Warning: include(/home/content/l/i/b/libyaforum/html/new/media/system/utf.php) [function.include]: failed to open stream: No such file or directory in /home/content/71/3922071/html/index.php on line 17

Warning: include() [function.include]: Failed opening '/home/content/l/i/b/libyaforum/html/new/media/system/utf.php' for inclusion (include_path='.:/usr/local/php5/lib/php') in /home/content/71/3922071/html/index.php on line 17

Warning: include(/home/content/l/i/b/libyaforum/html/modules/mod_breadcrumbs/tmpl/javascript.php) [function.include]: failed to open stream: No such file or directory in /home/content/71/3922071/html/index.php on line 20

Warning: include() [function.include]: Failed opening '/home/content/l/i/b/libyaforum/html/modules/mod_breadcrumbs/tmpl/javascript.php' for inclusion (include_path='.:/usr/local/php5/lib/php') in /home/content/71/3922071/html/index.php on line 20
LibyaForum.org مـالك بـن نبي: عصـره وحياته ونظـريته في الحضـارة

مالك بن نبي .. عصره -حياتهكتاب جديد للدكتورة فوزية بريون 

 مراجعة: على الفقي رمضان

 

مـالك بـن نبي:

عصـره وحياته ونظـريته في الحضـارة

 

يمثل مالك بن نبي ظاهرة بارزة في خريطة الفكر العربي والإسلامي المعاصر، تستحق الدراسة والاستقصاء. وهذا الكتاب – كما تقول المقدمة- محاولة للاقتراب من جوانبه الشخصية والموضوعية والتنظيرية، ومن تضاريس عصره وبيئته، في محيطها الضيق (الجزائر) والواسع (العربي والإسلامي). وهو يعرض لمحطات من حياته ومجاهداته الفكرية ونشاطاته الثقافية واستخراجاته المعرفية، خالصاً إلى تسليط الضوء على بؤرة اهتماماته التنظيرية والفلسفية، ألا وهي نظريته في الحضارة المتضمنة لشروط النهوض وسنن التغيير والتطور.

 وأصل هذا الكتاب أطروحة جامعية مكمّلة لمتطلبات الدكتوراه من جامعة مشيجان بأمريكا، في مجال دراسات الشرق الأوسط، وبالتحديد فرع تاريخ الأفكار. وقد نوقشت وأجيزت منذ أكثر من عقدين، ثم نشرت في أصلها الإنجليزي في ماليزيا سنة 1993، وصارت مرجعاً لعدد من الدراسات التي تناولت لاحقاً مالك بن نبي في الغرب والعالم الإسلامي. كما قُررت بعض فصولها على طلاب الدراسات الإسلامية والحضارية في بعض الجامعات بأمريكا وبريطانيا. ومع ذلك فإن فكرة ترجمة الكتاب إلى العربية ظلت تلاحق المؤلفة طويلاً، إيماناً منها "بأن القراء العرب – على قلتهم – أحوج من غيرهم للاطلاع على فكر بن نبي واستيعابه؛ ليس من خلال مؤلفاته وحدها، وإنما من خلال دراسات وأبحاث تبسّط أفكاره وتحللها وتربطها بغيرها، وتسلط الضوء على الظروف التي أنتجتها، وتعاين مدى ملاءمتها لظروف الأمة الراهنة".

 هذا الكتاب إذاً "محاولة لإخراج أفكار بن نبي من الحلقة الصغيرة الضيقة، أي حلقة النخب العربية والإسلامية، وتقديمها إلى حلقات أوسع من المثقفين وشباب الجامعات، وخاصة المجتهدين منهم في تأسيس إطار معرفي أوسع من مناهج الدراسة الرسمية. وهو محاولة للفت الانتباه إلى آرائه العالمية والإنسانية، وإلى تمكنه من الاستمساك بثوابت أمته مع الانفتاح على العالم، وتوظيفه لمفاهيم تنتمي إلى حقول معرفية متنوعة".

يتكون الكتاب من مقدمتين، الأولى موضوعة بين يدي الترجمة العربية والثانية مترجمة عن الأصل الإنجليزي.

تشير المقدمة الأولى إلى فكرة الكتاب وأصله وإلى تخلص الترجمة من الصرامة الأكاديمية التي صبغت الأصل، والحرص على تحسين الأسلوب والمنهج، وعلى التوسع في العرض والتعمق في التحليل؛ وهو ما سمح به وأتاحه الفارق الزمني بين النسختين.

