إرهاب الصناعة السياسية

علي حسن الفواز


يبدو ان توصيف العمل السياسي العربي قد فقد الكثير من الاهلية، مثلما فقدت السياسة الكثير من شروطها المهنية والقيمية. اذ  لم تعد هذه السياسة جاذبة وآمنة ومغرية، وبات العمل السياسي في تعقيداتها باعثا على الضجر، وربما دافعا للتورط في الكثير من الأخطاء والكثير من الأوهام، وكذلك الكثير من المفاسد.. وصولا للتورط في مناطق العشوائيات والاقطاعيات، او مع أسرار مصالح المافيات الكبيرة، اوحتى مع صنّاع الانقلابات الكبيرة، والأخطر منه التورط مع صنّاع الحروب العقيمة مع اصحاب التنظيمات السرية، وأصحاب الأجندات الأصولية والمخابراتية..

قرات قبل مدة مقالا لطلال سلمان في جريدة السفير يتحدث عن العديد من مظاهر الهشاشة السياسية العربية، اذ يقول فيه (يكاد العمل السياسي أن يندثر في كامل المنطقة العربية مشرقاً ومغرباً، مخلياً الساحة أمام قطبين محددين: الجيش والتنظيمات الإسلامية، بالمتطرف منها والمعتدل والبين بين).

هذا التوصيف المرعب للاندثار السياسي يثير الكثير من الاسئلة حول الاشكالات والاغترابات العميقة لهوية الخطاب السياسي، وحول هوية السياسي ذاته- في ظل هذه المفارقات- مهنيا وحزبيا واخلاقيا. فهل بات الرهاب السياسي يعكس هشاشة الواقع الاجتماعي والثقافي؟ ام انه يعكس انهيارا لظاهرة الاحزاب السياسية التقليدية، ولصورة السياسي الأنيق والثوري والبرجوازي؟ وهل بات السياسي الجديد قناعا ملتبسا وغامضا للجنرال او اللص او التاجر او الفقيه والمتطرف والتكفيري، او صاحب الكشكول او العميل؟

هذه الاسئلة وغيرها تنحني في جوهرها على مجموعة من المتغيرات والمعطيات في آن معا، اذ يرتبط بعضها بالتشوه والخراب الحادث في مظاهر التاريخ السياسي العربي، اقصد تاريخ الأشخاص والعوائل والأحزاب، وفي مجرى التاريخ  الذي يخص الحمولات العميقة لمفاصل مهمة في التاريخ الوطني لهذه الاحزاب والشخصيات، مثلما له العلاقة الضاغطة بنموذج السياسي الجديد، القادم من البيئات العشوائية، او من الخنادق ذات الحساسيات الدينية بتطرفها واصولياتها، او من الأوساط التجارية او الثقافية، او من بقايا الحركات الانقلابية التي تركت اخطر التشوهات على سيرورة الظاهرة السياسية في العقل والأداء العربيين..

الخراب صناعة السياسي- مع سخونة العبارة- تعني انهيارا لوعي العمل السياسي بتقاليده وآلياته، وبما يعبر عنه كمنظومة اجتماعية وثقافية كانت ترتبط بتقاليد وافكار ومرجعيات تخص العمل التنظيمي والاداري للسياسة، والذي يرتبط بشكل او باخر بالعمل الايديولوجي والتنظيم الحزبي، والدخول في الاحزاب،  وحتى التعرّف على القيم الثقافية والفكرية في الايديولوجيا كان يمثل تعبيرا عن وعي متعال، وعن خيار صعب لايخلو من المخاطر التي قد تهدد الحياة.. ومعظم من كان يتعاطى السياسية بوصفها الحزبي او الثقافي لم يفكر بالمغانم، او حتى التخندق بنوع من الدوغما  التي تعني موت السياسة اصلا..

