Warning: include(/home/content/l/i/b/libyaforum/html/new/media/system/utf.php) [function.include]: failed to open stream: No such file or directory in /home/content/71/3922071/html/index.php on line 9

Warning: include() [function.include]: Failed opening '/home/content/l/i/b/libyaforum/html/new/media/system/utf.php' for inclusion (include_path='.:/usr/local/php5/lib/php') in /home/content/71/3922071/html/index.php on line 9

Warning: include(/home/content/l/i/b/libyaforum/html/modules/mod_breadcrumbs/tmpl/javascript.php) [function.include]: failed to open stream: No such file or directory in /home/content/71/3922071/html/index.php on line 12

Warning: include() [function.include]: Failed opening '/home/content/l/i/b/libyaforum/html/modules/mod_breadcrumbs/tmpl/javascript.php' for inclusion (include_path='.:/usr/local/php5/lib/php') in /home/content/71/3922071/html/index.php on line 12
LibyaForum.org البترودولار بين الدين والسياسة

البترودولار بين الدين والسياسة 

د. أحمد يوسف


بعد أحداث الحادي عشر من ايلول 2001م، أصيبت الولايات المتحدة بحالة من الذهول، ودفعت الصدمة الشعب الأمريكي للسؤال: لماذا يكرهوننا؟!!

بالطبع كانت صورة العربي في الذهنية الغربية لا تخرج عما كان يرد في أفلام السينما الأمريكية، وهي صورة مشوهة لا تخرج عن توصيف العربي بين رجل ثري مولع بالنساء أو شخصية متخلفة. ثم تطورت الصورة ليضاف إليها مشهد التطرف والإرهاب، والذي تناولها البروفيسور جاك شاهين؛ الأمريكي من أصول لبنانية، في كتابه "العرب الأشرار في السينما.. كيف تشوه هوليود أمة" (Reel Bad Arabs)؛ والتي ملخصها: "أن تكون عربياً يعني أن تكون مسلماً، ويعني أن تكون إرهابياً.. تلك هي الصورة السائدة عن الإسلام".

بعد تلك الأحداث المأساوية في ايلول 2001م، صارت صورة العربي - فجأة - أنه قاتل و"إرهابي"، وبدأ تداول ذلك التوصيف في وسائل الإعلام الغربية يجري على كل لسان.. أما الدول العربية والإسلامية، فقد حظى بعضها بالكثير من التغطيات الصحفية، وأخذت حيزاً واسعاً على فضاءات التلفزة الأمريكية، بالطبع كانت المملكة العربية السعودية من أكثر الدول التي تم ربطها – ظلماً - بالإرهاب، وتمَّ ادراج أسماء مئات الشخصيات والمؤسسات الإسلامية بالمملكة؛ باعتبارها داعمة للإرهاب أو مسئولة عنه.

الخريطة الجديدة للمشهد الإسلامي:

في عام 2002م، طلب مني الروائي الأمريكي المشهور (توم كلانسي-Tom Clancy) أن أكتب له عدة أبحاث تخص ظاهرة الإرهاب الإسلامي، حيث سيشرع في كتابة رواية جديدة تتناول هذه الظاهرة الشرق أوسطية، والتي أضحت الشغل الشاغل لوسائل الإعلام الأمريكية، وحظيت بمتابعة على كل المستويات الرسمية والشعبية، ليس في أمريكا وحدها ولكن في العالم الغربي برمته.

لقد ترددت في البداية، وخشيت أن تكون هذه محاولة لاستدراجي - كإسلامي -والإيقاع بي من قبل أجهزة الأمن الأمريكية، وبعد التشاور مع العديد من الأصدقاء – العرب والأمريكان - وجدت أنها فرصة لتوضيح الحقيقة فيما يتعلق بظواهر العنف المسلح العابر للقارات، حيث درج الغرب على اتهام المسلمين، وتصوير كل ما يحدث من عمليات استهداف للمصالح الغربية بأنه "إرهاب إسلامي".!!

