Warning: include(/home/content/l/i/b/libyaforum/html/new/media/system/utf.php) [function.include]: failed to open stream: No such file or directory in /home/content/71/3922071/html/index.php on line 17

Warning: include() [function.include]: Failed opening '/home/content/l/i/b/libyaforum/html/new/media/system/utf.php' for inclusion (include_path='.:/usr/local/php5/lib/php') in /home/content/71/3922071/html/index.php on line 17

Warning: include(/home/content/l/i/b/libyaforum/html/modules/mod_breadcrumbs/tmpl/javascript.php) [function.include]: failed to open stream: No such file or directory in /home/content/71/3922071/html/index.php on line 20

Warning: include() [function.include]: Failed opening '/home/content/l/i/b/libyaforum/html/modules/mod_breadcrumbs/tmpl/javascript.php' for inclusion (include_path='.:/usr/local/php5/lib/php') in /home/content/71/3922071/html/index.php on line 20
LibyaForum.org الأمازيغية بين ‏التصور المأصول والتصور المنقول

الأمازيغية بين ‏التصور المأصول والتصور المنقول

 بقلم: د. رشيد الإدريسي

 

 

 

 العداء، من الخفاء إلى الجلاء  

 

عملنا في أكثر من دراسة سابقة على نقد مجموعة من الآراء كان أصحابها يجعلون من الأمازيغية ‏لغة وثقافة إبدالا ‏Paradigme‏ لتفكيرهم، فبينا من خلال استقراء نصوصهم، وبشكل يراعي ‏الموضوعية ما أمكن، أن أصحاب هذا التيار يجسدون مفهوم الإيديولوجيا بمعناه السلبي في أجلى ‏صوره؛ بحيث يطرحون مجموعة من القضايا (التعليم، المرأة، الهوية، التاريخ، اللغة، الآخر...) ‏ويعمدون إلى بتر كل العناصر التي تُفَنِّد مسبقا الهدف الذي يرمون إلى الوصول إليه. من هنا تحدثنا ‏عن النزوع والأسطورة والعقدة في هذا النوع من الخطاب، وبينا كيف أنه يتمحور حول عداء خفي ‏تجاه كل ما له علاقة بالعربية لغة وثقافة.‏

وقد كان رد فعل مساندي هذا النوع من التعاطي مع القضايا، هو الشتم ومحاولة إظهار نقدنا بوصفه ‏مبالغة وتقويلا للنصوص بما لا قدرة لها على قوله، فلما نشبت معركة حرف الكتابة بين مساند للحرف ‏العربي وآخر متحمس للحرف اللاتيني وثالث لحرف تيفيناغ، ظهر كل ما كنا قلناه وانْتُقِدنا من أجله ‏واضحا جليا، إذ أن أغلب نشطاء هذا التيار أعلنوا عداءهم المطلق للحرف العربي متهمين له بأقدح ‏الأوصاف، فكفونا بذلك مؤونة نقد نقدهم وتحليل نصوصهم مرة أخرى، وملء بياضاتها لاستخراج ‏محور كل معالجاتهم، والمتمثل كما قلنا في العداء لكل ما له علاقة باللغة العربية وثقافتها، وبذلك ‏يكونوا قد سلموا لنا بما قلنا وأعطوا المصداقية لتحليلاتنا ونسفوا كل ما كتبوه من "انتقادات" وحواش ‏حولها. ‏

ولتأكيد رأينا أكثر، سنعمل على تَبَيُّن الخطوط العريضة لهذا التصور النـزوعي الذي سميناه كذلك ‏التصور المنقول كما سنعمل على مقارنته بالتصور المأصول الذي حكم، طوال التاريخ، رؤية السواد ‏الأعظم من المغاربة ، لننتقل بعد ذلك إلى تَبَيُّن نمط المعالجة التي خضع لها موضوع حرف كتابة ‏الأمازيغية من طرف أصحاب هذا الاتجاه. ‏

 

اللغة أداة وصل وفصل

تعتبر اللغة من المكونات التي لعبت دورا خطيرا في حياة البشرية إن سلبا أو إيجابا، وهي من ‏الوسائل التي وظفها الإنسان في هذا العالم، وذلك من أجل تحقيق مبدأ التعارف الذي بدونه يستحيل ‏بناء مجتمع يتعايش فيه كل الناس، ذلك لأن التواصل اللغوي هو الركيزة الأولى لتحقيق ما سماه ابن ‏خلدون بالعمران والتعاون على المعاش، إلا أن الأمر يختلف أحيانا، عندما نكون إزاء واقع يتميز بتعدد ‏لغاته وانغلاق بعضها في وجه بعض، بحيث يتضخم مع مرور الزمن انعدام التفاهم بين مختلف الفئات ‏اللغوية، وتتحول العلاقة بينها إلى شبه علاقة عشائرية، تقوم على الأفكار المسبقة والأساطير ‏والإشاعات والأوهام. وكل ذلك ينتج بالدرجة الأولى عن عدم اطلاع طرف على حقيقة الطرف الآخر، ‏وتحكيم العاطفة في النظر إليه، بدل تحكيم العقل الذي من لوازمه معرفة الموضوع قبل الحكم عليه، ‏ذلك أن الحكم على الشيء فرع عن تصوره كما يقول علماء الأصول.‏

والمغرب باعتباره بلدا يتميز بتعدد لغاته، (العربية الفصحى، تمازيغت، تاريفت، تاشلحيت، الحسانية، ‏الدوارج العربية) من المفترض فيه أن يكون قد عرف هو الآخر نوعا من الصراع على هذا المستوى، ‏مثله في ذلك مثل الكثير من الدول الأخرى التي عرفت بتعددها اللغوي. لكن شيئا من ذلك لم يقع، إذ ‏وقف التصور المأصول للأمازيغية حاجزا أمام ذلك. وهو ما يراد تعويضه اليوم بتصور منقول، يعيد ‏إنتاج الأطروحات التي دافع عنها الباحثون والسياسيون الفرنسيون في مرحلة الاستعمار، والتي كان ‏الهدف منها هو التمكين لفرنسا في المغرب وتأبيد تواجدها فيه. ‏

 

