Warning: include(/home/content/l/i/b/libyaforum/html/new/media/system/utf.php) [function.include]: failed to open stream: No such file or directory in /home/content/71/3922071/html/index.php on line 16

Warning: include() [function.include]: Failed opening '/home/content/l/i/b/libyaforum/html/new/media/system/utf.php' for inclusion (include_path='.:/usr/local/php5/lib/php') in /home/content/71/3922071/html/index.php on line 16

Warning: include(/home/content/l/i/b/libyaforum/html/modules/mod_breadcrumbs/tmpl/javascript.php) [function.include]: failed to open stream: No such file or directory in /home/content/71/3922071/html/index.php on line 19

Warning: include() [function.include]: Failed opening '/home/content/l/i/b/libyaforum/html/modules/mod_breadcrumbs/tmpl/javascript.php' for inclusion (include_path='.:/usr/local/php5/lib/php') in /home/content/71/3922071/html/index.php on line 19
LibyaForum.org جدلية الثقافي والسياسي

جدلية الثقافي والسياسي (عراجين 8)

بقلم: محمد الفقيه صالح

 

(1)

لا مجال للفصل بين السياسي والثقافي، كما أنه لا مجال للمطابقة بينهما. تلك ركيزة أساسية تنطلق منها هذه المقاربة، بما يفضي إلى أن المسألة ليست في وجود علاقة من عدمه بينهما، بل في طبيعة هذه العلاقة. نسمع كثيراً عن "السياسة الثقافية" لأية دولة من الدول ضمن مجمل سياساتها في شتى الحقول والقطاعات، ونسمع من جهة أخرى عن "ثقافة سياسية" تميزها عن ثقافة علمية مثلاً أو فلسفية أو أدبية أو قانونية وهلم جرا. أما يزعم السياسي أن السياسة هي الأشمل، لأنها تحتوي في داخلها الثقافة وتخطط لها وتسيرها، فضلاً عن كونها تسيطر –في الغالب- عليها، أو على الأقل، تحاول الهيمنة عليها، فيما يذهب الثقافي، أو منتج الثقافة، إلى أن هذه الأخيرة هي الرحم الروحي الأكبر والأشمل، وهي المرجع والأساس، وما السياسة سوى بعد من إبعادها، أو ثيمة من ثيماتها؟

 

ألا يمكننا أن نتحدث –في هذا الصدد– عن "لحظة ثقافية" في فكر السياسي وأدائه، تتجلى أكثر ما تتجلى، حينما يعمد رجل الدولة، بل السياسي في عمومه، إلى نقد السياسة الرسمية أو الحزبية المحسوب عليها، أو مراجعة أسسها الأيديولوجية (البيروسترويكا على سبيل المثال)؟

 

وفي المقابل ألا يمكننا أن نتحدث أيضاً عن "لحظة سياسية" في أداء الثقافي وفعله حينما ينصرف إلى تأصيل الهوية الوطنية مثلاً، أو إحدى الهويات الفرعية، أو حين يسعى إلى تجديد الثقافة الوطنية ومراجعة أسسها مراجعة نقدية صارمة؟ أما يحرث الثقافي بذلك الأرضية الاجتماعية لإحداث تطور في الوعي العام، يفضي بدوره إلى تحول سياسي بعيد المدى (كما هو الأثر الذي أحدثه –على سبيل المثال- فكر فلسفة التنوير في التمهيد للثورة الفرنسية)؟

(2)

هكذا يبدو واضحاً، أن هناك حيزاً متشابكاً –لا مفر من التسليم به– هو الذي تتقاطع فيه دائرتا الثقافة والسياسة، وإن ظل الحيز الأكبر في كل دائرة منهما مستقلا نسبياً ومتمايزا عن مثيله في الدائرة الأخرى، ذلك أن لكل من الثقافي والسياسي حقله الخاص وآلياته وأدواته ومنهجياته وأسئلته ومهامه.

