ندوة: الثورة، الثورة المضادّة والعدالة الانتقالية 

مداد


نظم مركز دراسة الإسلام و الديمقراطية يوم الثلاثاء 3 جوان 2014 ندوة حول "الثورة و الثورة المضادة و العدالة الانتقالية" و ذلك بمقر المركز مداد بمونبليزير. تميزت هذه الندوة بالحضور الغفير و بأهمية المواضيع التي تم مناقشتها و كان القاسم المشترك بين المتداخلين هو تاريخهم النضالي الذي جمع كل من السيد جيلبار نقاش الذي كان على رأسهم، السيدة سهام بن سدرين، السيد طاهر شقروش و السيد عامر العريض.

كانت الكلمة الترحيبية للسيد نبيل اللباسي الذي قال أن العدالة الانتقالية يجب تقوم على مجموعة من الركائز: المحاسبة، تقصي الحقائق، جبر الضرر كشكل من التعويض من الدولة، إصلاح المؤسسات و المصالحة. كما قال أن الثورة المضادة تسعى إلى إفشال العدالة الإنتقالية كما تهدف إلى إفراغها من المحتوى ألا وهو كشف الحقيقة.

كانت المداخلة الأولى للمفكر السياسي و الكاتب التونسي الكبير جيلبار نقاش و التي كانت مهمة و شيقة. قال السيد جيلبار أنه سيأخذ على عاتقه التحدث في هذا الموضوع الذي يعتبره مهما ليس لتونس فقط بل لكل الإنسانية. قال السيد جيلبار أن تونس حلمت ب"ثورة شقراء بأعين زرقاء لكن في المقابل حصلت على ثورة سمراء بأعين سوداء". تحدث السيد جيلبار عن خصوصيات الثورة التونسية قائلا أنها جاءت لتحل بدل نظام تراجع قليلا ليظهر مرة أخرى في ثوب جديد.   هذا النظام الذي جعل من تونس تعيش تحت ظل الديون و نهب مواردها الطبيعية و لم يكتف بهذا بل "نهش الشعب حتى العظام". لذلك قرر الشعب الوقوف في وجهه من خلال الثورة رافضا هذه الانتهاكات و مناديا بالحرية و الكرامة. كما قال أن الثورة المضادة لا تقبل أن تكون مرفوضة لذلك كان يجب على الثورة القضاء على عناصرها و أن تجد وسائل للقضاء على عناصر الثورة المضادة من جهاز الدولة أولا ثم من الاقتصاد و من البلاد. قال السيد جيلبار أن الوسيلة الأنسب هي العدالة الانتقالية التي تم اعتمادها في العديد من البلدان و التي يمكن لها إعادة تأهيل ضحايا الديكتاتورية. وجود الثورة المضادة في جهاز الدولة أدى إلى تبرئة كل المذنبين.  كما قال أن المهمة الرئيسية للثورة هي الدفاع عن الدستور. و حسب رأيه، يقول أن الحكومات السابقة في هذه الفترة الانتقالية، اعتمدت سياسات خاطئة. إذ يقول أنه عوضا عن البحث عن المشاكل لإيجاد الحلول، أخذوا على عاتقهم جهاز الدولة كما هو ووجدوا أنفسهم عالقين في الخلافات الثانوية مثل الخلافات الإيديولوجية أو خلافات حول السلطة و بذلك فاتتهم المرحلة الأولى من الثورةو في نفس السياق قال أنه لم يجرؤ أحد بعد الرئيس بورڨيبة على بناء دولة من الصفرإذ أن هذه الحكومات تعاملت مع الجهاز نفسه الذي هو جهاز القمع.كما يقول أن أزلام النظام السابق مختفون وراء عملاء الثورة المضادة وهي الشرطة. تساءل السيد جيلبار أيضا عما إذا كانت عودة النظام السابق ممكنة نافيا عودتها و ذلك بفضل عزم الشباب الذين رغم اعتداء الشرطة عليهم مازالوا متحمسين لهذه الثورة التي لم تتراجع رغم أن الثورة المضادة اخترعت العديد من الأشياء للهروب من الحكم. هذا الشباب هو أفضل ضمان لنجاح الثورة   و نجاح العدالة الانتقالية.   كما قال السيد جيلبار أن الشعب لن يتخلى عن حقه في القرار باسم خطر الإرهاب.

كانت المداخلة التالية للسيدة سهام بن سدرين، رئيسة مركز تونس للعدالة الانتقالية التي قالت أن هذه الآلية تهم المرحلة الانتقالية وهي مسار قضائي لكن ليس لها علاقة بالقضاء. كما قالت أنها تهدف للخروج من منظومة استبدادية فكت التجانس الاجتماعي، ضربت الاقتصاد و استحوذت على أموال هذا المجتمع و موارده لإرضاء مجموعة ضيقة من الناهبين على حساب المجتمع و شبابه و تهدف إلى تفكيك هذه المنظومة إذ أن هناك من يريد استرجاعها قائلا أنها ناجعة.و كما قالت السيدة سهام أن العدالة الانتقالية هي مقاربة لمعالجة ما تركه الماضي و الانتهاكات الجسيمة التي عاشها المجتمع و في نفس السياق قالت أن الضرر الذي لحق البلاد متعدد الجوانب و سيتم معالجته من خلال 3 جوانب أساسية أقترحها المجتمع:

ـ الحق في الحقيقة: من حقنا معرفة ماذا و كيف و من الذي قام بهذه الانتهاكات لأنه إذا لم تُعرف الحقيقة فإنه لا يمكن لنا القيام بسياسة وقائية لأجل ضمان عيش الأجيال القادمة.

