Warning: include(/home/content/l/i/b/libyaforum/html/new/media/system/utf.php) [function.include]: failed to open stream: No such file or directory in /home/content/71/3922071/html/index.php on line 17

Warning: include() [function.include]: Failed opening '/home/content/l/i/b/libyaforum/html/new/media/system/utf.php' for inclusion (include_path='.:/usr/local/php5/lib/php') in /home/content/71/3922071/html/index.php on line 17

Warning: include(/home/content/l/i/b/libyaforum/html/modules/mod_breadcrumbs/tmpl/javascript.php) [function.include]: failed to open stream: No such file or directory in /home/content/71/3922071/html/index.php on line 20

Warning: include() [function.include]: Failed opening '/home/content/l/i/b/libyaforum/html/modules/mod_breadcrumbs/tmpl/javascript.php' for inclusion (include_path='.:/usr/local/php5/lib/php') in /home/content/71/3922071/html/index.php on line 20
LibyaForum.org نحو مسرح ليبي أفضل

 نحو مسرح ليبي أفضل       (مجلة عراجين8)

 بقلم: البوصيرى عبد الله

مدخل:

منذ ظهور الإنسان على أديم الأرض وغريزة التشخيص والمحاكاة والتقليد عالقة بوجدانه، وتشكل جزءا من سلوكياته اليومية، فالإنسان بطبعه يحنّ إلى استعادة صور الماضي لاستلهام العبر، وللاستفادة من أخطاء الأسلاف، وأيضا للترويح عن النفس كي يسكن روعها الناتج عن غموض الطبيعة. وكل ذلك كان بدافع البحث عن حياة أفضل.

وعندما نضج الفكر الإنساني طور هذه الغريزة الفطرية إلى فن عرف بـ (فن الدراما) أى الفن الذى يتلازم، أو يتزامن فيه القول مع الفعل – حسب تفسير أرسطو – ثم خصصوا مكانا لعرض ومشاهدة هذه الدراما أطلقوا عليه مصطلح (ثياتر)، أي مسرح – وفق ترجمة بطرس البستاني-.

منذ ذلك الحين وفن المسرح مرتبط بالمصير الإنساني، مواكب للانقلابات الاجتماعية الكبرى، ومرافق لأعتى الثورات، ومتزامن مع ظهور الفلسفات والأفكار والآراء المستنيرة، وغير المستنيرة أيضا، إذ أن المسرح ليس فى كل الحالات فوق مستوى الشبهات، فكما أنه موجود فى المواقع النبيلة، فهو موجود كذلك فى مواقع الرذيلة، موجود حيث وجد السمو، وموجود كذلك حيث وجد الانحطاط، وذلك لأنه كالقلم .. كالريشة .. كالآلة الموسيقية .. كالبندقية موقعه مرهون باختيارات مريديه، فكيفما وحيثما يكون هؤلاء يكون مسرحهم. على أن التاريخ يقول: إن موقعه السامي هو القاعدة وما خالف ذلك هو مجرد استثناء، ومحض انحراف عن المسار، ولذلك احترمته الشعوب، والحكومات فمنحت المتميزين فيه الجوائز والهدايا، وأطلقت عليهم الألقاب الرفيعة، وعلقت على صدورهم النياشين والأنواط، بل واتخذت من بعضهم رموزا خالدة، كما هو حال شكسبير بالنسبة لبريطانيا، وليس هذا سوى اعتراف بالدور النقدي، والنضالي، والإصلاحي، والثقافي، والترويحي للمسرح عبر كل العصور والدهور.

بيد أن المسرح فى منطقة العرب كان له شأن آخر حيث اجتمعت على محاربته السلطة الدينية والسلطة السياسية، وتآلفت على عداوته طبقة الأعيان، وطبقة اللاأعيان، ومرد ذلك إلى خطورة دور المسرح وفاعليته فى استنهاض الهمم، وإذكاء نار الغضب فى النفوس الفاضلة من أجل التحرر والثورة على الفساد بكامل مظاهره .

ولم يكن حال المسرح فى بلادنا.. ليبيا العزيزة بأفضل مما هو عليه الحال فى البلدان العربية الأخرى، وهو حال يمكن أن تجلي بعض مظاهره السطور اللاحقة.  