التصور المأصول

التصور المأصول هو التصور الذي ينظر إلى الأمازيغيات انطلاقا مما تخزن في الوعي الجمعي لكل ‏المغاربة ومما راكموه من تمثلات، والذي لا نجد فيه أي تناقض بين اللغة العربية والأمازيغية، فيعتبر ‏الثانية لغة خطابه اليومي في المناطق التي يتحدث فيها بتاشلحيت أوتامزيغت أوتاريفت، ويظهر ‏استعدادا تلقائيا للتحدث والقراءة باللغة العربية، على اعتبار أنها هي الأخرى لغته التي تبناها أسلافه ‏وبنوا بها حضارتهم وعملوا بواسطتها على التواصل مع العالم، وساهموا في إغناء تراثها الذي نجد فيه ‏آثار التركي والأمازيغي والفارسي واليوناني والكردي... وهو ما يثبت شدة انفتاحها وطابعها الإنساني ‏الذي ازداد تجذرا بانتقالها إلى أكثر الأماكن الجغرافية بعدا عن مكان تواجدها الأول.‏

وقد تم التأصيل لهذه الرؤية منذ البدايات الأولى لظهور الإسلام، حيث شاعت بين الناس نصوص ‏دينية تؤكد ذلك، فقد ورد في الحديث «ليست العربية بأحدكم من أب ولا أم وإنمـا هي اللسان، فمن ‏تكلم بالعربـية فهو عربي"‏ ‏. وزاد من تجذير هذه الرؤية ارتباط اللغة العربية بالإسلام وبالنص ‏القرآني الذي نزل بها وضمن لها الاستمرار والتوحد، يقول عمر بن الخطاب: "تعلموا العربية فإنها من ‏دينكم". وقد انعكست هذه الرؤية على خطاب كل المثقفين والسياسيين المغاربة، وتمثلوها في حياتهم ‏منذ أن امتزجوا بالعرب، وهذا هو ما عبر عنه المختار السوسي، وهو من منطقة إليغ التي تنتشر فيها ‏لهجة تاشلحيت بقوله: "ونحن معشر الإليغيين نعتبر اللغة العربية لغتنا التي نعتز بها"‏ ‏.‏

ومن أساسيات هذا التصور، خلق نوع من الاستمرار مع هذا التاريخ، واستحالة فهم المكون الأمازيغي ‏خارج المجموعة الحضارية العربية الإسلامية. على عكس التصور المنقول، النـزوعي الذي يعمل ‏كل ما في وسعه لفك الارتباط بكل ما هو عربي إسلامي، جريا على عادة المؤرخ الفرنسي الذي عمل ‏على ربط البربر بالرومان ومن ثم بفرنسا "وارثة رسالة روما الحضارية" حسب تعبير عبد الله ‏العروي، وهذا على الرغم من أن الواقع والتاريخ يشهدان بأن العربي امتزج بالأمازيغي "تمازج الماء ‏القُراح بالراح"، حسب تعبير المختار السوسي، وأسهما معا في صنع الحضارة العربية الإسلامية ‏ونقلها إلى الأندلس والمناطق الإفريقية المحاذية للصحراء. ‏

إن أصحاب هذا التصور يعون، وهم أمازيغيو الأصول في أغلبهم، أنه لا غنى لهم عن اللغة العربية، ‏ليس فقط لأنها مكون أساسي من مكونات الهوية الأمازيغية، بل لأنها هي الأداة والوسيلة التي تسمح ‏للأمازيغيين بالتواصل فيما بينهم، فأمام الأمازيغيات الكثيرة والمختلفة فيما بينها كالقبايلية والشاوية ‏والمزابية والطوارقية في الجزائر، إضافة إلى أمازيغيات المغرب الثلاث التي تتفرع عنها لهيجات ‏أخرى، تبقى العربية بفضل ما تمتلكه من مخزون شعوري لدى كل المغاربة، هي اللغة المؤهلة للعب ‏دور اللغة المحققة للتواصل، خاصة وأنها ليست لغة عشيرة أو قبيلة أو عرق بعينه، بل هي لغة منفتحة ‏ساهم في إغنائها كل من أمكنه أن يتعرب، لإدراكه أنها لغة لا يؤمن متكلموها بنقاء الدم الجاري من ‏الأصول إلى الفروع، وكيف لذلك أن يكون ممكنا وفيهم الأسود والأبيض والأحمر والأشقر....‏

إنه يكفي إلقاء نظرة على تاريخ المغرب ليظهر لنا جليا أن مختلف الدول التي تعاقبت على حكمه، لم ‏يكن محركها العرق أو هذه اللغة أو تلك، بل كان المحرك الأساسي هو العامل الديني ممثلا في ‏الإسلام. لقد وحد الغرب الإسلامي لأول مرة في التاريخ من طرف أكبر دولتين بربريتين هما الدولة ‏المرابطية والدولة الموحدية، ونجاحهما الباهر في تحقيق ذلك لا يرجع، إلى نمط السلطة أو الثقافة ‏والأعراف الأمازيغية، بل يرجع بالدرجة الأولى إلى الدين الذي كان يدخل في كثير من الأحيان في ‏تضاد مع هذه التقاليد والأعراف فتعطى له الأولوية عليها، من هنا نفهم لماذا كان المجاهد عبد الكريم ‏الخطابي كلما حرر منطقة من شمال المغرب، إلا وعمل مباشرة على القضاء على العرف الأمازيغي ‏وتعويضه بالشرع الإسلامي، واعتماد العربية في الإدارة والمراسلات والتدريس، شأنه شأن المرابطين ‏والموحدين الذين لم تكن لهم أية عقدة تجاه العربية كتلك التي نجدها اليوم لدى النـزوعيين المغاربة ‏والجزائريين، وهذا ما عبر عنه المختار السوسي بقوله : " ومعلوم ما للمغراويين والمرابطين ‏والموحدين والمرينيين من تمجيد للغة العربية، وهي دول بربرية صميمة، وذلك هو موضوع ‏العجب"‏ ‏.‏

انطلاقا من هذه المعطيات يتبين لنا أن التصور المأصول لا يميز بين اللغة العربية واللهجات ‏الأمازيغية، فكلاهما ملك للجميع، والعلاقة التي تربط المغربي بلهجته كيفما كان نوعها، هي نفسها التي ‏تربطه بالعربية الفصيحة، بل هي تفوقها في القوة في غالب الأحيان، لارتباط هذه الأخيرة بالدين. ‏والأمر ليس مقتصرا على الثقافة العالمة كما قد يظن البعض، بل يتعداها إلى الثقافة الشعبية التي يظهر ‏فيها هذا الملمح بشكل تلقائي عميق ومثير للإعجاب، ويكفي أن نعلم أن أي ورقة مكتوبة باللغة ‏العربية، كيفما كان محتواها، إذا ما وجدت ملقاة على الطريق في مناطق سوس، كانت تؤخذ ويتم ‏تقبيلها وتوضع في مكان عال، وهو سلوك طريف يكشف عن طبيعة التمثلات التي يحملها المغربي ‏عن هذه اللغة والتي تقترب من التقديس. ‏

