Warning: include(/home/content/l/i/b/libyaforum/html/new/media/system/utf.php) [function.include]: failed to open stream: No such file or directory in /home/content/71/3922071/html/index.php on line 17

Warning: include() [function.include]: Failed opening '/home/content/l/i/b/libyaforum/html/new/media/system/utf.php' for inclusion (include_path='.:/usr/local/php5/lib/php') in /home/content/71/3922071/html/index.php on line 17

Warning: include(/home/content/l/i/b/libyaforum/html/modules/mod_breadcrumbs/tmpl/javascript.php) [function.include]: failed to open stream: No such file or directory in /home/content/71/3922071/html/index.php on line 20

Warning: include() [function.include]: Failed opening '/home/content/l/i/b/libyaforum/html/modules/mod_breadcrumbs/tmpl/javascript.php' for inclusion (include_path='.:/usr/local/php5/lib/php') in /home/content/71/3922071/html/index.php on line 20
LibyaForum.org مقالات وتحليلات عن الأحداث في تونس

مقالات وتحليلات عن الأحداث في تونس

 صحف عربية

إذا الشعب يوما أراد الحياة.. فعلا

بقلم أمجد ناصر

لا أعرف من الذي قال إن الناس في بلادنا كانوا ينتفضون من أجل الكرامة وليس الخبز. حسناً، لقد فقد الناس، منذ أمد طويل، الأمرين معاً، فلا كرامة ولا خبز.. ولا انتفاض. ولكن ليس إلى ما لا نهاية، ليس بعد اليوم. فهذه ملامح انتفاضة تتكون في الأفق العربي. بدأها شباب تونس وامتدت إلى الجزائر، وها هي تحط رحالها في الأردن.. ولم تمر بعد، للأسف، في المكان الأكثر حاجة الى الانتفاض: مصر. ولكن من يدري. فأرض مصر تحتضن كل بذور الانتفاض الذي إن حصل سيغير وجه المنطقة نهائيا، فلا تيأسوا من مصر. الدور قادم، والمصريون الذين أغرقوهم بالمسلسلات والمهرجانات والغناء الهابط وأعباء الحياة اليومية وفتتوا قواهم الحية وألهوهم بالشقاق الطائفي لن يتأخروا عن ركوب الموجة العالية.

يمكن التنبؤ بالأحوال الجوية، يمكن التنبؤ بأداء الأسواق والبورصات، يمكن التنبؤ بردود أفعال الأفراد، ولكن من الصعب التنبؤ بانتفاض الناس وثورتهم، فهذه عملية اجتماعية وسياسية تتكون ببطء وعلى نحو معقد وتختزن مفاعليها في داخلها، خصوصا، في ظل تدجين النظام العربي للناس طويلا وقهرهم، بل تركيعهم، بالخوف والقمع ولقمة الخبز. لكنَّ حجراً واحداً يرميه شاب متمرد في شارع عمومي قد يفجر غضباً مكبوتاً، قد يصنع ثورة، عود ثقاب قد يشعل هشيما متراكما. لم يكن هناك نظام عربي قادر على احصاء أنفاس الناس، التحكم في كل شاردة وواردة في السياسة والاعلام والنشاط العام لبلاده، مثل النظام التونسي، فماذا حدث؟ شاب يدعى محمد البوعزيزي أقدم على احراق نفسه بعدما اجتمعت عليه الآفتان: غياب الكرامة الآدمية واستحالة لقمة العيش. لم يجد البوعزيزي ما يملكه ليعبرعن احتجاجه سوى جسده فحوله الى عريضة احتجاج ملتهبة. جسده هو منبره في ظل افتقاد كل المنابر وانسداد آفاق التعبير عن وضعه ( ووضع معظم الشباب من أمثاله). كتب رسالته بالنار فامتدت النار من ذلك الجسد الشاب، المعزول، المقهور، المحتج على غياب الكرامة ولقمة الخبز إلى مدن وقرى ودساكر، كأن هشيماً، حطباً يابساً، كان بانتظارها، كأن هناك ظمأ لتلك النار المقدسة.