لمحة تاريخية :

يعود تاريخ أول عرض مسرحي شاهده الجمهور الليبي الى سنة 1832م. عندما عرضت فرقة فرنسية، أسسها – فى أغلب الظن- القنصل الفرنسي (شويبيل) من الجالية الأجنبية المقيمة فى طرابلس، إحدى كوميدياتها أمام يوسف باشا القرمانلي وبعض من رجال دولته، وتلة من أعيان المدينة (انظر بحثنا: وثائق جديدة عن المسرح الليبي –مجلة المؤتمر-السنة الأولى– العدد 6).

وبهذا تعتبر مدينة طرابلس ثاني مدينة عربية تشاهد عرضا مسرحيا بالمعنى العلمي الدقيق.

ويبدو أن الجالية الأجنبية قد نهضت بدور نشط فى تحريك المسرح خلال العقود الأخيرة من القرن التاسع عشر، حيث حضرت إلى طرابلس فرقة إيطالية عرضت -سنة 1875- إحدى كوميدياتها. وقد وثق هذه الزيارة شاعرنا أحمد الفقيه حسن "الجد" في قصيدة شعرية تقع فى عشرين بيتا، وفى رسالة نثرية بعث بهما شاعرنا إلى صديقه المهدوي، جد الشاعر الكبير أحمد رفيق المهدوي. (انظر بحثنا: الفقيه والمسرح - مجلة المؤتمر – السنة الخامسة العدد51).

فيما واصلت الجالية الأجنبية المقيمة على الأرض الليبية تجاربها المسرحية من خلال نواديها الخاصة كنادي غولدوني الايطالي، ونادي مكابي اليهودي، والنادي اليوناني، وقد أشار إلى ذلك بعض الرحالة فى ما كتبوا من مذكرات، ودونوا من يوميات (انظر مذكرات: س. روسي/ أ. بتشولي/ ج.ي.ودبيرى) .

أما أول تجربة ليبية حقيقية فى هذا المجال فلم تظهر إلا فى سنة 1908م. على يدي الصحفي والقانوني محمد قدري المحامي الذي أسس (جمعية التشخيص) وقدم من خلالها مسرحية (وطن) وكان ذلك بمناسبة رفض عمال الميناء إنزال البضائع عن البواخر النمساوية احتجاجا على احتلال بلاد النمسا لجزيرتي البوسنة والهرسك الإسلاميتين، فيما وزع دخل المسرحية على عمال الميناء تعويضا لهم عن الخسائر التي تكبدوها من جرّاء هذا الموقف الديني – السياسي.

هذا وقد شهدت الأعوام 1909-1911م. زيارات فنية عديدة قدمت إلى البلاد من الديار المصرية نهضت بها عدة أجواق كجوق إلياس فرح، وإبراهيم حجازي، ومحمد أبو العلاء، حيث قدمت هذه الأجواق أشهر المسرحيات التى عرضت على المسارح المصرية مثل مسرحية: صلاح الدين، وحمدان، وغرام الملوك، وغيرها من المسرحيات المستوحاة من التراث أو التى وضعت فى أجواء تراثية (انظر صحيفة الترقي / والمرصاد /الرقيب الصادرة فى تلك الأعوام) .

                                 ***

ومع بداية الاحتلال الايطالي (أكتوبر 1911م) انقطع التواصل المسرحي فرحلت الفرق الزائرة، وقفلت الفرق المقيمة أبوابها، وتشتت المسرحيون شدر مدر.

وبعد عقد ونصف العقد من الصمت الفني المقيت بان الأمل من جديد وذلك بإعادة تأسيس المسرح الليبي على يدي المؤسس الثاني الفنان محمد عبد الهادي الذي قدم باكورة إنتاجه في مدينة طبرق سنة 1926م. وكانت تحت عنوان (آه .. لو كنت ملكا)، ولكن التجربة سرعان ما انطفأ وهجها. بيد أن عبد الهادي أصر على تكرار التجربة من جديد، وكانت هذه المرة فى مدينة درنة مسقط رأسه– حيث قدم سنة 1930م مسرحية (خليفة الصياد) المستوحاة من ألف ليلة وليلة. وتوالت عروض هذه الفرقة خلال ذاك العام، والعام الذي تلاه، بعدها أصدرت سلطة الاحتلال قرارها المشؤوم بقفل الفرقة، بل وسجن بعض أعضائها، ورغم ذلك عادت الفرقة للظهور من جديد فى سنة 1935م.