كان من بين البحوث الثلاثة التي كتبتها وتم نشرها فيما بعد في صحيفة القدس العربي على حلقتين، موضوع "البترودولار في السياسة الخارجية للسعودية: قصة الأفغان العرب"، حيث تناولت - باستفاضة - كيف خططت أمريكا مع حلفائها بالمنطقة لامتصاص طاقة الإسلاميين، وتحويل مطالبهم في التغيير والإصلاح إلى نفير عام لشدِّ الرحال باتجاه أفغانستان. كانت السعودية ومصر السادات هما أداة الحشد والتعبئة، وكان "بترودولار المملكة" هو القاطرة التي ساقت عشرات الألاف من الإسلاميين للذهاب للقتال في تلك البلاد الجبلية البعيدة.. كانت أمريكا تبحث عن معركة لتصفية حسابها القديم والمتجدد مع الاتحاد السوفيتي، وبخاصة ما يتعلق بهزيمتها وانسحابها المذل من فيتنام في عام 1975م، فكانت أرض المعركة هي أفغانستان. وبعد أن تحقق هدفها في هزيمة السوفييت، خذلت أمريكا المجاهدين العرب في أفغانستان بالتخلي عنهم، وتركتهم في العراء تنهشهم ضواري الأجهزة الأمنية التي تحمي ثكنات وقصور الأنظمة الدكتاتورية الحاكمة بالمنطقة العربية. إلا أن من نجا من هؤلاء الإسلاميين و"المحاربين الأشداء" صار لبنة في بنيان تنظيم "القاعدة"، وكان أول أهدافه هو الانتقام من أمريكا وتمريغ أنفها في التراب. هذه هي قصة "الأفغان العرب"، وما تمخض عنها من مجموعات الموت المعروفة – اليوم – باسم "القاعدة". وعليه، يمكن الجزم بأن ما حدث في نيويورك في 11 ايلول 2001م من أعمالٍ إرهابية لم يكن إسلاماً، وإن كان المتهمون مسلمين، ولكنه كان – حقيقة - طلباً للثأر ورغبة في الانتقام.

لقد تناول توم كلانسي في رواياته التي كتبها بعد تلك الحادثة المأسوية شيئاً مما أصطلح على تسميته في الأدب الغربي بـ"الإرهاب الإسلامي"، وقد انعكس ذلك على ما أصدره بعد ذلك من روايات، مثل: أسنان النمر (the Teeth of the Tiger)، وحياً أو ميتاً (Dead or Alive)، وضد كل الأعداء (Against All Enemies).

لقد استغلت إسرائيل هذه الأحداث المأساوية التي وقعت في الولايات المتحدة الأمريكية عام 2001م للقيام بحملات لتشويه صورة الإسلام والمسلمين، والتحريض على الحركات الإسلامية، مثل: حماس والجهاد الإسلامي، وقد تصدر تلك الحملات الإعلامية رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو، وكتب أكثر من كتاب استهدف فيه الإسلاميين، ودمغهم بصبغة الأصولية الإسلامية (Islamic Fundamentalism)، مطالباً العالم الغربي بالوقوف إلى جانب إسرائيل في معركة التصدي للظاهرة الإسلامية.!!

السعودية في مرمى النيران:

ارتكازاً على ما سبق من سياق تاريخي وتوظيفاً للأدوات، يُجمع الغرب – لا سيما الوسط الشعبي - بأن المال الخليجي (البترودولار) هو المحرك والداعم لكل ما يحدث من أعمال إرهابية في العالم، حيث إن جوهر الفكر الذي تقدمه المعاهد والجامعات الإسلامية في المملكة هو – من وجهة نظر هؤلاء الغربيين– المسئول الأول عن تغذية نزعة التشدد والتطرف والغلو في الدين، وبالطبع فهذا ينعكس على مواقف وسلوكيات كل الذين تخرجوا من هناك.

