Warning: include(/home/content/l/i/b/libyaforum/html/new/media/system/utf.php) [function.include]: failed to open stream: No such file or directory in /home/content/71/3922071/html/index.php on line 17

Warning: include() [function.include]: Failed opening '/home/content/l/i/b/libyaforum/html/new/media/system/utf.php' for inclusion (include_path='.:/usr/local/php5/lib/php') in /home/content/71/3922071/html/index.php on line 17

Warning: include(/home/content/l/i/b/libyaforum/html/modules/mod_breadcrumbs/tmpl/javascript.php) [function.include]: failed to open stream: No such file or directory in /home/content/71/3922071/html/index.php on line 20

Warning: include() [function.include]: Failed opening '/home/content/l/i/b/libyaforum/html/modules/mod_breadcrumbs/tmpl/javascript.php' for inclusion (include_path='.:/usr/local/php5/lib/php') in /home/content/71/3922071/html/index.php on line 20
LibyaForum.org المشهد الإعلامي الليبي (مجلة عراجين 8)

المشهد الإعلامي الليبي (مجلة عراجين 8)

بقلم: د. أم العز الفارسي

يعبر الإعلام بمختلف وسائله، عن أهواء الناس ومجمل معارفهم وانطباعاتهم، ولذا تسعى الدول ـ خاصة الشمولية ـ عبر سياساتها الثقافية والإعلامية ورقابتها لمجمل فعاليات المشهد الثقافي للتحكم في القوى المثقفة وتسخيرها لخدمة أغراضها وتوجهاتها، وذلك عبر وسائل إعلامية ودعائية متعددة، وتحرص على تنشئة قوى سياسية مجندة لخدمة أغراضها التي تصب في قناة الولاء للنظام، بينما يلعب الإعلام دورا مؤثرا في حياة الشعوب المتقدمة فهو يساهم بتنمية الثقافة الشخصية وخلق مبادرات الفرد وينمي لديه الحس بالمشاركة، ومن ناحية أخرى يلعب دورا كاشفا للفساد ومحرضا لتجاوز الأزمات والآفات الاجتماعية الخطيرة وصولا إلى بدائل جديدة تتناسب وأفاق التطور والنمو .

وفي هذه البلدان المتقدمة والتي نالت شعوبها قدرا من الديمقراطية يقتطع الفرد جزءا مهما من دخله لاكتساب المعرفة، والتماس مع المحيط المحلى والإقليمى والعالمي رغبة منه في البقاء على تماس مباشر مع حركة النمو العلمي والثقافي في العالم. وتعمل وسائل الإعلام هنا للتنافس على اجتذاب الخبرات الإعلامية الكبيرة في جميع مجالات الحياة السياسة، والثقافية، والاجتماعية، والأدب، والعلم والفنون بمختلف أنماطها وأشكالها.

أما القنوات الفضائية والإذاعية المتخصصة فإنها تنفق أمولا طائلة لتحقيق السبق الإعلامي والصحفي على صعيد الشكل أو المضمون كإدخال التقنية الحديثة في أجهزة الاتصالات أو البحث عن طرق جديدة ومبتكرة لاجتذاب أنظار المشاهدين، أو جذب الطاقات الشابة المتعطشة للتغير والابتكار. وتصعيد روح المغامرة والتنافس لتحقيق الأفضل، وتحرص القنوات الإعلامية المتعددة في أوربا على نقل آراء الأفراد وتعليقاتهم في أدق الأمور وأبسطها، وفي أكثر المواضيع حساسية وإثارة. وفي نفس الوقت تعجز الدول المتخلفة بما تمتلك من أدوات التأثير ومن أدوات القمع أيضا، عن كبح القطاعات الواعية في المجتمع، التي تسعى لإيجاد بدائل عن إعلام الدولة الدعائي والتعبوي فى مجمله، وأمام تعسف السلطة واستخدامها القهري للتأثير، يترسخ نضال المثقفين أفرادا وجماعات، وتتخلق قدراتهم فى العمل على مقاومة تعسفها، وتحرير العقول من الخوف كبداية لحرية العقل وحرية الإبداع، وفي نفس الوقت وفي العديد من الدول ذات الأنظمة الشمولية المسيطرة فإن المؤسسات الرسمية تعمل جاهدة إما لخلق وفاق مع هذه القوى أو العمل على كبحها بتضييق هوامش الحريات والسيطرة على وسائل الإعلام، ومنع التعبير بمنأى عنها بل يصل الأمر إلى تجريم المخالفين ومعاقبتهم في كثير من الأحيان.

إن المواقف الرافضة أو القابلة بالنمط الموجه لوسائل الإعلام تبنى على ركائز ثقافية ترسخ عبر الأجيال، وتكسب بالتأثير المتبادل وتعبر عن "اجتماع الأنظمة المادية والروحية التي ابتكرها الإنسان لتحكم سلوكه فيما هو ذاهب إلى الارتقاء بهويته وذاته ونمط حياته والإعلاء من شأن وجوده في الحياة عبر الانخراط في صيرورة هي الثابت الوحيد في هذه الحياة، وعبر الاحتفاظ بأبنية ثقافية تحملها اللغة إلى الأجيال اللاحقة كي تسكنها وتتولى تعديلها أو إعادة إنتاجها وفق حاجاتها وشروط تطورها(1)". 

وهنا تعمل وسائل الإعلام على خلق الارتباط بالواقع والحياة ودلالاتها المتجلية في اكتساب معارف وخبرات ومنجزات بشرية مؤطرة لغويا ومعرفيا، تنشد الغوص في حياة البشر ومعرفة هوياتهم وحاجاتهم النابعة منها، ومن مجمل هذا تتخلق ثقافة الأفراد والجماعات بحسب بيئاتهم ونمط حياتهم، حيث نجد ثقافة تقليدية تنحو إلى القديم، ولها وسائل إعلامها وطرق تأثيرها، وثقافة حديثة جاءت نتاجا لظروف السيطرة الاستعمارية، وما بعدها من تعاطي مع ووسائل الإعلام الحديثة التي تخترق الفضاءات وتنتشر في المراكز الحضرية، بل تعدتها إلى كل مكان نتيجة التطور الهائل فى وسائل الاتصالات وتبادل الأخبار والمعلومات والمعارف، لتشمل كل السكان وتضطلع بمهمة خلق التجانس الثقافي وتطوير المؤسسات الثقافية بالتقنيات الحديثة التي كان التلفزيون احد أهم ثمراتها، وانتشر بسرعة فائقة ليضيف مكانة خاصة لوسائل الإعلام ومهارات الوصول إلى كل بيت، ولم يتوقف التطور، فعالم الرقميات والتواصل عبر الانترنت يضيف كل يوم آفاقا جديدة للتواصل الإنساني الخارج عن السيطرة.