                                 ***

وبعد سقوط إيطاليا، وهزيمة كتلة المحور فى الحرب العالمية الثانية استلمت بريطانيا أمور البلاد لتبدأ مرحلة الانتداب البريطاني (1942-1952)، وهى مرحلة شهدت نوعا من الانفراج السياسي، وفاحت فى أجواء البلاد رائحة الديمقراطية المفبركة –إن جاز التعبير- وذلك بظهور مجموعة من الصحف، وبإشهار الأحزاب والتكتلات السياسية، والسماح بالتظاهر والتجمعات الشعبية وغير ذلك من مظاهر حرية التعبير التى كانت بريطانيا تمنى نفسها –من خلالها– بشراء ذمم أهل الصحافة، والجماعات الحزبية من أجل تمرير برنامجها السياسي الذى كشفت عنه فيما بعد فى مشروع بيفن – سفورزا.

ولقد انعكس هذا الانفراج السياسي على الحركة الأدبية والفنية، وشهد المسرح ازدهارا نسبيا حيث أصبح يدور على خمسة محاور أساسية هى:-

1- محور الفرق المسرحية العاملة (الوطنية/العربية/الشرف العربيالشاطئ/هواة التمثيل/ البعث).

2- محور الفرق الأجنبية الفنية (فرقة أ.ب.س/ فرقة مكابى/ فرقة ما سكري/ فرق ما بعد العمل).

3- محور فرق النوادي (النادي الأدبي /نادي الاتحاد /نادي العمال).

4- محور فرق الجمعيات والروابط (جمعية الشباب الإسلامي/ جمعية عمر المختار/ رابطة المعلمين).

5- محور فرق المدارس (بدأت ظاهرة المهرجانات المسرحية المدرسية تظهر الى الوجود منذ سنة 1946م).

بالإضافة إلى محور الفرق الأجنبية الزائرة التى عرفت طريقها إلى بلادنا خلال هذه المرحلة.

والواقع أن هذه الفترة شاهدت أروع وأضخم العروض المسرحية، وأشهرها ارتباطا بتراثنا وتاريخنا العربي والاسلامى مثل مسرحية: صلاح الدين الأيوبي / وصقر قريش/ وفتح الأندلس / ويوم القادسية / والصياد والخليفة / والأمين والمأمون.. وغير ذلك.

                              ***

ولم يستمر الوضع على هذا المنوال فى عهد الحكم الملكي الذى أخذ فيه المسرح الليبي يغير أثوابه حيث لم تعد أثواب التراث والتاريخ تلائم المعطيات السياسية والاجتماعية، فبدأت تظهر المسرحية الاجتماعية التقليدية التى نهضت بدور إصلاحى لا ينسى حيث عالجت ظاهرة الزواج بالأجنبيات (العسل المر) وظاهرة الدجل (اللى أظنه موسى يطلع فرعون/ والشيخ حمدان)، وظاهرة الرشوة والفساد الإداري فى (لو تطلع الشمس / ومشاكل وحكايات / وجناب المفتش / وكلام بني وبينك)، وناقشت مظاهر الانتهازية واستغلال الفرص فى مسرحية (حوت يأكل حوت).

وبما أن المسرح الليبي قد نزع فى هذه المرحلة عمة التاريخ وجلبابه فلابد له أيضا من أن يهجر لغته أيضا، فكان من جراء ذلك أن غابت اللغة العربية الفصحى لتحل محلها اللهجة العامية التى صارت لسان حال المسرح خلال هذه المرحلة التى أخذت تتلمس بعض الجوانب الجمالية فى روح المسرح. وذلك باتجاهها الى المسرح العالمي فقدمت مسرحية الحقيقة ماتت / وراشمون / وسيزيف والصخرة / وفى انتظار جودو/ ظلام فى الظهيرة / وفاوست/ والبخيل.

وابتداء من هذا التاريخ ظلت المحاولات المسرحية فى كل من طرابلس ودرنة، وبنغازي ومصراتة، وفى غيرها من المدن الساحلية ربما- تتواصل دون انقطاع. ولكن بخطوات مرهقة بانت آثارها ونتائجها السلبية على الصعيدين الكمي والكيفي.

                                 ***

وجاءت ثورة الفاتح من سبتمبر فأعطت، فى سنواتها الأولى، جرعات منشطة للحركة المسرحية تمثلت فى تأسيس المهرجانات المسرحية، وانتشار الفرق الرسمية، وظهور هيئة للمسرح وللموسيقى وللفنون الشعبية، وإشهار نقابة للفنانين، وتكريم المسرح فى شخصية محمد شرف الدين الذي كرمته الثورة فى أول أعياد العلم.