لقد بلغ السيل الزبى كما يقولون. بعبارة أخرى: طفح الكيل. لم يعد هناك مجال للمزيد من القهر والخوف. فعندما يصل الخوف الى ذروته، إلى أقصاه، لا يعود يخيف. عندها تتساوى الأشياء. فالمغلولون، الراسفون في القيود، لا يخسرون عندما ينتفضون سوى قيودهم. ها هم التوانسة يحطمون ذلك القيد الحديدي الذي غل أيديهم وأعناقهم. كسروا جدار الخوف الوهمي وانطلقوا الى الشوارع بكل شوقهم العارم الى الحرية والكرامة. فليس بالخبز وحده يحيا الانسان. ليس بالخبز الذي أذلوا الناس به، بل بالحرية. الانسان ابن الحرية ولا حياة له الا بها. لا تصدقوا ان تلك الشعوب النائمة ستظل نائمة طويلا، لا تصدقوا أنها تحيا إن لم تمتلك لسانها وقلبها.. يعني ان لم تمتلك حريتها. تدحرجي يا كرة الثلج التونسية الملتهبة، المباركة مشرقا ومغربا. فبغير ذلك لن يكون هناك أفق للشعوب العربية المغلوبة على أمرها من قبل طغم عائلية حاكمة، وليكن في مصير تشاوشيسكو تونس عبرة لمن يعتبر. عبرة لأولئك الذين مصوا دم شعوبهم، قهروها، أذلوها وأوردوها موارد الهلاك.

على كل الطغم العائلية الحاكمة في العالم العربي أن ترتعد فرقاً، فليست شعوبنا، مشرقا ومغربا، أقل شوقاً للحرية من الشعب التونسي وليست أقل منه قدرة على التضحية والوصول الى مقرات القهر والرعب والخوف وإجبارها على الاستسلام.

هذه مأثرة تونسية ستترك أثرا كبيرا في الشارع العربي. هذه سابقة لها ما يليها. هذه افتتاحية باهرة لعام لن يكون مثل الأعوام السابقة. وعلى الذين حاولوا استباق الرياح التونسية وقاموا بخفض الاسعار معتقدين أنها ستحول دون وصول الرياح الملتهبة اليهم، أن يروا المصير الذي آل إليه دكتاتور تونس. فالمسألة ليست في رفع الاسعار (على أهميتها) ولكن في حالة القهر وانعدام السيادة الوطنية واستباحة حرمات الناس ومعاملتهم معاملة البهائم التي تعرفها الشعوب العربية تحت سياط وفساد طغم عائلية حاكمة مؤبدة.

محمد البوعزيزي اسم بحجم التاريخ لأنه، ببساطة، صنع تاريخا، وأي تاريخ؟. لقد امتدت النار من جسده المعزول الى هشيم النظام التونسي، وربما هشيم انظمة عربية أخرى. فليبارك هذا الاسم. فليسجل اسمه بحروف من حرية. ليته يعرف ان جسده لم يذهب هباء. لم تنطفىء النار التي أتت على جسده المفرد بل امتدت واستعرت لتصنع لشعبه أفقا للحرية.

***

من تونس إلى الجزائر.. والآتي أعظم... ثورات الخبز العربية بدأت

بقلم بســـام بـلان

من تونس الى الجزائر.. يبدو أن ثورات الخبز ستتعاظم، ولن تقف عند حدود. من تونس الى الجزائر، ربما جاء الوقت لتدرك إدارات الحكم هناك وفي كل بقعة عربية، أنها لاتزال تحكم شعوباً حية.. ولا تزال تحكم شعوباً لديها الحد الأدنى من الكرامة، وترفض أن يدوم استيلاء حفنة من الناس على مقدرات بلادها، إدارات أمعنت في سرقة لقمة العيش من الأفواه، ولا تزال السبحة طويلة وانفراطها سيجر الكثير.

في تونس، ربما أدرك الرئيس زين العابدين بن علي ثِقل التركة التي أورث نفسه اياها بعملية بوليسية معقدة ضد الرئيس التونسي الراحل الحبيب بورقيبة.

