توجهات ماضوية: دواعي انتشار النزعة نحو "العودة للملكية" بالمنطقة العربية 

أحمد زكريا الباسوسي


يمثل ظهور اتجاهات عديدة تدعو إلى عودة النظم الملكية، إحدى أهم الظواهر التي بدأت تبرز في بعض الدول العربية، خاصة في ليبيا، وبشكل أقل نسبيًا في كل من العراق واليمن ومصر وتونس، وهو ما تعكسه مؤشرات عديدة مثل إطلاق دعوات رسمية من جانب بعض النخب السياسية للتحول من الجمهورية إلى الملكية، وظهور مقالات في بعض وسائل الإعلام تروج للتداعيات الإيجابية التي يمكن أن يفرضها ذلك، وانتشار صفحات التواصل الاجتماعي التي توضح "مميزات" العهود الملكية، وهو ما يعود إلى أسباب عديدة، مثل الإنجازات التي حققتها الملكيات الخليجية القائمة، وتعقد المراحل الانتقالية فيما بعد الثورات الشعبية، والإخفاقات المتوالية للنظم الجمهورية.

مؤشرات متعددة: 

تنوعت مؤشرات تصاعد التوجه نحو العودة إلى النظم الملكية، بين دعوات رسمية وأخرى شعبية وثالثة نخبوية. ففي ليبيا، دعا محمد عبد العزيز وزير الخارجية الليبي، فى 7 أبريل 2014، إلى العودة لنظام ملكي دستوري تلتف حوله الأمة الليبية، يتضمن مظلة سياسية لنظام يؤسس فيه برلمان من غرفتين (نواب وشيوخ)، وتشكل من خلاله حكومة تكنوقراط بقيادة رئيس وزراء فاعل.

ووفقًا لوجهة نظره، يعد هذا الاقتراح هو الحل الأمثل لخروج الدولة الليبية من دوامة العنف والفشل السياسي، باعتباره نظامًا سياسيًا يستطيع احتواء كافة الفرقاء سواء السياسيين أو الثوار، فضلا عن أنه سيؤسس لمعارضة حقيقية وقوية في ليبيا. وقد ساهمت بعض القرارات الحكومية أيضًا في ظهور هذا الاتجاه، ففي 4 مارس 2014، نشرت الحكومة الليبية مرسومًا يقضى بإعادة الجنسية الليبية للملك الراحل وعائلته، وإحصاء ممتلكاته التي كان قد صادرها نظام الرئيس السابق معمر القذافى.

وقد شهدت العراق هى الأخرى حالة مشابهة بعد سقوط نظام الرئيس الأسبق صدام حسين ودخول البلاد في دوامة عنف، إذ طالبت بعض النخب بعودة الملكية ومبايعة الشريف على بن الحسين كممثل وحيد للحكم في العراق، وهو ما تكرر في حالة اليمن، مع ظهور مطالب عديدة بعودة نظام الإمامة لأسرة حميد الدين التي حكمت فترة الستينيات قبل الثورة، وذلك فى الوقت الذي شهدت فيه الأوساط التونسية بعض الدعوات لعودة حكم العائلة الحسينية، التي أطاحت بها الثورة التونسية عام 1957 قبل وصول الرئيس الأسبق الحبيب بورقيبة إلى السلطة.

ويضاف إلى ذلك، أن هناك إشارات في عدد من وسائل الإعلام والمواقع الإلكترونية إلى وجود توجه لتأسيس أحزاب تدعو إلى عودة الملكية فى بعض الدول، فقد شهدت مصر، في عام 2012، تأسيس أول حزب ملكي يدعو إلى عودة أسرة محمد على للحكم، وذلك خلال مؤتمر بعنوان "الشرعية في الملكية"، حيث طالب بعض المشاركين بعودة دستور 1923 باعتباره الدستور الشرعي الوحيد، وقد ترأس الحزب محمود عبد القادر، الذي أشار إلى انضمام خمسة آلاف مصري، أغلبهم من فئة الشباب، لعضوية الحزب، دون شعور قطاع عريض من المصريين بوجوده في الأساس.

كما مثلت مواقع التواصل الاجتماعي هى الأخرى مؤشرًا على زيادة الميل نحو العودة للملكية، حيث انتشرت العديد من الصفحات على موقع "فيس بوك" تعدد مزايا العهود الملكية، لا سيما في مصر وليبيا، فقد تم إنشاء صفحة بعنوان "الصفحة الرسمية لموقع الملك فاروق الأول- فاروق مصر"، والتي وصل عدد المشتركين فيها إلى ما يزيد عن سبعمائة وخمسين ألف مشترك، وذلك فضلاً عن العديد من الحسابات التي تحمل اسم الملك فاروق على موقع "تويتر"، والتي يتسم أغلبها بزيادة أعداد المتابعين. كما تم تأسيس صفحة بعنوان "تجمع الأمير محمد الحسن الرضا السنوسي- تجمع سياسي حر مستقل" تدعو بالأساس إلى انتخاب ملك لليبيا، وهو ما يتزامن مع انتشار مقالات وتقارير صحفية تثير قضية عودة الملكية في العديد من الصحف والمواقع الإلكترونية العربية.