ولنا فى التاريخ عبرة: 

من خلال هذا السرد التاريخي السريع تتبين لنا مجموعة من الدلالات والمعاني يمكن حصرها فى النقاط التالية:

1- نزعة المثاقفة والتلقي:

لئن كان المسرح فنا وافدا إلينا من الجزر البعيدة عن طريق الفرق الأجنبية الزائرة او المقيمة

فإن شعبنا لم يجد غضاضة فى ذلك، فالتف حول هذا الفن، وأعجب، وتأثر واستمتع به مما

يفيد استيقاظ نزعة المثاقفة لديه، ومما يدل –فى الوقت نفسه– على أن المسرح فن راق

يتجاوز الحساسيات السياسية والنزعات العرقية.

2- معانقة قضية الحرية:

عانق المسرح الليبي، منذ بداياته الأولى، أشد القضايا حساسية، ألا وهى قضية الحرية، والدفاع

عن حق تقرير المصير، ولقد رأينا كيف دعم موقف عمال الميناء السياسي، بل قام بتعويضهم

عن خسائرهم المادية الناتجة عن ذلك، من خلال مسرحية تنادى بترسيخ الحرية.

3- استلهام التراث وترسيخ اللغة:

عني المسرح الليبي بمسألة التراث عناية وافقت هوى المتلقي الليبي وميولا ته، لذا كانت

المسرحيات التراثية والمسرحيات المستمدة من التاريخ العربي هى الورقة الرابحة فى هذه السوق

الثقافية. ومن خلال هذا الاختيار استطاع المسرح الليبي أن يدافع عن حضارته، وتراثه ولغته

العربية الفصحى التى كانت اللغة المعتمدة فى جميع العروض المسرحية التى سبقت العقد

الخامس من القرن العشرين.

4- المسرح .. متعة ذهنية وحسية أيضا:

وكما أن المسرح وسيلة ثقافية، تنويرية، ومتعة ذهنية، فهو أيضا وسيلة ترويح. ومتعة حسية،

ولا ضير فى ذلك، إذ من حقوق الإنسان الحر أن يبحث عن وسائل متعته، بل ويدافع عنها.

5- الانقطاع .. وعدم التواصل:

وهذه خاصية واكبت المسرح الليبي منذ نشأته وحتى زمانه هذا، ومردها كما رأينا، وكما

سنرى– أسباب عديدة؛ بعضها سياسي، وبعضها اجتماعي، وبعضها الآخر ثقافي.

وانقلب ظهر المجن:

مما يدعو إلى الأسف حقا هو عزوف مسرحنا اليوم عما هو ايجابي فى روح تلك المعاني والدلالات، فيما تجدرت سلبياتها فى أوصاله حتى أدركت النخاع. حيث اتخذنا موقفا مغايرا تجاه مسألة المثاقفة، واتبعنا سلوكا يتسم بالشوفينية تجاه الفن المسرحي الغربي إلى حد منعت فيه المسرحيات العالمية منعا باتا، رغم أن جلّ هذه المسرحيات، من الناحية الفكرية، تطرح قضايا إنسانية، ومن الناحية الفنية، تعد من أرقى ما عرفته الإنسانية في مجال التأليف الدرامي.

والعجيب –هنا- أن مواقفنا غير المستنيرة تجاه إبداعات الآخر لم تجرنا إلى العودة إلى تراثنا العربي لنعانقه كفن بديل، ولنؤسس به مسرحنا العربي الأصيل. إن المسرح الليبي اليوم– لم يكتشف بعد هذه الجزر السحرية، وما بها من تبر ولآل، وطالما أنه مازال يعيش فى مرحلة التيه فلا مندوحة من أن ينسى، أو يتناسى جانبا مهما من هويته القومية، وأعني بها (اللغة) متخذا من اللهجة العامية بديلا عنها مما سبب فى أسر الدراما الليبية ليس داخل حدودها الوطنية فقط وإنما داخل حدودها الجهوية. ومما أعطى –من ناحية ثانية– المبرر لإقصائها عن دائرة الأطروحات الأكاديمية.