لقد فتحت المملكة العربية السعودية معاهدها وجامعاتها لاستقبال أبناء العالم العربي والإسلامي للدراسة فيها عبر تقديم منح مجانية للطلاب، الذين وفدوا إليها من كل فجٍّ عميق، باعتبارها "أم القرى"؛ أي الحاضنة الأساس لهذا الدين، والتي تشدُّ ملايين المسلمين الرحال إلى مساجدها (الحرمين الشريفين بمكة والمدينة) كلَّ عام تقرباً إلى الله.

إن أي باحث في التأريخ لن يجد صعوبة في تحليل الكثير من ظواهر التطرف الديني في العالم العربي، وإرجاع بعضاً منها إلى طبيعة ومنهجية التعليم الذي تلقاه الكثير ممن تخرجوا من تلك المعاهد والجامعات بالمملكة العربية السعودية، وهذه حقيقة ربما لا يختلف عليها الكثير من المحللين لظاهرة "التشدد والغلو" السائدة في عالمنا العربي وخاصة بين الدول المشرقية منه.

ظاهرة "المجاهدين العرب": أفغانستان بداية المشوار

في كانون اول 1979م غزا السوفييت أفغانستان، الأمر الذي اعتبره الكثير من العلماء والدعاة عدواناً على بلد إسلامي، وعليه يصبح الجهاد برأي الأئمة ابن تيمية القرطبي وآخرين - "فرض عين" على كل مسلم ومسلمة في باقي بلاد المسلمين.

في تلك الفترة من الزمن؛ أي في أواخر السبعينيات، كانت الثورة الإسلامية في إيران قد حققت أهدافها بتخليص البلاد من حكم الطاغية؛ الشاه رضا بهلوي، وأصبح الإمام الخميني مؤسساً للجمهورية الإسلامية، وغدت الشعارات التي انطلقت من إيران حول تصدير الثورة "فزَّاعة" لأنظمة الحكم الخليجية بما فيها السعودية.

كانت المنطقة العربية في أواخر السبعينيات ومطالع الثمانينيات تشهد صحوة إسلامية عارمة؛ وكانت الأرضية مهيأة للمزيد من الحراك الشعبي للثورة على الأنظمة الدكتاتورية بالمنطقة، وهذا ما أثار مخاوف تلك الأنظمة، وبث الرعب في أوصال حكامها.

جاء الغزو السوفيتي لأفغانستان "طوق نجاة" للكثير من الأنظمة الجمهورية والملكية بالمنطقة، والتي توافقت مصالحها مع ما كان يخطط له الأمريكان من ضرورة وقف المد الشيوعي، واستنزاف طاقات الجيش الأحمر في معارك مع المقاتلين العرب والأفغان.

ومن الجدير ذكره، أن أمريكا لعبت دوراً محورياً في إقناع الزعماء العرب – آنذاك - بضرورة الدخول على خط الصراع في أفغانستان، ليس فقط من خلال تقديم الدعم العسكري بل أيضاً بتسهيل مهمة وصول الإمدادات البشرية إلى هناك، حتى يأخذ الجهاد في وجه الشيوعية طابعاً عالمياً، تستنفر فيه كل طاقات الأمة العربية والإسلامية، وخاصة تياراتها الدينية؛ الممثلة بالإخوان المسلمين والسلفيين.

وإذا تتبعنا أوضاع تلك البلاد وخاصة السعودية ومصر والأردن وباكستان، فإننا سنجد أنها كانت تعيش حالة من الصحوة الإسلامية العارمة، والتي ربما كانت تشكل بتفاعلاتها مع ما جرى في إيران من ثورة تهديدات لمستقبل تلك الأنظمة ومصير عروشها المتأرجحة.

لقد نجح مخطط استدراج الإسلاميين للقتال بعيداً عن حواضر بلدانهم، واستنزاف طاقاتهم في معارك جانبية، وبالتالي التخلص من أي تهديدات لأنظمة الحكم التي تدور في فلك السياسة الأمريكية بالمنطقة.

