المنطقة العربية والصراع الجديد القديم

علي العنزي


منذ اندلاع حرب الخليج الأولى عام 1980 بين العراق وإيران بعد سقوط الشاه ووصول رجال الدين إلى الحكم، بدأت تظهر ملامح صراع إقليمي ودولي على المنطقة العربية، مع الإشارة إلى تبدل قوى هذا الصراع، إما بتراجعها لفترة، أو انسحابها من حلبة الصراع، لكن الثابت أن مراحل هذا الصراع بدأت تظهر وتتبلور أشكاله، حتى وصل إلى المرحلة الحالية التي أصبحت المنطقة العربية بؤرة لصراع دولي رئيس في العالم بين قوى دولية كالولايات المتحدة الأميركية وحلفائها الأوروبيين من جهة، وروسيا الاتحادية والصين من جهة أخرى، إذ بدأت الصين تهتم بالشؤون الدولية وعلى رأسها الشرق الأوسط وأفريقيا، وما الفيتو الذي استخدمته مع روسيا في مجلس الأمن الدولي في ما يتعلق بالأزمة السورية إلا دليل على دخولها حلبة هذا الصراع، وفي الوقت نفسه بدأت تبرز قوى إقليمية في هذا الصراع وهي إسرائيل وإيران وتركيا، محاولة الاستفادة من الغياب والضعف العربي الذي تسبب فيه غياب مصر، أو بالأحرى تغييبها من خلال اتفاق كامب دافيد، ما أفسح المجال للقوى الإقليمية الثلاث باستغلال الفراغ الذي تركته مصر للنفاذ إلى المنطقة العربية ومحاولة بناء شراكات وتحالفات مع بعض الدول العربية، تؤدي في النهاية إلى خسارة العرب لمكونهم السياسي والاجتماعي والعودة إلى زمن التحالفات مع الأجنبي والتشرذم.

يمكن تقسيم تطور الصراع الإقليمي والدولي في المنطقة العربية في الفترة الأخيرة إلى خمس مراحل، علماً بأن مخططات الدول الإقليمية والدولية لم تتوقف، منذ أن تشكل أو استقلال الدول العربية في منتصف القرن الـ20، إذ تقاسمت الأدوار كل من فرنسا وبريطانيا، ومن قبلهما كان لضعف الدولة العثمانية وعدم اهتمامها بالمنطقة العربية دور في وصولها إلى الحال الراهنة، لذلك نستطيع القول إن المرحلة الأولى بدأت من عام 1974 وحتى عام 1980، بعد عام من انتهاء حرب أكتوبر التي اتحد فيها العرب للمرة الأولى في تاريخهم الحديث، واستطاعوا أن يستردوا كرامتهم التي أهدرت في حرب عام 1967، فكان ظهور محاور عربية عدة، بعضها راديكالي وبعضها معتدل، واندلعت الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975 نتيجة للصراع بين القوى العربية المختلفة، ودخل الجيش السوري إلى لبنان، وتم توقيع اتفاق كامب دافيد 1979، الذي حيد مصر في الصراع العربي - الإسرائيلي وأضعف العرب بشكل كبير، نظراً إلى دور مصر الحيوي في المواجهة مع إسرائيل حجماً وموقعاً.

