مجتمعاتنا الانتقالية والتحول الديموقراطي 

محمد شمس


يمكن أن تبدع في توصيف الأمور بأثر رجعي، لكن الاختبار الحقيقي أن تستطيع اكتشاف إلى أين ستصل الأمور، وما هي الرؤية المستقبلية المبنية على البيئة الحالية والتفاعلات الحادثة، ثَم ما هي الرهانات الأصلح، وما هي الانحيازات الأنجح.

يدرك الفاعل السياسي، كما الباحث أو الأكاديمي، أن إعادة تشكيل المساحات، بعد الاضطرابات الكبيرة، أمر حتمي، لابد من الاستجابة له، وإن كانت حركة السياسي من الأفضل أن تسبقها رؤية الباحث والأكاديمي، إلا أن الفصام بين التنظير والحركة في منطقتنا العربية يوردنا مهالك كثيرة، لذا تجد الحديث عن التحولات التي تلحق بمجتمعاتنا العربية ومنطقة الشرق الأوسط تسيطر على كل حديث، سياسي أو ثقافي أو إعلامي. وعلى الرغم من أن الحديث يملؤه القلق والتشاؤم، إلا أن الملاحظة العملية التي يدركها السياسي، والنظرية التي يفقهها الأكاديمي والباحث، تتفق فيما يحدث في المنطقة من تحولات جوهرية وجذرية.

يجمع مفكرون أن كل صراع سياسي، هو بالأساس، انعكاس لصراع اجتماعي، وكلما زادت حدة الهوة الاجتماعية اشتد الصراع السياسي، حتى وصل إلى مرحلة الانقسام التي تتجلى في الحروب الأهلية، أو الثورات الشعبية، ولكن، كيف يمكن تفسير حالة التواؤم والاستقرار التي تلحق فترات الانقسام والصراع؟ حتى وإن طالت مدة الصراع وتعددت مستوياته، لن تجد تفسيراً إلا في ضوء تحلل شبكة العلاقات والمصالح القديمة، وإعادة تشكيل علاقات ومصالح وتفاعلات المجتمع، وفق معادلة جديدة. وبالتالي، يمكن القول إن كل عملية انتقال اجتماعي تهدف إلى أمرين: تفكيك شبكة العلاقات والمصالح التي فشلت في استيعاب التطور الاجتماعي، وإعادة تشكيل شبكة العلاقات والمصالح الجديدة، بما يمثل ضمانة الانتقال والتحول. وكثيراً ما تنجح القوى الاجتماعية والسياسية، في المرحلة الأولى، وتفشل في إنجاز المرحلة الثانية، بما يذهب بالنجاح في تفكيك القوى القديمة أدراج الرياح.

إن عدم قدرة القوى الاجتماعية والفواعل السياسية على إعادة تشكيل علاقات المجتمع، وقيمه وانحيازاته، تجعل الخيار الأقرب هو إعادة تشكيل شبكة علاقات هجينة بين القديم، أو ما بقي منه، والجديد أو ما تمتع بالبراغماتية والنفعية منه، وهو ما يمكن تسميته الانتقال الديموقراطي الرمزي أو الظاهري.

أوردت باربرا جديس بحثاً مهماً بشأن تجارب التحول الديموقراطي من 1974 وحتى 1999، ورصدت 85 تجربة تحول ديموقراطي، ووجدت أن 30 حالة فقط هي التي تحولت إلى ديموقراطية ثابتة، و34 حالة عادت إلى الاستبداد مرة أخرى، و21 حالة تحولت إلى ديموقراطية رمزية، مع بقاء شبكة الاستبداد من دون تغيير جوهري، وهذا هو ما أدلل عليه بأن الظن أن المجتمعات تنتقل إلى الديموقراطية تلقائياً وهمٌ ورومانسية حالمة، ولكن، لابد للانتقال من أمرين هما: وجود نخبة ديموقراطية قادرة على إعادة تفكيك شبكة العلاقات القديمة، وبناء شبكة علاقات وقدرات حكم جديدة. وبيئة داخلية وخارجية مهيأة ومواتية لعملية الانتقال، ولا تشعر بالتهديد لعملية التحول والانتقال الديموقراطي، وتكمن قدرة النخبة الديموقراطية وذكاؤها في تعزيز هذه البيئة داخلياً، والحد من التوترات التي تصاحبها خارجياً.

تواجه المجتمعات العربية تحديات كبيرة في هذا الوقت بين تهديد الوحدة الذي يهدد أغلب بلاد منطقة الهلال الخصيب (العراق والشام) وليبيا واليمن، وتهديد الاستبداد والسلطوية السياسية بعد نسائم الربيع العربي. وتهديد الفاشية والعنف؛ فإن عملية الانتقال الاجتماعي والتحول الديموقراطي، كما تبدو، حتمية لاستقرار المنطقة، فهي محاطة بالأشواك والصعوبات والمخاطر من كل جانب، ولكن أهم شيء تحمله هو فكرة الذاتية والاستقلال والتحرر.

ليس في قدرة أحد أن يتحكم في مجريات الأمور، لا القوى الإقليمية ولا العالمية والدولية، وكل محاولة لتفسير الأمور وفق المؤامرة الغربية على الشرق تعمل فقط على نزع قدراتنا الداخلية، وذاتية حركتنا التحررية. ومن مصلحة الولايات المتحدة أن تكون بذور الانقسام والصراع أكبر في المنطقة، لأن أي اتفاق جاد بين قوى المنطقة سيعيد توزيع واستثمار الثروات التي تغنى به المنطقة بين شعوبها، وفي مصلحة أهل المنطقة، بما يحد من مصالح الغرب الاستعماري الذي لا يريد سوى تأمين مصالحه، واستغلال خيرات الشعوب العربية.

إننا أمام مرحلة جديدة، وكما يقال "ليس مهماً أن تخسر المعارك، ولكن المهم أن تربح الحرب". وبالتالي، ليس هناك مشكلة أن تخسر بعض معارك التحول الديموقراطي، ولكن لا تفقد البوصلة الحقيقية لفكرة التحول، وتفكيك القديم، والسعي إلى بناء الشبكات الجديدة.

رهاناتنا المستقبلية وتحيزاتنا متعلقة بقدر إيماننا في اللحظة الحالية بأن الانتقال الاجتماعي الذي يلقي بظلاله في المنطقة حتمي، ودورنا هو السعي الدؤوب والنفس الطويل في محاولة أن تكون نتائج هذا التحول في صالح الانتقال الديموقراطي، وتحرر الشعوب، وألا يكون ضدها، ومن ثَم جاهزية التيار الديموقراطي والشبابي، في المستقبل القريب، أن يتصدر المشهد، ويتعلم من أخطائه ويصححها عملياً، ويحقق نداءات الثورة الأولى من الحرية والديموقراطية والعدالة، والتي لن تتحقق إلا بإسقاط النظام، وبناء نظام مؤمن بهذه النداءات، وينتمي إليها.

العربي الجديد


Email Drucken Favoriten Twitter Facebook Myspace Stumbleupon Digg MR. Wong Technorati aol blogger google reddit Yahoo

Add comment


Security code
Refresh