فبعد انقلابه الأبيض على بورقيبة في العام 1987، ظن بن علي الخارج من وزارة الداخلية، أن الأمن والترهيب الذي اختبر بعضاً من مفاعيله على الشعب التونسي، وهو وزير للداخلية، انه سينسيهم معرفتهم الكاملة للحرية، وللقيم المدنية التي زرعها بورقيبة عبر مؤسسات لا تزال حتى الآن قائمة.. لقد أخطأ، وإن جاء رد الفعل الشعبي على هذه الخطأ بعد ربع قرن.

تونس التي كانت قبلة المغرب العربي، بالحريات العامة والتطور الاجتماعي، أرادها زين العابدين بن علي، دولة بوليسية، وقد لقي مسعاه هذا نجاحاً لخمس وعشرين سنة؛ إذ أمعنت أجهزته الأمنية في ترهيب الشعب التونسي وخنق حريته، بعد أن عرفها وعاشها واعتادها، وأسفرت هذه السياسة البوليسية عن الكثير من النتائج الوخيمة وطنياً، وأخطرها؛ هجرة الشباب التونسي خلال العقود الماضية بعد ان ضاق ذرعاً بضنك العيش، فيما تمعن اجهزة الرئيس ودوائره الخاصة في سلب البلاد وتحويلها الى مزرعة لها ولأقربائها وأنسبائها، وكلنا يعرف حجم استثمارات سيدة تونس الأولى وأشقائها، وعملها المتواصل لتوريث 'الجمهورية' لأحدهم، بمشاركة ودعم قويين من أجهزة الأمن التي أصبح لها ولبطانتها اليد الطولى عليها.

والأدهى من ذلك، هو تعامل الرئيس التونسي مع الاحتجاجات في بلاده.. وكل ما استطاع اليه اجراء تعديل اداري لا يسمن ولا يغني، فقط لذر الرماد في العيون، بعد أن اعتاد هذه السياسة لعقود طويلة.

فاقالة وزير اعلامه 'الاتصال' لا علاقة جوهرية لها بالمشكلة، وانما بسبب فشل هذا الوزير في التعتيم على ما يجري في البلاد، ولأنه أراد أن تقوم الدنيا ولا تقعد في 'تونس الخضراء' من دون أن يعرف العالم ما يجري، وكأن العالم لايزال يعيش في أقبية القرون الوسطى.. فانتفض الرئيس بن علي على الصورة السلبية التي عرفها العالم عن بلاده جراء هذه الأحداث، ولم يرف له رمش قبل ذلك على حال ملايين المقهورين؛ معيشياً ومدنياً وانسانياً، فكان لا بد من تعميد معرفته بأحوال البلاد بالنار ودم المواطن التونسي محمد البوعزيزي، الذي قضى بعدما يقرب من ثلاثة أسابيع محترقاً بجسده وروحه، بعد أن أضرم النار بنفسه احتجاجاً على اوضاعه المعيشية.

فهل أدرك رجل تونس الأول وسيدة تونس الأولى، حجم المسؤولية الوطنية والأخلاقية التي يحملانها؟

للأسف أجيب بلا أي تحفظ: لا، فهذه الأنظمة لم تعتد التعامل مع شعوبها إلا بالحديد والنهار، وسلاسل وهراوات الأجهزة الأمنية. والدرس من ذلك كله، برسم الحاكم.. كما هو برسم المحكوم، سواء بسواء.

أما في الجزائر، التي كانت لمطلع السبعينات من القرن العام المنصرم، تأخذ أهلها العزة بالنفس لأنهم أهل المليون شهيد، صار اسمها في تسعينيات القرن نفسه، بلد المليون ذبيح، قضوا في أوار أقسى حرب أهلية.. والسبب فيها كان الحكم.. لا أحد غيره.

