الاستخفاف بالعقل العربي 

د. يعقوب أحمد الشراح


لقد ابتلي العالم العربي بانقلابات أو ثورات اتسمت بالعنف والقتل من أجل الوصول إلى كرسي الحكم أو الاستفادة غير المشروعة من مكتسبات الدولة، فهذه الثورات العبثية حركتها مفاهيم خاطئة، وتدخلات خارجية كانت تهدف التدمير والخراب على حساب مصالح الشعوب.

واقع كهذا أدى إلى تخلف هذه الدول وضياع جهودها وجعلها سخرية أمام العالم، فما علاقة التخريب والعبث باسم الثورة أمام شعوب تنشد الإصلاح والتطور؟ ثم كيف تستطيع الثورات العبثية من محاربة الفساد وتقديم حياة أفضل للناس بينما أهدافها فاسدة ومراميها مهينة للدولة والناس؟ ولقد قيل الكثير عن أن الثورات العربية المعاصرة هي شكل من أشكال الاستيلاء على الحكم، وسرقة لأموال الشعب، وتنفيع وتحايل على الناس لأنها تدعي بأنها ثورة شعبية يقودها الشباب....

يشير التحليل السياسي لموجات «الثورات العربية» في تونس وليبيا ومصر إن هذه الدول مازالت تعاني مشكلات كبيرة، وأن أحوالها تغيرت من سيئ لأسوأ أمام معايشتها الحالية لظواهر التخلف وصعوبة تحسين الظروف المزرية... فالصراع على السلطة وتكالب القوى السياسية على الحكم نهج لا يساير مفاهيم العالم عن الديموقراطية أو حتى أهداف الثورات الوطنية التي ترمي حصر السلطة بيد الغالبية، وأن الهدف الأسمى من أي تغيير ينبغي أن يصب في تحسين معيشة الناس وتنمية المجتمع..

كثيرون يرون أن الثورات العربية زادت من التخلف والضياع، وأنها تصب في مصالح العملاء والقوى الخارجية المتربصة مثل إسرائيل وحلفائها من خلال إضعاف الدول العربية وخلق النزاعات والحروب الداخلية المدمرة. فهذه ليبيا يتحكم فيها فصائل متصارعة تحمل السلاح وتهدد استقرار الدولة، وكذلك الحال في تونس ومصر، أما في سورية فلا أحد يعرف كيف ستنتهي إليه الأمور..

إن ما حدث من هدم وتخريب في عالمنا العربي يعكس اقتناع الناس بوجود مؤامرة كبرى تدخلت وأعدت لها أطراف عديدة في ظروف كانت أكثر من مناسبة لإحداث الفوضى والشغب، وبالتالي الضياع والتخلف... وبرغم الشعور بالمرارة والأسى لما حدث، وضعف المؤسسات والحكومات العربية، وغفلان الشعوب وعدم إدراكها لمخاطر المستقبل والتحوط من الآتي جاءت الثورات العربية مستغلة وهن الأمة العربية وخلافاتها لتزيد المآسي والضياع.

لاشك إن إعادة بناء ما هدم في النفوس أو الحفاظ على المكتسبات المادية المرهونة بأساسيات احتياجات الناس لها تأثيرات بالغة على استمرارية تلبية حق الإنسان في الحياة الكريمة. فالالتفات إلى البناء والترابط ونبذ العنف والكراهية أو رفض الآخر في إطار تنمية الشعور بالمسؤولية وحب الوطن هي مسائل أساسية لم تكن في صدر الأحداث أو حتى قبلها بمدة زمنية، فالأحداث تعقدت وخلقت تداعيات خطيرة تحتاج إلى جهد ومال ووقت لإعادة ترميم ما حدث. ومع أن ظروف الدول مختلفة إلا أن الواقع العربي يعكس أن أوجه الشبه لما حدث ويحدث الآن لا يوحي بوجود اختلاف تاريخي كبير لتلك العوامل التي جعلت الأمة العربية متخلفة ومتفرقة.. فالعرب لم يستفيدوا من التاريخ والدروس القاسية التي مرت عليهم، ويبدو أنهم لا يمانعون بالاستمرار في الواقع المزري الذي يزيد من مآسيهم وتخلفهم...

الرأي

 


Email Drucken Favoriten Twitter Facebook Myspace Stumbleupon Digg MR. Wong Technorati aol blogger google reddit Yahoo

Add comment


Security code
Refresh