هذا الانفلات الإعلامي شكل قلقا بالغا لدى الحكومات التي تسعى إلى تنميط المنجز الثقافي لخدمة أغراض بقائها واستمراريتها، ومن هنا عهدت الحكومات ـ خاصة في الدول الناميةـ بمهام السياسة الثقافية والإعلامية إلى إدارات مستقلة، ونصت معظم الدساتير والقوانين على كفالة حق الثقافة للجميع عبر مساندة الدولة وامتلاكها لوسائل تعميم الثقافة، ويري البعض أن تضمين الدساتير والقوانين لحقوق ثقافية في الدول النامية لعبت فيه وثيقة (الإعلان العالمي لحقوق الإنسان 1948) دورا مهما، ذلك لأنها نصت على حق الأفراد في الاشتراك الحر في المجتمع الثقافي، والاستمتاع بالفنون، والمساهمة في التقدم العلمي والادبى والفني، كما أكدت على حق حماية مصالح الأفراد الأدبية والمادية المترتبة على مسؤولية إنتاجهم العلمي والفني والادبى(2). غير أن السلطة السياسية المتحكمة فى الشأن العام التفت حول هذا الاستحقاق وضمته لاختصاصاتها بحجج كثيرة تأتى الدواعي الأمنية فى مقدمتها.

وأدى ذلك إلى نتائج سلبية جعلت تأثير وسائل الإعلام وما تحمله من قيم ثقافية محدودا، ولم يسجل إسهاما يذكر في التنمية الشاملة، فى معظم الدول النامية والمتخلفة، نتيجة الهيمنة المفرطة من الدولة على المؤسسات الثقافية، والإعلامية ومحاولة تدجينها لتكون وسيلة للتعبير عن توجهات النظام فقط، ودون مراعاة لحقوق الجماهير ورغبتها في التحرر من أحادية التوجهات الثقافية لنظم سياسية معظمها إن لم يكن مجملها شمولية وقاهرة لشعوبها. 

جهود عديدة بذلت واستراتجيات إعلامية خطط لها مختصون في المجال الثقافي والاعلامى ولكنها ـ في الواقع ـ كانت رهينة باستراتيجيات سياسية واقتصادية تستلزم الاعتراف بأن أى جهد في هذا المجال يسبقه بالضرورة، تنمية بشرية تحدث تغيرات في الفعل والسلوك والأداء والضمير والتفكير، وتدخل مفاهيم علمية في مجالات الحياة السياسية ترتقي إلى الإحساس بان تكون التنمية والتحديث طريقا لتحسين ظروف الحياة بكل جوانبها، وأن ارتباط التغيير مرهون بالمجتمع لا بالنخبة السياسية وسيطرتها! خاصة أمام هذا الكم الهائل من وسائل الاتصالات والإعلام التي تديرها الشركات التي تحتكر المعلوماتية والاتصالات بعيدة المدى ـ بحسب اليونسكوـ بحيث أصبح الإعلام في عصر العولمة في منظومته قد تخطى حدود الدول وأصبح بلا وطن، ولابد أن السياسات الحكومية للدول تعانى من فقدان السيطرة على مجالها الاعلامى، وأصبح المجال الثقافي متنوعا بقنواته الإعلامية المتعددة، التي يمكن مشاهدتها عبر الأطباق الفضائية ذات الكلفة المنخفضة، بل تعدتها إلى أقمار صناعية تساعد على التقاط البث الفضائي مباشرة دون حاجة إلى وسائط، أو خدمات أرضية، وأصبح فضاء الصحافة الرقمية بالغ التنوع عبر الانترنت، كما وفر مجالا مفتوحا للتواصل والتحاور والإعلان عن المواقف دون تحكم من أحد، نتيجة الثورة المعلوماتية التي تزداد خطاها اتساعا كل يوم، وقطعت بذلك الطريق أمام السياسات الإعلامية التي تسعى إلى منع اختراق سياسات العولمة الثقافية لمجالاتها، عبر المنع أو التقييد أو التراخيص أو أنظمة الرقابة الإعلامية، التي تحاول جاهدة أن تضبط بها هذا الانفلات الرقمي الهائل(3). وفي نفس الوقت نجد هناك دولا متسلطة تحتكر وسائل الإعلام المحلية وتحاول السيطرة عليها وامتلاكها وتوجيهها لخدمة أغراض أيدلوجية النظام وترتيبات بقائه واستمرار يته، ودون الانتباه إلى أن العولمة الثقافية تجاوزت حدود هذه الدول، وسلطت الضوء على الكثير من البيئات المطموسة. ويشهد عالمنا المعاصر الكثير من المشاكل الناجمة عن كشف وسائل الإعلام ـ خاصةـ المستقلة لبؤر سياسية واجتماعية تنعدم فيها الحقوق الأساسية للإنسان، وتسلط الضوء عليها مما جعل الحكومات تخشى هذا الاختراق لخصوصياتها، والمسكوت عنه في بيئاتها، فتضطر لإعادة النظر في سياساتها الثقافية وتحاول تأكيد الحقوق المتعلقة بهذا الجانب المرتبط بحرية البشر ألا وهو حق التعبير والرأي واحترام الخصوصية والحقوق الثقافية.

