Warning: include(/home/content/l/i/b/libyaforum/html/new/media/system/utf.php) [function.include]: failed to open stream: No such file or directory in /home/content/71/3922071/html/index.php on line 16

Warning: include() [function.include]: Failed opening '/home/content/l/i/b/libyaforum/html/new/media/system/utf.php' for inclusion (include_path='.:/usr/local/php5/lib/php') in /home/content/71/3922071/html/index.php on line 16

Warning: include(/home/content/l/i/b/libyaforum/html/modules/mod_breadcrumbs/tmpl/javascript.php) [function.include]: failed to open stream: No such file or directory in /home/content/71/3922071/html/index.php on line 19

Warning: include() [function.include]: Failed opening '/home/content/l/i/b/libyaforum/html/modules/mod_breadcrumbs/tmpl/javascript.php' for inclusion (include_path='.:/usr/local/php5/lib/php') in /home/content/71/3922071/html/index.php on line 19
LibyaForum.org فوبيا الغد

فوبيا الغد

بقلم: سالم العوكلي

 في مجموعته القصصية (الجنرال في محطة فكتوريا) يدرج الكاتب علي مصطفى المصراتي قصة بعنوان (شيخ محلة) يطرح من خلالها نموذجا حيا لسيكولوجية علاقة السلطة بالزمن، ورهابها من المستقبل، من خلال شيخ محلة لضاحية من أطراف المدينة، يهيمن على كل شؤونها الصغيرة والكبيرة منذ أكثر من نصف قرن، وتقوم قيامته عندما يعرف أنهم يخططون لبناء مدرسة في محلته، ورغم بلوغه التسعين عاماً إلا أنه سيخاف من الأولاد الذين سيتخرجون منها (يكبروا ويقروا وتطير مشيخة عمك).

تنمذج هذه الشخصية حال ما يسمى الحرس القديم، الذين ينسجمون مع بنية عقل، أو نسق تفكير نشأ ضمن بيئة تجعل من الزمن حليفا للسلطة، عبر توقيع عقد خفي تتم بموجبه مقايضة المعنى، أو ما يسمى في أدبيات الفكر السياسي "مديونية المعنى" التي تعني في حدها الأدنى القبول الإرادي بطاعة من يملك القدرة لإشباع الرغبة في بلوغ معنى، سواء أكانت هذه القدرة متأتية من صلة بالسماء، أو عن طريق القوة والحكمة، أو وراثية، تقابلها رغبة مضمرة للامتثال الطوعي من الأتباع. وبالتالي تعكس هذه الذهنية، وما يحيط بها من بيئة ثقافية، منهجَ الحرس القديم في صراعه ضد فكرة الإصلاح، وهي ذهنية تؤسس لها قيم مصلحية تتمخض عن رغبة كامنة في الإحساس بضرورة إيقاف الزمن وتحنيطه في شكله المشتهى، وتمدها بالحيوية طاقة نابعة عن الحب الغريزي للسيطرة والتحكم وعدم فقدان خيوط اللعبة. وينتج هذا الإحساس الذي يترسخ في اللاوعي حالة عامة من العمى تجاه ما يحدث في الواقع، مدعوما من سلطة الميديا والشعارات الفضفاضة كملاذ أخير من الإحساس بالفشل وانطفاء شرعية عقد التقايض أمام خسارة المعنى.

ولأن (الماضي) عادة ما يكون مشوبا بخليط من الشعور بالذنب ومبررات الإحباط، وتراثا للشعارات والشعائر التي من طبيعتها أن تغمض البصيرة عن نبض الحياة اليومية، وتعيش طقسها (الشعائري) الذي من شأنه أن يوقف الإحساس بضغط الزمن والمكان.

ولأن (الحاضر) لحظة افتتان قصوى بمكتسبات معنوية ومادية، لم يكن تحقيقها بالسهولة التي تجعل التخلي عنها سهلاً، بل وفوق ذلك يشكل هذا الراهن نوعا من الغبش المؤنس الذي يشبه مرآة يتكثف عليها البخار فتخفي تجاعيد المرحلة، وتجعل من الملامح غير واضحة وأكثر شبابا.