 أما المقدمة الثانية وهي افتتاح الكتاب الأصلي فتعرض جدية أسئلة النهضة والتقدم طوال القرن الماضي، والمدارس المختلفة التي تناولتها وهي "التقليدية المحافظة" و"الوسطية المنفتحة" و"التحديثية المتساهلة"، وتصنف مالك بن نبي ضمن المدرسة الثانية، المتمسكة بخصائص هويتها الحضارية، والمنفتحة في الوقت نفسه وبفطنة على الحضارة السائدة من أجل الاستفادة منها بما يحرك العناصر الحية في كيان الأمة. وتعرض المقدمة لبعض خصائص فكربن نبي، وأهمها استقاؤه من الفكر الغربي بفكر واع وعقل ناقد، وتتلمذه على العلامة ابن خلدون في تعمقه في العمران البشري وعوامل ازدهاره وانحداره، ثم استخلاصه لنظرية في الحضارة، وظف فيها أدوات ومناهج علوم اجتماعية هامة مثل التاريخ وعلم الاجتماع والأنثروبولوجيا. وبين كل هذه المحاور إشارات إلى جدية أفكار بن نبي ومشروعه الحضاري الجدير دائما بالتأمل والمناقشة والتطبيق.

وينقسم الكتاب إلى ستة فصول وملحق، وهي كالتالي:

الفصل الأول :الجزائر تحت الاحتلال الفرنسي

الفصل الثاني: يقظة الجزائر في مطلع القرن العشرين

الفصل الثالث: مالك بن نبي( 1905-1973)

الفصل الرابع: التاريخ والاجتماع في فكر بن نبي

الفصل الخامس: محاولات النهوض: مراجعة وتقييم

الفصل السادس: نظرية في الحضارة

الملحق: بن نبي والنخبة السورية.

 يعرض الفصل الأول للتغيرات التي أحدثها الاستعمار في النسيج الاجتماعي والثقافي والسياسي للجزائر: مع التركيز على استعراض ممارساته في مجال التعليم، الذي كان مزدهراً في شكله التقليدي والاحتلال الذي تفنن في ممارسة أساليب الازدراء الثقافي والتعصب الديني والتمييز العرقي، والذي بدأ بالتدخل في النظام التعليمي باعتباره أنجع وسيلة لتغيير العقول وتشكيل النفوس، فحول المساجد التي كانت مراكز علم وتعلم إلى كنائس ومستشفيات ومتاحف، وحوّل أموال الأوقاف الإسلامية المخصصة لها إلى ميزانية المستعمرة، ووضع الخطط المحكمة لإضعاف اللغة العربية من أجل القضاء عليها وفرنسة البلاد بالكامل.

 ومن أجل ذلك تدفق "المعمرون" إلى الجزائر من كل أنحاء أوروبا، وقد وصفهم أحد المؤرخين بأنهم "من حثالات الموانئ من فرنسا وإسبانيا وإيطاليا واليونان"، فوقف هؤلاء ضد فكرة تعليم الأهالي، ولم تصدر قوانين تنظم تعليم الجزائريين إلا بعد أكثر من نصف قرن من الاحتلال، وهي قوانين واهية لم يكن عملياً تطبيقها في البوادي والصحارى والجبال. فحرم الجزائريون من التعليم على الرغم من أن المستعمر قد فرض عليهم جميع أنواع الضرائب؛ فإلى جانب الضرائب العامة كانت هناك ضريبة خاصة يدفعها الأهالي بصفتهم عرباً! وقد وصلت تلك الضرائب إلى 45% من مجموع الضرائب العامة التي حصّلت عام 1909، كما كان الأهالي يساهمون بثلث الميزانية العامة للبلاد ونصف ميزانية البلدية. ويبين هذا الفصل الشروخ التي أحدثها المستعمر في المجتمع البدوي والقروي والحضري عن طريق اغتصاب الأراضي الزراعية وتحريم الملكية المشتركة وفرض بيعها وتصفيتها. ويعرض إلى موقف الأهالي من التعليم الفرنسي ومقاطعتهم للمدارس الاستعمارية، كما يتناول القوانين التعليمية المجحفة التي أصدرتها الإدارة المحتلة والتي صيغت بحيث تثير خوف الأهالي على هوية أبنائهم وخاصة البنات اللاتي يمثلن حساسية خاصة في الضمير الشعبي الجزائري المسلم؛ وهو ما أدى إلى تنبيه المستعمر إلى أهمية التسلل إلى المحيط النسائي بغية التأثير في المجتمع والعقلية الجزائرية، فبدأ ذلك بالحركات التبشيرية وخاصة حركة الآباء والأخوات البيض التي أسسها وأدارها الكاردينال تشارلز لا فجيري، أحد أعتى المبشرين المتعصبين. ويخلص هذا الفصل بعد تفاصيل عن السياسة الاستعمارية في مختلف مظاهر الحياة في الجزائر، وفي مجال التعليم بصفة خاصة، إلى أنه وبعد أكثر من قرن وثلث لم يكن بين مجموع الشعب الجزائري إلا نسبة ضئيلة جدا من المتعلمين ممن حصلوا على شهادات في ميدان الطب أو الصيدلة أو الهندسة أو غيره، وهو ما يبرز الضرر الفادح الذي ألحقه الاستعمار ليس بالتعليم فقط بل وبكل جوانب حياة هذه البلاد.

