتى في فرض هذا المسؤول أو ذاك في هذه البلدان، منتهكة بذلك سيادتها الوطنية وحقوق الأفراد والجماعات فيها وناهبة لثرواتها.

ومع ذلك، ظلت روح “معاهدة بنسلفانيا” تنتهك إثر ذلك على مراحل متعاقبة من طرف العديد من القوى الإستعمارية وخصوصا الأوروبية منها، وفي مقدمتها ها تلك التي وقّعت على المعاهدة ومن بينها فرنسا وإسبانيا وألمانيا، حيث راحت تتوسع خارج حدودها الجغرافية على حساب العديد من الدول واحتلال أراضيها ونهب خيراتها وانتهاك سيادتها الوطنية، بل والدخول في حروب قاسية ومدمرة ضد كثير من دول وشعوب المعمورة ومن بينها الجزائر، التي استردت سيادتها بعد مقاومات شعبية عديدة وثورة كبيرة، دفع خلالها شعبنا ما يزيد عن تسعة ملايين على مذبح الحرية منذ 1830 وإلى غاية 1962، حيث أن ثورة أول نوفمبر 1954، كانت قد وضعت في بيانها الشهير، الخطوط العريضة لشكل الدولة الوطنية المأمولة. وقد نص البيان على: إقامة الدولة الجزائرية الديمقراطية الإجتماعية ذات السيادة ضمن إطار المبادئ الإسلامية.

إن المتمعن في تاريخ الكثير من الدول الرأسمالية العظمى ومن بينها فرنسا وبريطانيا وألمانيا، يجد أنها بنت قوتها العسكرية والإقتصادية على حساب مستعمراتها السابقة ونهب خيرات شعوبها، ثم أخذ هذا الإستعمار شكلا جديدا عن طريق ما عُرف بـ “الإستعمار الجديد” والذي لم يكن مباشرا، وكان الدور فيه تارة للشركات المتعددة الجنسيات وتارة أخرى عن طريق فرض أنظمة موالية بواسطة الإنقلابات العسكرية أو عن طريق التدخلات والضغوطات العسكرية والمالية والسياسية، لفرض أنظمة بحد ذاتها، تارة بإسم حماية حرية الأقليات، وبإسم حقوق الإنسان والديمقراطية تارة أخرى، أو بإسم محاربة الإرهاب، كما وقع في أفغانستان، أو بإسم تدمير أسلحة الدمار الشامل كما حدث في الحرب الشاملة التي قادتها الولايات المتحدة الأمريكية بمساهمة حلفائها ضد العراق، والتي ثبت لاحقا أنها كانت مجرد ذرائع لإضعاف قدرات العراق وخاصة العسكرية ولنهب خيراته وانتهاك سيادته وفرض نظام موال للغرب ومن ثمة محاولة تقسيم هذا البلد الضارب في عمق التاريخ والحضارة الإنسانية، وهو الأمر الذي كانت واشنطن تراهن عليه منذ فترة طويلة وخاصة منذ حرب أكتوبر 1973 لصالح أمن إسرائيل، ولكنها تخلت عنه حسب ما فهم من تصريح الحاكم الأمريكي السابق للعراق بول برايمر، الذي اعترف أن مسألة تقسيم العراق لم تعد ذات أهمية في المنظور الأمريكي بعد أن حققت واشنطن أهدافها في تدمير الطاقة العسكرية لهذا البلد، وجعلت دولته مجرد ميليشيات طائفية متطاحنة تتقاتل فيما بينها لاقتسام الحكم والنفوذ رغم ما يقال عن الحكم المركزي في العراق وظهور شبه دولة ذات حكم ذاتي للأكراد في شمال العراق.