والفلسفة التي يستند إليها هذا النوع من السلوك، هي ما عبر عنه أحد الباحثين بشكل بليغ عندما طرح ‏عليه السؤال التالي: "هل بإمكان الإنسان المغربي أن يكون متشبثا دفعة واحدة بالثقافة الأمازيغية ويدافع ‏عن عروبته ويتمسك بدينه الإسلامي ؟" فكان جوابه: "هذه الإمكانية موجودة وسأقدمها بوضوح كبير ‏حتى لا نمارس أي تعقيد. فوالدتي لا تعرف إلى اليوم من اللغة العربية إلا بعض المفردات القليلة، فهي ‏تتكلم اللغة المحلية "تاشلحيت"، وعندما تتكلم اللغة العربية، فإنها تُذكر المؤنث وتؤنث المذكر إلى الآن. ‏والدتي هذه لا تفصل بتاتا بين العروبة والإسلام، فالإسلام بالنسبة لها عروبة، والعروبة إسلام، ولا ‏تعرف مشكلا اسمه المشكلة الأمازيغية ولكنها تحب الاستماع لأغاني الحاج بلعيد والرايس الدمسيري ‏وتابعمرانت، وتستمع إلى الدروس الدينية بتاشلحيت في الراديو، ولا يوجد لديها أي تناقض بين المكون ‏الأمازيغي والعربي والإسلامي"‏ ‏ وهذه هي حال عموم أفراد الشعب المغربي. فما كان شائعا إذن في ‏الثقافة العالمة من ربط وثيق بين القرآن والعربية، والذي يعبر عنه قول ابن تيمية "العربية من الدين"، ‏كان متجسدا في سلوك المغاربة، وبذلك كان لسان حالهم يصرح يوميا، من خلال هذا السلوك، أنه إذا ‏كانت الفرنسية، كما يقول كاتب ياسين، غنيمة حرب، فإن العربية هبة من الرب. ‏

 

التصور المنقول

إن كل القيم التي نسبناها للتصور الأول، تجد نقيضها في إطار هذا التصور الثاني المنقول الذي عرف ‏انطلاقته الأولى مع الباحثين الفرنسيين في التاريخ والسياسة والأنتربولوجيه، إبان الاستعمار الفرنسي، ‏والذي يعيد إنتاجه اليوم مجموعة من الكتاب الجزائريين والمغاربة بشكل أكثر صراحة وأكثر بعدا عن ‏الحقيقة والتاريخ.‏

إن هذا التصور يعيدنا إلى ما كنا قد سميناه في دراسات سابقة بالنـزوع الأمازيغي، والذي عرفناه ‏بوصفه ميلا إلى التلهيج بشكل مطلق والإعراض كلية عن اللغة العربية، ومحاولة ربطها بالقيم السلبية، ‏بواسطة قراءة للتاريخ بعيدة كل البعد عن الموضوعية". وأضفنا إلى ذلك بعضا من معاني الجذر /ن، ‏ز، ع/ من مثل الاقتلاع، نقول نزع الشيء؛ أي اقتلعه واجتثه من أرضه، وبينا كيف أن عمل ‏النـزوعي، هو أشبه بمحاولة نزع اللغة العربية من المغرب وتقليص حيز وجودها في كل المجالات. ‏كما وقفنا عند إحدى دلالات النـزوع وهي التفريق، وهو ما نلمسه في خطاب النـزوعيين الذين ‏يركزون على اختلاف العربي عن الأمازيغي في المسكن والملبس والهيئة والهوية بشكل عام... وعملهم ‏من خلال ذلك على تأسيس ذاكرة مشذبة من الشوائب العربية الإسلامية. وقد تبين لنا أن الاختلافات ‏حاضرة بين العرب فيما بينهم، وبين الأمازيغيين أنفسهم، مما أكد لنا الفراغ الاستدلالي لهذا النوع من ‏التعاطي مع الظواهر.‏

وقد استحضرنا في الأخير جانبا نفسيا لهذا اللفظ، حيث يقال نازعتني نفسي إلى هواها أي غالبتني، ‏فالنـزوع بالشكل الذي حددناه، يجيء بالدرجة الأولى لجبر كسر نفسي لدى الشخص النـزوعي، قبل ‏التفكير في إقامة تخطيط لغوي يضمن الانسجام والتلاحم الاجتماعيين مع الإبقاء على الاختلافات ‏واحترامها الكامل. وقد تأكد لنا هذا الجانب النفسي عندما ربطنا تأجج هذا النـزوع بشكل كبير بانهيار ‏الإيديولوجيات وسيادة نوع من الفراغ الفكري، وانتشار ما سمي بنهاية التاريخ، وهذا ما يجعلنا في ‏مواجهة ظاهرة يلزم إخضاعها إلى تحليل نفسي يكشف عن أسبابها الدفينة، ويبين بشكل جلي أن ‏الخطاب النـزوعي في أغلبه، تعبير عن حالات نفسية لنخبة بعينها قبل أن يكون تعبيرا عن حقائق ‏موضوعية و عن مواقف عامة المغاربة الذين رأينا كيف أنهم مندمجون في إطار التصور المأصول.‏

هذا على المستوى النظري فماذا نجد لدى هذا الاتجاه على مستوى الملموس؟ بداية يركز أصحاب هذا ‏الاتجاه على ضرورة التعامل مع المكون الأمازيغي بعيدا عن إطار الحضارة العربية الإسلامية، وهذا ‏ما يدعو إليه أحد النـزوعيين، وهو عضو في المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، بإعلانه صراحة على ‏أن المكون العربي الإسلامي يجب التخلص منه، لأنه يعمل على تدمير أروع ما في الحضارة ‏الإنسانية: أي الحرية والمساواة !! ولذلك فإن أصحاب هذا التصور يدعون إلى تطهير المغاربة من ‏المكونات العربية، تطهيرهم حقيقة لا مجازا، وذلك بتدريس لغة أمازيغية واحدة وموحدة لا علاقة لها ‏بالتراث المغربي المكتوب باللهجات المحلية المعروفة. ويقف وراء هذا الاختيار اللاعقلاني هدف ‏سياسي لا علاقة له بما هو ثقافي إذ يرمي أصحابه في النهاية وعلى الأمد البعيد، ودون التصريح ‏بذلك، إلى تشكيل "أمة" أمازيغية واحدة وموحدة على غرار لغتها للقدرة على إيجاد لغة تنافس اللغة ‏العربية وتسحب البساط من تحت أقدامها وإيجاد "عالم أمازيغي" يقضي على "العالم العربي"... هنا ينتقل ‏النـزوعي إلى ممارسة السياسة، تحت غطاء ثقافي، ويقضى بشكل مطلق على التعدد، ويشرع بشكل ‏منهجي في القضاء على الغنى والتنوع اللغوي المغربي، بل أكثر من ذلك يشرع في القضاء على اللغة ‏الأم التي طالما دعا إلى ضرورة ممارسة التدريس بها، وطالما نبه إلى احتمال انقراضها إن لم يشرع ‏في اعتمادها في التدريس. بهذه الدعوة يتحول الاحتمال إلى حتمية، وتفقد اللهجات التي طالما تباكى ‏عليها أهميتها، لأن الدفاع عنها لم يكن سوى تكتيك، أما الإستراتيجية فإنها تتمثل في امتلاك لغة واحدة ‏وموحدة (لغة مصنوعة داخل المختبر) لمواجهة اللغة العربية ونزع ميزة التوحيد التي تتميز بها والتي ‏باسمها "تُفرض" علينا نحن المغاربة.‏