وإذا ما حاولنا تناول ظاهرة "الأفغان العرب"، والعودة بها إلى جذورها الحديثة، فسنبدأ المشوار من أفغانستان، حيث تحرك جيش جرار من علماء المملكة العربية السعودية في مطلع الثمانينيات بحشد نشطاء الأمة ودعاتها وشبابها الإسلامي للقتال في أفغانستان ضد الغزاة السوفييت.

وخلال عقد كامل من الزمان، كانت المملكة هي التي تقوم بتغطية التكاليف المالية لقوافل الدعاة والمجاهدين من العرب والعجم في أفغانستان، وكان الأمير تركي الفيصل؛ رئيس الاستخبارات السعودية آنذاك، هو المسئول الأول عن تمويل مشروع "الجهاد في أفغانستان"، من خلال العمل مع مجموعة من الأجهزة الأمنية الغربية والعربية تحت ما يسمى بـ"نادي السفاري"، مهمتها العمل بسرية لتنسيق حركة المال والسلاح اللازم لمعركة تطويق الشيوعية وهزيمتها في أفغانستان.

لقد أنفقت المملكة العربية السعودية مليارات الدولارات في أفغانستان، حيث كان هذا المشروع بالنسبة إليها هو المدخل للشهرة العالمية، والطريق لقيادة العالم الإسلامي من ناحية، وتوطيد العلاقة مع الغرب وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية، والدخول إلى جانبها كحليف قوي في المواجهة المستعرة لكسب معركة الحرب الباردة مع الاتحاد السوفيتي والشيوعية من ناحية أخرى.

كانت العلاقة بين السعودية وحركة الإخوان المسلمين – آنذاك - في عهدها الذهبي، لذلك اجتمعت إرادة الطرفين على خوض المعركة للدفاع عن مصالح الأمة وحماية أراضيها، وقد عمل كل طرف على تحريك كل ما لديه من كوادر بشرية، وطاقات مالية، وإمكانيات لوجستية لوقف المد الشيوعي، وقطع الطريق أمام دخوله المنطقة، وحرمانه من الوصول إلى شطآن المياه الدافئة في الخليج.

لقد قدَّم الإخوان المسلمون ألاف الشهداء من خيرة الدعاة والكوادر الحركية، حيث تجمَّع على أرض أفغانستان أكثر من 45 ألف شاب عربي جاءوا لخدمة الجهاد في أفغانستان، كان منهم مع عمل في ساحات القتال، ومنهم من تطوع للعمل الإغاثي والتعليمي والصحي، ومنهم من تفرغ لإدارة الشأن الإعلامي، ....الخ.

لقد قدّم الإخوان خيرة شبابهم على مدار عقد كامل (1980 – 1990م)، ليخرج السوفييت يجرون أذيال الخزي والعار لهزيمتهم المنكرة في أفغانستان، والتي أعقبها انهيار إمبراطورتيهم بعد عام تقريباً. وبعد أن وضعت الحرب مع السوفييت أوزارها في أفغانستان بعد عقد من الزمان، كانت أمريكا التي أدارت المعركة من بعيد هي الكاسب الوحيد، لتنتهي بذلك قصة الحرب الباردة، والتي امتدت من منتصف الأربعينيات إلى مطلع التسعينيات، حيث بدأت أمريكا تتصدر بديمقراطيتها قيادة العالم، وتشرع في بسط هيمنتها السياسية عليه، وذلك بتدشين ما أسماه فوكوياما في كتابه بـ "نهاية التاريخ".

الأفغان العرب: من الانتصار إلى التطرف

وجد "الأفغان العرب" أنفسهم مكشوفين بعد رحيل السوفييت، وتخلي الغرب وخاصة أمريكا عنهم، حيث باشرت الأجهزة الأمنية في بلادهم التربص بهم، وايداعهم في السجون والمعتقلات.!! لقد كان حجم الصدمة على الكثيرين منهم كبيراً؛ حيث كانت توقعاتهم أنهم عائدون إلى بلادهم وقد جاءوا بالانتصار و"الفتح المبين" على الشيوعيين، وكانوا ينتظرون استقبالاً رسمياً وشعبياً لهم بالورود والرياحين..!!