خلال فترة الستينيات و السبعينيات كان هناك تباين في طبيعة الأنظمة من جمهورية إلى ملكية و إلى أنظمة قائمة على حكم السلطان أو الأمير ، وفي المقابل كان هناك اختلاف في المواقف و السياسات بين مختلف هذه الأنظمة ، و خاصة بين الأنظمة ذات الحكم الملكي التي كانت توصف بالرجعية و بين الأنظمة و الحكومات الجمهورية التي كانت توصف بالوطنية أو بالتقدمية .

غير أن بعض المواقف و من بينها المواقف الشجاعة للملك السعودي الراحل فيصل و التي يمكن وصفها بالمواقف الثورية الراديكالية و زيارة الرئيس المصري الراحل أنور السادات إلى القدس في الـ19 نوفمبر 1977 قد أسقطت مثل هذه التباينات والمصطلحات،و غيرت بعض القناعات تجاه المصطلح ، و إن كان تشكل ما عرف بجبهة الصمود و التصدي في 1977 من دول تنتمي كلها لجمهوريات : هي الجزائر، العراق ، سوريا ، و اليمن الديمقراطية قبل التوحيد و ليبيا إضافة إلى منظمة التحرير الفلسطينية طرح هو الآخر بعض التساؤلات عن التمايزات بين الدول العربية ملكية و جمهورية بالرغم من أن بعض الدول  العربية الملكية كانت في الظاهر على الأقل ضد تلك الزيارة و تبعاتها على التضامن العربي الذي برز خصوصا في أعقاب حرب أكتوبر 1973 و القرارات المتعلقة بإدخال المحروقات في تلك الحرب عبر ما عرف بحظر بيع النفط العربي للدول المساندة لإسرائيل.

ولذلك يطرح العديد من المراقبين السياسيين اليوم تساؤلات عن سر هذا الربيع العربي حسب وصف أصحابه الغربيين أنفسهم و خاصة أنه لم يمس سوى دول الصمود ذات الطابع الجمهوري باستثناء الحالتين التونسية  و المصرية  ، أي معظم تلك الدول التي عارضت أي شكل من أشكال التطبيع أو العلاقات مع إسرائيل .

ثم إن هذا الربيع الذي تُوجَ كذلك بتقسيم السودان إلى شطرين سُبق قبل ذلك باحتلال العراق الأمر الذي يَصُبُّ في النهاية لمصلحة إسرائيل أساسا و لصالح القوى الغربية الطامعة في ثروات الوطن العربي و التي ما تزال تحِنُّ إلى الانتقام من عدد من الدول النفطية العربية بسبب التبعات التي أحدثتها حرب أكتوبر 1973 على اقتصادياتها و على سياساتها عموما ، و التي اعتُبِرتْ إذلالا للغرب من قبل العرب و خاصة أمريكا التي هدد وزير خارجيتها آنذاك هنري كيسنجر بالانتقام من تلك الدول.

و لا يجب هنا أن ننسى أن الجزائر عاشت ربيعها قبل الآخرين بفعل أحداث أكتوبر 1988 وكذا التبعات التي خلفتها العشرية الدموية في التسعينيات و التي كلفت الشعب الجزائري ثمنا باهظا ، و قد كاد مصير الدولة يتحول إلى الصوملة لولا تماسك الجيش الشعبي الوطني ووقوف مختلف القوى الوطنية لحماية الدولة من الانهيار.

إن تلك الثورات تظل في اعتقادي مجرد انتفاضات أو أحداث جاءت متزامنة من نهاية 2010 إلى مطلع 2011 حيث انتهت بسقوط كل من زين العابدين و مبارك في تونس و مصر و مقتل القذافي في ليبيا و تنحي علي عبد الله صالح في اليمن و تتابع الأحداث الدموية في سوريا إضافة إلى تقسيم السودان إلى دولتين.

وصف بعضهم ما وقع في تلك البلدان بأنه ثورة ، ووصف آخرون ذلك بالربيع العربي ، وفي اعتقادي أن كِليْ المصطلحين مظلومين.