 

المشهد الإعلامي في ليبيا:

تعانى ليبيا كغيرها من الدول النامية وخاصة العربية، إشكالية تتعلق باعتبار أن السياسات الإعلامية لا تخرج عن محاولة النظام السياسي القائم نقل رؤيته وسيطرته على قنوات التنشئة والثقافة السياسية، والكيفية التي تصيغ بها السياسات الثقافية في إطار السياسات العامة للدولة من خلال وسائل إعلامها، ولا تعد ليبيا بمعزل عن هذه الحالة التي يسيطر فيها الخطاب الإعلامى ويقفل فيها هامش الاختلاف والتنوع في المجال الإعلامي، إلا ما يعبر عن التوجهات السياسية للنظام الرسمي.

وفى ليبيا ومنذ الاستقلال السياسي تولت المؤسسات والأجهزة الإعلامية مهام السياسة الثقافية، التي لا تخرج عن كونها محاولة لغرس إيديولوجيا النظام القائم، وتأثرت بالتوجهات السياسية السائدة بحسب مراحل التحول السياسي والاجتماعي وعبرت عن تجربة فقيرة فى محتواها، وعدم استقرار مؤسساتها وقياداتها مع غياب الإعلام الخاص عن المشهد الثقافي الليبي فى معظم تجلياته وتحولاته التاريخية.

تعد الصحافة أول بدايات الحراك الثقافي فى المجتمع الليبي، وقد تصدرت بعض الصحف (أبو قشة، طرابلس الغرب، الفنون، الترقي) المشهد الصحفي الليبي، حيث ظهرت فى الفترة من 1866 إلى 1911، ويعدد الأستاذ على مصطفى المصراتى أسبابا فكرية واجتماعية وإدارية وسياسية، كانت وراء تعدد الصحف والإقبال عليها والثقة فيها خاصة فى الفترة من 1908 إلى 1911، حيث كان اهتمامها منصبا على إعلاء الروح الوطنية والمطالبة بالإصلاح للشأن العام وتنوير الناس بالحقوق والحريات، ووصل عدد الصحف خلال هذه الحقبة ما يزيد عن 49 صحيفة ومطبوعة، غير أن الغزو الايطالي طالها كما طال تراب الوطن(4). واستمر بعضها بعد الغزو الايطالي، تحت ظروف بالغة الصعوبة (1911ـ 1943) حيث ألغيت الصحف الوطنية سنة 1922، وخلال فترة الإدارة البريطانية شهدت الحركة الصحفية انفراجا محدودا تم فيه صدور العديد من الصحف منها(طرابلس الغرب، برقة الجديدة، الوطن، عمر المختار، الجيل الجديد، المرآة، الأخبار، الفجر، الجبل الأخضر، الاستقلال، صوت الشعب، المرصاد، ليبيا،..)، وقد اهتمت هذه الصحف بقضايا الاستقلال والحرية والوحدة الوطنية، كقضايا محورية تهم الرآى العام الليبي(5).

ولم تنظّم علاقاتها إلا بصدور قانون المطبوعات رقم (4/1950) عن حكومة برقة، قبيل الاستقلال، وكان قانونا صارما، يخول الترخيص بطبع ونشر ومراقبة وحركة المطبوعات وبيعها وتوزيعها ويضع عليها شروطا مجحفة.

وتم تعديله بقانون المطبوعات رقم 11/1957 وهو قانون ينظم أمور الطباعة والنشر وينص على حرية التعبير لكل شخص كما ينص على حق إذاعة الآراء والأنباء بمختلف الوسائل وفى حدود الحقوق الدستورية التي نظمها هذا القانون(6).

هذا عن الصحافة أما الإذاعة الليبية حديثة النشأة فقد كانت تتبع وزارة المواصلات، ومشكل لها لجنة عليا لوضع الأهداف والبرامج، ثم أنشئت وزارة الأنباء والإرشاد وضمت الإذاعة، وتوسعت مع سنة 1967 لتصبح مصلحة الإذاعة والتلفزيون، بينما تغير مسمى الوزارة إلى الإعلام والثقافة، ووفقا لذلك يتولى وزير الإعلام ومشرفو الإذاعة والتلفزيون وضع البرنامج الإعلامي الرسمي باعتبارهم نوابا عن الجماهير بحسب الدستور والقوانين النافذة. والملاحظ على هذه الفترة تميز الإذاعتين المرئية والمسموعة باتجاهي العمل الوطني، ويتجه مباشرة لتوعية المواطن بشخصيته الوطنية وتراثه والعمل على توعيته في مختلف نواحي الحياة.

والخارجي ويعكس توجه الدولة الليبية وعلاقاتها الخارجية، حيث برز التوجه القومي لليبيا كجزء من الأمة العربية، واحتلت القضية الفلسطينية مكانة بارزة في الاهتمام الإعلامي الليبي، واستطاعت الإذاعة والتلفزيون اكتساب إقبال جماهيري نظرا لحاجة الناس إليها باعتبارها قناة أساسية للمعرفة والتواصل الإنساني ووسيلة للتعبير عن المطالب والغايات، وعبر الخطاب الرسمي عن ذلك بوضوح حيث:

"كانت مخططات الإعلام تنبثق من تاريخ نضال هذه الأمة، وينبثق من واقع آمالها وتطلعاتها نحو المستقبل الأفضل، ويهدف إلى توعية المواطن وتوجيهه إلى ما فيه خيره وخير الوطن الحبيب، والعمل على ربط المواطن بأرضه ومجتمعه، وتعريفه بتاريخه وأمجاده، مستوحين فى كل ذلك المبادئ الوطنية فى تأكيد شخصيتنا والاعتزاز بوطنيتنا(7)".

هذه المرحلة ـ من الاستقلال وحتى قيام ثورة سبتمبر ـ 1969 سيطرت فيها "الأفكار التقليدية المستوردة من النظام الغربي والمتمثلة فى اعتبار الإعلام السلطة الرابعة والتي مهمتها مراقبة بقية السلطات مثل السلطة التنفيذية والتشريعية والقضائية، هذا من الناحية الشكلية أما فى الواقع فإن معظم هذه الأفكار لم تر النور والتطبيق الحقيقي المطلوب(8)".