هذا الحكم الذي لا يترك سانحة إلا ويطالب باعتذار فرنسا عن مذابحها في الجزائر، لم يصدر عنه أي اعتذار شفاهي أو عملي من الشعب الجزائري، الذي تسبب في قتل أكثر من شهداء ثورة الاستقلال، منهم طيلة قرن من الزمن.

وها هو الشعب الجزائري، بكل ما يملك من كبرياء، يجد نفسه مشرداً في نفق حاجة مظلم، والملايين من الجزائريين يعيشون أبشع ظروف الحياة في الأحياء الباريسية الشعبية، أو بلاد المغترب من أقصى الأرض الى أقصاها.

الجزائري؛ كل جزائري يسأل نفسه اليوم، والجوع يسرح ويمرح في جنبات حياته: إلى أين تذهب ثروة الجزائر؟

الجزائري؛ كل جزائري يسأل نفسه اليوم، ما حاجة بلاده الى أسلحة بمليارات الدولارات؟ وضد من ستستخدم هذه لأسلحة؟ ولأي حرب يُعد النظام؟.. وتطول لائحة الأسئلة الوطنية المشروعة، ليصل إلى الحقيقة الساطعة، بأن هذه الأموال وهذه الثروة الكبيرة، انما بالكاد تكفي ضباط بلدهم وسياسييه، وحواشيهم.

وأكثر من كل ذلك، ظهر لكل الجزائريين كذبة عداء نظامهم لاسرائيل، خاصة بعد أن كشفت وثائق ويكيليكس عن وقائع الاجتماع الأمني 'الأطلسي'، الذي كان من أبرز 'أبطاله' شخصية عسكرية جزائرية، ونظير اسرائيلي لها.

لن يستطيع بعد اليوم حكام الشعوب العربية أن يضحكوا على ذقون محكوميهم كما فعلوا طيلة عقود سابقة، وثورات الخبز في الوطن العربي، بدأت ولن يستطيع أحد أن يطفئ هذه الشرارة.

صحافي سوري مقيم في الامارات

القدس العربي ـ 14 يناير 2011

***

سقط بن علي بدم البوعزيزي

بقلم لطفي زيتون*

لم يدر بخلد الشاب محمد البوعزيزي، أصيل مدينة سيدي بوزيد، الذي قام في لحظة شعور بالقهر واليأس الكامل، وبعد ما تعرض له من اعتداء من قبل أحد موظفي البلدية بسكب البنزين على نفسه وإشعال النار أنه يفعل ذلك في هشيم تونسي شديد الجفاف سرعان ما ستسري فيه نيران الغضب الشعبي بشكل يهدد -إن امتد- المدن الكبرى بإحداث تغييرات جذرية في تركيبة البلد السياسية.

تونس هذا البلد المغاربي الصغير الذي يمتد على ضفاف المتوسط، لم يسعف أهله التاريخ ولا الجغرافيا بتضاريس تحميه من غائلة الدولة، ويحتمي بها لردعها عندما تبالغ في ظلمه، فاتخذ من النزول إلى الشارع بعد فترات طويلة من الصبر والركون الظاهري، بما يشبه الموات، آلية وحيدة للوقوف في وجهها وتعديل موازين القوى لصالحه.

والناظر في تاريخ البلاد المعاصر يكتشف بيسر نوعين من الانتفاضات الشعبية: أولا تلك التي شهدتها فترة الاستقلال، وهي انتفاضات مدينية في الأساس، تأتي في الغالب كرد فعل مباشر على قرار حكومي خاطئ أو مبالغ في تعسفه، وتكون انتفاضات خاطفة سريعة الانطفاء مثل ما حدث في 26 يناير 1978 بمناسبة الإضراب العام الذي دعا له الاتحاد العام التونسي للشغل، وما سمي بثورة الخبز في يناير 1984.