ومن خصائص المسرح الليبي أيضا ابتعاده عن عرض القضايا المصيرية والوجودية، فيما غرق حتى أدنيه في مستنقع المسرحية الاجتماعية الهزلية ذات الخصائص الهروبية حتى بات مسرحا مجردا من مواقفه القومية، فلا أحد يعبأ الآن بالمسألة الفلسطينية، او المسألة العراقية، أو المسألة اللبنانية، ناهيك عن القضايا الخطيرة التى أصبحت تواجه الإنسان المعاصر، والعربي خاصة. مثل ما يسمى بقانون (محاربة الإرهاب) وقضية العولمة، والحصار الاقتصادي والتقني والغذائي الذى تمارسه الدول الكبرى ضد الدول الصغرى.

ولقد انعكست هذه اللامبالاة على مسيرة المسرح الليبي نفسه حينما افتقد حسه النقدي والنضالي ضد الإجراءات التي استهدفته ككيان، وكفكر، بل وكأشخاص. فبعد خطاب زوارة التاريخي، وإعلان الثورة الثقافية حدث إن انقلب ظهر المجن للمسرح حيث لجأ بعض الثورجيين إلى التفسير التعسفي لبعض النقاط الخمس وُضع على أثرها المسرح فى إطار الفكر المستورد، فصودرت المسرحيات، وغصت الفرق المسرحية بكتبة التقارير المزورة، وسعى المخبرون الى زرع الوشاية والسعاية للتفريق بين المسرح والثورة، واشتط الرقيب فى التفسير والتأويل مما قاد بعض المسرحيين إلى الاعتقال، ووضع بعضهم الآخر داخل دائرة الشك، والطعن فى انتماءاتهم الوطنية. وأسقط نفر من ضيقي الأفق مقولة (التمثيل تدجيل) على التمثيل المسرحي والفني رغم إشارتها الصريحة الى التمثيل النيابي. إلا أنهم وجدوا فى تلك المقولة لغة ساخرة ينعتون بها أهل المسرح وعشاقه. فكان من نتيجة ذلك كله عزوف المؤسسات الإعلامية، كالصحافة، والإذاعة المرئية، والإذاعة المسموعة عن المسرح، فحجبت أخباره، وامتنعت عن متابعة فعالياته. وتلا ذلك هجرة المسرحيين عن المسرح، ثم كانت ثالثة الأثافى بحشر عدد كبير من فناني المسرح داخل المؤسسة العسكرية، حيث لا متنفس ولا طموح.

فماذا فعلنا تجاه تلك المظالم؟

لا شيء البتة، سوى أننا ابتلعنا صوتنا النقدي، ورمينا وسائل نضالنا إمعانا فى اللامبالاة، لم نحتج، ولم نسع لرفع الغبن عن فننا الأثير. لم نرفع صوتا، ولا إصبعا، ولا مذكرة نشرح فيها ما آل إليه فن عريق كالمسرح، وكأن المسرح بالنسبة لنا ليس فكرا، وليس موقفا، إنما هو مجرد باب، إذا فُتح أمامنا دخلنا سالمين، وإذا أوصد أمام وجوهنا عدنا إلى الوراء خائبين.

ولست –والله– براغب فى إطفاء كل الشموع لتبدو تجربتنا المسرحية خلال الثلث الأخير من القرن العشرين مجللة بالسواد والظلمة، ومتلفعة بالحزن المطلق، إذ ثمة أصوات أنارت بشموعها درب مسرحنا، وثمة جهود مشكورة زرعت فينا البسمة التى تمثلت فى مجموعة من الإصدارات المسرحية، وفى تواصل المهرجانات المسرحية رغم ما تشوبها من أخطاء، وفى صدور مجلة تعنى بالمسرح وفنونه، وفى تأسيس جملة من المؤسسات التعليمية التى تعنى بالفنون، والمسرح من بينها، على ما فى هذه المؤسسات من علل وما يكتنفها من خلل. وتلك كلها إيجابيات تجعل الأمل فى الإصلاح كبيرا، وتعد بنتائج مبهرة إذا ما أخلصنا النوايا، واتخذنا تدابير ناجعة تذلل العراقيل، وتزيح المعوقات.