لأن الماضي هكذا، والراهن هكذا، يصبح الغد مصدر فزع لا نظير له، وهو الفزع الذي شكل على مدى التاريخ بنية العقل المحافظ (الذي نسميه إجرائيا: الحرس القديم).  إنه نشاط في اللاوعي، من أجل إيقاف الإحساس بالزمن، يشبه سلوك شيخ المحلة في القصة المذكورة، وحالة قصوى من الافتتان الداخلي باللحظة، التي يجب أن تتكرر وتعاد مرارا كإيقاع دفوف في طقس شعائرى.

لذلك من الصعب في خضم هذا الوجد، والهيام بالآني، أن تقنع من يعيش هذه الفتنة بهواجس التغيير والتجاوز، أو تدخلهم في مشروع يتعلق بالمستقبل، وهم في قرارة أنفسهم يعانون من فوبيا الغد، خصوصا وإن الغد يضمر في ما يضمر من مخاوف، فكرة الموت نفسها. وهذا لا يحدث في السياسة فقط، لكنه يحدث في تطور العلاقات الاجتماعية، وفي الأدب والفن، وفي كل مجال يفرز حرسه القديم، الذي هو نفسه بدأ طليعياً، ثم لم يلبث مع الزمن أن أصيب بوسواس (الثوابت وعبادة البدايات) وفق اقتباسه المفضل: ليس في الإمكان أبدع مما كان.

لذلك كان الثوريون دائما، وفي كل هذه المجالات، شباباً، يرفضون سلطة الماضي، سلطة الآباء، وحكمة الراهن، في ذروة حنينهم الشرعي إلى ابتكارات المستقبل. وبمجرد أن يتقدم هؤلاء الشباب في السن ويحققون مكتسباتهم، يتحولون بدورهم إلى حرس قديم رافضين الجيل الذي بعدهم ورؤاهم.   يبدو أنها سنة التاريخ وطاقته وبالتالي سيشكل رهاب الغد أو المستقبل سيكولوجية هذه الفئة وطبيعة خطابها. والأمر برمته ليس سلبيا لأنه يقوي من ظهر مشروع الجيل الآخر، ويجعله نتيجة هذا الصراع أكثر موضوعية وأكثر اتزاناً، أو هذا ما يفترض، باعتباره وضعا طبيعياً أنتج تراث الصراع الإنساني من أجل التقدم، الذي غالبا، أو استطيع أن أقول دائما، كان يحسم لصالح التغيير، لأن فكرة الزمن عند الشباب أكثر حيوية وأكثر تصالحا مع الحياة نفسها.   الفكرة نفسها التي يبدو أنها وراء قانون سن التقاعد. وبالتالي فعلينا أن لا نستغرب أو نتضايق من هذا الفزع الذي تثيره مفردة (الغد) في شعور الجيل الغارب، فهو يشبه شعور من يقضي ليلة ممتعة ويتمنى أن لا تشرق الشمس. وعلينا أن لا نختزله في كونه لعبة، لأنه جدال يكتسب جديته وموضوعيته من إلقاء نظرة بسيطة وحتى قريبة على حركة التاريخ، يمثل صراع أجيال ورؤى تحدث حتى في الأسرة نفسها. رغبة أصيلة لدى الآباء في توقف الزمن والنظر إلى الأطفال برعب يشبه رعب شيخ محلة، الذي رفض مشروع المدرسة والطريق (المعرفة والانفتاح) التي تهدد ثقافة وعزلة هؤلاء الذين يرون الشمس في عيون الأطفال. والحصيلة أن هذا الصراع (أو الجدل) طبيعي وموضوعي، وهو بقدر ما يعطي الحرس القديم حق الدفاع السلمي عن آرائهم وتصوراتهم، بقدر ما يشد من أزر الجيل الجديد ويمده بطاقة إضافية للانطلاق إلى الأمام.

21 نوفمبر 2010 مدونة سريب


Email Drucken Favoriten Twitter Facebook Myspace Stumbleupon Digg MR. Wong Technorati aol blogger google reddit Yahoo

Add comment


Security code
Refresh