فالثورة ليست بهذه الدرجة من الابتذال ، إنها فعل يكاد يكون مقدسا وهي من عمل نخبة مميزة في فكرها و تخطيطها و تنظيمها وبعدها ورؤيتها المستقبلية ، و تصبح تلك الثورة بعد ذلك من صنع الشعب في عمومه عندما يتبناها و يدفع بها للأمام ، و هي ليست من صنع فرد مهما كانت شجاعته و عبقريته وكاريزميته ، إنها محصلة تجارب وإرهاصات ،و تهدف إلى التغيير النوعي الشامل لتحقيق غايات نبيلة مثل الحرية و الاستقلال و المساواة و تحقيق العدالة الاجتماعية و الديمقراطية و نيل الحقوق و الحريات الفردية و الجماعية و اقتسام الثروات بعدالة بين المواطنين ، و هي ترمي كذلك إلى مواجهة الظلم و القهر والتصدي للاستبداد بكل أشكاله و مخلفاته و تحقيق الرفاهية في أوساط الشعب و القضاء على البطالة وصولا إلى تحقيق دولة العدل و الحق و القانون.

و حتى إن صدقنا أن ما حدث كان ربيعا ، فالربيع يحمل معه مظاهر البهجة والفرح و الاخضرار و ليس مظاهر الدماء و الدموع و الخراب و التدمير و اللأمن كما فعل ربيعهم المستورد هذا المحمول عبر الطائرات المقنبلة و التفجيرات و السيارات المفخخة و تقسيم الشعب إلى مِلل و نِحل و طوائف ومذاهب أو حاملا للإرهاب المدمر في بلدان كانت تنعم رغم عيوب أنظمتها بالأمن و الاستقرار.

لقد كان من بين الارتدادات الأولى لهذا الربيع العربي أنه أدى الى ما يلي:

دمر إلى حد بعيد الشكل القائم للدولة العربية الوطنية في مختلف البلدان التي مسها هذا الحراك المتزامن و السريع رغم ما في أنظمة تلك البلدان من مظاهر سلبية. وإذا كانت الدولة حسب مختلف النظريات و التعريفات المتداولة هي الأساس و العنصر الدائم و أن الحكم هو عكس ذلك باعتباره عارضا ووقتيا ، فإن الذي كشفته الاختلالات التي شهدها الوطن العربي خلال الفترة الأخيرة أن الدولة أصبحت في ممارسات كثير من الحكام و الأنظمة مجرد ظاهرة عارضة وأن أنظمة الحكم هي الدائمة .

دمر المنظومة الأمنية تدميرا يكاد يكون شاملا وأحدث خللا في منظومة القيم الاجتماعية والثقافية والاقتصادية و السياسية و زرع بذور الفتن و الصراعات الطائفية والمذهبية والعرقية في مختلف البلدان، و هو يكاد يؤدي إلى تفتيت بعض البلدان التي لم تعرف إطلاقا منذ نشأتها مثل هذا الخلل خصوصا ليبيا التي زُرعت فيها الميليشيات التي راحت تعبث بالأمن و الاستقرار و باتت تهدد كيان الدولة رغم هشاشته في عهد النظام السابق ، و خاصة إذا ما أعدنا إلى الأذهان أن نظام القذافي لم يترك مؤسسات قائمة من شأنها أن تحافظ على كيان الدولة مثل الجيش و المؤسسات الأمنية والمؤسسات المنتخبة ديمقراطيا ، أو مصر التي تحول فيها الإسلام السياسي إلى قوة مخيفة زارعة للرعب و الإرهاب و حيث بات هذا البلد الضارب في الحضارة مهددا بكل ألوان التحلل و التفكك و الانقسام خصوصا بعد فشل تجربة حكم الإخوان و ما أعقبها من انقلاب باتت تبعاته تهدد كيان الدولة برمته بمصير مجهول و مستقبل غير محمود العواقب وخاصة بعد  تحول الجيش الذي كان على امتداد عشريات طويلة صمام أمان إلى عنصر مثير للتوتر تكاد هيبته لدى الرأي العام المصري تذهب سدى ، أو تونس التي ظلت منذ عهد الرئيس بورقيبة تعيش في استقرار دائم وإذا بها بسبب إفرازات و ارتدادات هذا الربيع الذي أوصل الإسلاميين لأول مرة في هذا البلد إلى الحكم كادت تتحول إلى مرتع للتطرف بشتى فروعه و إلى وكر للعنف والإرهاب واللاتسامح ، بل ومرتعا لجماعات من السلفية المتحجرة الفكر .