وأصحاب هذا التصور المنقول لا يدَعون وسيلة تحقق مراميهم إلا ووظفوها دون ملل، حتى ولو ‏تبين لهم هشاشتها، ذلك أن خطابهم في أغلبه يقوم على الأسطورة بدل قيامه على الحجة. والتاريخ ‏عندهم والدعوة إلى إعادة كتابته من الثوابت والأولويات، وبالاطلاع على النماذج المتفرقة لهذا النوع ‏من الكتابة، يلاحظ القارئ أن التركيز يتم على إبراز العلاقة بين الأمازيغي والعربي من زاوية نظر ‏يحكمها العداء والصراع، مع تسليط الضوء بشكل مَرَضي على مفاصل النزاع في هذا التاريخ، والعمل ‏على تضخيمها وإعطائها بعدا عرقيا، وذلك بعدم استحضار ملابسات الحدث وعناصر السياق الكاملة ‏التي أحاطت به. وغياب الطرح العلمي عن هذا النوع من التحليل يرجع إلى أن العودة إلى التاريخ من ‏طرف أصحاب هذا التيار، ليس الهدف منها تمحيص الحدث والتعريف به وإشاعته على الشكل الذي ‏وقع به في إبانه، بحيث يتم التوصل إلى إعادة كتابة التاريخ بطريقة تراعي نسبة من الحياد، وبناء ‏وعي تاريخي يتخذ وسيلة لعدم تكرار أخطاء الماضي. إن الهدف الأساس من وراء استدعاء الأحداث ‏التاريخية المتميزة بطابع الصراع بين البربر والعرب، يلمس فيه القارئ نوعا من محاولة القول بأن ‏الحقد بين الطرفين هو حقد تاريخي، أي أنه حقد يأتي من أصول عميقة ولاشعورية، إنه نوع من ‏إعطاء الشرعية لهذا الحقد الذي يراد تأصيله اليوم، ونوع من القول بأنه تركة خلفها لنا الأجداد، وعلينا ‏أن نؤبدها وأن نكون في مستوى الثقة التي وضعها فينا رموز تاريخنا المنسي، لذلك يتم الوقوف عند ‏أسماء الشخصيات التي عارضت دخول الإسلام إلى شمال إفريقيا ويتم الإعلاء من شأنها أمثال كسيلة ‏والكاهنة، بينما ينقص من قيمة الفاتحين الذين ينعتون بمجرمي الحرب.‏

ولا يقف صاحب هذا التصور المنقول، المنقطع العلاقة مع كل ما خلّفه الأسلاف الأمازيغ الذين رأينا ‏كيف أنهم يندرجون ضمن التصور المأصول، لا يقف عند هذا الحد، بل يتعداه إلى التهجم مباشرة على ‏اللغة العربية يقول كاتب ياسين: "اللغة العربية ليست لغتي"، ويقول إيدير: "الجزائر ليست بلدا عربيا"، ‏ويقول الدغرني: "العربية الفصحى لا تدخل ضمن مكونات الشعب المغربي"، ويقول رخا: " العربية ‏مكانها المشرق"، ويقول شفيق: "الأمازيغي المدافع عن الانتماء للعروبة بكل قضاياها الثقافية والفكرية ‏والسياسية مؤدلج حتى النخاع، ومسلوب الإحساس بالانتماء". وكل هذه الأقوال يلخصها شعار "لسنا ‏عربا" الذي أصبح أشبه بالموضة التي يُتنافس على الظهور بها والدعوة إليها، وكل ذلك بهدف خلق ‏حاجز نفسي بين المغاربة ولغتهم وثقافتهم العربية الإسلامية وكل ما يرتبط بها. وعند هذه النقطة تتم ‏الدعوة إلى القطع مع المشرق وإلى تعويض التقويم الهجري بالتقويم "الأمازيغي"، واعتماد الحرف ‏اللاتيني بدل الحرف العربي في الكتابة، والتخلي عن تسمية الأبناء بالأسماء العربية، واعتبار القضية ‏الفلسطينية لعبة يُلَهَّى بها المغربي عن مشاكله الحقيقية، كما يتم قلب الرموز التاريخية والتلاعب بها، ‏ويدعى إلى الانسحاب من جامعة الدول العربية وتوثيق العلاقة مع أوروبا على حساب الدول ‏العربية... بكلمة واحدة يتم رفض كل ما هو عربي بحثا عن صفاء وهمي لا وجود له لا في الواقع و‏لا في التاريخ. ‏

إن هذا الرفض يقابله، وهذه مفارقة مبكية مضحكة في الآن نفسه، احتفاء أوربي وإسباني على وجه ‏الخصوص، بابن حزم وابن رشد وابن طفيل وابن زيدون... واعتبارهم جزءا من التراث الأسباني، ‏على الرغم من أنهم أنتجوا وأبدعوا وفكروا بواسطة لغة هي العربية، ومن داخل مجال تداولي تختلف ‏منطلقاته عن تلك التي تحكم المجال الغربي. بل أكثر من ذلك، فإن هناك من المفكرين الغربيين من ‏يتحدث عن طابع أوربي عربي ‏Européanité arabe‏ في الثقافة الغربية، وعن مكون إسلامي في ‏الهوية الأوربية، كما يتحدث عن مكون عربي في عقلانية الغرب.‏