 

المرحلة الأولى من الثورة وحتى 1973:

شكلت هذه المرحلة البداية الفعلية لتغير السياسات الإعلامية في ليبيا وما اكتنفها من تحول فى طبيعة النظام السياسي منذ قيام الثورة فى سبتمبر 1969 وحتى قيام الثورة الشعبية على إثر خطاب زواره الذي ألقاه العقيد معمر القذافى سنة 1973. وشهدت هذه المرحلة تغيرات مختلفة فى الحقل الإعلامى والثقافي منها: 

في أكتوبر أي فى الشهر التالي لقيام الثورة الليبية سنة 1969، صدر قرار مجلس الوزراء بتعيين مدير عام للإدارة العامة للإعلام، وكان ذلك استنادا الى قرار مجلس قيادة الثورة الصادر في سبتمبر من نفس العام، بإنشاء إدارات عامة. وصدرت أول صحيفة يومية في 20 / 10 / 1969 تحت اسم صحيفة الثورة. وما لبث رئيس مجلس الوزراء أن أصدر قرارا لاحقا في يناير 1970 بتحديد اختصاصات الإدارة العامة للإعلام، وتضمن هذا القرار انبثاق إدارة جديدة سميت الإدارة العامة للثقافة، وعلى ذلك تم تحديد اختصاصات الإدارتين والتفريق بينهما من حيث الاختصاص، وتضمنت اختصاصات إدارة الإعلام:

1- اقتراح وتنفيذ السياسة العامة المتعلقة بالشؤون الإعلامية وإدارة الأجهزة الإعلامية من مرافق البث الاذاعى المرئي والمسموع والخدمات الإخبارية.

2- إدارة المسارح والخيالة وفرق الفنون الشعبية والمنشأة الحكومية للطباعة والنشر وتوزيع وإصدار الصحف والمجلات.

3- مراقبة الصحف والمجلات الأهلية والأجنبية والمطبوعات الأخرى.

4- الإشراف على الشؤون المتعلقة بالمنشآت الخاصة العاملة في الطباعة والنشر والتوزيع والإعلان، ودورات التدريب على وسائل الإعلام.

وفرق القرار بين الإعلام والثقافة بحسب الاختصاص حيث أوضح اختصاصات إدارة الثقافة على أساس:

1- اقتراح وتنفيذ السياسة العامة المتعلقة بالشؤون الثقافية ورعاية الحركة الفكرية والأدبية والفنية ومعاونة المشتغلين بها.

2- إدارة الأجهزة المتخصصة من مراكز ثقافية ومعاهد تدريب على الفنون.

3- دعم روابط التعاون الثقافي والفني بين ليبيا والبلاد العربية والإفريقية والدول الأخرى.

4- الإشراف على شؤون الملكية الادبية والفنية.

وأوضحت بنود القرار تبعية إدارة الإعلام لمجلس الوزراء، بينما يتولى وزير التربية والإرشاد القومي إصدار قرار لاحق بالتنظيم الداخلي للإدارة العامة للثقافة. كما أوضح أن هذا الإجراء جاء لاحقا لإلغاء وزارة الإعلام والثقافة واستهدف حلها وتوزيع أجهزتها على الإدارتين المشار إليهما.

وفي أكتوبر 1970 قرر مجلس الوزراء إنشاء لجنة استشارية عليا للإعلام بوزارة التربية والإرشاد القومي تواصل وتتابع قائمة الأعمال التي سبق أن كلفت بها إدارة الإعلام وأكد القرار على منطلق جديد يتعلق باختصاص هذه اللجنة الاستشارية باقتراح السياسة المرحلية لتنفيذ المخططات الإعلامية وفقا للتغيير الجذري الذي قامت من أجله ثورة الفاتح من سبتمبر. واحتوت اللجنة التي ترأسها وزير التربية والإرشاد القومي على أسماء مجموعة من الإعلاميين والصحفيين والمثقفين. و

وفي أغسطس 1971 تمت إعادة تشكيل الوزارة في ليبيا، وشكلت أول وزارة للإعلام بقرار من مجلس قيادة الثورة، ولحق بهذا القرار القانون رقم 78 للعام 1971 بتنظيم وزارة الإعلام. واحتوى القانون تحديدا لاختصاصاتها، كما أكد القانون على أن هذه الوزارة تتولى وضع وتنفيذ الخطة الإعلامية في حدود الإطار العام لسياسة الدولة وأهدافها القومية، كما تسهم في البرامج العامة للإعلام لدولة اتحاد الجمهوريات العربية. وبموجب هذا القانون تم ضم بعض الأجهزة التي كانت تابعة لشؤون الإعلام بالإدارة العامة للإرشاد القومي وهى: الإذاعتان المرئية والمسموعة، ومهام المطبوعات والنشر والإنتاج السينمائي، والتدريب على الإعلام وإدارة الفنون والآداب، وما يختص بشؤون المسارح والخيالة والفنون الموسيقية والشعبية. وكذلك تمت إحالة بنود الميزانية المخصصة لتغطية المهام الإعلامية بوزارة التربية والإرشاد القومي لوزارة الإعلام الجديدة. واستخدم القانون عبارات من قبيل:

- توعية الرأى العام

- تحقيق التلاحم والترابط الفكري

- إلقاء الضوء على المشروعات والإنجازات

- تزويد الجماهير بالزاد الثقافي

تعميق المفاهيم الثورية لدى الجماهير

- تبصير الرأي العام العربي بالنضال الوحدوي

- تعريف الرأي العام العالمي ودوائر الثقافة والسياسة بحقيقة مايجرى في الجمهورية العربية الليبية.

وبرز بوضوح التأكيد على أولويات توظيف قنوات الإعلام في الأغراض التعبوية والتحريضية، وعلى منطلقات وإيديولوجيا النظام الثوري التي بدأت في التبلور بشكل صريح في مستهدفات النشاط الإعلامى الرسمي. وقبل انتهاء العام الأول من عمر هذا القانون حدثت تغييرات جذرية في واقع وزارة الإعلام المستحدثة وذلك بصدور قانون جديد يضم الثقافة للإعلام ويعيد رسم المهام والاختصاصات وفقا له.