غير أن إصرار الطبقة السياسية خصوصا المعارضة على التغيير الشامل و نضج الإسلاميين بقيادة النهضة على عدم التمسك بنتائج الصندوق عبر استفادتهم بمآلات تجربة الإسلاميين في الجزائر و خاصة جماعة الفيس مكن تونس من تجاوز الأزمة التي كانت تدق بهذا البلد بعد توصل مختلف الأطراف السياسية إلى دستور توافقي و حكومة تقنية انتقالية تسهر على الاستحقاقات القادمة .وبذلك تكون تونس النموذج الاستثنائي الناجح في ما انتهت إليه ارتدادات الربيع العربي .

من تبعات هذا الربيع أنه يكاد يدمر الهوية الوطنية و يحدث انشقاقات عرقية و مذهبية و عشائرية داخل الوطن الواحد بل وفي القرية والمدينة الواحدة كما هو الحال خصوصا في ليبيا و حتى مصر حيث سقطت تجربة التعايش بين المسلمين و الأقباط.

لقد أحدث هذا الربيع العربي للأسف تراجعا رهيبا لكثير من القيم الجميلة التي كانت سائدة و أصبحت الدولة الوطنية بموجب ذلك مهددة في كيانها وأمنها و في وجودها وحدودها بالتالي في مستقبلها ، مثلما أصبح السلاح المنتشر بين بعض الجماعات كما هو الحال في ليبيا مصدر قلق أمني لبلدان الجوار و خاصة للجزائر و تونس حيث باتت بعض الجماعات تسعى إلى تمرير السلاح عبر الحدود.

كما أن المطالب التي حملها الشباب الثائر والذي سرقت منه هذه الثورات بين قوسين أصبحت في خبر كان و أكثر من هذا فإذا كان مضمون هذه الثورات قد أُفْرِغَ من محتواه بعد أن ظهر أمام الشباب الثائر واقع بائس حالك السواد فلا الشعارات التي رفعوها تحققت ولا التداول على السلطة الذي طالبوا به قد أنجز فالحريات التي كانوا ينادون بها قد تراجعت بشكل كبير بعد أن فقدوا الأمن و الاستقرار و بعد أن باتت الجماعات الإجرامية والإرهابية تزرع الرعب و تثير الفزع في النفوس في كل مكان ، كما تراجع مستوى الدخل القومي والفردي وزادت نسبة البطالة وتضاءلت فرص الاستثمار الأجنبي وتراجع الاستثمار الوطني بسبب الخوف الذي بات يسكن النفوس ، بل و أصبحت حتى المحروقات كما هو الحال عليه في ليبيا لا تصدر بعد أن سيطرت بعض الجماعات المسلحة على مناطق منابع النفط و فقدت الدولة سيطرتها الكاملة على الوضع و باتت إطاراتها في مختلف المواقع تلقى مصرعها كل يوم ، كما أن السياحة التي كانت مصدر عيش ملايين المواطنين خصوصا في مصر وتونس توقفت في جهات وتراجعت في مناطق أخرى .