 

تتركز مهمة السياسي في الإمساك بقياد الدولة وسلطة الإدارة، أو السعي إلى تملكهما، من أجل تسيير شؤون المجتمع وفقاً لنهج أو خط محدد ومصالح معينة، متوسلا في ذلك الأدوات الإقناعية (الإيديولوجيا) والإكراهية القهرية (أجهزة القمع)، أما الثقافيّ فتتمحور مهمته حول وظائف التأسيس والتأصيل والنقد في حقل الفكر والمعرفة والإيديولوجيا والسياسة والوعي ونسق القيم والخبرة الجمالية.

 

تتأطر العلاقة بين الثقافيّ والسياسيّ –إذن– في بقعة متحركة ومتوترة، هي برزخ ما بين الفصل والوصل، تتراوح الحركة فيها بين التأقطب والتوازن، بين تحكم السياسيّ وتمرد الثقافيّ، بين إلحاق الثقافيّ بالسياسيّ واستقلاله أو تأبيه على الانقياد والذيلية. وهي بالإضافة إلى ذلك علاقة إشكالية ومركبة، يتوازى فيها الثقافيّ والسياسيّ ويتقاطعان أو يتدافعان، يتناغمان ويتناقضان، يتحالفان أو يتصالحان ويتصارعان إلى حد النحر والتناحر. ينزع السياسيّ غالباً إلى التبرير، ويتوخى الواقعية والمنحى العملي، فيما يجنح الثقافيّ إلى النقد والمراجعة وإعادة التأسيس، مدججاً بذخائر المعرفة والحلم والخيال والمثال. وحينما يستقوي السياسيّ على الثقافيّ بسلطة الإدارة والإيديولوجيا القمعية، لا يملك الثقافيّ إلا أن يتحصن بملكوت الضمير وذاكرة الجماعة ورحم الفكرة وسلطة الكلمة، وكأنما هو جدل محتدم بين ضعف القوة (لدى السياسيّ) وقوة الضعف (لدى الثقافيّ).

 

(3)

تلك هي الملامح العامة للعلاقة المتشابكة بين الثقافيّ والسياسيّ، لكن الأمر يستدعي –فيما أعتقد– مزيداً من التحديد والتعيين لصور هذه العلاقة وتجلياتها كما تبدت عملياً وواقعياً وتاريخياً على الصعيد العربي، كإطار عام، وضمن نطاق تجربتنا الليبية في خصوصياتها الوطنية القطرية، ذلك أن التاريخ فيما يختص بتحليل الظواهر الإنسانية والإجتماعية وفحص الفرضيات المتعلقة بها، يمثل –كما نعلم– النظير المنهجي الممكن للمختبر العلمي في تحليل الظواهر الطبيعية والتحقق مما يطرح بشأنها من فرضيات.

 

في هذا الإطار، يمكننا الحديث، فيما يتعلق بالعلاقة بين الثقافيّ والسياسيّ على صعيد التجربة العربية المعاصرة، عن ثلاث لحظات أساسية، على أن لا يحول ذلك دون درس الخصوصيات القطرية واستنطاقها:

أولاً- لحظة التأسيس النهضوي: وفيها تصدّر الثقافيّ جبهة الصراع والمواجهة مع الآخر الاستعماري والحضاري في آن واحد، وتصدى لأسئلة الواقع العربي الإسلامي وهو ينكشف على ضعفه وهشاشته أمام التحدي الاستعماري الكاسح. الثقافيّ في هذه اللحظة هو الذي صاغ الفكر السياسيّ، وأعاد بناء الوعي الوطني والقومي والديني، وصاغ مشروعاً شاملا للنهوض والتحرر (الأفغاني، محمد عبده، الكواكبي، قاسم أمين وغيرهم). في هذه اللحظة يتملك الثقافيّ السياسيَّ ويؤسس له ويحدد وجهة السير، في مواجهة الطغيان والاستبداد التركي وتمثلاته المحلية، أو في مواجه الحدث الاستعماري، إلى الحد الذي نجد فيه قادة الفكر والثقافة يتولون –في نفس الوقت– القيادة والتوجيه السياسي، الأمر الذي يعكس علاقة تناغم وتكامل واضحة بين الفكر والحركة، أو بين الثقافي والسياسي في لحظة التأسيس النهضوي.