وقد ترافق مع ذلك عودة بعض أعضاء العائلات الملكية في بعض الدول، ففي ديسمبر 2011، عاد الأمير محمد الحسن الرضا السنوسي من منفاه بروما إلى ليبيا، حيث قام بأول زيارة إلى قصر العائلة المالكة الذي كان قد قضى فيه سنوات حياته الأولى قبل الرحيل عام 1969. وفي فبراير 2014، عاد إلى اليمن محمد بن عبد الله بن الحسين بن حميد الدين، وهى أول زيارة له منذ قيام ثورة سبتمبر 1962 التي أطاحت بحكم أسرة حميد الدين، حيث سعى للحصول على مقعد في مؤتمر الحوار الوطني، وإعادة الأموال الخاصة بالأسرة الحاكمة لليمن في منتصف القرن الماضي.

أسباب متباينة: 

تتلخص أبرز أسباب تصاعد دعوات عودة النظم الملكية في بعض الدول العربية، فيما يلي:

1ـ الإخفاقات المتتالية للجمهوريات العربية، التي لم تستطع تنفيذ الشعارات التي رفعتها، خاصة في مجالات الديمقراطية وحقوق الإنسان والتنمية، وهو ما دفع اتجاهات عديدة للمطالبة بتأسيس ملكيات دستورية، كأداة لإقامة نموذج ديمقراطي حقيقي.

2ـ تعقد المراحل الانتقالية في دول الثورات، التي أسفرت عن أوضاع أمنية بالغة التعقيد، انعكست في زيادة معدلات الاتجاه نحو الانقسام خاصة في كل من ليبيا واليمن. ففي ليبيا، جاء الحفاظ على وحدة البلاد السند الرئيسي لطرح محمد عبد العزيز وزير الخارجية لفكرة عودة الملكية، لكون الأخيرة قد ساهمت في الحفاظ على وحدة البلاد التي باتت في خطر بعد انتشار النزعات الانفصالية خاصة في المناطق الشرقية. كما تكررت تلك الدعوات في اليمن، بعد الانتصارات العسكرية التي حققتها جماعة "الحوثيين"، وذلك في محاولة لاستعادة قدر من الاستقرار والوحدة داخل الدولة.

3ـ إنجازات النظم الملكية، إذ يبدو أن الأوضاع الاقتصادية المتقدمة للملكيات العربية دفعت بعض الاتجاهات إلى الدعوة لعودة الملكية، خاصة أنها أثبتت، في رؤيتها، قدرتها على توفير مناخ اقتصادي وتنموي واجتماعي أفضل.

4ـ تصاعد حدة الصراع السياسي، وهو ما كشفت عنه التفاعلات الداخلية في بعض الدول مثل تونس والعراق. فقد كاد الصراع السياسي أن يدخل تونس في دوامة عنف على خلفية اغتيال بعض أقطاب المعارضة مثل شكري بلعيد ومحمد البراهمى. أما في العراق، فقد دخل الصراع السياسي منعطفًا خطيرًا، حيث تحول إلى عمليات قتل واستهداف يومي بين الشيعة الذي يسيطرون على كافة المفاصل التنفيذية في الدولة والسنة الذين تم تهميشهم إلى حد بعيد بسبب السياسات التي تبناها رئيس الوزراء نوري المالكي، وهو ما دفع بعض التيارات السياسية، خاصة الليبرالية، إلى الدعوة لعودة النظم الملكية في البلاد.

رؤية تقييمية:

يبدو أن تصاعد الدعوات لعودة النظم الملكية في بعض الدول العربية يرتبط بوجود حزمة كبيرة من المشكلات والأزمات التي أصبحت تعانى منها مختلف النظم الجمهورية العربية. وهنا، فإن المشكلة لا تكمن في كون النظام ملكيًا أو جمهوريًا، بقدر ما تكمن في محدودية الموارد المتاحة وكيفية إدارتها، وهو ما يبدو جليًا في وجود نظامين ملكيين- المملكة الأردنية الهاشمية والمملكة المغربية- يواجهان نفس المشكلات التي تعانى منها النظم الجمهورية، وهو ما يفرض على دول المنطقة اتخاذ حزمة من الإجراءات ذات الطبيعة الإصلاحية، مثل إعادة النظر في سبل إدارة الموارد الاقتصادية، والعمل على حل الأزمات البنيوية والهيكلية التي ساهمت في تصاعد حدة الانقسام السياسي والمجتمعي داخل هذه الدول

المركز الاقليمي للدراسات الاستراتيجية

عدن الغد


Email Drucken Favoriten Twitter Facebook Myspace Stumbleupon Digg MR. Wong Technorati aol blogger google reddit Yahoo

Add comment


Security code
Refresh