تدابير ومقترحات:

وفى هذا الخصوص فإنه ليسعدني أن أتقدم بما توصلت إليه من آراء ومقترحات لعلها تتخذ هيئة الشموع فتلعن الظلام من حولنا، وتساعد في إنارة جزء من أجزاء مسرحنا الليبي. وأحصرها فيما هو آت:

1- أن تعترف الدولة بالفن والفنان عموما وذلك بأن تقوم بما يلي:

أ- إدخال وظيفة فنان ضمن المسميات الوظيفية للدولة، وألا يجرد الفنان من صفته الفنية

واعتباره موظفا عاديا.

ب- أن يكف بعض المسؤولين عن ترديد الألفاظ والعبارات التي تحط من شأن الفنان مثل

نعتهم بالبطالة المقنعة، أو العمالة الزائدة، أو قولهم بأن (الفن موهبة وليس وظيفة)، وذلك

كتبرير لإقصاء الفنان عن وظيفته، أو حرمانه من التفرغ والاحتراف.

ج- الكف عن محاربة النجومية، طالما أنها لا تؤذي أحدا. بل وينبغي مساعدة الفنان على

توكيد نجوميته؛ فالنجومية هى فى حدّ ذاتها حافز للإبداع والتألق والتميز. ولقد عرفت

المجتمعات الكبرى كيف تستفيد –معنويا واقتصاديا– من نجومها حتى صيرتهم رموزا

وطنية تعتز بهم.

2- توفير الأجواء الديمقراطية الملائمة والمحفزة على الخلق والإبداع. ومن الأهمية بمكان أن

يتحلى السياسي بصدر رحب، وسعة الأفق إزاء ما يبديه المسرح من آراء نقدية حول أوجه

الفساد، ذلك لأن مسؤولية بناء الوطن مسؤولية ملقاة على عاتق الجميع. الكل حسب قدراته،

وفي حدود صلاحياته، ولا يسوغ لأحد التشكيك فى وطنية أحد.

3- إلغاء الرقابة على المصنفات المسرحية، وإذا تعذر ذلك لسبب من الأسباب فيفضل إسناد

هذه المهمة إلى أهل الصنعة أنفسهم الذين عليهم الابتعاد عن التأويل والتخريج، والتعسف فى

تفسير النص إذ ليس مهمة الرقابة مهمة بوليسية وإنما هى مهمة فكرية، وفنية. مع ضرورة

أن تستل الملاحظات حول النص المسرحي من داخل النص نفسه، وليس من خارجه.

4- إدخال مادة المسرح الي المؤسسات التعليمية وذلك وفق الخطوات التالية:

أ- وضع مختارات من النصوص المسرحية العالمية والعربية والمحلية فى المناهج التعليمية.

ب- العناية بالمسرح داخل المؤسسات التعليمية على مختلف مراحلها.

ج- تفعيل المهرجانات المسرحية المدرسية وتعميمها على مختلف المراحل، وتخصيص

جوائز للمتفوقين فيها.

د- إعادة النظر فى المناهج المعتمدة حاليا فى المعاهد والكليات الفنية مثل: معهد جمال

الدين الميلادي، ومعهد على الشعالية، والمركز العالي للمهن الموسيقية والمسرحية، وكلية

الفنون والإعلام، على أن تشمل مناهجها الجديدة الاستفادة من الأشكال المسرحية فى

تراثنا العربي، مع ضرورة تركيز هذه المؤسسات على المواد العملية والحرفية.

5- الحاجة إلى تأسيس المسرح الجوال كي تصل نعم الفن والمعرفة إلى القرى والمدن النائية.

فذلك من شأنه أيضا– أن يوسع من رقعة المسرح ويساعد فى حل مشكلة غياب الجمهور،

ويزيد فى درجة الوعي بالمسرح، ويؤصل تذوق قيمه الجمالية.

6- بذل الجهود فى أن تصير المشاهدة المسرحية عادة اجتماعية عند الأسرة الليبية، باتباع

العروض الخاصة بالعائلات واتخاذ وسائل معينة للترغيب، كأن نضع هدايا وجوائز على أرقام

التذاكر.

7- تحفيز العناصر النسائية للانتساب إلى الفرق المسرحية، وتذليل الصعوبات التي تحول

دون ذلك.

8- تأسيس رابطة للمسرحيين وتفعيلها، وذلك دعمها ماديا ومعنويا لتمارس اختصاصاتها على

النحو المطلوب، وإعطائها حق الدفاع عن الفن والفنان أمام الجهات القضائية فى حالة

المساس المباشر، أو غير المباشر، بحق من حقوق الفنان المسرحي.