فاعلية التصور المأصول

نحتاج الآن، قبل الانتقال إلى التظهير على ما قلناه من خلال مثال معالجة قضية حرف كتابة ‏الأمازيغية، إلى استجماع كل ما تطرقنا إليه، وتلخيصه في بضع سطور حتى يمكن للقارئ استصحابه ‏كلما طرح الموضوع للنقاش، فنقول إن الأمازيغية كانت ومازالت ممثلة في وعي المغاربة وحسهم ‏بشكل يجعلها في تناغم مع اللغة العربية التي اعتبرت لغة المغاربة جميعا، وكل ذلك في إطار ‏المجموعة الحضارية العربية الإسلامية التي ساهم الأمازيغ في بنائها وإغنائها ونقلها إلى مناطق أخرى ‏من العالم، وهذا هو ما سميناه بالتصور المأصول. وقد طرأ على هذا التصور تحول خطير لدى قلة ‏من المغاربة، فعملوا على قلب كل قيم التصور الأول بهدف خلق قطيعة مع كل ما يمت بصلة إلى ‏المكون العربي الإسلامي، وهو ما سميناه بالتصور المنقول لأنه في مسعاه هذا، لا يعدو أن يكون ناقلا ‏لتلك الأطروحات التي أشاعها الدارسون الفرنسيون عن العلاقة بين العرب والعروبة والأمازيغ، وهي ‏كلها آراء كان الهدف منها التفريق من أجل السيادة، وليس البحث من أجل بناء معرفة علمية. ‏

 

انعدام الموقف وتسيد الإيديولوجية

لا نريد أن نناقش صواب أو عدم صواب اختيار أبجدية تيفيناغ لكتابة الأمازيغية من طرف المعهد ‏الملكي للثقافة الأمازيغية، فالمستقبل وحده هو الكفيل بالحسم في الأمر، كما أن مناقشة الموضوع من ‏هذه الزاوية وحدها يعتبر مضيعة للوقت، بعد أن تبين أن الأطراف التي ساندت هذا الاختيار والتي ‏كانت لوقت قريب "تقاتل" من أجل الحرف اللاتيني، لا يحكمها في اختياراتها منطق علمي يرمي إلى ‏خدمة الأمازيغية بالفعل، ونشرها على نطاق واسع. لو كان هذا هو هدفها لاختارت الحرف العربي ‏لسبب واحد هو أن الحرف العربي، في المغرب على الأقل، أكثر انتشارا من الحرف اللاتيني وأكثر ‏قربا من المغربي العادي بحكم الحمولة الثقافية التي يختزنها، هذا بصرف النظر عن الأبعاد ‏الجيوسياسية والعلمية التي لو استحضرت في النقاش بشكل موضوعي، بعيدا عن التحيز والمزايدات، ‏لجعلت اعتماد الحرف العربي مسلمة لا تقبل النقاش.‏

في سنتي 1974 و 1975 اللتين تصادفان حسب أحد الباحثين المساندين لحرف تيفيناغ، نهاية مرحلة ‏بدايات تحول الوعي التقليدي بالهوية إلى الوعي العصري، أصدرت الجمعية المغربية للبحث والتبادل ‏الثقافي نشرة وثائقية تسمى أراتن تشمل بالأساس مختارات من التراث الشفوي التقليدي مع عينات ‏محدودة من الشعر الجديد لبعض أطر الجمعية، "وابتداء من العدد الثاني بدأت تظهر صفحة توضح ‏طريقة قراءة الأمازيغية المكتوبة بالحرف العربي: ومن أهم مبادئها وضع الألف أمام الحرف ‏المنصوب والواو أمام المرفوع والياء أمام المكسور، وكل حرف صامت لا توضع أمامه هذه ‏الصوتيات يعتبر ساكنا. كما توضع علامات أخرى لتمييز الأصوات التي لا توجد في العربية. ‏وبواسطة هذه الطريقة في الكتابة يستطيع كل من يلم بالأبجدية العربية أن يقرأ النصوص الأمازيغية ‏قراءة سليمة حتى ولو لم يفهم معناها"‏ ‏ ‏

هذا ما أكده أحد الرافضين للحرف العربي. ما الذي يقف وراء تغيير المواقف من الحرف العربي ‏بهذه السرعة وبهذا الشكل الجذري الذي يجعلك تتوهم أنك إزاء شخصين لا شخص واحد؟ إنه لا تفسير ‏لذلك إلا تغير الخلفيات وتغير المناخ العام الذي يؤطر النقاش. ففي المرحلة التي أعطيت فيها الأولوية ‏للحرف العربي من طرف الكثير من المتحمسين اليوم للحرف اللاتيني والفينيقي، ومن بينهم محمد ‏شفيق نفسه، كان المقياس المعتمد في معالجة المسألة هو العلم ولا شيء غير العلم، بينما في المرحلة ‏الثانية؛ مرحلة اختيار الحرف اللاتيني وتعويضه لاحقا بحرف تيفيناغ، كان العامل السياسي ‏والإيديولوجي هو سيد الموقف. لقد كان تبني الحرف العربي في مرحلة لم يكن فيها المعهد الملكي قد ‏رأى النور بعد، فالدعوة إلى اعتماد الحرف العربي أمس من طرف رافضيه اليوم كان مجرد تكتيك ‏من أجل كسب الثقة والتمهيد لتحقيق "مكاسب"، أما وقد تحقق الكثير منها اليوم فلم تعد هناك أية ‏ضرورة لتقديم هذا "التنازل" واعتماد الحرف العربي الذي سيشعر كل الناطقين بالأمازيغية بعمق ‏ارتباطهم بالحضارة العربية الإسلامية وبالتالي فهو خيار قد يقف في سبيل قيام " دولة أمازيغية وأمة ‏أمازيغية ولغة أمازيغية موحدة يتواصل بها أبناء الشعب الأمازيغي من "سيوا" إلى جزر "الكناري" ومن ‏المغرب إلى بوركينا فاصو"!!! هذا ما يرمي النزوعي إلى تحقيقه، أسطورة تنطلق من الحرف لتصله ‏بالجغرافيا بهدف إقامة دولة وهمية.‏ ‏ ‏

 