 

ثانيا- لحظة الحداثة الليبرالية: وفيها تمايز الثقافيّ عن السياسيّ، وإن كان هناك حيز متداخل ومتشابك ظلا يتحركان فيه، حيث استمر السؤال النهضوي مطروحاً، لكنه أخذ في هذه المرحلة صيغة التساؤل عن الإطار الملائم لبناء الدولة والمجتمع العربي الحديث في ظل سؤال إشكالي آخر، هو سؤال الهوية. لقد ازداد الواقع في هذه اللحظة تعقدا وتركيباً، وطرح مهام جديدة اقتضت تبلور السياسيّ، كوظيفة ودور، في صورة تشكلات حزبية، تعبر عن مصالح ومطامح طبقية وفئوية، إما ضمن إطار وطني، أو في إطار عقائدي أوسع، وكل ذلك في سياق تشكيلة رأسمالية كولونيالية تابعة.

 

من جانب آخر مضى الثقافيّ قدما في تطوير فكر النهضة، وفقا للأسئلة الجديدة التي طرحتها دولة الاستقلال، رافعا راية التحديث والحداثة الفكرية والسياسية، ومنخرطاً في مشروع طموح لتجديد الثقافة تحت وطأة التحدي الحضاري الغربي الحديث، ومعطيا في سياق كل ذلك صياغات مختلفة لسؤال الهوية الحضارية.

 

في هذه اللحظة يتوازى الثقافيّ والسياسيّ ويتوازنان، ويقر كل منهم للآخر بدوره ووظيفته وفاعليته. المثال النموذجي لنمط هذه العلاقة يجسدها ما انتهى إليه اللقاء العاصف بين العقاد والنحاس باشا في مصر، إبان ثلاثينيات القرن الماضي، حين غضب النحاس ونهض قائلاً باعتداد و شمم "أنا زعيم الأمة" ، فرد عليه العقاد بندية واعتداد هو الآخر"وأنا كاتب الشرق".

 

ثالثاً- لحظة المصادرة الشمولية: وفيها يستحوذ السياسيّ (ممثلا هنا بالدولة والإيديولوجيا الشعبوية، وبالصيغ المذهبية المغلقة للأحزاب القومية والدينية والماركسية) على المشهد برمته، حيث يعمد جاهدا إلى إلغاء دور الثقافيّ، إما بمصادرته وإلحاقه بجهازه الإيديولوجي، أو بقمعه –في حالة التأبي– ونفيه خارج دائرة الفعل والمشاركة. الثقافيّ في هذه الحالة إما أن يؤثر الأمان والسلامة بالامتثال والذوبان في آليات سلطة الإيديولوجيا الشعبوية أو الحزبية، أي أن يتلاشى ويغيب عن الفعل التاريخي المتمايز، وإما أن يتحصن بالعناد والرفض، مفضلا الوجود الصامت المقموع في ظل الاستقلالية والاعتداد بالتمايز، على الظهور الصائت الممسوخ كتابع ذيلي للسياسيّ.

- في لحظة المصادرة الشمولية، يتراجع الثقافيّ كدور ووظيفة وإنجاز، إلى حد الضمور والتلاشي، ويستبدل به السياسيّ منظومة إيديولوجية جاهزة ثابتة مغلقة، كأداة للإقناع والتضليل والتبرير، ولا يجد الثقافيّ أمامه في هذه الحالة سوى خيارين أحلاهما مرّ: إما الاندماج في الإيديولوجيا الشعبوية، أو النفي خارج دائرة الفعل، وبذلك تصطبغ العلاقة بين الثقافيّ والسياسيّ، في هذه اللحظة، بصبغة الارتياب والتوجس وسوء الظن، بل والضغينة أيضا، وفي مثل هذه الوضعية يتمظهر الثقافيّ المتحصن باستقلاليته في بضعة احتمالات، أهمها:

 