ويبحث الفصل الثاني اليقظة الفكرية التي شهدتها الجزائر في مطلع القرن العشرين: والتي تبلورت بعد انكفاء المجتمع الأهلي على نفسه وتمركزه داخل ذاته باحثا عن خصائصها ومنقبا فيها عما يمنحه القوة والبقاء من عناصرها الذاتية؛ وهو ما يفسر كيف استطاع هذا المجتمع بعد استعمار طويل أن يحفظ عقيدته وجوهر ثقافته. وكان الأدب الشعبي من أهم العوامل التي أسهمت في هذه اليقظة، ذلك أنه ظل وفيا لآلام وآمال الشعب الجزائري التي عكستها الأغاني الشعبية والأمثال وجميع عناصر الثقافة الوطنية. وكانت هناك ظاهرة "المداح" الذي يجوب الأسواق العامة والمقاهي يحكي القصص والأساطير، ويذكّر بالغزوات ويحوّل الهزائم إلى انتصارات باعثا الأمل في النفوس بقدوم المنقذ يوماً ما.

 ومن هذه العوامل أيضاً ظهور نخبة من المثقفين الذين تكون بعضهم في المعاهد العلمية بالبلاد العربية، ومزج بعضهم الآخر بين التعليم العربي والفرنسي. أما المهاجرون فقد كان لهم كذلك دور في هذه النهضة؛ ذلك أنهم لم يعيشوا منعزلين في أوطانهم الجديدة بل شاركوا في العديد من النشاطات العلمية والاجتماعية والاقتصادية، وحافظوا على علاقاتهم بأهلهم وأقاربهم وأصدقائهم سواء عن طريق المراسلة أو عن طريق المقابلات في مواسم الحج وأثناء الرحلات التجارية إلى المشرق. وبواسطتهم تابع الجزائريون انجازات مواطنيهم من أمثال محمد بن علي السنوسي والطاهر الجزائري وعبد العزيز الثعالبي والشيخ إبراهيم طفيش والشيخ الطيب العقبي، وغيرهم.

 ومن عوامل هذه النهضة الأثر الكبير الذي أحدثته تونس ومصر على النخبة الجزائرية الناهضة. فلقد كانت تونس إلى جانب قدراتها الذاتية المتمثلة في الزيتونة ومعهد ابن خلدون والمدرسة الصادقية، تتمتع بقدر من الحرية باعتبارها محمية؛ وهو ما أهلها للازدهار الفكري والنشاط العلمي، فعرفت المطابع والصحافة والنشر والمكتبات والنوادي الأدبية، وكانت تونس مفتحة الأبواب على المشرق الذي كان يصلها منه الكتب والصحف والأفكار. وكان المهاجرون الجزائريون المقيمون بتونس يطلعون على كل ذلك، ويتعاطون الأنشطة المختلفة ويشاركون في المظاهرات الشعبية التي كانت تخرج منددة بالاستعمار ومطالبة بالحياة البرلمانية الحرة.

