الديمقراطيات! 

د. حنا الحاج


نشأنا وتربينا وحشونا رؤوس طلابنا بمثاليات، رأيناها تشع من الديمقراطيات الاوروبية والغربية، وصقلنا عقولهم بثقافة التمثل بها والاقتداء بتعاليمها. "أبراهام لينكولن"، بهرتنا ديمقراطيتك، التي لا تزال تسكن وجداننا الوطني والقومي وتأسر ضمائرنا. توارثنا كل هذا وغيره الكثير، وتناقلته أجيالنا، وكأنه  المقدس في جوهره أو يكاد. ونحن، لا نسعى الى التعميم، فلا التعميم مقبول ولا المطلق موجود في المجتمعات البشرية.

مستر "أبراهام" نحن اليوم، نبحث عن ديمقراطيتك فلا نجدها، وقد لا نجدها! فأين نجد هذا المثال، الذي قدس حق الشعوب في الحرية والكرامة؟!

قلت في ديمقراطيتك ما لم يقله سواك، فهي عندك، "حكم الشعب، بواسطة الشعب، ولاجل الشعب"، نظريتك هذه اختصرت، قيمة الانسان، وكرامة الشعب، وجوهر المواطنة. معك نقرأ فنفرح، ومع أحفادك، تبكينا الممارسات، وتدمينا الديمقراطيات التي يستولدونها غب الطلب.

مستر " أبراهام"، أحفادك وأبناء العم سام، لم يتعلموا منك شيئاً، ولم يستحقوا أرثك؛ لان الشعوب في نظرهم أرقام أو تعداد رؤوس، أوموارد طبيعية وثروات مختزنة في أعماق البحار وفي بواطن الارض، أو هي مواقع تكتسب قيمتها من أهميتها وتمايزها في الاستراتيجيا والجيو- البوليتيك.

الديمقراطية عندهم حجاب يستر عوراتهم؛ أي ديمقراطية هي هذه التي تخولهم، حق استباحة الحقوق وقيم الانسان؟ أي ديمقراطية هي هذه التي تجيز لهم تجاوز كل الخطوط الحمراء، أو تمنحهم حق توزيع شهادات حسن السلوك، وبراءات الذمم، على هذه الدولة أو تلك؟  ثم من أعطاهم حق الوصاية والتأديب، وتصنيف هذه الدولة أو تلك في منظومة الارهاب، أو خارجها؟ فالارهاب عندهم أصبح وجهة نظر، فمن لا يخدم مصالحهم ومخططاتهم فهو ارهابي بامتياز، حتى ولو كان قديساً، والعكس صحيح. أما الشواهد فلم تعد خافية على أحد، وقد لا تتسع لها مجلدات؛ ويكفي أن نستعيد ما ارتكبته أيديهم، من فظائع وفنون رعب في افريقيا، و ليبيا، والعراق وسوريا ومصر ولبنان، وغيرها الكثير، من أجل  حلمهم بشرق صهيوني كبير، أو بعالم شيطاني أكبر...

من مآثر ديمقراطياتهم التكفيرية، نذكر بما تناقلته وسائل الاعلام، عن منع  السوريين المغتربين أو اللاجئين الى هذه الدول، من ممارسة حقهم الديمقراطي في  الاقتراع؛ غريب أمر هؤلاء، من جهة يبشرون بالديمقراطية ويحشدون أساطيلهم وأدوات دمارهم الشامل، دفاعاً عنها، في وجه أنظمة صنفت، تبعاً لمعاييرهم، ديكتاتوريات أو توتاليتاريات، ومن جهة أخرى، يحرمون على الشعوب حقوقهم في ممارسة الديمقراطية.

حيال "هستيريا " هذه الدول التي سميت عظمى! والتي تجلت عقب اعلان نتائج الانتخابات الرئاسية في سوريا، لا يمكننا الا أن نعاين حالات مرضية، أوانفصاماً في سياسات هذه الدول.

فهذا مستر "أوباما"، وذاك مستر "هيغ"، ومن يلحق بهما من أوروبيين وعرب، وزعماء أنجبتهم الصدفة هنا وهناك، يضعون نظريات جديدة في الديمقراطية. فانتخاب "السيسي" في مصر يعكس ارادة الشعب ووجدان الجماعة الديمقراطي، أما انتخاب "الاسد" في سوريا، يبقى فاقد الشرعية، قبل الانتخاب وبعده، حتى ولو أنتخب باجماع كل السوريين، يبقى فاقد الشرعية، لانه لم يمنح صك البراءة والازعان، وها هو الاتحاد الاوروبي، يرفض بالامس وبالمطلق مجمل العملية الانتخابية التي جرت في سوريا. ألا تجدون معي أنها حالة انحراف سياسي؟

ونحن هنا، لسنا بوارد الدفاع عن بشار الاسد، أوعن غيره، وكل ما نهدف اليه هو قراءة حالة في الشذوذ السياسي، تثبت أن الديمقراطيات التي يتغنى بها "كبار" هذا العالم، ليست سوى أقنعة تخفي وراءها أوجه شوهتها المطامع وافسدتها الاحقاد والانانيات.

واذا كانت هذه هي صورة الديمقراطيات الضاربة في عراقتها، فما بال الديمقراطيات المتعثرة أو التي لم تولد بعد، أو التي ولدت ميتة، كما هي الحال على أرض العرب؟ فانظروا مثلاً الى جامعة الدول العربية التي استنفرت فوراً - وحسناً فعلت- لدعم حكومة العراق في مواجهة داعش، التي سيطرت اليوم، على كامل الموصل؛ هذه الجامعة اياها دعمت وبكل الوسائل، قوى التكفير في سوريا، وعلى رأسها داعش وأخواتها، بغية اسقاط النظام وضرب مقومات الدولة؟!

واذا كانت هذه هي ديمقراطياتكم، فبئس الديمقراطيات، ونعم الديكتاتوريات ومرحا بها، لانها ستريح البشرية من مفاسد ديمقراطياتكم المخادعة، ومن عبء شعارات ممجوجة، باسم حريات لم تولد بعد، وباسم حقوق انسان، ستبقى مادة تبعية، واستعباداً لشعوب صنفت دونية لانها لم تزعن لمشيئة هؤلاء "الكبار"؛  فهؤلاء لا يفقهون سوى لغة القهر والسحل والاجرام،حماية لمصالحهم ومواقعهم على خريطة هذا العالم، فمعاييرهم حفنة من الدولارات، وبعض من نفط أوغاز، بها يصنفون دول العالم وشعوبها على أساس الخضوع والتبعية. يحركون أساطيلهم ومرتزقتهم، يذبحون ويحللون وفق أهوائهم، ودائماً باسم ديمقراطيات مسخت على صورتهم ومثالهم، ديمقراطيات لم تعد تقنع أحداً...

(*) باحث في علم الاجتماع السياسي وعلم اجتماع النزاعات

تيار


Email Drucken Favoriten Twitter Facebook Myspace Stumbleupon Digg MR. Wong Technorati aol blogger google reddit Yahoo

Add comment


Security code
Refresh