وفى أغسطس 1972 صدر القانون رقم 115 القاضي بإعادة تنظيم وزارة الإعلام والثقافة، هذا القانون حدد اختصاصات وزارة الإعلام والثقافة وأشار إلى دورها فى وضع وتنفيذ الخطة الإعلامية فى حدود الإطار العام لسياسة الدولة، كما أوكل وضع وتنفيذ الخطة المتعلقة بالشؤون الثقافية فى مختلف نواحيها ورعاية الحركة الفكرية والأدبية والفنية وإدارة وتوجيه المؤسسات العاملة فى المجال الاعلامى والثقافي كما ركز على ضرورة إسهام هذه الأجهزة فى النشاط الاعلامى لدولة اتحاد الجمهوريات العربية، محددا مستهدفات عامة تضمنها الإعلان الدستوري الصادر فى ديسمبر 1969(9)، والتأكيد على تحرير البلاد سياسيا واقتصاديا من التبعية والنفوذ الأجنبى، كما ركز القانون رقم 115/1972 على:

- توعية الرأي العام المحلى وتبصيره بقضايا مجتمعه والوطن العربي والعالم المعاصر وتعميق القيم الثورية وحشد طاقات الجماهير للمشاركة فى عملية التغيير والبناء.

- التركيز على قضايا قومية من قبيل تعميق الروابط الفكرية والثقافية والروحية بين قوى الشعب العاملة فى اتحاد الجمهوريات العربية، والتصدي للدعاية المعادية بالأسلوب العلمي والموضوعي، وإمداد الجماهير بالزاد الثقافي والفكري المستمد من التراث العربي والإسلامي والمرتبط بثقافة العصر، مع تعريف المواطن بواجباته وحقوقه ودوره فى صنع التقدم، كما تكونت بموجب هذا القانون وزارة الإعلام والثقافة التي اشتملت على:

- مصلحة الإذاعة،

- الإدارة العامة للثقافة،

- مصلحة المطبوعات،

- وكالة الأنباء الليبية،

- ومركز البحوث والدراسات،

وبموجب قرار من مجلس الوزراء تم تحديد الاختصاصات لإدارات ومصالح وزارة الإعلام والثقافة، كما أجاز لوزارة الإعلام أن تنشئ مديريات للإعلام والثقافة بالمحافظات.

المرحلة الثانية: 1973 وحتى 1977

شهدت هذه المرحلة إقحام المؤسسات الإعلامية في تغيير شامل لكل ما سبق من تفاعلات على الصعيد الإيديولوجى للثورة، ففي خطاب العقيد معمر القذافى فى زواره بتاريخ 15/4/1973 دخلت الثورة الليبية مرحلة (الثورة الشعبية) والتي تحددت أحد أهم أهدافها فى الثورة الثقافية(10)، حيث تم تحريض الجماهير على الزحف والاستيلاء على كافة المؤسسات التقليدية بما فيها وسائل الإعلام، وتم الاستيلاء على الإذاعة من قبل العناصر الثورية الموالية للنظام، وسميت بإذاعة الثورة الشعبية، وأعلن رسميا عن تشكيل المؤتمرات الشعبية الأساسية فى كل المواقع طريقا لتحقيق الديمقراطية المباشرة، كما أعلن أن وسائل الإعلام ـخاصة الإذاعةـ هي لسان حال الجماهير وعليها أن تفرض سيطرتها، هذا الطرح كان تأكيدا لبدء مرحلة انفراد الإيدولوجيا الثورية بوسائل الإعلام، وبالتالي إقصاء المنتقدين والمخالفين لهذا المنهج بل وإعلان رغبة النظام فى محاربتهم، ويري أحد الباحثين أن بوادر الثورة الثقافية فى ليبيا دعت إلى محاربة الفكر المريض وتقويض محاولات بعض الأقلام الحزبية الوصول إلى الإعلام الليبي فى فترة ما بعد قيام الثورة، ومن ثم إفساح المجال كاملا أمام العناصر الثورية لترسيخ إيديولوجية كاملة للإعلام الليبي وتداعياته(11). ومن ثم للسياسة الثقافية التي بدأت بوادرها تتضح بخطاب زواره، وقد شكل الخطاب السياسي للعقيد معمر القذافى أهم ملامح السياسة الثقافية فى هذه الفترة ممهدا لإعلان قيام سلطة الشعب، وقيام الجماهيرية وقد تتالت الأحداث الناتجة عن التحريض الثوري وكان أهم محطاتها: 

- إعلان الثورة الشعبية فى ابريل 1973.

- إلغاء الاتحاد الاشتراكي العربي.

- الثورة الطلابية فى ابريل 1976.

- النظرية العالمية الثالثة وصدور الفصل الأول من الكتاب الأخضر1976(11).

هذه التطورات كانت بداية لفترة ممتدة من 1977 وحتى الآن حيث تدار المؤسسات الرسمية بواسطة اللجان الشعبية والمؤتمرات الشعبية وفقا لآليات السلطة الشعبية.