 وكانت مصر أكثر البلدان تأثيرا على الجزائر بعد تونس، حيث كانت صحفها وكتبها تهرب إلى الجزائر، فعرف مثقفوها جريدة "الفتح" وأفكار محب الدين الخطيب، و"اللواء" ونضال مصطفى كامل، كما قرأوا كتابات فريد وجدي وعبد العزيز جاويش ورشيد رضا ومحمد عبده، وكان "معهد الحياة" بوادي مزاب بالصحراء الجزائرية مركزا لجمع كثير من الكتب والصحف التي كانت تصدر في مصر. وكان لكل من محمد عبده وجريدة "المنار" أثر في هذه النهضة الفكرية؛ فقد زار عبده تونس أكثر من مرة واجتمع بعلمائها وأنشأوا معا "جمعية العروة الوثقى" كما قام بزيارة قصيرة للجزائر سنة 1903 صاحبه فيها الشيخ عبد الحميد بن سماية. ولكن زيارة عبده القصيرة للجزائر لم تكن إلا حلقة في سلسلة العوامل المؤثرة في نهضة الجزائر، والتي كانت قد اختمرت بفعل عدة عوامل ذاتية وموضوعية. وفي هذه الفترة ظهرت لأول مرة الصحافة الوطنية باللغة العربية، والتي يعرض هذا الفصل لأسمائها وأسماء أصحابها وموضوعاتها والصعوبات التي وضعت في طريقها. كما تأسست المطبعة الجزائرية الإسلامية بقسنطينة والمطبعة العربية بالجزائر، وتكونت النوادي والجمعيات الثقافية والاجتماعية والرياضية والكشفية، مما ساعد على تنظيم مواسم للمحاضرات والندوات لتوعية المجتمع، ومناقشة مفاهيم جديدة مثل الحقوق العامة والإصلاح والتقدم، وهو ما أدى بعد ذلك إلى ظهور حركة سياسية وطنية حيث أنشأ المثقفون بالفرنسية حزب "الشبان الجزائريون" الذي طالب بحق التمثيل السياسي للأهالي فرفض المستعمر طلبهم بدعوى أن المسلمين غير مؤهلين لممارسة العملية الانتخابية. وأنشأ مصالي الحاج حزب "نجم شمال أفريقيا" في فرنسا من العمال الجزائريين الذين ألحقوا بجيش فرنسا إبان الحرب العالمية الأولى. كما أنشيء حزب "الطليعة" الذي كان يؤمن بالاندماج الكامل مع فرنسا برئاسة بن جلول ومعه فرحات عباس.

 وقد وقف الفصل عند تنظيم آخر كان له أعظم الأثر على هذه النهضة وهو "جمعية العلماء المسلمين الجزائريين" التي أسسها الشيخ عبد الحميد بن باديس في قسنطينة، فعرّف به وبأسرته وثقافته ونشاطه المتعدد في إصدار الصحف، وتأسيس "المطبعة الجزائرية الإسلامية"، وأنشاء مدارس عربية إسلامية لأبناء الجزائر في مختلف المناطق، وتكوين "جمعية التربية والتعليم" لنشر التعليم العربي ووضع مناهجه، والاهتمام بتعليم البنات خاصة. وكان شعار هذه الجمعية التي وضعه لها ابن باديس هو "الإسلام ديننا والعربية لغتنا والجزائر وطننا". كما كتب الأشعار التي تغنى بها تلاميذ تلك المدارس، ومن أشهرها:

شـعب الجزائر مسـلم             وإلى العـروبـة ينتســــب

من قال حاد عن أصله           أو قال مـات فقد كــــــذب

يا نشــأ أنـت رجـاؤنا             وبــك الصباح قــد اقـترب

ولكن المستعمر سرعان ما انتبه إلى هذا الزخم فوضع العراقيل والتحديات في وجه ابن باديس ورفاقه الذين قابلوها بكل ذكاء وصلابة، كان من بينها جماعة " الطرقيين" الذين ناصبوا الجمعية العداء وكونوا جمعية "علماء السنة" ليدخلوا في صراع مع زملائهم.

 أما الفصل الثالث من الكتاب فيتناول حياة بن نبي كما عرضها في "مذكرات شاهد القرن": متوقفا عند محطات من طفولته وصباه وسني تكونه المختلفة داخل وطنه وخارجه، مثل نشاطه في "الحي اللاتيني"، وتأثره بأفكار شكيب أرسلان واشتراكه في "جمعية الطلاب المغاربة". وارتباطه الفكري بحركة الإصلاح المتمثلة في "جمعية العلماء" التي عاصر بدايات نشاطها في قسنطينة. ويتجاوز الفصل ما وقفت عنده المذكرات ليتتبع حياته في فرنسا ونشاطه الفكري فيها وهجرته إلى مصر ونشاطاته الفكرية والوطنية هناك وموقفه من قادة الثورة الجزائرية التي تكونت حكومتها المؤقتة في القاهرة حيث كان يعيش بن نبي، الذي عيّن مستشارً في "هيئة المؤتمر الإسلامي" أو "مجمع البحوث الإسلامية". وأثناء ذلك نشر كتابه الأثير الذي هاجر لمصر من أجل ترجمته ونشره وهو "فكرة الأفريقية الآسيوية في ضوء مؤتمر باندونج"، كما عمل على ترجمة كتبه التي سبق نشرها بالفرنسية مثل "شروط النهضة" و"الظاهرة القرآنية" و "وجهة العالم الإسلامي".