ثم إن معظم مَنْ تولوا المسؤوليات والمراكز القيادية الحساسة في بلدان هذا الربيع العربي جُلبوا من الخارج كما كان الأمر في ليبيا وتونس وحتى مصر قبل الإطاحة بمرسي  ، كما أن البعض الآخر منهم لم تكن له علاقة بالواقع وبأمور تسيير الدولة وخاصة أن البعض عاش فترة طويلة في سجون الأنظمة السابقة و كان منقطعا فعلا عن الحقائق الوطنية و الإقليمية و الدولية

وعلى ضوء هذه الحقائق المرة فإن الدولة الوطنية في هذه البلدان باتت في خطر وأصبحت هناك علامات استفهام كبيرة مطروحة على مستقبلها.

أ ـ موضوع الأمن والاستقرار: هو واحد من عناصر قوة الدول، وقد بات هذا العنصر مطروحا بقوة في دول الربيع العربي لأنه أحد عناصر قوة الدولة وتماسكها.

ب ـ إشكالية الوحدة الوطنية: لقد أصبحت الدولة الوطنية في معظم بلدان الربيع العربي مهددة بسبب الانقسامات العرقية والعشائرية والمذهبية التي طفت على السطح في ظرف قصير، ففي ليبيا هناك تهديد واضح للوحدة وزوال التجانس الذي كان قائما على الأقل في الظاهر بين أفراد المجتمع الليبي.

وفي مصر باتت ظاهرة الانقسام بين المسيحيين والمسلمين تثير القلق وتهدد بنقل الموضوع برمته إلى خارج حدود مصر في بلد عاش منذ الفتح العربي بقيادة عمرو بن العاص جوا لا نظير له من التسامح الديني والتعايش بين الأقباط المسيحيين وباقي الشعب المصري المسلم في عمومه.

ج ـ إشكالية الهوية: لقد ظهرت للمرة الأولى منذ قرون مسألة الهوية الوطنية بين الزنوج والعرب وبين الأمازيغ وباقي القوميات وخصوصا في ليبيا، وبرزت إلى السطح ظاهرة التمايز والجهوية العرقية المقيتة بين مختلف القبائل حيث عاد المجتمع وبالأخص في ليبيا للقبلية التي تتنافى تماما مع مفهوم الدولة الوطنية الجامعة والموحدة لكل أفراد المجتمع.

د ـ إشكالية الديمقراطية: لقد كان الاعتقاد السائد أن التغيير الذي أحدثه هذا الربيع العربي على طبيعة الأنظمة سيجلب مجموعة من المكاسب ومن بينها:

ــ تحقيق الديمقراطية والمساواة والحقوق بين أفراد الشعب والتداول على السلطة واستقرار الأمن وتحقيق الرفاه والقضاء على البيروقراطية والقضاء على البطالة وانتعاش الاستثمار وغيرها من الشعارات التي رفعها الشبان خصوصا، ولكن مجريات الأحداث المتعاقبة بينت أن أيا من هذه الطموحات كانت مجرد أوهام وأن حلم الدولة العادلة يتبخر يوميا ليحل محله واقع اللادولة.

ــ مشكلة استرداد الثقة بين المواطن والسلطة القائمة. هذا العنصر هو واحد من عناصر قوة الدولة، إذ أن الثقة لا يمكن أن تتحقق إلا في ظل تحقيق مجموعة من الأهداف في مقدمتها الاستقرار والأمن والتنمية وشعور المواطن بالاطمئنان وبأن الدولة هي دولته مهما كانت انتماءاته العرقية والمذهبية والطائفية، فالدولة هي التي يجب أن تحتوي الجميع وتحتضنهم وتخصهم بالرعاية والاهتمام ليشعروا في ظلها بالمواطنة، والدولة هي التي بإمكانها بالتالي أن تنمي فيهم عنصر الوطنية والانتماء للدولة والجنسية الواحدة وتذيب جميع الفروقات مهما كانت طبيعتها.