9- ضرورة الاشتراك فى الاتحادات والنقابات والروابط الدولية المعنية بالشأن المسرحي.

10- تخصيص ميزانية سنوية تقدر بمليون ونصف المليون دينار ليبي لتغطية نشاط أربعين

فرقة مسرحية (وهو عدد الفرق المعتمدة فى الجماهيرية) مقابل 800 عرض فى السنة الواحدة

(40× 20 عرض لكل فرقه)، أي بواقع ثلاثة عروض -تقريبا- فى اليوم الواحد.

11- استحداث صندوق لتنمية الإبداع المسرحي توضع تحت تصرفه ميزانية دعم النشاط

المسرحي ليتم الصرف منها وفق الشروط المحفزة للاجتهاد والإبداع فى هذا المجال، وكذلك

وفق التزام الفرق بالقوانين واللوائح الصادرة بالخصوص.

12- إعادة العمل بالقوانين السيادية التي أصدرها مجلس قيادة الثورة، ورئاسة مجلس الوزراء

والمتعلقة بمكافآت الإنتاج المسرحي. بل وضرورة النظر فى تعديل بعض بنودها بما يكفل

مصلحة الفنان المسرحي، ويحفزه على العطاء، والتحسين والتجويد.

13- إصدار قوانين تنظم الفرق المسرحية الأهلية والرسمية، على أن تتضمن هذه القوانين

بنودا تلزم الفرق المسرحية بتقديم حد أدنى من العروض، وعلى اشتمالها على بند جزائي لمنع

حالات التقاعس والتكاسل، والارتكان إلى المزاجية.

14- إعادة ما كان يسمى بـ (فرق المحافظات) فى كل من مصراتة، ودرنة، وبنغازي،

وإجدابيا، وتفعيل هذه الفرق والعمل بالقوانين الصادرة فى شأنها.

15- ترسيخ ظاهرة المهرجانات المسرحية المحلية، والإكثار منها، ووضع برنامج ثابت لها

يحدد ميزانياتها وأمكنتها وأزمنتها، وتشكيل لجنة ثابتة تنظم شؤونها، وتحفظ وثائقها كتابة،

وصوتا، وصورة.

16- التركيز على تبادل الزيارات المسرحية على الصعيدين الداخلي والخارجي، وذلك

للاحتكاك الثقافي وتبادل الآراء واكتساب الخبرة، مع التشديد على المساهمة الليبية فى كل

المهرجانات العربية.

17- بالعودة إلى اللمحة التاريخية يتبين لنا اهتمام المثقف الليبي بالمسرح، إذ لا يعقل أن

يتأسس مسرح سليم بمعزل عن مشاركة المثقفين، مما يستوجب دعوة المثقفين الليبيين (كتاب

-وأدباء– وصحفيون– وتشكيليون– وسينمائيون.. وغيرهم) إلى المساهمة الجادة فى تنشيط

الحركة المسرحية فى بلادنا، وإقحامهم، بشكل مباشر فى دائرة هذا النشاط، وذلك باتخاذ

التدابير الآتية:

أ- الاستفادة من خبراتهم فى تقويم النصوص والعروض المسرحية.

ب- تحفيزهم على الكتابة للمسرح أو الأعداد، أو الترجمة له، وتخصيص مبالغ مالية

تتلاءم مع إنجازاتهم، ومكانتهم الثقافية.

ج- تكليفهم بإعداد محاضرات تحتوي على دراسات أو رؤى نقدية حول ما ألف فى مجال

المسرح الليبي.

د- إيفاد بعضهم كمراقبين للمهرجانات العربية والدولية، وذلك لتوسيع ثقافتهم المسرحية،

والتماس خصائص المسرح الجمالية.

ه- الاستفادة من الفنانين التشكيليين فى كل ما يتصل بالقيمة البصرية داخل العمل

المسرحي مثل إعداد المناظر المسرحية، وتصميم الأزياء، وتصميم الملصقات، وكتيبات

الدعاية.

و- وكذلك الاستفادة من رجال السينما والتلفزيون فى توثيق الأعمال المسرحية مرئيا

وسينمائيا.

18- إلزام الإذاعتين: المرئية والمسموعة بتغطية الفعاليات المسرحية، وبضرورة الترويج

للمسرح بالإعلان –المجاني،– وإعداد البرامج المسموعة والمرئية عن الفن المسرحي عموما.