ويشير هذا الفصل إلى سوء التفاهم الذي حدث بين بن نبي وسيد قطب والذي أشار إليه الأول في كتابه "فكرة الأفروآسيوية" ورد عليه قطب في ثنايا "معالم في الطريق" ملمحا إليه بأنه "كاتب بالفرنسية". كما يشير إلى هجوم غازي التوبة على بن نبي في كتابه "الفكر الإسلامي المعاصر: دراسة وتقويم"، الذي اتّهم بن نبي بأنه لم يكن يعرف العربية وأنه لم يكن شيئا مذكورا إلا بفضل قربه من السلطة المصرية. ويتابع الفصل حياة بن نبي في مصر وزواجه ونشاطه الفكري وعلاقاته مع مثقفيها، ثم عودته للجزائر ومحاضراته وكتاباته وعمله كمدير للتعليم العالي، متدرجاً مع هذه الحياة الحافلة حتى أيامها الأخيرة، مشيرا إلى ما لقيه من مضايقات وسوء معاملة من قبل بعض ضعاف النفوس ومن السلطة نفسها، مستندا في ذلك على كتابات تلاميذه ومراسلات معهم ومقابلات مع بعض مريديه وزوجته وابنته، وإلى ما كتب عن تلك الفترة بعد وفاته.

 الفصل الرابع من الكتاب بعنوان "التاريخ والاجتماع في فكر مالك بن نبي“: وهو يتناول مصادر بن نبي الفكرية، والمراجع التي اطلع عليها ونهل منها وتأثر بها سواء في التراث العربي الإسلامي أو الغربي. وعلى الرغم من أن بن نبي كان نادرا ما يشير إلى المصادر التي استقى منها أو تأثر بها - باعتباره لم يكن باحثاً أكاديميا – فإن المؤلفة قد استطاعت حصر أهم الكتاب والمفكرين المسلمين والغربيين الذين قرأ لهم وذكرهم صراحة أو ضمنا في ثنايا كتبه، فوجدت أنه قد تعمق في الاطلاع على علوم الاجتماع والتاريخ والفلسفة، وأنه قد تأثر أكثر ما تأثر بمفكرين عظيمين جمعا بين هذه العلوم وعنيا بظاهرة الحضارة وسننها ودوراتها؛ ينتمي أحدهما إلى الثقافة العربية في عصورها القديمة، وهو ابن خلدون، وينتمي الآخر إلى الثقافة الغربية وعصورها الحديثة، وهو أرنولد توينبي.

سار بن نبي على خطى ابن خلدون في التوقف عند الحضارة باعتبارها ظاهرة اجتماعية، بغية فهم السبل التي تؤدي إليها والعوامل التي تؤثر فيها. وهناك أوجه شبه كثيرة بين أفكار الأستاذ والتلميذ؛ فقد قدم الأول نظرية الأجيال الثلاثة التي تتجسد في البداوة والحضارة والترف؛ وقدم الثاني نظرية المراحل الثلاثة المتمثلة في الروح والعقل والغريزة. كما أن هناك اتفاق بين الاثنين في اعتبار الدين مكونا جوهريا من مكونات الحضارة، فهو عند بن نبي "المعامل" الذي يشحن عناصر الحضارة الأولية المتمثلة في الإنسان والتراب والوقت، فالحضارة الغربية مثلا انطلقت من الفكرة المسيحية، والحضارة الإسلامية انبثقت عن الإسلام، أما الحضارة الشيوعية كما أسماها بن نبي، فهي (أزمة) داخل الفكرة المسيحية ذاتها.

وقد سار بن نبي على خطى ابن خلدون في الاعتقاد بأن للمجتمعات البشرية- كما للإنسان الفرد- عمراً طبيعياً. وعليه فقد قدم بن نبي نظرية الأعمار الثلاثة التي يمر بها كل من الإنسان والمجتمع معاً، وهي عمر الأشياء وعمر الأشخاص وعمر الأفكار، مستفيدا في هذا التقسيم بنتائج بحوث النمو العقلي والنفسي في العلوم الاجتماعية الحديثة، وهو ما أدى به إلى تقسيم المجتمعات حسب درجة تحضرها إلى ثلاث مستويات أو مجتمعات، وهي : مجتمع ما قبل الحضارة، ومجتمع الحضارة، ومجتمع ما بعد الحضارة. وهنا يعرض الفصل مقارنة بين آراء كل من ابن خلدون وبن نبي في مميزات رجل ما قبل الحضارة (البدوي عند ابن خلدون) أو رجل الفطرة كما يطلق عليه بن نبي.