ثانيا: نوع آخر من الانتفاضات كانت تطبع مرحلة الحكم الملكي والاستعماري قبل أن تقوم الدولة الحديثة بتفكيك البنى القبلية والعشائرية، وتعرف بثورات الأعراض أو ثورات الفلاحين، وكان من أهمها ثورة علي بن غذاهم سنة 1864 التي أوشكت على الإطاحة بحكم البايات الحسينيين، ثم ثورة الفلاحين سنة 1906 التي أطلقت أطول فترات المقاومة ضد الاستعمار الفرنسي وأكثرها اتساعا. وهذا النوع من الانتفاضات يبدأ عادة في المناطق الريفية التي تشتد عليها وطأة السياسات الاقتصادية للمركز، وينتشر فيما بعد ببطء ويستمر في الزمان حتى يصل إلى المدن الكبرى.

ما يحدث اليوم في تونس يبدو أقرب إلى النوع الثاني الذي عرفته تونس قبل حقبة الاستعمار بما يجعل التنبؤ بالمسار الذي ستتخذه الأحداث غاية في الصعوبة، دون أن يمنع ذلك من محاولة فهم الأسباب التي أدت إلى هذه الانتفاضة والموقف الحالي:

في الأسباب

انخرطت تونس في برنامج الإصلاح الهيكلي المملى من قبل صندوق النقد الدولي منذ 25 سنة، وذلك باتخاذ إجراءات اقتصادية قاسية وخصخصة متوحشة وفاقدة للشفافية لقطاع عام كان ناجحا نسبيا ويوفر للدولة دخلا محترما مثلما يتيح آلية لتصريف أعداد الشباب الكبيرة القادمة إلى سوق الشغل. وقد وفر التونسيون، الواقعون تحت تأثير آليات دعائية ضخمة وتقارير تبشيرية من المؤسسات الدولية الاقتصادية والمالية حول المعجزة التونسية وجهاز أمني قوي وباطش، فرصة لحكومتهم لإنجاح هذه التجربة خاصة، وقد تزامن برنامج الإصلاح مع أوضاع في الإقليم جعلت المقارنة بين تونس وجارتها ليبيا التي كانت تعاني وقتها من حصار غربي خانق، والجزائر الواقعة في أتون الحرب الأهلية تكون لصالح بلادهم كما تزامن مع ضخ القوى الغربية لكميات ضخمة من القروض والهبات في الوعاء الاقتصادي التونسي.

لم يجد النظام التونسي صعوبة في إسكات القوى التي قد تشوش على برنامجه الإصلاح فعمل على إلغاء الوجود الفعلي لتيار الإسلام السياسي، ممثلا بحركة النهضة أهم الحركات السياسية من خلال استعمال كم كبير من العنف المادي والمعنوي تحت غطاء دولي حامل بشعارات الحرب على الإرهاب والخوف من الإسلام، كما ألغى الوجود الفعلي لنقابات العمال ممثلة في الاتحاد العام التونسي للشغل من خلال عملية تدجين ممنهجة حولت المنظمة الشغيلة التي عرفت تقليديا بدفاعها المستميت عن مصالح الطبقات الشغيلة والضعيفة إلى الداعم الأول لسياسات اللبرلة التي تنتهجها الدولة!!

لم تلبث آلة القمع فيما بعد أن كرّت على كل أطياف المعارضة والمجتمع المدني ذات التوجه العلماني لتجعل من تونس بعد عقدين من هذا التوجه واحدة من أكثر الحكومات في العالم انغلاقا سياسيا وانحسارا على صعيد حرية التعبير، ما حرم تونس من أي مؤسسات وسيطة بين الدولة والمجتمع سوى أجهزة أمنية ضخمة وصلت إلى ما يزيد عن 150 ألف شرطي في بلد لا يتجاوز عدد سكانه الـ 10 ملايين.

تزامن برنامج الإصلاح الهيكلي مع توسع كبير في أعداد الشباب الجامعي الذي تضاعف خلال فترة البرنامج عشر مرات تقريبا، ليصل إلى ما يقارب نصف مليون طالب يدفع إلى سوق الشغل بـ 80 ألف مجاز سنويا، في بلد لا تتجاوز طاقة استيعابه الـ 15 ألف وظيفة شغل سنويا. بما جعل تونس تحتل المراتب الأولى في بطالة من يدعون بأصحاب الشهادات (230 ألف طالب شغل من حاملي الشهادات)، يستقر معظمهم في المناطق الداخلية، وتحتل مدينة سيدي بوزيد المرتبة الأولى على هذا الصعيد حيث تصل نسب البطالة فيها إلى 32٪ مقارنة بالمعدل الوطني (18٪).