هـ ـ الخطاب السياسي: ما من شك أن وضوح سياسة الدولة واستراتجيتها المستقبلية تبرز من خلال انتهاج خطاب سياسي متزن وعقلاني يتكيف مع الواقع المعيش ويخلق الأمل لعموم الشعب ويتجاوب مع رغباته وطموحاته. فالخطاب السياسي يجب أن يكون باعثا للأمل بعيدا عن الشعبوية التي تتنافى والحلول الواقعية.

و ـ مستقبل الدولة: إن استقرار الدولة وضمان مستقبلها مرهون بعدة عناصر يطول شرحها ومن بينها العمل على خلق طبقة متوسطة في المجتمع من شأنها أن تشكل مصدر استقرار وتكون بمثابة صمام الأمان للمجتمع كله، كما يتعين على السلطات القائمة على سير الدولة في ظل المرحلة الانتقالية أن تعمل في اعتقادي على تشجيع عنصرين أساسيين وهما الطبقة المثقفة والطبقة السياسية وعلى التعامل مع كل مكونات المجتمع وخصوصا المجتمع المدني.

إن إبعاد المثقفين عن مصدر القرار وتجاهل عمليات الاستشراف من شأنه أن يجعل الحكم تحت سلطة الدهماء وهذه الأخيرة بتفكيرها السطحي ونظرتها الأنانية المفرطة قد تضعف أي تطور للدولة بل وقد تكون عاملا في تدمير كل مقوماتها الأساسية، كما أنه يتعين على السلطات القائمة أن لا تقتل الحياة السياسية داخل الأحزاب وخصوصا أحزاب المعارضة. وقد بينت التجربة أنه كلما انتعشت الحياة السياسية كلما انتعشت الدولة وأمكن لها البقاء ومواجهة الصعاب والتحديات. فالنقد ضروري لتقويم كثير من السلوكات.

ومما لاشك فيه أن مستقبل الدولة الوطنية عموما مرهون كذلك برهان هام يتعلق بعامل ارتقاء المواطنة. وبمختصر القول إنني أعتقد أن الديمقراطية السياسية لا يمكن أن تنجح إلا بنجاح الديمقراطية الاجتماعية الموجهة لخدمة المواطن.

إن المواطنة في رأيي لا يمكن أن تتطور وتنجح فقط عبر ترقية الشق القانوني من خلال ترقية حقوق الإنسان وترقية الحريات الفردية والجماعية للمجتمع، بل إنها لكي تنجح فلابد أن تتوسع لتشمل باقي الحقوق الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، ولكن دون إغفال قيام المواطن بواجباته المختلفة تجاه الدولة ومؤسساتها المختلفة حتى لا تختل هذه العلاقة ولكي لا يتحول المواطن إلى مواطن مطلبي يبحث عن الحقوق بما في ذلك البحث عن حريته عن طريق التظاهر والاحتجاج والاعتصام في الشوارع والساحات العامة والقيام بالإضرابات.

وعليه فلترقية حس المواطنة بات من الضروري على المواطن اليوم ألا يكتفي فقط بالمطالبات ويهمل القيام بالواجبات، وإلا فإن هذه المواطنة ستصبح منقوصة ولا يمكن لها على الإطلاق أن تساهم في تطور الدولة الوطنية المنشودة التي يجب أن تكون في الأساس دولة المواطن لا دولة النخب أو الأنظمة الحاكمة.

وأخلص من كل هذا أن مستقبل الدولة الوطنية ليس في بلدان الربيع العربي وحدها بل في عموم الوطن العربي سيكون أمام رهان صعب وتحديات كبيرة.

فالتغيير الحقيقي لن يكون في شكل الأنظمة ولكن في المناهج والسلوكات وفي الوقائع على أرض الميدان.وإذا كان الارتداد في علم الفيزياء هو رد الفعل العكسي للفعل، فالطلقة من المدفع أو المسدس عندما ترتد للوراء تكون قاتلة في حق صاحب الطلقة.