القطيعة والبداية والاستمرار

عندما أثيرت مسألة حرف كتابة الأمازيغية، كان التصور الذي كَوَّنْتُه عن الموضوع يقوم على ‏مجموعة مرتكزات؛ أولها معارضة كتابة الأمازيغية بالحرف اللاتيني، على أساس أنه حرف يحمل ‏أبعادا رمزية وسياسية وحضارية لا يمكن الاستهانة بها، بحيث سيعد ترسيمه نوعا من القطيعة أو على ‏الأقل تمهيدا للقطيعة مع مجال تداولي بعينه والتواصل مع مجال آخر. ثاني هذه المرتكزات هو التحفظ ‏من استعمال حرف تيفيناغ على أساس أنه حرف لا يتمتع بأي وضع اعتباري لدى عامة المغاربة ‏سواء الناطقين بالأمازيغية أو غير الناطقين بها، وذلك راجع إلى كونه حرف لم يُدَوَّن به أي تراث ‏مغربي يذكر، بل أكثر من ذلك فهو حرف غريب عن المغاربة بمعنى أنه يفتقد لخاصية الألفة التي ‏تجعل المغاربة يُقْبِلون على تعلمه واستعماله، من هنا رأينا بأن اعتماده هو نوع من الانطلاق من ‏الصفر وسميناه حرف البداية. أما الدعامة الثالثة فهي الانتصار للحرف العربي بوصفه الحرف الأقرب ‏إلى أداء أصوات الأمازيغية بحكم التداخل المعجمي القائم بين العربية والأمازيغية نتيجة ما يسمى في ‏السوسيولسانيات بظاهرة الاقتراض، هذا بالإضافة إلى أنه هو الحرف الذي اعتمده الأمازيغ بشكل ‏تلقائي لفترة تاريخية امتدت من الفتح إلى اليوم، فهو بذلك يشكل حرف الاستمرار.‏

ما بين القطيعة والبداية والاستمرار، اخترنا، مع مجموعة من المهتمين بالقضية من باحثين ولسانيين ‏وفعاليات من المجتمع المدني، الانطلاق من الاستمرار، وذلك لكونه الاختيار الأنسب علميا ورمزيا ‏وسياسيا بل واقتصاديا كذلك، على اعتبار أن الحرف العربي أقل كلفة بالمقارنة مع تيفيناغ ‏بالخصوص، وأكثر فائدة لأن انتشاره على نطاق واسع يضمن للأمازيغية حضورا دائما، كما يضمن ‏لها قيمة إضافية بربطه لها بكل التمثلات الإيجابية التي للعربية في متخيل المواطن المغربي العادي، ‏وذلك اعتمادا على تشابههما مظهرا ومخبرا (حرفا ومعجما).‏

 

الحرف بين التقني والرمزي

في غضون النقاش الذي احتدم بين مختلف الفرقاء، كانت الحجة الأولى التي رفعها المتحمسون ‏للحرف اللاتيني هي أن الأبجدية مسألة تقنية صرفة، لا ينتج عنها أي تأثير فكري يذكر ولا علاقة لها ‏بالثقافة التي ارتبطت بها، والملم بتاريخ اللغات والمسارات التي قطعتها، يعلم يقينا أن هذا الرأي لا ‏أساس له من الصحة، وأنه يعتمد في هذا السياق فقط لضرورة التمكين للأبجدية اللاتينية على حساب ‏الأبجدية العربية، فالعلاقة بين اللغة والحرف الذي تكتب به حقيقة ثابتة أكدها الكثير من الدارسين.‏

وإذا كانت هناك لغة يمكن أن نتحدث عن علاقة وثيقة بينها وبين أبجديتها، فهي اللغة العربية، وذلك ‏نتيجة الاشتغال الذي مارسه عليها العرب والمسلمون، والتغييرات التي ألحقوها بها منذ تبنيهم لها في ‏القرن الرابع الميلادي، وهي مازالت في طفولتها الأولى غير واضحة المعالم، عارية من النقط ومن ‏الشكل، وغير مستقرة على ما هي عليه الآن في هيئة كتابة حروفها. وسيزيد من تجذير هذه العلاقة ‏الحدث القرآني الذي ضمن لهذه اللغة عبور الأزمنة والانسجام والتوحد، بحيث لو لم يكن القرآن ‏باللسان العربي، لكنا الآن أمام لغات مكتوبة متفرعة عن اللغة العربية لا يتفاهم أصحابها فيما بينهم، ‏وهي لغات ستكون بعدد الدول التي أمكن للغة العربية الأم أن تنتقل إليها.‏

ونظرا لأداء هذه الحروف لأصوات اللغة العربية على أكمل وجه ولارتباطها بالنص القرآني، حتى ‏سمي من طرف الإيسيسكو بالحرف القرآني، فقد اعتمدت من طرف أغلب اللغات التي يتكلمها الكثير ‏من المسلمين في العالم بأسره، ويكفي أن نذكر هنا اللغة الفارسية والأردية والكردية والتركية في ‏مرحلة ما قبل أتاتورك، إضافة إلى كل الأمازيغيات سواء المغربية ( الريفية والسوسية والشلحية) أو ‏الجزائرية ( المزابية والشاوية والقبائلية والتارگية...). دون الحديث عن الدول الإفريقية المحاذية ‏لجنوب الصحراء التي كتب علماؤها لغاتهم المتعددة، ودونوا الكثير من تراثهم بالأبجدية العربية، ‏خاصة في مرحلة ما قبل الاستعمار، وكان على رأس هذه اللغات الهوسا والفلاني والتكرور والولف ‏والسواحلية التي هي مزيج من اللغة العربية واللهجات الإفريقية. ويكفي أن نعلم أن ما يزيد عن ستين ‏لغة من لغات العالم الإسلامي كانت تكتب بالحرف العربي، من بينها حوالي ثلاثين لغة في إفريقيا ‏وحدها، وهو ما كان يشكل نوعا من الوحدة الرمزية بين مختلف هذه الدول.‏

بسبب هذا البعد الثقافي والسياسي، حورب الحرف العربي في إفريقيا إبان الفترة الاستعمارية وبعدها، ‏لأن من شأنه أن يكون حلقة وصل بين الأفارقة وبين الثقافة العربية الإسلامية التي تزود الإفريقي ‏ببعض من عناصر المقاومة، وتجعل من عملية تذويبه في الثقافة الغربية أمرا مستعصيا. فكتابة اللغات ‏الإفريقية بحرف غير الحرف العربي وتعويضه بالحرف اللاتيني، كان الهدف منه تقريب الإفريقي من ‏الغربي وقطع الصلة بينه وبين العربية من أجل تحقيق أهداف ذات بعد جيوسياسي. ‏

الحرف العربي إذن، ليس بالحرف المنفصل عن اللغة العربية واللغات الأخرى المنتمية إلى الثقافة ‏والحضارة العربية الإسلامية، بل هو شديد الارتباط بها، بحيث أن تغييره يترتب عنه انفصال واتصال ‏في الوقت نفسه؛ انفصال، ولو كان نسبيا في البداية، عن المكون العربي الإسلامي، واتصال بالمكون ‏الذي تعوض أبجديته الأبجدية العربية، وهو في هذه الحالة، وكما ينادي بذلك الكثير من النـزوعيين، ‏الحرف اللاتيني الذي ارتبط بلغات أوربا الغربية وبثقافتها قبل أي ثقافة أخرى تبنته فيما بعد.‏