بروز طبقة متنفذة على هامش أجهزة الدولة مكونة أساسا من أقارب الرئيس وزوجته والعائلات المصاهرة بالغت في الاستثراء السريع، من خلال ما سماه السفير الأمريكي في ما تسرب من وثائق ويكيلكس بممارسات عصابات المافيا، ومن ذلك الاستيلاء على أملاك الناس وأراضيهم غصبا، إجبار أصحاب الأعمال على الدخول في شراكات قسرية مقابل توفير الحماية، الاستيلاء على مؤسسات القطاع العام بأبخس الأثمان وبتمويل قروض مأخوذة من البنوك الوطنية في غياب كامل للشفافية.

شعور متنامي داخل الإدارة التونسية التي عرفت بصرامتها وانخفاض معدلات الفساد والرشوة داخلها بالامتعاض من ممارسات العائلات المتنفذة التي همشت الدولة وتهدد بانهيارها من خلال مستوى الكره المتنامي لدى قطاعات واسعة من الرأي العام.

رعاية أمريكية أوروبية للنظام التونسي وتقديمه نموذجا نادرا لدول الجنوب نجح في القضاء على الأصولية وتحقيق معدلات نمو محترمة بمقاييس البنك الدولي دون أخذ بعين الاعتبار التكاليف الاجتماعية الباهظة لهذه السياسات.

هذا الإعجاب الغربي قد يفسر حالة الذهول التي تعتري الدوائر الغربية من انهيار النموذج التونسي وانتشار الاحتجاجات بشكل غير مسبوق من حيث الامتداد في الزمان والمكان.

في خصوصيات الاحتجاجات الحالية

انطلاق الأحداث من منطقة سيدي بوزيد المعروفة تاريخيا بولائها للحزب الحاكم، وبأنها خزان الأجهزة الأمنية والعسكرية بحكم انسداد آفاق التشغيل الأخرى أمام شبابها.

امتداد الاحتجاجات على مدى قوس الأزمات أي حزام الفقر الذي يمتد من سيدي بوزيد جنوبا، إلى ولاية جندوبة شمالا، وهي مواطن القبائل التونسية الكبرى تاريخيا (الهمامة والفراشيش وأولاد عيار) التي عرفت بشراستها في مقاومة المخزن (حكم البايات) والاستعمار، ولم تستفد من مشاريع التنمية في دولة 'ما بعد الاستعمار' التي توجهت إلى الشريط الساحلي حيث تمتد على مساحة لا تتجاوز الـ 15 كيلومترا وتنال أكثر من 80 ٪ من الاستثمارات الصناعية والسياحية.

بروز إعلام شعبي من خلال أجهزة الاتصال الحديثة وشبكات التعارف الاجتماعية مثل الفيسبوك، بما حقق للانتفاضة استقلاليتها الإعلامية وهمش إعلام الدولة خاصة بقيام أجهزة إعلامية عملاقة مثل الجزيرة والبي بي سي العربي، بتصريف هذه المعلومات والصور المتجاوزة لجدار الرقابة، وهو السبب الرئيسي في استمرار الاحتجاجات وتوسعها.

غياب أي تأطير نخبوي أو سياسي لهذه الاحتجاجات بسبب ضعف الحركة السياسية وخوفها المفرط من بطش السلطة، وأيضا بسبب ما تعانيه من نقص مصداقيتها لدى الرأي العام. الاستثناء الوحيد كان نقابة المحامين التي حاولت وان بشكل محتشم الالتحاق بالاحتجاجات ثم تراجعت.