فإن الارتداد الشامل سياسيا وأمنيا واقتصاديا الذي نلاحظه ميدانيا في البلدان التي مستها هذه الثورات بين قوسين والذي بدأ عنيفا بشكل مبكر حتى على أصحابه ومن بينهم الرئيس المصري مرسي ومن ورائه جماعة الإخوان المسلمين في مصر والتي رغم تجاوز تجربتها الثمانين عاما فإنها أخذت ضربة قاصمة في الظهر بعد أن اعتبرت لأول مرة حركة إرهابية وهو ما سيكون له تأثيراته الكبيرة ليس في مصر وحدها ولكن على تنظيم الإخوان الذي ينتشر في عشرات الدول، ثم إن هذه التطورات المتسارعة وخصوصا تفشي الإرهاب قد يعصف بكل مؤسسات وهياكل الدولة في هذه البلدان إذا لم يكن مَنْ جاء بهم هذا الربيع في مستوى تطلعات الشعب وخاصة أن الشباب في تلك البلدان ثار ضد الظلم وضد التوريث وضد التسلط وضد كل أشكال اللاتسيير للدولة، فالشباب لم يثر من أجل وضع حد للدولة مهما كانت نقائصها، ولكنه ثار ضد الأنظمة القائمة.

كانت دولة العدالة الاجتماعية والقانون والديمقراطية وما تزال حلم الشعوب العربية في هذه الرقعة الشاسعة والغنية بالثروات والكفاءات والإرادات الطيبة، ولذلك بات من الضروري على الحكام الجدد ــ حتى ولو فرضهم واقع دبابات الغرب اليوم على شعوبهم على حساب الشباب الثائر ــ بات عليهم أن يدرسوا التاريخ بكل إمعان وتبصر ليتأملوا تجارب الآخرين حتى تكون لهم عبرة في المستقبل المنظور والبعيد لكي لا تنهار الدولة الوطنية في عهدهم حتى ولو كانت وطنية البعض منهم مشكوك فيها.

ويبقى في النهاية أن هذا الربيع العربي كما وصفوه ظلما إن كان قد أسقط بالفعل أنظمة عربية تسلطية كان بعض قادتها يسعون لتكريس الحكم بواسطة جملوكيات مستهجنة فإنه مع ذلك ألحق الضرر بالدولة الوطنية بغض النظر عن السلبيات و النقائص العديدة التي كانت موجودة في ظل الأنظمة السابقة، كما أن محصلته النهائية أنه لم يؤد إلى ما كان يرغب فيه المواطن العربي لتحسين مستوى معيشته ورفع قدرته الشرائية وتكريس قيم العدل والمساواة والحرية والديمقراطية، كما أنه أضفى إلى نتيجة مفيدة للكيان الإسرائيلي نتيجة إضعاف دول كانت أنظمتها حتى ولو أنها كانت في الظاهر خطرا على وجود إسرائيل.

ولعل ما يؤيد هذا الطرح أن دافيد وينبرغ مدير مركز بيغين ـ  السادات للدراسات الاستراتيجية الإسرائيلي أكد في محاضرة ألقاها في الثاني من جوان من العام الماضي 2013 بالنرويج أن الجيوش العربية لن تقدر بعد الآن على شن هجوم تقليدي على الدولة العبرية.

موضحا أن الجيش العراقي لم يعد له وجود، وأن قدرة الجيش السوري تقلصت بنسبة 60 في المائة وأن مختلف فرق الجيش المصري تتآكل باستمرار.

وأوضح أنه إضافة إلى الصراعات الداخلية التي تزلزل البلدان العربية، فإن صراعات داخلية وتفاوت اقتصادي سيخل بالدول العربية على مدى العقود الأربعة القادمة.