كانت حالة الخيبة والاحباط كبيرة، وتأثيرها صاعقاً على كثير منهم، وهذا ما دفع البعض للعودة إلى أفغانستان أو الذهاب إلى البوسنة والشيشان، لاستكمال مشروع الجهاد في سبيل الله. من هنا؛ جاء تنظيم القاعدة، وجاء ابن لادن، وجاء العداء للغرب، وجاءت الكراهية وتعاظمت للأنظمة العربية، وجاءت نزعة الرغبة بالانتقام من أمريكا وحلفائها في كل مكان.

إن الكثير من هؤلاء الشباب المتعلمين – من الإخوان المسلمين والسلفيين - شعروا بأنهم قد غُرر بهم، وأن المملكة تتحمل جزءاً كبيراً مما حصل لهم، ولكن كون الكثير منهم كانوا كوادر إخوانية ملتزمة، وكان الإخوان من خلال شبكتهم العالمية يقيمون مع المملكة علاقة تحالف قوية، فقد عضّوا على جراحهم، واحتسبوا كل ما قدَّموه من تضحيات قربات عند الله.

جاء انتقام تنظيم القاعدة الذي كان يقوده أسامة بن لادن؛ السعودي الأصل، بتفجير مركز التجارة العالمي (WTC) بمثابة الزلزال المدمر، وشكل صفعة قوية في وجه الغطرسة الأمريكية، والتي أعتقد زعماؤها أن الأرض - بما رحبت - قد دانت لهم، وأن هيبتهم ستكون رادعة لكل من تُسوَّل له نفسه المساس بهم أو بمصالحهم حول العالم. بالطبع، لم تكن المملكة بمنأى عن توجيه اللوم لها وتحميلها مسئولية ما وقع من قبل الأجهزة الأمنية الأمريكية والغربية، خاصة بعض التعرف على حوالي 19 سعودياً من بين المتهمين بعمليات تفجير البرجين (WTC) ومبنى وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاجون).

منذ ذلك الحين، والمملكة العربية السعودية تُحَمَّلً – ظلماً - مسئولية كل ما يجري من عمليات "إرهابية" حول العالم، وذلك من خلال الربط بوجود علاقة عضوية أو مالية تثبت تورط أبنائها أو المنتمين فكرياً لتيارات السلفية الجهادية، التي تعود جذور مرجعياتها للمدرسة الوهابية، والمنتشرة بأشكال مختلفة في الساحتين العربية والإسلامية.

السعودية واتهامات الإخوان بالإرهاب.!!

في معظم الكتابات الغربية التي تناولت موضوع عمليات التفجير التي استهدفت ضرب مصالح أمريكية وأوروبية حول العالم، كانت أصابع الاتهام تشير – ولو بطرف خفي - إلى السعودية، وكان البعض يعتبرها – تجنيَّاً - من بين الدول الراعية للإرهاب.

وبالرغم من أن المملكة قد تحالفت مع الغرب في العمل على تطويق تمددات بعض التيارات الإسلامية، وشاركت بقوة في تبني سياسة "تجفيف الينابيع" لقطع الدعم عن الكثير منها، إلا أن جهودها لم تفلح؛ لأن البنية التحتية في المملكة – على رأي البعض – قد ارتكزت على أفكار تنظر للآخر على أنه كافر (Infidel)، وتعاطت مع فهم النص القرآني بمنطق ضيق وخاطئ، يوظف محدودية اللفظ دون الركون إلى عمومية المعني وخصوصية الظرف وقيمية الدعوة.

إن الكثير من مرجعيات الفكر الإسلامي في بلاد المشرق العربي هي في أغلبها تعود – بفقهها - إلى المدرسة الوهابية، التي تفتقر – بتفسيراتها - إلى الوسطية والاعتدال، على عكس ما هو قائم في بلاد المغرب العربي، حيث المرونة الفقهية، والانفتاح المذهبي، والابتعاد عن مسارات التشدد والغلو في الدين، والتي نشهدها في كتابات الشيخ الطاهر بن عاشور، والأمام عبد الحميد بن باديس، والدكتور أحمد الريسوني، والشيخ راشد الغنوشي، والدكتور سعد الدين العثماني، والشيخ بو جره سلطاني وآخرين.