أ- أن يقتصر على وضعية الدفاع، فيؤول به الأمر إلى خانة التهميش والعزلة، وفي هذه الحالة تظل المهمة الرئيسة المطروحة في أجندته، هي الحفاظ على ما يمكن الحفاظ عليه من رأسمال رمزي وضمير نزيه، معتداً باستقلاليته، في مواجهة تغوّل السياسيّ وهيمنته. وفي ظل هذه الوضعية، التي يتم فيها تسييج فضاء الفكر والثقافة بالممنوع وغير المسموح بالتفكير فيه واللامفكر فيه، تنتفي إمكانيات الحوار والتفاعل الخصيب، مما يحول دون تهيئة المناخات الملائمة لإنجاز مشروعات ثقافية كبيرة وطموحة تنهض بالمجتمع وتدفع به نحو آفاق رحبة، الأمر الذي من شأنه أن يصيب الفكر والثقافة في مقتل.

 

ب- أن يتسرب الثقافيّ، المقموع والممنوع، من شقوق المجتمع وهوامشه وزواياه المتوارية، من خلال إنتاج ثقافة بديلة، غير رسمية، مهمشة ومقصية، شبه سرية، أحرى بنا أن نسميها "ثقافة الظل المقاوم". في هذا الاحتمال يتحول الثقافيّ المتحصن باستقلاليته ونزاهته، والمتمسك بدوره ومسؤوليته التاريخية، إلى درع للحرية وراية لها وضمير حارس للحلم بها، لاسيما إذا ما انقسم السياسيّ على نفسه إلى شعبوي تسلطي، وآخر ديمقراطي إنساني، إذ يتجه الوضع آنئذ إلى إعادة صياغة العلاقة بين الثقافيّ والسياسيّ، في تبديه الديمقراطي، ضمن شرط مهيأ لمقاومة التسلط الشعبوي الشمولي، الأمر الذي من شأنه أن يعيد العلاقة بين الثقافيّ والسياسيّ إلى صيغة التكامل والتوازن من جديد، بعد أن ظلت تعاني من اختلال مبهظ لصالح التسلط الشعبوي والانغلاق الإيديولوجي، ومن الواضح أن الضرر في اختلال هذه العلاقة لا يقتصر على الثقافيّ فحسب، بل يطال أيضاً السياسيّ في مضمونه الديمقراطي.

(4)

هذا على الصعيد العربي العام، أما في نطاق التجربة الليبية، فلم يكن الأمر مختلفاً كثيراً، بل يمكن القول إنه لم يكن سوى تنويع على السياقات العامة الرئيسية للعلاقة بين الثقافيّ والسياسيّ عربيا.

 

فلحظة التأسيس النهضوي، على المستوى العربي، تتمظهر ليبيّاً في صورة تأسيس لتأصيل الهوية الوطنية من خلال المقاومة الجهادية والسياسية، حيث يطغى شاغل مواجهة الحدث الاستعماري في البداية، ثم المساعي السياسية لنيل الاستقلال الوطني فيما بعد، على الثقافيّ والسياسيّ في آن معا، فيما يتلامح السؤال النهضوي خافتا ومتوارياً في خلفية الصورة، لدى بعض قادة الحركة السنوسية وكبار مثقفي الحواضر الليبية الرئيسية، لأسباب ترجع –في ظني– إلى طرفية البنية الاقتصادية الاجتماعية الليبية وضعفها وهشاشتها، مقارنة بمثيلتها في مركز المنطقة العربية بمصر والهلال الخصيب.