ـ العدل و الإنصاف: ستعالج هذه الآلية جرح كبير من آثار المظالم لأن هذه الجروح مازالت مفتوحة و مؤلمة و الهدف من هذه العملية هو معالجتها في وقت قصير.

ـ جبر الضرر: مثل قطع الأرزاق، هذه المرحلة ستأخذ وقت، يجب القيام بالمحاسبة و هي مهمة ستأخذها هيأة الحقيقة و الكرامة عل عاتقها. و كما اعتبرت السيدة سهام أن هذه الهيأة هي مكسب و سوف تسترجع الأمل عند المجتمع الذي ينتظر الكثير.

كانت المداخلة التالية للسيد الطاهر شڨروش، باحث في علم الاجتماع و نائب رئيس الرابطة التونسية لقدماء مساجين الرأي الذي قال أن العدالة الانتقالية هي بؤرة التي تتركز فيها الصراعات بين الثورة و الثورة المضادة و كما ذكر الحاضرين أن قضية التعويض لما طُرحت تم تحويلها إلى مهزلة. تحدث أيضا عن وثيقة المبادئ الأساسية و المبادئ التوجيهية بشأن الحق في الانتصاف و الجبر لضحايا الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي لحقوق الإنسان و الانتهاكات الخطيرة للقانون الإنساني الدولي التي تنص على حق جبر الضرر لضحايا الانتهاكات و تشير إلى أن القانون الدولي ينص على الالتزام بمقاضاة مرتكبي الجرائم وفقا للالتزامات الدولية للدول و متطلبات القانون الوطني أو كما هو منصوص عليه في النظم الأساسية التي تطبقها الهيئات القضائية الدولية.  و كما تحدث السيد طاهر عن القانون الإنساني الدولي الذي قال أنه يتضمن فرعين و هما:

ـ القانون الإنساني الدولي

ـ القانون المتعلق بحقوق الإنسان

وقال أنه لا يمكن لأي فرد أن يتصرف خارج هذه المنظومة التي تتضمن المحاور التالية: حق المعرفة، حق الذاكرة المتعلقة بالانتهاكات، حق العدالة، حق جبر الضرر.

كانت المداخلة الأخيرة للسيد عامر العريض الذي قال أنه العديد تعرضوا للاضطهاد مثل النقابيين، اليساريين و الإسلاميين الذين تعرضوا لمظالم مباشرة في السجون مثل القتل البطيء الذي تعرض له سجناء سياسيون من خلال الظروف الصعبة التي عاشوها و كذلك هناك المغتربون الذين عاشوا الهجرة الاضطرارية. كما قال أن هناك ضحايا غير مباشرة تعرضت أيضا للاضطهاد مثل العائلات و الأبناء.  كما قال السيد عامر أن ضحايا الاستبداد و الظلم الاجتماعي السياسي يصل إلى 10 آلاف في تونس منذ 1956 و أن بعض هذه الأضرار غير قابلة للجبر مثل المخلفات الجسدية كالحروق و الجروح كما يعتبر أن جزءا من الجبر تحقق عندما ترى أن هناك ثورة قد دفع ثمنها و تم طرد منظومة الاستبداد.  تحدث أيضا عن  المناهج التي اعتمدت في التعامل مع النظام القديم:

ـ المنهج الثوري الجذري تم اعتماده في الثورة الفرنسية و الثورة البولشيفية

ـ المنهج الهادئ تم اعتماده في إفريقيا الجنوبية مبني على معالجة مخالفات الماضي و في دول أوروبا الشرقية و في أمريكا اللاتينية

ـ المنهج الأخير تم اعتماده في إسبانيا حيث أنهم قرروا أن تكون هناك عدالة انتقالية و لكن لم يفعلوا شيئا منها لأنه بعد التخلص من فرانكو، كانت المؤسسة العسكرية لا زالت تتحكم في الدولة مع حلفاها و لذلك ٱختار الديمقراطيون الذهاب لبناء نظام ديمقراطي بدون الذهاب لمعركة مع النظام القديم.

ثم قال أن تونس اعتمدت منهجا يقوم على إصلاح المؤسسات و المنظومات و تكوين هيئة الحقيقة و الكرامة لها صلاحيات مهمة. و أختتم مداخلته قائلا أن الهدف من العدالة الانتقالية هي الوصول إلى معرفة الحقيقة فإذا لم تُحدد المسؤولية فذلك يعني أن مشروعية هذه الانتهاكات قد بُررت و كما قال أن مدة العدالة الانتقالية ستدوم بين 4 و 5 سنوات للبحث و التنقيب لطي صفحة الماضي إذ أن من مصلحة الضحايا هو التعجيل بكشف الحقيقة و في ملاحظة أخيرة حدد أن مفهوم العدالة بشمولها كل مراحل التي عاشت فيها تونس هذه الانتهاكات فهي ليست عدالة انتقائية ولا نريدها عدالة انتقامية تخلف  ندوبا أخرى فتحاسب من تشاء، وتتجاهل ما تشاء من مظالم المقهورين.

نظمت الندوة يوم الثلاثاء 3 يونيو/جوان 2014 بمقر مركز "مـــداد"  مونبليزير

مركز الاسلام والديمقراطية


Email Drucken Favoriten Twitter Facebook Myspace Stumbleupon Digg MR. Wong Technorati aol blogger google reddit Yahoo

Add comment


Security code
Refresh