وقد ذهب مؤتمر هرتسيا، وهو محفل إسرائيلي يُعْقَدُ كل عشر سنوات ويظم النخبة الصهيونية من خبراء في الحقل الاستخباري والدراسات الاستشرافية والمسؤولين الحاليين والسابقين، إلى أنه بالرغم من وصول الإسلاميين إلى سدة الحكم في الدول العربية التي طالها الربيع العربي فإن هؤلاء الإسلاميين لا يشكلون رغم الفوضى التي زرعوها خطرا كبيرا على الأمن الإسرائيلي.

ويمكن أن أوضح في النهاية هنا مسألة بالغة الأهمية وهي أن إسرائيل التي كانت تشعر بقلق كبير من تنامي القوة العسكرية لحزب الله خاصة منذ حرب 2006 التي أسقطت التفوق العسكري الإسرائيلي، باتت تشعر الآن بشيء من الراحة بعد سلسلة الانفجارات التي استهدفت حزب الله في لبنان وقبل ذلك الأحداث الدموية التي تعصف بسوريا.

ولعل النتيجة التي نستخلصها من دروس هذا الربيع الدامي العاصف باستقرار ومؤسسات وأمن مختلف الدول العربية، هي كيف سنحافظ نحن في الجزائر على مكونات الدولة الوطنية، وكيف يمكن لنا كجزائريين أن نستشرف آفاق المستقبل بما يجعل هذه الدولة في مأمن مما يدبر لها هناك أو من هنا؟

ولعل أكبر عنصر في هذا هو كيف سنتمكن من صون جدار الوطنية ونفعله لصالح الدولة الوطنية وبنائها واستمرار بقائها قوية موحدة متماسكة مستشرفة آفاق المستقبل ضامنة تماسك المجتمع وتضامنه.

أما أولئك الحالمون بربيع جزائري أو بثورة تهدد استقرار الدولة وتزرع الفتن وتُحْدثُ انفلاتا أمنيا وتزعزع أسس الاستقرار وربما عودة الإرهاب، فإنني أعيد على مسامعهم ما قلته في محاضرة ألقيتها في جامعات الأغواط وبوزريعة وغرداية بأنه يكفي هذا البلد فخرا أنه صنع ثورةً عظيمة هي ثورةُ أول نوفمبر التي أعادتْ بناء الدولة الوطنية من جديد واستعادت الاستقلال واسترجعت حرية الشعب الجزائري ومكّنت كثيرا من شعوب المعمورة من الانعتاق والاستقلال والحرية.

ورغم إيماني أن أوهام البعض بوقوع ما يزعمون بأنه ثورة في الجزائر على غرار ثورات الربيع العربي المزيف هو وهم و تخريف، بل هو انحراف كلي عن الأهداف النبيلة التي حققتها ثورة أول نوفمبر العظيمة في أهدافها وفي إنجازاتها.

لكن هذا لا ينفي أن بعض المسؤولين عندنا خصوصا ممن لا يُحْسِنون أبجديات الاتصال، ولا يعرفون التحكم في ألسنتهم ولا يفرقون بين النكتة السياسية وبين بذيءِ الكلام وأسوئه قد يتسببون في مشاكل للبلد وفي توترات قد تتحول إلى ما لا يتوقعه هؤلاء الذين لا يدركون أن الاتصال علم وموهبة وأن الخطابة ليست لعبة يتسلى بها هؤلاء أو أولئك، وقد قال الشاعر:

لسانَك لا تَذْكر به عورةَ امرئ    فكُلكَ عوراتٌ وللناس ألْسُنُ

وقديما قالوا:

لسانَكَ حصانَك إن صُنْته صانَك وإن هِنْتَه هانك، فاللسان عطّاب إن كان صاحبه معطوب الفكر واللسان.

الجزائر نيوز

 


Email Drucken Favoriten Twitter Facebook Myspace Stumbleupon Digg MR. Wong Technorati aol blogger google reddit Yahoo

Add comment


Security code
Refresh