النتائج إلى حد الآن

لئن يصعب القول إن الاحتجاجات قد حققت أهدافها أو شعاراتها المرفوعة، والتي تمحورت حول الحق في التشغيل والعدل في توزيع الثروات ورفع وصاية العائلات الفاسدة على الاقتصاد التونسي، كما أنه يصعب الجزم بأنها في سبيلها لذلك إلا أن ما هو مؤكد هنا هو أن هذه الحركة الاحتجاجية في أسبوعها الرابع، قد بدأت فعلا في تحقيق بعض المكاسب التي ربما لم تخطر على بال مطلقيها أصلا ومن ذلك:

بعث الروح في جسم المعارضة السياسية المنهكة بخلافاتها الداخلية والخارجية، فلأول مرة، منذ صعود بن علي إلى سدة الحكم، تنجح حركات المعارضة الرئيسية بمختلف أطيافها الفكرية في إصدار بيان مشترك يساند الاحتجاجات ويتبنى مطالبها. ولم تغب عن ذلك حركة النهضة المحظورة التي تظل رغم حملات القمع الواسعة التي تعرضت لها أهم القوى السياسية المعارضة في الساحة التونسية، وقد مثل الاشتراك معها في النشاط السياسي خطا أحمر رسمته الدولة والتزمت به أغلب الحركة السياسية في البداية على الأقل.

ينطبق نفس الأمر تقريبا على اتحاد النقابات الذي بعد فترة من التلكؤ والإدانة للاحتجاجات لم يجد بدا تحت ضغط تشكيلاته القاعدية من إعلان صريح بمساندة التحركات.

على صعيد الحكم سجل في الفترة غياب كامل للرئيس والطاقم الحكومي والإعلام الرسمي عن الأحداث، ثم حاول الرئيس في الأسبوع الثاني امتصاص الغضب من خلال تغيير وزاري تقني جدا ومحدود، مع إقالة بعض المحافظين والإعلان عن تخصيص مبلغ 5 بليون دينار للتنمية الجهوية فيما يسمى بمناطق الظل (أي المناطق الداخلية). وأمام عدم تفاعل المحتجين مع هذه الإجراءات أمر رأس الدولة بالتعامل بحزم مع الاضطرابات فقامت قوات الأمن بإطلاق الرصاص على المتظاهرين في المناطق المنتفضة، ما أدى إلى مقتل العشرات. كما شهدت المعالجة الإعلامية للأحداث مزيدا من التصلب خاصة مع تعيين وزير للاتصال ذي خلفية يسارية متشددة.

في الأسبوع الثالث تحركت الإدارة الأمريكية فاستدعت السفير التونسي في حدث غير مسبوق على مدى تاريخ العلاقات بين البلدين، وطالبت برفع الرقابة على الانترنت والتعامل مع الاحتجاجات بطرق سلمية بينما التزم الجانب الفرنسي الأكثر نفوذا في تونس بمساندة مطلقة لسياسات النظام التونسي داعية إلى الحزم في مواجهة المتظاهرين.

تشهد حركة الاحتجاجات في أسبوعها الرابع توسعا كبيرا وبداية محتشمة لانتقالها إلى المدن الكبرى (سوسة وصفاقس وتونس العاصمة) من خلال التحاق الطلاب وتلاميذ الثانويات بها.

كما أسفرت الاحتجاجات أيضا عن مزيد من العمق والتسييس في شعاراتها المرفوعة والتي بدأت تتركز على المناداة برحيل رئيس الدولة وعائلته، كما بدأت الشعارات تأخذ منحى دينيا بعد سقوط عدد كبير من القتلى برصاص البوليس.

ماذا يحمل المستقبل

يصعب التكهن في حالة الاحتجاجات التي تشهدها تونس بسبب ما تحملها من خصوصيات جديدة على أدوات التحليل السياسي التقليدية التي دأبت على التعامل مع انتفاضات مدينية سريعة ،كما أسلفنا، ولكن يمكن الجزم بشيء من الثقة أن أول ضحية لهذه الحركة الاحتجاجية هي مشاريع توريث الحكم التي بدأت في التداول مرشحة السيدة الأولى التي تنامي نفوذها بشكل غير مسبوق وغير عاد تارة، أو أحد أصهار الرئيس تارة أخرى.