 

في هذه اللحظة، يتشكل الثقافيّ في ليبيا، من اندغام الوعي الديني التقليدي بالوعي الوطني الحديث، في مركب جديد، كان بمثابة الأساس والمرجعية للسياسيّ، فكراً وحركة، أي أن الثقافيّ –في هذه اللحظة– تكرس بالكامل لقضية التحرر والاستقلال الوطني، ولذلك اتسمت العلاقة بينه وبين السياسيّ فيها– كما حدث على المستوى العربي– بالتناغم والتكاتف والتكامل إلى حد الاعتماد المتبادل، بل يمكن القول أن الأولوية انعقدت في ليبيا، بعد انكسار الحركة الجهادية، للثقافيّ الذي تقدم ليصوغ الفكرة الوطنية ويقود ساحة المقاومة السياسية، فشهدنا شعراءنا وأدباءنا، إبان سني الثلاثينيات والأربعينيات من القرن الماضي، يتصدرون المشهد الثقافي والسياسي الوطني في نفس الوقت، فيعمدون إلى تشكيل الجمعيات والمنظمات والأحزاب، ويقودونها على درب الاستقلال الوطني (احمد وعلي الفقيه حسن، وإبراهيم الأسطى عمر، وعلى المصراتي، مجرد أمثلة في هذا الخصوص)، وكأن وجود الثقافيّ في المرحلة الجهادية لم يكن سوى وجود سياسي كامن، أو وجود سياسي بالقوة، لم يلبث حين آذنت اللحظة المناسبة، أن تحول إلى وجود سياسي بالفعل.

 

في مرحلة دولة الاستقلال طرأ متغيران جديدان، في ما يخص العلاقة بين الثقافي والسياسي في ليبيا، هما الدولة الليبية الحديثة، على المستوى الرسمي، والإيديولوجيا القومية الشعبوية، ممثلة في الناصرية والبعث والقوميين العرب، مع تأثيرات يسارية ماركسية محدودة، على المستوى غير الرسمي. انفصل هنا الثقافيّ عن السياسيّ وتمايز كل منهما عن الآخر (كما هو الشأن في لحظة الحداثة الليبرالية العربية)، وكأنهما غادرا بساطة تكوين اللحظة التأسيسية الأولى ووضوح أبعادها ومهامها، باتجاه علاقة أكثر تعقداً وتركيباً، حيث شهدت العلاقة بين الثقافي والسياسي مسارين متوازيين، فمن ناحية حظي الثقافيّ بهامش من الاستقلالية في علاقته بالدولة، مكنته من أن يؤسس لتحديث الثقافة في ليبيا وتجديدها، كما احتفظ بمسافة واضحة بينه وبين السياسي الشعبوي الذي كان يتحرك وينمو في الأوساط الشعبية خارج دواليب السلطة، ناقلا إلى الساحة الليبية توجهات الإيديولوجيا الشعبوية المشرقية واسترابتها من استقلالية الثقافيّ والاستخفاف به والتهوين من شأنه.

 

الجدير بالملاحظة أن الثقافيّ في مرحلة الاستقلال انتقل اهتمامه وانجازه من الشاغل التحرري وتأصيل الهوية، إلى شاغل تأصيل الكيان القطري الوطني، ولذا بدا الانشغال بالتاريخ الوطني واضحاً في خلفيات الحركة الأدبية والفكرية، وشهدت المدرسة التاريخية والتراثية الليبية في هذه الظروف والمناخات تطورا ملحوظا، وإن كان ذلك في غير المسائل التي تثير حفيظة الدولة، حيث امتنع الثقافيّ مثلا عن مراجعة ودراسة تاريخ الحركة السياسية الوطنية إبان الأربعينيات، امتثالا منه للسياج الذي ضربته السلطة الملكية حول هذا الموضوع. ولا ريب في أن الدولة الليبية كانت تنظر بعين الرضا إلى مجمل توجهات الثقافي حينذاك، لكونها تؤصل لها كدولة على الصعيد الثقافي، فيما نظر إليها القومي الشعبوي بحسبانها تأصيلا منحرفا للإقليمية القطرية، وكل ذلك مهد لتعقيدات العلاقة بين الثقافيّ والسياسيّ في لحظتها الليبية الثالثة.