في الحقيقة، إن جماعة الإخوان المسلمين – كما عرفتها بتجربتي - هي إطار جامع انصهرت في بوتقته خلاصة التجربتين؛ المشرقية والمغربية. ولذلك، تجد في الإخوان من قد ينحو أحياناً – في بيئة سياسية أو ثقافية معينة - إلى التشدد، ولكن ما يلبث أن ترده مواقف إخوانه الآخرين إلى مربع الوسطية والاعتدال. فالسلوك العام للإخوان المسلمين - من ناحية المبدأ - هو أقرب إلى المرونة والانفتاح. وفي دائرة السياسة والحكم، يميل الإخوان – بشكل عام - إلى العمل بمنطق الشراكة السياسية والتوافق الوطني، والقبول بالتعددية السياسية والتداول السلمي للسلطة، ولا يرفض الإخوان المسلمون الانفتاح على الغرب، والتعاطي معه في سياق الاحترام المتبادل (Mutual Respect) والمصالح المشركة (Common Interest).

ولعل مما يؤكد هذا التوصيف، أن معظم الباحثين والمحللين الغربين في شأن الإسلام السياسي يرون في الإخوان المسلمين تياراً إسلامياً معتدلاً (Mainstream Islam)، ومن السهولة والإمكان التعامل معه، وقد خطت الكثير من الدول الغربية باتجاه التواصل مع الإخوان ودعم مطالبهم في التغيير والإصلاح.

إن مما قد يحمله المستقبل أن تجد المملكة العربية السعودية – وغيرها من دول الخليج – نفسها أمام استحقاق "مدني" واسع بعد نجاحات الحراك الشعبي في المنطقة مع نهاية 2010م، وأن ما تحقق من واقع جديد في تونس وليبيا ومصر واليمن بالإضافة لما جرى ويجري في البحرين قد بات يهدد الوجه الثقافي والسياسي لسلطتها الحاكمة، فيما قطر – القوة الصاعدة في الخليج – قد احتضنت حلفاءها التقليدين من الإخوان في إطار تفاعلها ودعمها لحركة النهوض العربي.

وبناء على ما تقدم، يأتي تساؤل الكثيرين في الساحة الإسلامية: هل المخاوف والتوجسات والقلق من اتساع رقعة ما جرى ويجري بالمنطقة من حراك شعبي بمشاركة إسلامية قوية، هو الدافع وراء تعجيل السعودية ومعها دولة الإمارات العربية المتحدة بالعمل على احباط ما تحقق من كسب سياسي للإخوان المسلمين، وذلك بتسخير ماكينتها الإعلامية وأموال البترودولار، من خلال رجال المال والأعمال، لإجهاض كل فرص التمكين للإخوان والإسلاميين في حكم مصر وغيرها من دول الربيع العربي.؟!!

لقد تمكنت المملكة العربية السعودية من خلال تنسيقها مع الإمارات من إحالة حلم الربيع العربي إلى مراهنات، بعد أن أمهرت الدولتان قيام تحالف قوي مع مصر الجديدة، مقابل تضحية المملكة بحليفها التقليدي الذي تمثله جماعة الإخوان المسلمين، حيث وجدت المملكة أن هذا الحليف الإخواني - التاريخي - لم يعد يدور في فلك سياساتها أو يتناغم مع تطلعاتها في قيادة العالم العربي والإسلامي، بعدما أضحي أشد التصاقاً بخصمها القطري، وأكثر تعاوناً وارتباطاً مع تركيا أردوغان؛ المنافس الجديد لها على قيادة العالم الإسلامي.