19- التنسيق مع الصحف والمجلات والدوريات حول تخصيص مساحة مناسبة للمسرح

لتغطية مناشطه، وإجراء مقابلات مع رجاله ومتابعته النقدية، ونشر ما هو مناسب من

النصوص المسرحية حتى يكون المسرح حاضرا فى صحافتنا الليبية.

20- محاولة إقناع المؤسسات الاقتصادية (المصارف مثلا)، والإنتاجية (مؤسسة الكهرباء /

مصنع الحديد والصلب)، والمؤسسات التجارية (القطاع الخاص)، بدعم المسرح والمساهمة فى

تمويله، والنظر إليه كمصدر من مصادر الاستثمار.

21- أن ننظر بأريحية، وعمق إلى المساهمات الغربية فى مجالات الإبداع المسرحي، وألا نعد

ذلك ضربا من الغزو الفكري والثقافي.

وبالمقابل لذلك علينا أن نحسن الاختيار فيما نقرأ وفيما نترجم.

22- توجيه كتاب المسرح نحو الاهتمام بالقضايا المصيرية الكبرى التي يعيشها الإنسان

المعاصر بشكل عام، والإنسان العربي على وجه الخصوص، كي لا يعيش المسرح الليبي

بعيدا عن أفق زمانه، ويمكن أن يتم ذلك عن طريق الاستكتاب، أو عن طريق إجراء

مسابقات فى التأليف المسرحي تشترط تناول مثل هذه الموضوعات.

23- تشكيل لجنة تعنى بالتأليف والترجمة والإعداد للمسرح على الصعيدين الإبداعي والبحثي.

24- عقد مؤتمر سنوي للمسرحيين ليتم فيه تقديم أوراق بحثية تقوَم مسيرة المسرح الثقافية

والفنية والتقنية، وتحدد السلبيات والايجابيات لوضع تدابير مناسبة حولها.

25- العناية بالكتاب والصحافة المسرحية لما فى ذلك من رفع لمستوى الثقافة عند المسرحيين،

ونشر الوعي المسرحي عند المتلقي بما يكسب كتّاب المسرح أنفسهم الخبرة والتجويد.  

26- استحداث مركز لدراسات وأبحاث الفنون الدرامية ليكون مرجعا لأهل المسرح، ولطلبة

الدراسات العليا وللباحثين فى مجال الفنون المسرحية كافة.

27- الاعتماد كثيرا على التحصيل العلمي فى الفنون المسرحية كافة. وذلك بإيفاد الموهوبين

والمتفوقين فى مجال دراسة الفنون المسرحية إلى بعثات دراسية بالخارج. مع الحرص على

فتح دورات تدريبية تنشيطية بالداخل للرفع من كفاءة العاملين بالمسرح، ويفضل أن تولي هذه

الدورات شيئا من الاهتمام بمسألة اللغة العربية أولا– ثم بتعليم اللغة الانجليزية –ثانيا– ليكتسب

رجل المسرح لغة أخرى بجانب لغته الأم، فلعلها تساعده في التحصيل والاستفادة من أفكار

وإبداعات الآخر.

28- ضرورة التفكير فى بناء مسارح بمواصفات علمية وعالمية فى المدن الليبية الكبيرة، وبناء

مسارح صغيرة فى كل المؤسسات التعليمية، وإنه لمن قبيل العجب –حقا- أن تقترب الثورة من

إدراك عقدها الرابع وهى لم تبن مسرحا واحدا، ولو بمواصفات متواضعة.

29- تخصيص جائزة مسرحية سنوية تمنح لأفضل عمل إبداعي أو بحثي تأليفا أو ترجمة،

يصدر خلال السنة وذلك تحفيزا على البحث والدراسة، ودفعا للمدعين نحو التحسين والتجويد.

أما بعد:

تلك هى مسيرة مسرحنا بين ماض مديد، ومستقبل بعيد، وكلي أمل وطيد فى أن يتجاوز مسرحنا أزمته إذا ما أخذنا ببعض هذه التدابير، وأخلصنا النوايا من أجل بناء ليبيا الحلم.. ليبيا الغد.

3 ديسمبر 2011 تنشر بالمنتدى بالتعاون مع مجلة عراجين

                                                   

                                

 

 

 

 


Email Drucken Favoriten Twitter Facebook Myspace Stumbleupon Digg MR. Wong Technorati aol blogger google reddit Yahoo

Add comment


Security code
Refresh