 

لقد اتجهت الدولة الشعبوية في ليبيا منذ بدايتها إلى تضييق الخناق على الثقافيّ ومحاولة إلحاقه بجهازها الإعلامي والإيديولوجي، الذي أرادت له أن ينفرد بصياغة الوعي العام، من خلال خطاب شعبوي يتجاوز الهوية الوطنية ويقفز عليها، باتجاه انتماء قوموي شامل مقطوع الصلة بالتفاصيل والخصوصيات القطرية المحلية، وظلت تنظر بعين الريبة والاستنكار إلى استقلالية الثقافيّ،لأنها ترى فيه منافسا لها على التملك الثقافي للمجتمع، فضلا عن اعتباره ملاذاً للسياسي المصادر –بدوره- والمختلف، ومحل اختمار لظهوره على مسرح الاجتماع السياسي، وقد دفعها كل ذلك إلى شن حملات قاسية متتالية استهدفت قمع الثقافيّ، فضلا عن السياسيّ، وتخويفه وشل إرادته وفاعليته.

 

ما قامت به الدولة الشعبوية في ليبيا حيال الثقافيّ تجاوز كثيرا ما قامت به مثيلاتها العربيات. فقد كان للثقافي في تلك البلدان حضور نسبي، وإن كان مسيجاً ببعض المحظورات والممنوعات، أما في ليبيا فقد تجاوز الأمر الفروع إلى الجذور ذاتها، فلم يكن مسموحا للثقافيّ إلا بأن يذوب في الإيديولوجيا الرسمية ويعيد إنتاجها في خطابه، أي أن التناقض والتنافر هنا –بين الثقافيّ والسياسيّ– بدا أكثر حدة منه في أنظمة شعبوية عربية أخرى. فكيف كانت استجابة الثقافيّ في ليبيا لضغوط السياسيّ الشعبوي الرسمي وقمعه؟ هل خضع له وذاب في جهازه الإيديولوجي؟ أم سايره واحتفظ بمسافة بينهما مع عدم استفزازه أو إغضابه؟ أم سعى إلى الإفصاح عن رفضه ومقاومته ضغوط السياسي الهادفة إلى استيعابه واحتوائه ؟

 

الجدير بالنظر -في هذا الصدد– واللافت للانتباه، أن الثقافيّ في مواجهته ضغوط السلطة الشعبوية في ليبيا، احتفظ بنفس إستراتجيته السابقة، وهي محاولة الحفاظ على استقلاليته، من خلال الاستمرار في تأصيل الكيان، وتنمية المدرسة التاريخية والتراثية الليبية، وبلورة أدب وفن ليبي يعكس الخصوصية المحلية وينفتح على الحداثة، مع الحرص على تفادي كل ما من شأنه أن يستثير السياسي الشعبوي ويستفزه، أي الحرص على إظهار الحياد حيال ما يشهده الواقع من سلبيات وقمع، وكان أقصى ما يمكن أن يفعله الثقافيّ هو أن يستنكف عن المشاركة في حملات التضليل والتغطية على أي تجاوزات، مع اغتنام كل سانحة لإبراز خطاب ثقافي مغاير للخطاب الإيديولوجي السياسي ومتمايز عنه. وقد افلح الثقافيّ –رغم إثخانه بالجراح– في خلق ملامح ضمير ثقافي وطني جاد ومسؤول، ظل هو الأساس والمرجع في مدونة الثقافة الليبية المعاصرة، التي ظلت محصورة –بفعل التجاهل الإعلامي الرسمي– في دائرة محلية محدودة، ولم يقيض لها الإشهار والإسناد الرسمي الكافي لتسويقها على المستوى الجماهيري الداخلي الواسع، ناهيك عن المستوى العربي الأوسع.

 

إستخلاصات ونتائج :

قدمنا في الورقات السابقة عرضا تحليليا تاريخيا وجيزا لجدلية العلاقة بين الثقافي والسياسي في عمومها، وكما تبدت لنا عربياً وليبياً، ونخلص من كل ذلك إلى جملة من النتائج والملاحظات نوجزها في الآتي:

- أن العلاقة بين الثقافيّ والسياسيّ، لا تعدو كونها تجسيداً وانعكاساً لطبيعة النظام السياسي وطريقة تسييره للشأن العام. فهي علاقة تكامل وتضافر وتكاتف، حينما ينفتح السياسي (وبالتحديد سلطة الدولة) على كافة مكونات المجتمع بهدف تطوير الاجتماع السياسي، وهي علاقة صراع وتدافع إذا ما عمد السياسيّ إلى تجاوز تلك المكونات أو تجاهلها أو مصادرتها.