لقد كانت الضربة التي وجهتها المملكة للإخوان باتهامهم بالإرهاب موجعة لكنهها ليست قاتلة، وسوف تجد السلطة الحاكمة في السعودية أنها طعنت حليفاً استراتيجياً كان - ومازال - يحفظ لها حالة "التوازن القلق" في المنطقة الخليجية؛ فالإخوان في السعودية والبحرين والإمارات والكويت واليمن هم من أقوى التيارات الحركية والشعبية في مواجهة من تعتبره الأسرة الحاكمة بالمملكة خطراً وجودياً عليها؛ أي إيران والأقليات الشيعية المنتشرة في معظم أرجاء الدول الخليجية.

إن المملكة العربية السعودية قد نجحت منذ تأسيسها على يد الملك عبد العزيز بن سعود في 23 سبتمبر 1932م من توظيف الدين والسياسة بشكل ذكي، حافظ على استمرار وجودها وبسط نفوذها بشكل مريح على معظم دول الجوار الخليجي، وقد تمكنت - كذلك - مع الطفرة النفطية في السبعينيات من توظيف إمكانياتها المالية الهائلة (البترودولار) لتوسيع دائرة تأثيرها عربياً وإسلامياً وتصدر صناعة السياسة بالمنطقة، ثم التمدد باتجاه الغرب وإنشاء تحالفات حافظت على وجودها عندما قام صدام حسين بغزو الكويت في أغسطس 1990م، وقبل ذلك من التهديدات الإيرانية إبان حكم الشاه أو بعد قيام جمهورية إيران الإسلامية، وما حملته من شعارات دينية بنبرة سياسية، مثل: اطروحة "تصدير الثورة" لدول الجوار العربي والإسلامي.

لقد خسرت المملكة باتهاماتها للإخوان بالإرهاب الكثير من مصداقيتها بين شعوب المنطقة العربية والإسلامية، ولا أعتقد أنها بمثل هذه الاتهامات سوف تكسب الكثير من رضى الدول الغربية.. وهناك في الساحة الإسلامية من يتساءل: إذا كانت المملكة بهذا الموقف قادرة على خداع البعض في أمريكا وأوروبا، فكيف لها أن تقنع علماء المملكة ودعاتها والكثير من أبنائها الذين نشأوا وترعرعوا على فكر الإخوان المسلمين؟

إن عقدي الستينيات والسبعينيات قد شهدا قدوم الألاف من قيادات الإخوان وكوادرها التنظيمية للعمل في السعودية ودول الخليج، كما أن مدارس المملكة وجامعاتها قد استوعبت أعداداً كبيرة من العلماء والأساتذة المنتمين لجماعة الإخوان المسلمين للتدريس فيها، إضافة إلى أن الكثير من علماء المملكة ودعاتها قد أقاموا علاقات إسلامية وطيدة مع شيوخ وقيادات هذه الجماعة على مدار أكثر من خمسة عقود، وذلك خلال المناشط والفعاليات والمؤتمرات التي كانت تعقد في أوروبا وأمريكا، وأيضاً في العديد من حواضر الدول العربية والإسلامية.

اليوم، يبدو أن معادلة الدين والسياسة في المملكة سوف تختل بعض معطياتها، وأن سؤال البترودولار سيتحول من سياسة لكسب الانصار وشراء المكانة والاستقرار، إلى سياسة صب الزيت على النار، وتكثير من يمكرون بالمملكة ما تعاقب الليل والنهار.

وبالرغم من إقرارنا بأن المملكة العربية السعودية قد قدَّمت الكثير للحركة الإسلامية التي تقودها جماعة الإخوان المسلمين على مستوى الدعم المالي والتسهيلات، إلا أن اتهامها للإخوان بـ"الإرهاب" سيبقى لغزاً محيراً لأولي الألباب.

القدس


Email Drucken Favoriten Twitter Facebook Myspace Stumbleupon Digg MR. Wong Technorati aol blogger google reddit Yahoo

Add comment


Security code
Refresh

قضايا الإقتصاد والمال والأعمال