الضحية الثانية هي النفوذ الاقتصادي للعائلات الراعية للفساد بعد أن أشير لها في الشعارات التي رفعت ومنها الشعار المركزي للاحتجاجات (التشغيل استحقاق يا عصابة السراق).

في ظل غياب أي أفق للحل الاقتصادي، خاصة مع تصاعد الأزمة في دول الشمال الداعمة للحكم في تونس وتخليه عن سياسة الإنكار والغرور التي كان ينتهجها حتى وصل الأمر بالوزير الأول التونسي إلى نفي أن يكون الاقتصاد التونسي في وارد التأثر بالأزمة الاقتصادية العالمية التي هزت ولا تزال أكبر الاقتصاديات الدولية وأصابت بعضها في مقتل..

لا يبقى إذا أمام النظام التونسي في هذه الحالة، إلا الانفتاح في الجانب السياسي من خلال التخفيف من القبضة الحديدية وإفساح المجال أمام بعض مساحات من الحرية في مجالي التعبير والتنظم، وقد يصل الأمر إلى محاولة تعزيز الطاقم الحكومي ببعض الوجوه المستقلة، هذا بالتوازي مع تصعيد مستوى القمع الممارس ضد الجهات التي تتواصل فيها الاحتجاجات، وهي سياسة إن تم اختيارها ستكون محفوفة بالمخاطر على السلطة وتهدد بانفجار كامل للأوضاع إضافة إلى أن شخصية الرئيس الانطوائية والعسكرية الصارمة الميالة إلى الحسم لا تدفع في هذا الاتجاه.

سنة 1999 وفي إطار استشراف الأوضاع في تونس إلى حدود سنة 2010، أعد الضابط الأمريكي بروس ويلكنسون أطروحة ماجستير حول التحديات الأمنية التي ستواجهها تونس في العشرية القادمة، ولئن بقي نص الأطروحة سريا إلى الآن إلا أن وزارة الدفاع الأمريكية قد نشرت تلخيصا لها مفاده أن العشرية القادمة (التي تنتهي بنهاية 2010) ستشهد فيها تونس أزمات اقتصادية تنتج أساسا عن عجزها عن الوفاء بمطالب التشغيل، كما ستشهد انتعاشا للحركات المعارضة معتمدة على انتشار وسائل الاتصال وخاصة الانترنت، كما ستحاول الدولة السيطرة على الأوضاع من خلال بلورة مشاريع للتنمية ترتكز على التشغيل والتغطية الاجتماعية وفي حال عجزت السلطة عن ذلك فيبقى على الجيش أن يقوم بدوره في ضبط الأوضاع الداخلية.

قد لا يكون بروس ويلكنسون توقع أن تتحقق توقعاته بما يشبه في دقتها النبوءة، ولكن أصوات الآليات العسكرية وهي تتوجه إلى مناطق الاحتجاجات لا تحمل إلا مزيدا من التصديق لسيناريو الانقلاب العسكري في ظل العجز الكبير للمعارضة السياسية عن تأطير الاحتجاجات وتحويلها إلى حركة تغيير سلمي دون استبعاد لطرفي الاحتمالات: أولهما أن تنجح السلطة في تطويق الأحداث، خاصة إذا لم تشتعل المدن الكبرى ذات الثقل الديمغرافي والسياسي، وذلك عن طريق مزيج من القمع ومحاولة الاحتواء التدريجي للتحركات. وثانيهما الانهيار الكامل للدولة في حال رفض الجيش المشاركة في قمع الاحتجاجات عند امتدادها لتلك المدن، وفي هذه الحالة سيتفكك العصب الحيوي للسلطة وتفقد قدرتها في السيطرة على الأوضاع.

(*) باحث مختص في الشأن التونسي

مركز دراسات الجزيرة

 


Email Drucken Favoriten Twitter Facebook Myspace Stumbleupon Digg MR. Wong Technorati aol blogger google reddit Yahoo

Add comment


Security code
Refresh