المرحلة الثالثة: الفترة من 1977 حتى 2007

شهدت هذه الفترة الطويلة تغيرات هيكلية عديدة فى بنية المؤسسات الإعلامية ففي مارس 1977 تمت إعادة تنظيم أمانة الإعلام، وأصبحت الاختصاصات فى حدود الخطة الإعلامية للمؤتمرات الشعبية وفق المنطلقات الفكرية الأساسية لثورة الفاتح والداعية للتبشير بالمقولات الثورية للكتاب الأخضر، واستخدام كل الأدوات الإعلامية والثقافية فى سبيل تعميق وترسيخ فكر الثورة، ثم توالى الأمناء الذين يتم تغييرهم سنويا. وقد شهدت هذه الفترة صدور عدة قرارات لتنظيم الأمانات ومنها أمانة الإعلام، أصبح هناك صحافة متخصصة تعبر عن قطاعات وتصدر عن نقابات وروابط واتحادات، أما الإذاعة فيعبر عن حالها ما كتبته صحيفة الطالب في مقال بعنوان "حتى تنتهي الإذاعة التقليدية" نشر في عدد نوفمبر 1979 وأشار بوضوح إلى المنهج الإعلامي المتبع في هذه المرحلة حيث "كان لزاما على قوة الثورة أن تحسم الصراع في هذا المرفق لصالح الخير وأن تكشف عناصر الشر التي تمركزت فيه طويلا وارتضت لنفسها أن تصنف هكذا". لغة جافة ومحتوى تخويني خطير تستهدفه وسائل إعلام يفترض انحيازها للمجتمع وللقطاع الطلابي الذي يعد للقيام بالدور الاستشرافي لمستقبل البلاد، والتعبير عن الناس والانحياز للمعرفة كحق إنسانى أصيل. وقد مثلت سنة 1980 أحد المحطات الجديدة فى تكييفها لتكون نسقا من أنساق تطبيق السياسات الثورية فى بعدها الإعلامي، حيث زحفت (قوة الثورة) التي تم تحريضها فى الملتقى الثالث للجان الثورية على وسائل الإعلام، وشكلت لجنة ثورية بها، وأصدرت بيانا تولت بموجبه إدارة الإعلام تحت مسمى (اللجنة الإدارية للإعلام الثوري) وحولت الإدارت إلى شعب، واختفت أمانة الإعلام من خارطة وقرارات إعادة تشكيل اللجنة الشعبية العامة، واستمرت لجنة الإعلام الثوري تدير السياسات الثقافية بمنهج ثوري، خاصة بعد زحف (القوة الثورية والقومية والطلابية!) مجددا على وسائل الإعلام فى أبريل 1982، وشكلت لجان ثورية إدارية جديدة تشرف على الصحافة والإذاعتين وجددت في مستهدفاتها بحيث أكدت على ضرورات جديدة ومستهدفات إعلامية وثقافية تتعلق بدراسة وتحليل وترجمة مقولات الكتاب الأخضر، ومقارنته بالنظرية الرأسمالية والشيوعية، والعمل ضمن وحدات إدارية يدخل فى صلب اهتمامها دراسة ما يصدر عن العقيد معمر القذافى من خطب وأحاديث. كما تتولى هذه الوحدات القيام بمهام السياسة الإعلامية والتعبوية وذلك بموجب توجيهات اللجنة الإدارية للإعلام الثوري، وتهتدي بتوصيات بيان القوة الثورية.

وفى 25/5/1985 صدر قرار مؤتمر الشعب العام القاضي بتشكيل اللجنة الشعبية العامة وعودة أمانة اللجنة الشعبية لقطاع الإعلام والثقافة على مستوى الجماهيرية ولجان شعبية نوعية للإعلام والثقافة على مستوى البلديات وفروعها، وفي سنة 1987م أضيف( التوجيه الثوري) للإعلام والثقافة، وفقا للمنطلقات الفكرية للنظرية العالمية الثالثة. كما تم صدور قرار لاحق برقم 155/1988 تنشأ بموجبه (الهيئة العامة لإذاعة الجماهيرية العظمى) تحت إشراف اللجنة الشعبية العامة للإعلام والثقافة. وفى هذه الفترة من عمر أمانة اللجنة الشعبية للإعلام والثقافة والتعبئة الجماهيرية تحكمت الأمانة في جميع الأنشطة الإعلامية والثقافية والفنية كما ضمت لها مراكز البحوث ودار الكتب الوطنية.

وطبقا للقرار رقم (26/1993) الصادر عن اللجنة الشعبية العامة أعيد بموجبه تنظيم أمانة الإعلام والثقافة والتعبئة الجماهيرية، وتضمن التنظيم الداخلي للأمانة إدارة عامة للإعلام والثقافة والتعبئة الجماهيرية والتي حددت مهامها فى الدعوة للفكر الثوري وترسيخه والتبشير به والدعاية له، ومحاربة الأفكار الهدامة وتنظيم الاحتفالات وإحياء المناسبات وإجراء البحوث والدراسات.

وقبل نهاية سنة 2000 وفى خطوة مفاجئة صدر قرار مؤتمر الشعب العام (21/1430) بشأن إلغاء اللجنة الشعبية العامة لقطاع الإعلام والثقافة وبموجب القرار رقم(179/1369 و.ر الموافق 2001م)، شكلت المؤسسة العامة للإعلام الجماهيري لتتمتع بالشخصية الاعتبارية والذمة المالية المستقلة وتخضع لإشراف اللجنة الشعبية العامة، وكلفت بالمهام ذات الطبيعة الإعلامية والإخبارية.

واختفت اللجنة الشعبية العامة للإعلام والثقافة لأكثر من عامين، ثم عادت فى مارس 1372 و.ر (2004) بقرار مؤتمر الشعب العام بينما أعيدت المؤسسة العامة للصحافة التي تشرف على الصحف الصادرة عن أمانة الثقافة والإعلام.

المشهد الإعلامي الليبي يواجه مأزقا الآن، وباعتراف قيادات سياسية، فقد ورد على لسان سيف الإسلام القذافي فى خطابه أمام ملتقي الشباب فى مدينة سرت فى صيف 2006 تصريح يشير بوضوح إلى عجز الصحافة الليبية بل عدم وجود صحافة أصلا، دون التطرق إلى كيفية خلق مستوى جديد أو تفعيل آليات جديدة لبناء مؤسسة صحفية تنهي احتكار الدولة للصحافة الموجودة منذ عقود من الزمن، وتكسر حالة الانتهاك المستمرة ضد حرية الرأي، وإذا كان هذا الحال بالنسبة للصحافة فإن الأمر لايختلف كثيرا بالنسبة للإذاعتين المرئية والمسموعة. ورغم ذلك فقد شهدت السنوات الماضية مساعي جادة لإنتاج صحفي بلون جديد وأداء متطور وخطاب موضوعي مهني يمس الواقع المعاش ويتفاعل مع هموم المجتمع.

ولابد من التذكير هنا بإسهامات متميزة لمجلة (لا) ومجلة المؤتمر بالرغم من الطبيعة الخاصة التي رافقت إصدار كل منهما حيث كانت الأولى باقتراح شخصي من العقيد معمر القذافى والثانية صادرة عن المركز العالمي للكتاب الأخضر، وهنا نشير بالضرورة إلى التطور في دور النخبة الإعلامية خاصة الفاعلة فى المشهد الثقافي الليبي والتي لم تتوقف عن المطالبة بمعالجة واقع الإعلام الليبي المتردي.