‏ الحرف العربي على هذا الأساس وتبعا لهذا التحليل، هو رمز قبل أن يكون حرفا بريئا ‏محايدا، والرمز حسب مصطلح كارل غوستاف يونغ هو أشبه بالنموذج الأولي ‏Archétype"‎‏"، إذ ‏بمجرد رؤيته يوقظ في كل شخص مجموعة من المشاعر والأفكار التي تنبعث من اللاوعي الجماعي ‏المخزن في سجلات التجربة، التي استغرق بناؤها وتأثيثها عشرات السنين، والتي تنتقل من جيل إلى ‏آخر عن طريق التربية والتكوين، لتغتني بشكل مستمر. الحرف رمز يحمل معه تاريخا كاملا من ‏الدلالات والإيحاءات التي لا يمكن أن يؤديها أي من الحروف الأخرى، سواء بالنسبة للغة العربية أو ‏بالنسبة للأمازيغية التي تهمنا هنا، والتي يراد لها أن تنفصل عن العربية من باب الحرف، لتنتهي ‏بالانفصال عنها مستقبلا عن طريق تطهيرها من الألفاظ العربية، كما يريد لها ذلك النـزوعي الذي ‏يعمل على فك الارتباط بين اللغتين بجميع الوسائل؛ ومن خلال ذلك الانتقال إلى تفريغ الثقافة ‏الأمازيغية من المكون العربي الإسلامي عن طريق إعادة قراءة التاريخ والتراث الأدبي والشعبي ‏والأحداث السياسية... من منطلق شبه عرقي، يجعل من تلاقي وتفاعل المكونات العربية والأمازيغية ‏صدفة تاريخية وخطأ يجب "إصلاحه".‏

‏ إن المطابقة بين الحرف والرمز لا تقوم على أية مبالغة، ذلك لأن الحرف كما يقول ابن خلدون هو ‏‏"رسوم وأشكال حرفية تدل على الكلمات المسموعة الدالة على ما في النفس. [...] ويطلع بها على ‏العلوم والمعارف وصحف الأولين وما كتبوه من علومهم وأخبارهم"، بحيث يصبح الحرف في كثير ‏من الحالات مُذَكِّرا بمضمون تلك العلوم، محتلا بذلك موقع الرمز الذي يحضر لِيُذَكِّر بقيم وأشياء ‏غائبة.‏

‏ وهذا الفهم الذي وظف في غير محله، هو نفسه الذي كان سببا في جعل الأوربيين يرفضون استعمال ‏الأرقام العربية، رغم أنها كانت تتوفر على الصفر وكانت أكثر انسجاما وأكثر ديمقراطية؛ فهي تجعل ‏العمليات الحسابية الأساسية في متناول الأطفال والتجار الأقل تكوينا، ومع ذلك فقد لزمها عدة قرون ‏بعد انتقالها إلى أوربا لتأخذ مكان الأرقام الرومانية الشديدة التعقيد، وتمت معارضتها بشراسة بل منع ‏استعمالها في بعض الدول،‎ ‎هذا مع أن الرقم هو علامة فارغة من أية رمزية تذكر، اللهم إلا ما كان ‏من تلك الرمزية المرتبطة به كعدد وليس كصورة، كما هو عليه الشأن بالنسبة للحرف. ومع ذلك فقد ‏لاقى معارضة شديدة، فقط لأنه ارتبط بالعرب وبالثقافة العربية. وعلى الرغم من أنه ما كان ليفصل ‏أوربا عن تراثها الرياضي الذي هو الآخر لا يتضمن أية حمولة ثقافية تذكر، باعتباره من العلوم ‏الحقة التي لا تمت لتاريخ أمة أو عقيدتها بصلة، بل على العكس من ذلك كان هذا الرقم سيقرب ‏الرياضيات من أكبر عدد ممكن من الأشخاص، ويسمح لها بالانتشار على نطاق واسع، مع ذلك فقد ‏رفض وحورب إلى أن ظهرت ضرورته وعدم إمكانية الاستغناء عنه.‏

 

نقد البداية

لقد كان إذن الخطاب السائد في مختلف الدراسات التي نشرت من طرف المتحمسين للحرف اللاتيني ‏يركز على ضرورة تبني هذا الحرف لدواع علمية، لكن الحقيقة هي أن اعتماد الحرف اللاتيني كان ‏الهدف منه هو تضخيم الخصوصيات بين الناطقين وغير الناطقين بالأمازيغية، وفك الارتباط التاريخي ‏القائم بين العربية والأمازيغية، وجعل هذه الأخيرة مستقلة عن المجموعة الحضارية العربية الإسلامية، ‏وما أسفرت عنه مداولات المعهد الملكي المغربي من اتفاق على تبني حرف تيفيناغ، أكبر دليل على ذلك، ‏فلِتَعَذُّر تبني الحرف اللاتيني الذي كان سيؤدي لا محالة إلى ردود فعل قوية، قد تجعل الكفة تميل ‏لصالح الحرف العربي، اختير في النهاية الحرف الفينيقي الذي يعتبر من أقل الحروف استجابة لمبدأ ‏العلمية، وهذا ما يؤكد مرة أخرى ما كنا قد أشرنا إليه من أن قضية الأبجدية هي قضية سياسية وثقافية ‏بالدرجة الأولى، وأن العلم في الكثير من الحالات لا يتعامل معه سوى كخزان يمد السياسي والمثقف ‏بالأسلحة ليحسم المعركة لصالحه.‏

لقد كانت الأبجديات في أغلب الثقافات، بفعل استعمالها لفترات تاريخية طويلة، وبفعل حفظها ‏للنصوص المركزية التي ساهمت في بناء الثقافة والمتخيل الجماعي، أداة للحفاظ على الهوية وإحدى ‏العناصر الأساسية لضمان تماسك الجماعة. ونظرا لهذه الأهمية التي تحظى بها، فقد أحيطت بمجموعة ‏من التصورات والاعتقادات التي تحميها هي الأخرى من الضياع والنسيان، ويمكننا أن نضرب هنا ‏مثالا باليديشية، لغة اليهود الأشكناز في شرق أوروبا، وهي لهجة ألمانية مكونة من20 في المائة من ‏العبرية و10 في المائة من الأرامية و70 في المائة من الألمانية، وخاصيتها الأساسية هي أنها تكتب ‏بحروف عبرية. وحتى يحافظ لها اليهود على هذه الميزة، فقد منعوا أطفالهم من الدراسة في مدارس ‏الأغيار، لأن التصور الذي كان سائدا بينهم، هو أن اليهودي الذي ينظر إلى حروف غير عبرية تحرق ‏عيناه يوم القيامة ‏. ‏