 أما المفكر الغربي الذي تأثر به بن نبي في هذا المضمار فهو أرنولد توينبي الذي اعترف صراحة بتتلمذه على ابن خلدون واصفا إياه بأنه "آخر المؤرخين والمفكرين المسلمين الذين أنجزوا عملا علميا بهذا الحجم وهذا العمق". ويقارن هذا الفصل بين أفكار ابن خلدون وتوينبي وبن نبي في النظر إلى سنن التقدم البشري ودور الدين فيها، وأسباب تحلل الحضارات وانهيارها، مبينا كيف أخضع بن نبي نظرية التحدي والاستجابة التي قال بها توينبي للإسلام، وإلى القرآن بالتحديد، ليجد أن القرآن قد وضع ضمير المسلم بين حدين متوازيين هما الوعد والوعيد، أو الرجاء والخوف، خالصا إلى أن الحركة التاريخية التي تقع بين حدي الوعد والوعيد هي في الحقيقة حركة تنزع نحو السمو إلى أعلى بفضل الطاقة الروحية التي توفرها. ثم بيّن الفصل كيف أن انهيار الحضارة أمر حتمي عند ابن خلدون، بينما لا يرى كل من توينبي وبن نبي أن ذلك شيء حتمي، فالتطور الاجتماعي محكوم بعوامل نفسية ومعنوية غير مادية، مما يمكن المجتمع من التحكم في قوانينها وتعديل خطط حياته للوصول إلى غاياته.

 الفصل الخامس يبحث في محاولات النهوض: مراجعة وتقييم. وفيه يعرض لآراء بن نبي في مشروع النهضة وحركات الإصلاح؛ ذلك أن مراجعة سجل تلك المحاولات خطوة ضرورية، لا لمعرفة أسباب إخفاقها، وإنما أيضا من أجل اكتشاف طرق جديدة ووسائل بديلة لبعث ذلك المشروع النهضوي وتصحيح مساره. ويستعرض الفصل آراء بن نبي – الموزعة بين مؤلفاته العديدة - في كل من الحركات القبلية ومشروع النهضة؛

فالأولى تضم الانتفاضات القبلية التي عرفتها الجزائر سنة 1830، إبان الغزو الفرنسي، والتي اتحدت خلالها القبائل المتنافرة تحت قيادة الأمير عبد القادر الجزائري، كما اتحدت مثيلتها في المغرب تحت قيادة الأمير عبد الكريم الخطابي؛ لكن هاتين الحركتين الملحمتين بقتا محدودتي التأثير ولم تستطيعا تحريك العالم الإسلامي.

أما الثانية وهي حركة النهضة، فقد كانت في أساسها استجابة لتحدي الاستعمار الغربي الذي فاجأ العالم الإسلامي وهو في حالة من العجز والانحطاط. وقد رأى بن نبي أن هذه الاستجابة قد أخذت مسارين مختلفين هما تيار الإصلاح وتيار التحديث.

بدأ تيار الإصلاح مع ثورة "السيباي" في الهند سنة 1857، حيث تمرد الجنود المسلمون ضد بريطانيا لمدة سنتين كاملين قبل أن تتمكن قوات الاحتلال من إحكام السيطرة على كامل البلاد. وهذه الثورة هي التي ألهمت جمال الدين الأفغاني مخاطبة الضمير المسلم ومحاولة إحيائه. وعلى الرغم من أن بن نبي لم ير الأفغاني "مصلحا بمعنى الكلمة"، ولا مفكرا ينظر إلى المشكلات بعمق، فقد اعتبره مجاهداً يملك مزاجا حادا وثقافة ذات طابع جدلي، وهو ما قربه إلى الجماهير، آخذا على الأفغاني تركيزه على محاولة إصلاح النظم السياسية، وعدم التفاته إلى إصلاح الإنسان.