ومثل القرار الذي صدر عن اللجنة الشعبية العامة مؤخرا والقاضي بتشكيل لجنة لتقييم أوضاع الصحافة في ليبيا وما تلاه من حراك وتفاعل إعلامي مواز للإعلام الحكومي، سواء البيان الصادر عن نخبة من الصحفيين والمثقفين والحقوقيين والذي دعوا فيه لتفعيل القوانين التي تسمح بصدور الصحف المستقلة، ونادوا بفتح حوار لمناقشة واقع الصحافة الليبية، وبلورة حلول لما تواجهه من أزمات، أو ما تلاه من حوارات ومعارضات للقابلين والرافضين، وما حركته اللجنة من موات فى شكل حوارات وبرامج ومقالات، أو النشاط الإعلامي لمؤسسة الغد الذي انطلق أخيرا عبر صحيفتي ( قورينا) و (أويا ) وإذاعة الليبية المستقلة وفضائيات تبث من الداخل والخارج. ورغم ما يعترى المشهد الإعلامي من ضبابية إلا أن الجميع يتطلعون للمستقبل، خاصة وأن مشروع ليبيا 2025 قد فتح لهم متنفسا للأمل.

محاولة لرصد عوامل الضعف والقصور

إن التحديات التي تواجهها مجتمعاتنا، تستدعي تفعيل دور الإعلام لينهض بدوره التثقيفي والتنويري ويُسْنِدَ عمليات الإصلاح التي لا معنى لها بدون سند ثقافي وفكري جادّ ورصين، فهل استطاعت وسائل إعلامنا القيام بهذا الدور؟

خلال الفترة من الاستقلال وحتى قيام الثورة سنة 1969م. لم يتح للمشهد الإعلامي فرصة التأثير المتوقعة، بالرغم من المناخ المناسب لخطاب إعلامي إرشادى وتعبوي وسط بيئة ترزح تحت الجهل والفقر والمرض. مع فقر بيّن في الكوادر الفنية الموكول إليها نشر الرسالة الإعلامية بمختلف الوسائل.

ومنذ قيام الثورة في سبتمبر 1969 م، تسارعت وتيرة الحدث الاعلامى، وتحول إلى أداة أساسية فى المشروع الثوري ووسيلة أساسية فى التعبير عن طموحاته ونقل خطابه، وإغلاق وسائل الإعلام أمام أى توجه أو خطاب إعلامى منافس أو مخالف وتم التشكيك في أى خطاب مغاير للتوجه الإيدلوجى للنظام الثوري، وألزمت وسائل الإعلام بالتعبير عن توجهاته وكلف بمهام أساسية فى الحراك الثوري وتوجهات النظام التعبوية.  

يستلزم العمل الإعلامي وعيا وطنيا لصياغته بما يعبر عن الواقع الليبي والعربي والعالمي، ويراعى فيه الخصوصيات الثقافية مع احترام التنوع والاختلاف، والأخذ بما يفيد التقدم والتنمية، ولا يتقاطع مع القيم والموروث الحضاري، ويحترم وجود تفاوت وفروق تستلزم الحذر. إلا إن ذلك لا يعنى حجر الإعلام الرسمي على العقول عبر قنوات إعلامية من صحافة وإذاعة تعوق حق الناس فى التعبير وتحجر على حرياتهم في الجهر به. ولا يراعي أن الإعلام بوسائله المتعددة يؤثر تأثيرا كبيرا في توجيه الرأي العام، ويعتبر وسيطا للتغيير إلى الأفضل، ويخلق وعيا لدى المجتمع بمعوقات التقدّم لديه، كما أنه يعمل على نشر القيم الايجابية وعلى رأسها فكرة المساواة والحرية والعدالة الاجتماعية. وفي كل ذلك يكون التأثير الإعلامي وفقا لما يتمتع به المجتمع من حرية في التعبير تعني الحقّ في نقل الأفكار والآراء والمعلومات بدون قيود، والحق في تداول المعرفة، والقدرة على احترام الأفكار التي تطرحها الأطراف الأخرى، لتحقق التوازن بين مختلف الأطراف العاملين في الحقل الإعلامي ومختلف أطراف المجتمع.

المحصلة التي تناولنا بها المشهد الإعلامي الليبي تشير بوضوح إلى ابتعاد واقع المؤسسة الإعلامية في ليبيا عن المستهدفات التنموية المجتمعية، وانحصار دورها فى الجوانب التعبوية، كما شكلت التغييرات الهيكلية والقانونية عائقا مؤسسيا، بما لا يسمح باستقرار مؤسسات إعلامية قادرة على العمل الإعلامي للقيام بادوار التوجيه والإرشاد والتعبير عن الحقوق والحريات الاجتماعية والسياسية، وتوجيه متخذ القرار، وتأدية دورها كسلطة قادرة على الإسهام بدور أصيل فى عملية التنمية وتحقيق طموحات وآمال البسطاء.

ذلك أن السياسة الإعلامية تتمحور حول ثقافة المجتمع التي تعد مكونا محوريا فى عملية التنمية المجتمعية، خاصة إن تم العمل الإعلامي عبر الاستفادة من التطور المنجز باستخدام التكنولوجيا المتطورة، وتنمية مهارات وقدرات العالمين فى الحقل الثقافي والاعلامى، لتقديم إنتاج نوعى ينافس ما يقدم بالدول المتقدمة.

وعلى هذا الأساس فانه لابد من الانتباه إلى أن قطاع الإعلام يعانى من العديد من المشاكل منها:

- لوائح وقوانين معرقلة للمبادرة والابتكار فى العمل الصحفي الاذاعي نتيجة هيمنة مؤسسات الدولة بشكل كلى على المؤسسات الإعلامية.

- ضعف فى الكوادر الفنية، ونقص حاد فى الصرف على تطوير القطاع الإعلام، وإهدار للمال العام عبر برامج تعبوية، وإنشاء مؤسسات إعلامية خارج ليبيا للقيام بأهداف تبشيرية وأخرى تحريضية.

- ارتباك قانوني ومؤسسي وتغيرات وتبديلات فى تبعية وسائل الإعلام لمختلف الجهات وعدم استقلاليتها.

- خطاب إعلامي متخلف عفى عليه الزمن ولا يراعي التقدم الهائل فى وسائل الاتصال والإعلام وكفالة نقل الأخبار وتبادلها دون حدود أو قيود.