حديث الخراب السياسي وضعني أمام صورة مرعبة  للسياسي المضاد عن صورته النمطية، اذ بات النموذج السياسي الجديد مثيرا للضجر والسخرية، وكأنه عنوان لزمن سياسي مرتبك، ولصورة شوهاء عن انهيار الفكرة الوطنية والنضالية التي كان يحملها السياسي المهني، بنظرته  للآخر، وللقيم الوطنية التقدمية وايثاره وتسامي روحه، ولو راجعنا تاريخ الحراك السياسي العربي منذ اكثر من ثمانين عاما لوجدنا صورا متعددة للسياسي (المهني) و(الجنتلمان) هي الناجزة في الذاكرة، وهي الإرث الأخلاقي، الذي يجسده  بحضوره وثقافته وقدرته على والحوار والشراكة والتضحية، وفي ان يكون نزيها وشجاعا في مواجهة مواقف صعبة قد يخسر فيها الكثير، حدّ ان السجون  الطويلة العريضة كانت تضج باسماء مهمة لمثقفين لم يخجلوا يوميا من تاريخهم في العذاب السياسي، واحسب انهم كتبوا الكثير عن سيرتهم وعن مواقفهم..

صورة السياسي الاخلاقي ليست بالضرورة هي صورة الماركسي او الثوري الجيفاروي الاشتراكي او الليبرالي او العلماني، او حتى القومي الجاد بقناعته، بل يمكن ان يكون ايضا السياسي الذي ينتمي الى الاحزاب الارستقراطية، او حتى الأحزاب ذات المزاج البرجوازي!! اذ كثيرا ماتعرفنا على تاريخ  لشخصيات سياسية تعاملت مع السياسة بوصفها سلوكا وعملا مهنيا وتقدميا ووطنيا، ولم تتخل عن مسؤولياتها في مواجهة العديد من التحديات، والتعاطي مع ادراك استحقاق مايتطلبه العمل السياسي من جهود ومن مواقف، ومن النهوض ببرامج ومشاريع حقيقية، ومن التموضع في سياق عمل على مستوى الادارة، او على مستوى التعاطي مع العلاقات الدولية او على مستوى التنظيم الاقتصادي والخدماتي والاجتماعي والقانوني..

رهاب السياسة ام رهاب السياسيين..  

المشهد السياسي العربي اليوم مشهد مفزع، وغرائبي، فهو الوليد(الشرعي) لمرحلة التحرر الوطني كما وردت تسميتها في الادبيات السياسية، اذ روجت لنا هذه المرحلة ومنذ اكثر من ستين عاما  بنموذج السياسي الثوري والسياسي الايديولوجي والسياسي العسكري، وباتت صورة السياسي العائلي الملكي موسوما بالرجعية وبالخضوع لإرادات الاستعمار او الإقطاع او التجار او البطرياركيات والاورليغيشيات الحاكمة،  حدّ ان الصناعة السياسية تلبست بلوس هذه التوصيفات، والتي أقصت بعد عقد واحد كل التسميات السياسية المجاورة لينفرد السياسي العسكري، او السياسي المحصن بالآليات العسكرية، مقابل طرد السياسي الثوري والايديولوجي واسباغ تهمة الخيانة الوطنية عليهما..وحتى الدول الملكية والأميرية لم تستطع ان تصنع لنا اية صورة لظاهرة السياسي المهني، لانها دول بتوصيف المحميات، وبعيدة عن الحراك الاجتماعي والاقتصادي المتداول، وان وجودها ظل رهينا بين خيارين، امّا التعرض للانهيار وفقدان نموذج الدولة العصابية القرابية، او القبول بالخضوع للمهيمنات الكبرى التي تمثلها الرساميل الغربية عسكريا وامنيا واقتصاديا..

لكن العديد من الدول الاخرى ذات التنوع الديموغرافي والسياسي تحولت الى ضحايا  لصعود النموذج العصابي للسياسي العسكري الانقلابي المحصن بالمعسكر وبالايديولوجيا، مثل مصر وسوريا والعراق والجزائر والسودان وليبيا وتونس واليمن،  اذ اسهم هذا الصعود في مركزة السلطة، وفي تشويه نموذج السياسي المهني اولا، وكذلك تشويه التقاليد السياسية- على محدوديتها- وقطع الطريق على اي شكل من أشكال القبول بالتنوع والتعدد السياسي، وتداول الديمقراطية البسيطة او التداول السلمي للسلطة، يقابل ذلك صعود الجنرال بوصفه القائد الأوحد والثوري الأوحد، والفقيه الأوحد، والذي بات يعيد انتاج نموذجه ومهيمناته على مدى عشرات السنين..