المرحلة الثانية تبدأ من عام 1980 وحتى عام 1990، شهدت وصول الخميني إلى الحكم واندلاع الحرب العراقية - الإيرانية التي استمرت حتى عام 1988، كان مبدأ تصدير الثورة الذي أطلقه الخميني أحد أسبابها الرئيسة، وبرز فيها العراق كقوة عسكرية إقليمية تهدد مصالح القوى الدولية والإقليمية في المنطقة العربية، لذلك حاول العراق قيادة الدول العربية، أو بالأحرى تقديم نفسه كبديل لمصر ومتزعم للعرب، لكن خطأه في غزو الكويت وكنظام سياسي شمولي لم يستطع تحقيق ذلك، كما قامت إسرائيل خلال هذه المرحلة بغزو لبنان واحتلال بيروت، مسجلة بذلك احتلالها لعاصمة عربية، وإخراج منظمة التحرير الفلسطينية من لبنان، ومحاولة تشكيل حكومة موالية لها بزعامة بشير الجميل، الذي راح ضحية للتقارب اللبناني - الإسرائيلي، وظهور حزب الله وحركة أمل كقوى سياسية وعسكرية، ودعم سوفياتي لسورية في لبنان أجبر الأميركيين والغرب على الخروج من لبنان بعد دخولهم لها، لذلك كانت لسورية اليد العليا في لبنان خلال هذه المرحلة، وكذلك بروز إيراني في لبنان. المرحلة الثالثة وتمتد من 1991 وحتى عام 2002، تم إخراج العراق من الكويت وتدمير قوته العسكرية والاقتصادية، وفرض حصار اقتصادي لم يسبق له مثيل في التاريخ، ما أضعفه بشكل كبير جداً، فاستغلت إيران تلك الظروف وبرزت كقوة إقليمية، وتفكك الاتحاد السوفياتي، وانتهت الحرب الباردة وبرز القطب الأوحد في السياسة الدولية، وبدأت الإدارة الأميركية تستغل الحصار الأميركي للعراق لتنفيذ أهدافها، وفي الوقت نفسه استغلت إيران تفكك الاتحاد السوفياتي لتطوير قدراتها العسكرية، وبدأ ظهور منظمات المقاومة الإسلامية في المنطقة مثل «حماس» وغيرها، وبدأ نشاط «القاعدة» في المنطقة، وتم تجريد العراق من قوته العسكرية والعلمية، والاستيلاء على مبيعاته من النفط من خلال برنامج «النفط مقابل الغذاء»، لكن برز في هذه المرحلة ضعف الأمم المتحدة ومنظماتها المختلفة، وتراجع دورها في حل القضايا الدولية، في ما عدا مجلس الأمن الدولي الذي أصبح خلال المرحلة أداة في يد الإدارة الأميركية.

المرحلة الرابعة من 2003 وحتى 2010، إذ غزت أميركا العراق واحتلته، وتم إلغاء الدولة ووضع دستور في ظل وجود المحتل، والمحاكمات تمت في ظل المحتل الأميركي، مخالفة القانون الدولي أو بالأحرى احتقاره وازدراؤه، ويعتبر العديد من الخبراء الغزو الأميركي قرصنة دولية، الغرض منها الاستيلاء على بلد مستقل واحتلاله واستغلال مقدراته، وفرض نظام سياسي معين ودستور طائفي، وبدأ التفاهم الأميركي - الإيراني في هذه المرحلة ابتداء من أفغانستان والعراق وحتى لبنان، وكذلك شهدت هذه المرحلة حرب 2006 بين حزب الله وإسرائيل، التي كرست حزب الله كقوة عسكرية وسياسة في المنطقة، وكذلك حرب غزة 2008-2009 (الرصاص المسكوب)، التي أظهرت كذلك الضعف الإسرائيلي في عدم القدرة على إلغاء حماس والمقاومة الإسلامية.

المرحلة الخامسة من 2010 وحتى الآن وهي مرحلة ما يسمى بـ«الربيع العربي» التي شهدت المنطقة فوضى لم تشهد لها مثيل، وبروز الإسلام السياسي ثم تراجعه فجأة، بل سقوطه في مصر، وإلغاء الحدود، وكذلك التدخل الإقليمي والدولي في هذه الفوضى، فإسرائيل وإيران وتركيا كدول إقليمية تتدخل لدعم طرف ضد الطرف الآخر، فمن تونس إلى ليبيا ومصر فاليمن فسورية والعراق أخيراً، وكل هذه الدول ساحة صراع لهذا التدخل الفاضح والواضح وبكل الأشكال، إضافة إلى وضوح التدخل الدولي في هذه الفوضى سواء أكان سياسياً أم من خلال التسليح العسكري، لذلك في هذه المرحلة أصبح التدخل الدولي والإقليمي واضحاً وفاضحاً، وسببه الفراغ العربي الذي تركته مصر، فالسعودية أصبحت الدولة العربية الوحيدة في مواجهة التدخلات الإقليمية والدولية في المنطقة العربية، فمصر غائبة وبقية الدول العربية تتعرض لفوضى عارمة..

هذا هو المشهد الآن.

الحياة


Email Drucken Favoriten Twitter Facebook Myspace Stumbleupon Digg MR. Wong Technorati aol blogger google reddit Yahoo

Comments  

 
0 # LibyaForum.orgdrugs com pill 2015-03-11 11:02
Magnificent beat ! I would like to apprentice even as you amend your website, how could i subscribe for a blog website?
The account helped me a applicable deal. I had been a little bit acquainted of this your broadcast provided bright transparent idea

My blog - drugs com pill identifier: canadianedrugstore.com/
Reply | Reply with quote | Quote
 

Add comment


Security code
Refresh