الأهداف المرحلية لتطوير قطاع الإعلام: 

1- تشجيع الإبداع الأدبي، وكفالة حقوق التعبير عبروسائل إعلام مستقلة وحرة، وتوسيع المشاركة فى الحياة الثقافية وذلك عبر رفع القيود التي تعيق حرية المؤلف فى الإنتاج، والدفع بمنظمات المجتمع المدني المعنية بمجالات الثقافة والحريات، وإفساح هامش الثقة بدلا من التخويف والتخوين، وتشجيع المبدعين على الارتقاء بالمستوى الفني والحداثى، والتعريف بهم ودفعهم للمشاركة فى الحوارات والملتقيات الثقافية محليا، وعربيا، وعلى مستوى الثقافة العالمية.

2- إزالة كافة العراقيل أمام وجود مؤسسات إعلامية حرة ومستقلة بكافة أنواعها وإشكالها من صحافة ووكالات أنباء وإذاعة مسموعة وتلفزيون.

3- دفع المجتمع بمختلف مستوياته الفكرية، وتخصصاته العلمية إلى تعميق الثقافة العصرية العلمية، والاستفادة القصوى من المعلومات التي توفرها التكنولوجيا الحديثة ووسائل الاتصال والإعلام المتطورة.

4- تطوير القدرات البشرية والثقة فى الأداء المحلى وفتح المجال أمام مؤسسات المجتمع المدني، خاصة اتحاد الأدباء والكتاب، ونقابة الصحفيين، ونقابة أعضاء هيئة التدريس الجامعي، ونقابة الفنانين وغيرها، وإفساح المجال للقطاع الخاص للإسهام فى النشر والطباعة والتوزيع والصحافة الخاصة ودور المسرح ودور عرض الخيالة والفنون، والعمل على تطوير المؤسسات المعنية بالسياسة الثقافية وفتح مجال المنافسة لتقديم أفضل الإنتاج باستخدام المناهج العلمية فى التخطيط، واستخدام المعدات الحديثة فى تطوير الأداء الثقافي والاعلامى.

إن الضرورة الملحة لتأسيس الإعلام الصادق والمؤثر يرتكز على ثوابت أخلاقية تعززها حرفية عالية من العرض المتقن والمتطور الذي يواكب روح العصر والثورة المعلوماتية الهائلة ويتطلب البحث والمكاشفة لتعرية التراكمات السالبة لأداء الإعلام الجماهيري والصحافة الشعبية (الصحافة الحكومية)، وافتقار كوادرها للتأهيل والتدريب، وافتقارهم إلى التأهيل الإعلامي الفني والمتطور والمتخصص مع غياب كلى للتخطيط والاعتماد على ردود الأفعال والانفعال مما أدى إلى تردى المؤسسة الإعلامية بشكل كبير.

الهوامش:

1- د. عبد الرحمن بسيسو، الثقافة والهوية، ورقة عمل مقدمة الى وزارة الثقافة الفلسطينية (مشروع الخطة الإستراتيجية للثقافة الوطنية)، ابريل 2005.

2- بدر الدين بوغازي "نحو إستراتيجية للعمل الثقافي العربي، مقومات التخطيطي للتنمية الثقافية"، المؤتمر الثاني لوزراء الثقافة العرب، طرابلس 10-13 فبراير 1979، المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم. ص3

3- منشورات اليونسكو(الشاهد) السنة 15، العدد 180 يوليو 2000 ص66.

4- على مصطفى المصراتى، صحافة ليبيا فى نصف قرن (طرابلس: الدار الجماهيرية للنشر والتوزيع والإعلان) ط2 2000 .

5- هنري حبيب، ترجمة: شاكر إبراهيم، ليبيا بين الماضي والحاضر(طرابلس: المنشأة الشعبية للنشر والتوزيع والإعلان والمطابع) ط 1 1198 . ص ص 249ـ 253 .

6- على المصراتى، صحافة ليبيا فى نصف قرن، مرجع سابق ص 250 .

7- كلمة وزير الإعلام والثقافة ( مجلة الإذاعة) العدد 13 السنة الثامنة أغسطس 1968 ص4 .

8- عابدين الدردير الشريف، الإيديولوجية الإعلامية فى ليبيا بين النشأة والتطور "مجلة البحوث الإعلامية" العدد الخامس، السنة الثانية، ص 78 ربيع 1993.

9- للاطلاع على الإعلان الدستوري راجع: موسوعة التشريعات الليبية، المجلد الأول، طرابلس، دار مكتبة الفكر، 1972.

اشتملت النقاط الخمس لخطاب زواره على:

- تعطيل كافة القوانين المعمول بها فى ليبيا قبل الثورة

- تطهير البلاد من جميع المرضى الذين يشكلون صفا معاديا للشعب ويقفون فى طريق التنمية والتطوروالسعادة

- الحرية كل الحرية لجماهير الشعب الكادحة وليست للمترفعين عن الجماهير

- إعلان الثورة الإدارية وإعلان الثورة ضد المكتبية التي تعطل مصالح الجماهير وتعيق حركة الجماهير نحو العمل والإنتاج وحركة التحول والتنمية

- إعلان الثورة الثقافية

10- للمزيد : محمد شرف الدين، تجربة التطور الاعلامى من ليبيا إلى الجماهيرية ( طرابلس: المنشأة العامة للنشر والتوزيع والإعلان) 1986

** محمد شرف الدين، أمين الإعلام والثقافة فى الفترة من مايو1985 إلى مارس 1987

11- مزيد من تفاصيل التحولات السياسية فى: ليبيا الثورة فى 30 عام،مجموعة باحثين، التحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية 1969 ـ 1999(طرابلس: الدار الجماهيرية للنشر والتوزيع والإعلان ) ط1 2000

 

 يتم نشر هذا المقال وبقية المقالات من هذا العدد من عراجين بالإتفاق مع هيئة تحرير المجلة


Email Drucken Favoriten Twitter Facebook Myspace Stumbleupon Digg MR. Wong Technorati aol blogger google reddit Yahoo

Add comment


Security code
Refresh