 

- أن الصيغة المثلى للعلاقة بين الثقافيّ والسياسيّ، هي صيغة التوازن، إذ يتهيأ فيها لكل منهما أن ينصرف بكامل إمكانياته إلى أداء دوره ووظيفته وتحقيق إنجازه على أكمل وجه ممكن.

-أن الظروف التي يتاح فيها تمايز واضح بين السياسي والثقافي، أي عدم إلحاق الثقافي بالسياسي وإدماجه فيه، غالبا ما تغتني بمشروعات ثقافية أساسية وكبيرة، تؤذن بانتقال الوعي العام إلى آفاق أبعد وأرحب (مشروعات طه حسين والعقاد ولطفي السيد ومصطفى وعلي عبد الرازق وأحمد أمين وسلامة موسى وغيرهم، إبان الحقبة الليبرالية بمصر، ومشروعات الجابري والعروي وطه عبد الرحمن وغيرهم في المغرب).

 

- أن الدور القيادي الذي اضطلع به الثقافيّ، أو بعبارة أخرى غلبة الوعي الثقافي على الوعي السياسي في لحظة التأسيس النهضوي عربيا، والتأسيس لتأصيل الهوية الوطنية ليبياً، إنما ارتبط بظروف خلخلة الدولة المحلية (دولة محمد علي في مصر) أو تدميرها (الدولة العثمانية في ليبيا).

 

- أن القدر المحدود لتواجد الثقافيّ وحضوره في مرحلة الدولة الشعبوية في ليبيا، والقدر الأوسع لوجوده وحضوره إبان الحكم الملكي، إنما يرجع إلى ابتعاد الثقافيّ عن نقد الأوضاع العامة، بما في ذلك التعدي على الحريات ومصادرتها، صوناً –فيما يبدو– لوجوده هو (أي الثقافي) من المصادرة والإلغاء. والحالات المحدودة التي بادر فيها الثقافي إلى إبداء مواقف النقد والاعتراض، تعرض فيها خلال الحكم الملكي لبعض الضغوط والمضايقات (قضية خالد زغبية سنة 1958مثلا)، ولقمع أشد وأشرس إبان العهد التالي (اعتقال العديد من المثقفين والكتاب في قضايا مختلفة، أبرزها وأوضحها على مستوى العلاقة بين الثقافي والسياسي هي قضية مجموعة 1978).

 

- انطلاقا مما ورد في النقطة السابقة، يعنّ لنا أن نتساءل: هل التوجه الذي غلب على مجمل مسيرة الثقافة الليبية، منذ الفترة الاستعمارية حتى اليوم، نحو التاريخ والتراث قصد التأصيل والتأسيس، كان استجابة لحاجة ملحة طرحها الواقع والظرف التاريخي الخاص؟ أم أن هذا التوجه الغالب إنما يعكس –في حقيقة الأمر– حالة الضعف والهشاشة التي تنطوي عليها البنية الثقافية الليبية، إذ تدفع حالة الضعف تلك بالثقافي إلى التحصن بالتاريخ والتراث في مواجهة رياح الطمس والإلغاء والقمع والمنع والمصادرة؟ أم أن واقع الحال يقبل الجمع بين هذا الافتراض وذاك؟ وفي كل الأحوال، هل نتوقع للثقافة الليبية، إذا ما أتيحت لها هوامش أو مساحة واسعة من الاستقلالية والحرية، أن تغادر هاجسها التأصيلي، وهو بالأساس آلية دفاعية، باتجاه اتخاذ مبادرات جديدة وجريئة أكثر تغلغلا في الواقع الحي واشتباكا مع ثقافة العصر؟

25 نوفمبر 2010

 



Email Drucken Favoriten Twitter Facebook Myspace Stumbleupon Digg MR. Wong Technorati aol blogger google reddit Yahoo

Add comment


Security code
Refresh