السؤال : من المسؤول عن صعود هذا الرهاب السياسي،  هل هي التقاليد الهشة للعمل السياسي وعدم وجود التحصين المؤسساتي والثقافي والقانوني؟ وهل ان نموذج السياسي القديم، من سياسيي العوائل والاحزاب الارستقراطية والمدعومة من التجار والعسكر والاقطاع كان مسؤولا ايضا عن خواء انتاج قيم سياسية فاعلة ومؤثرة على الراي العام؟

احسب ان هذه الاسئلة تحتاج الى نوع من القراءة السسيولوجية لظاهرة السياسي بوصفه ظاهرة اجتماعية، وقراءة سسيولوجية للسياسة بوصفها ممارسة قاصرة ومشوهة وفي وسط متخلف يسوده الجهل والأمية، ورداءة الأحوال المعيشية والخدماتية..

ان صعود الجنرال في اللاوعي الجمعي هو تعديم لصورة الجماعة السياسية غير الفاعلة، مثلما هو مقابل تعويضي لصعود(المنقذ) وان مفهوم الثورة او الانقلاب العسكري تحول ايضا الى نزعة للتطهير، ولتغذية مشاعر الاشباع الرمزي عند الكثير من الجمهور، وهذا الصعود اقترن ببقاء صورة الجنرال على الحائط وفي الشارع وفي الوجدان الشعبي بوصفها ايقونة للبطل والحامي، فضلا عن كونه علامة لمصدر الخوف والرقابة والاستبداد والقهر، والذي اسهم  في إضعاف ثقافة المعارضة الجامعة والمؤسسة، مقابل صعود ثقافة التابعية والانتهازية..لان  السياسي الجنرال لايؤمن الاّ بالسلطة بوصفها امتلاكا فرديا للثروة والقوة والراي العام، وان اي معارضة او ممانعة لهذا الامتلاك يعني الخيانة والمروق والخروج عن المسار الوطني..

في ظل هذا التاريخ العصابي تشكلت ظاهرة(السياسي) وغابت عن الممارسة السياسية الشرعنة المؤسسية، والتقاليد، والوعي بالمعارضة الآمنة، او المقبولة، واذا حاولنا اعادة فحص هذا التاريخ في سياق التحولات الحادثة في العقل السياسي العربي، فاننا سنصطدم حتما برعب الاثر، ورعب المتحف، وبقايا الحرس القديم- اقصد حراس الايديولوجيا، وحراس النص، وحراس الثورة- المسلحين بالكثير من الدوغمات الضاغطة والقاسية، والذين سيمنعون من تداول اية صناعة مضادة، أواي وعي مضاد.. واحسب ان صعود التيارات الاصولية والتكفيرية كسدنة للهيمنة السياسية في العديد البلدان العربية، والذي يعدّ من اكثر العلامات تعبيرا عن محنة التاريخ والأثر، وعن هشاشة الصناعة السياسية، سيكون حتما باعثا على تكريس وفرض شروط قهرية ورهابية  للمعطى السياسي ولتداول مفاهيم تاريخية مثل الدولة والحرية والديمقراطية والمجتمع المدني، وبالتالي ستؤدي الى تكريس تقاليد مانعة وقامعة، لاتؤدي الا إعادة إنتاج عصابيات الحاكميات التاريخية، وتحجيم أية ممارسة للتعاطي مع قيم الحداثة والتنوير والإصلاح...

المدى


Email Drucken Favoriten Twitter Facebook Myspace Stumbleupon Digg MR. Wong Technorati aol blogger google reddit Yahoo

Add comment


Security code
Refresh