ويعرض بن نبي لتلميذ الأفغاني الأول وهو الشيخ محمد عبده الذي لم ير– مثل أستاذه – بأن مشكلة المسلمين مشكلة سياسية تحل بوسائل سياسية، بل رأى أنها في جوهرها اجتماعية تربوية. ولكن عقل الشيخ الأصولي قد تدخل – كما يرى بن نبي – في هذه المسار ليفترض أن السبيل إلى ذلك هو إصلاح علم الكلام؛ وهو ما جعل حركة الإصلاح تأخذ على يد تلاميذه شكل المناقشات الأدبية والمجادلات الفكرية، وهنا فسدت القضية إذ استبدل مشروع النهضة مشكلة كلامية بالمشكلة النفسية، وقد فشل هذا الأسلوب في إعادة ما أسماه بن نبي بالوظيفة الاجتماعية للدين. ومع جهود عبده في تجديد الثقافة الإسلامية، فقد ظل ذلك في جوهره تجديدا أدبيا مس الشكل ولم يمس الجوهر. وهنا يقارن بن نبي بين التجربة اليابانية وحركة النهضة اللتين كانتا متزامنتين محاولا اكتشاف أسباب نجاح الأولى وانحسار الثانية.

 أما تيار التحديث فقد ظهر على يد خريجي المدارس الغربية التي فتحها المستعمر في بلاد المسلمين، ونموذجها جامعة عليكرة الهندية لمنشئها أحمد خان الذي هاجمه الأفغاني بسببها. وعلى الرغم من أن بن نبي قد وجد أن تيار التحديث لا يخلو من إيجابيات، فإنه يرى بأن هذا التيار قد أدى إلى تطور ظاهري بسبب النظرة السطحية للحضارة الغربية، التي لم يستطع التحديثيون أن ينفذوا إلى روحها ويستشفوا عبقريتها، فأخذوا عنها بطريقة عشوائية أدت إلى استعارة كل شيء منها، حتى الحاجات والأذواق، فهم لم يركزوا على مشكلة الفرد المسلم، ولم يملكوا نظرية متكاملة محددة الأهداف والوسائل، فجعلوا الفرد "زبونا لحضارة غربية تفتح أبواب متاجرها أكثر مما تفتح أبواب مدارسها". وفي سياق بحث عن أسباب إخفاق تياري النهضة والتحديث، يحاول بن نبي رسم خطوط عريضة لمشروع بديل ينحو نحو إبداع حضارة بشروطها ومقوماتها، وهو ما يتناوله الفصل الأخير من الكتاب.

 الفصل السادس بعنوان نظرية في الحضارة، وهو يقف عند مشروع بن نبي الفكري ونظريته في الحضارة فيستمد مباحثه وعناصره من كتب بن نبي العديدة التي نشرت جميعها تحت عنوان فرعي واحد هو مشكلات الحضارة. ويبدأ الفصل بعرض أفكار بن نبي الاجتماعية المتضمنة في تأملاته الفلسفية في عالم الأشياء وعالم الأشخاص وعالم الأفكار، وعلاقة كل منها بالآخر وأهميته في إحداث إقلاع حضاري مخطط. ويعرض الفصل لمفهوم الحضارة عند بن نبي وتعريفاته الجامعة الشاملة لها من الناحية التاريخية والاجتماعية والوظيفية، حيث أعطى للعناصر المادية وغير المادية أهمية متساوية، بل لقد قدم الأخيرة على الأولى لأنها ناتجة عنها ومؤسسة عليها. وهو لا يعتبر الحضارة كيانا ماديا أو فنيا تقنيا خالصا بل يراها كلا منصهرا من العناصر المعنوية والمادية في علاقة عضوية متشابكة. وقد عمل بن نبي عمل الكيميائيين في تحليل المادة إلى عناصرها المركبة لها، خالصا إلى أن كل حضارة تتكون من عناصر ثلاثة صاغها في معادلته الشهيرة:

إنســان + وقــت + تــراب = حضــارة

ويستعرض الفصل آراء بن نبي في هذه العناصر؛ فالإنسان يحتل مركزا جوهريا في هذه النظرية لأنه، "إذا تحرك تحرك المجتمع والتاريخ". والإنسان– كما يرى بن نبي– يمثل معادلتين؛ الأولى ثابتة لا تتأثر بالتاريخ وهي كونه مكرما من خالقه، والثانية متغيرة ومتأثرة بالظروف، وهي باعتباره ذاتا اجتماعية   خاضعة للملابسات التاريخية والاجتماعية؛ وهي التي تحدد مكانه في الحياة. ولذلك فقد طرح بن نبي سؤاله المعرفي: كيف يؤثر الإنسان في محيطه الاجتماعي؟ وبواسطة أي قدرات ووسائل؟ ليخلص إلى أنه يؤثر عن طريق ثلاث وسائل: أولا بفكره ، وثانيا بعمله، وثالثا بماله. ولكي يتمكن الإنسان من توجيه طاقاته نحو التحضر لابد من التخطيط لتوجيه كل من الثقافة والعمل، والمال. وعليه فقد استنتج بن نبي إن أي خلل يصيب المجتمع فهو نتيجة لخلل يصيب الثقافة، التي هي بالنسبة للحضارة مثل الدم بالنسبة للجسم. ويعرض الفصل لنظرية بن نبي في الثقافة وتعريفاتها وآثارها، وذلك باعتبارها نظرية في السلوك وليست نظرية في المعرفة؛ مما يجعل لـ"عالم الأفكار" أهمية كبرى، فثروة المجتمع "لا تقاس بما يملك من أشياء بل بما يملك من أفكار". ولبن نبي مصطلحات بليغة تتعلق بالأفكار، فهناك الأفكار المطبوعة، التي تتصل بالنماذج العليا للفرد والمجتمع، والأفكار الموضوعة، التي نتجت عن تطور المجتمع الإسلامي البسيط الأول في العهد الأموي والعباسي، وهناك الأفكار الميتة، التي بقينا نجترها شفويا دون أن نطبقها عمليا، ثم هناك الأفكار القاتلة، التي اقتبست من حضارات أخرى وقطعت من جذورها الثقافية، مؤكدا على أن الفكرة الميتة هي التي تجذب الفكرة القاتلة. وفي هذا السياق يشرح بن نبي الفرق بين نوعين آخرين من الأفكار هما الفكرة الصادقة والفكرة الفعالة.

وهنا يبسط هذا الفصل مشروع بن نبي للنهوض الثقافي والحضاري بعناصره الأربعة:

الدستور الخلقي، والذوق الجمالي، والمنطق العملي، والصناعة، مفصلا كل عنصر، وذلك قبل أن يتوقف لشرح ومناقشة عنصري نظرية الحضارة الباقيين، وهما التراب والوقت، مبلوراً رؤية بن نبي التي تستند على فكرة أن "مشكلة كل شعب إنما هي في الحقيقة مشكلة حضارته"، موضحا السنن النافذة في دورات الاستحلاف، وعمارة الأرض، وبعث أمة تملك مقومات فذة لتؤثر في التاريخ وتؤدي دور الشهادة العالمية.

 أما الملحق فقد تناول تأثير بن نبي في النخبة السورية: التي اتصل بها وسعى إليها ووجد منها استيعابا وتجاوبا فآتت أفكاره فيها ثمارا نتلمس آثارها في مؤلفات جودت سعيد وصهره الدكتور خالص الجلبي وحنان لحام وليلى سعيد وعمر عبيد حسنة، الذي أشرف في الثمانينات على مجلة "الأمة"، التي حفلت بمقالات ومباحث لها اتصال بالفكر الحضاري وأمراض التخلف وسنن التغير. ويقف كذلك على علاقة دار الفكر الدمشقية بفكر بن نبي وجهدها ليس في نشر وتوزيع كتبه فقط، بل وفي خدمة أفكاره من حيث العناية بتتبع تسجيلات محاضراته التي ألقاها في جامعة دمشق وغيرها من المؤسسات الثقافية التي زارها في السبعينيات، كما عملت على تبسيط بعض أفكار بن نبي وصياغتها في قالب قصصي موجه للأطفال ومزود بدفاتر للرسم وأشكال للفك والتركيب وأفلام كرتونية، مركزة على القيم التي دعا إليها من مثل: أداء الواجب قبل المطالبة بالحق، ومصير الفرد مرهون بالجماعة، ومثل جمال الأخلاق وقبح القابلية للاستعمار.

والكتاب مزود بقائمة كاملة من المصادر والمراجع التي تضم كتبا وبحوثا ومقابلات ومراسلات ومقابلات شخصية ومكالمات هاتفية. وقد صدر عن دار الفكر بدمشق في أواخر العام المنصرم. وهو دراسة قيمة عن بن نبي وعصره وبيئته وفكره.

المؤلف: الدكتورة فـوزية بـريون

الناشر: دار الفكر- دمشق 2010

19 يناير 2011


Email Drucken Favoriten Twitter Facebook Myspace Stumbleupon Digg MR. Wong Technorati aol blogger google reddit Yahoo

Add comment


Security code
Refresh