بالنسبة لتيفيناغ لا نجد أي خلفية ثقافية تدعمها، فهي أبجدية لم يدون بها أي شيء، اللهم إلا بعض ‏أسطر على الحجارة أو شواهد قبور، بل أكثر من ذلك فإن اشتقاق مصطلح تيفيناغ يرجع إلى الجذر ‏‏"ف.ن.غ" الذي يمكن قلبه إلى جذر آخر هو "ف.ن.ق"، وذلك لأن القاف غير أصلية في الأمازيغية كما ‏يؤكد محمد شفيق، وكلا هذين الجذرين على علاقة مع الكلمة اللاتينية پـونيكا ‏Punica‏ ومع ‏الاصطلاح الروماني بونيقي، وهذا هو الرأي الأقرب إلى الحقيقة التاريخية إذ "في الوقت الراهن لا ‏وجود في اللغات الأمازيغية لكلمات حاملة للجذر الذي اشتقت منه كلمة تيفيناغ"‏ ‏ وكل ما أشيع حول ‏هذه التسمية هو مجرد تكهنات وتمحلات لا أكثر. فالحديث عن تيفيناغ بوصفها أبجدية الأمازيغية غير ‏مقبول بل هي أبجدية فينيقية كما يدل على ذلك اسمها، وهذا ما يؤكده تاريخ شمال إفريقيا الذي عرف ‏استقرار الفينيقيين ونقلهم لأبجديتهم التي كانت تسخر لأهداف تجارية. وهذا لا ينقص في شيء من قيمة ‏الأمازيغية، فأغلب اللغات العالمية لم تكن لها أبجدية تكتب بها، وهذا ناتج عن الطابع الشفاهي لثقافاتها. ‏ويكفي أن نشير هنا إلى أنه من بين 38 لغة قوقازية، لا نجد سوى واحدة لها أبجديتها الخاصة وأدبها ‏المكتوب وهي اللغة الجيورجية، وهي أبجدية ترجع إلى بداية القرن الخامس، بينما كل اللغات الأخرى ‏لا تتوفر على أبجديتها الخاصة، وقد اعتمد في كتابة 11 منها على أبجدية استخلصت من الأحرف ‏السيريلية. واعتماد هذه الأبجديات وترسيمها لم يتم إلا مابين 1918 و 1932 وقد عرفت تغييرات ‏متتالية فيما بعد. ‏‎ ‎

وحتى لا نتهم بالتحامل على حرف تيفيناغ نكتفي بإيراد المؤاخذات التي عدها المهتمون بالقضية ‏والمتحمسون للحرف اللاتيني والتي هي كالتالي ‏:‏

تدريس الأمازيغية بحرف تيفيناغ هو عودة إلى نقطة الصفر وانطلاق من البداية، الشيء الذي ‏يتطلب توظيفا مضاعفا للجهد والمال والوقت.‏

حرف تيفيناغ ليس جاهزا للاستعمال إذ لا توجد آلات للكتابة ولا نصوص ولا كتب ولا برامج ‏معلوماتية بحرف تيفيناغ. وهو ما يتطلب تكلفة مالية باهظة لتوفير آلات الكتابة وحروف الطباعة ‏وبرامج المعلوميات بهذا الحرف. ‏

لا يوجد ولو كتاب واحد له قيمة أدبية أو علمية مكتوب بحرف تيفيناغ، بل إن المدافعين عنه ‏لم ينشروا به شيئا يذكر. فكيف يريدون أن يفرضوا على الآخرين ما هم في الواقع رافضون له ما داموا ‏لم يسبق لهم أن أصدروا به كتابا ولا مطبوعا؟

هناك مئات من المواقع الأمازيغية على الإنترنيت لا يوجد من بينها موقع واحد بتيفيناغ.‏

 

حرف تيفيناغ سيعزل الأمازيغية وذلك لعدم شيوعه.

كل هذه النقائص وغيرها كثير، لم تمنع أعضاء المعهد من تبني حرف تيفيناغ، وهذا يكشف مرة ‏أخرى أن الذي تحكم في هذا الاختيار ليس هو العلم، بل السياسة والرغبة في سد الطريق في وجه ‏الحرف العربي الذي سميناه بحرف الاستمرار، وتدشين بداية فك الارتباط بين الأمازيغية والعربية ‏ضدا على الواقع والتاريخ.‏

 

دلالة الصفر

خلال التصويت النهائي الذي اعتمده المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، كان نصيب تيفيناغ 24 صوتا ‏من مجموع 32، بينما حظي الحرف اللاتيني بـ 8 أصوات، أما الحرف العربي فقد كان نصيبه ‏صفرا. وهذه النتيجة وحدها كافية للدلالة على الانحياز ومعاداة كل ما له علاقة بما هو عربي، وإقصاء ‏أحد مكونات هويتنا المغربية والمتمثل في الحرف واللغة العربية التي هي إرث مشترك بين كل ‏المغاربة سواء الناطقين أو غير الناطقين باللغة الأمازيغية.‏

لقد كانت معركة الحرف، كما أشرنا إلى ذلك أعلاه، محطة فارقة كشفت عن الكثير من الجوانب التي ‏كانت مضمرة في الخطاب الأمازيغي، والتي من بينها الحساسية المفرطة التي يتم التعامل بها مع كل ‏ما له علاقة بالعربية وبحرفها الذي وصف بالحرف الآرامي والحرف المخزني والحرف المتخلف ‏والعقيم والحرف الملوث... بينما أُعْلِيَ من شأن الحرف اللاتيني لدرجة أصبح معها حرف سحري قادر ‏على تحقيق كل شيء (التقدم، العلم، التحضر، الانفتاح...). ‏

رَفْضُ الحرف العربي أو بتعبير أصح معاداته، ليست بالشيء الجديد على الساحة المغربية. يكفي أن ‏نستحضر هنا هجوم الصحافة النـزوعية والفرنكوفونية على وزارة النقل المغربية لما قررت إدخال ‏الأبجدية العربية في نظام الترقيم التسلسلي للوحات السيارات داخل المغرب، فقد استنكروا جميعا ‏إدخال العربية إلى مجالات لم تستعمل فيها هذه اللغة من قبل. فما كان من وزير النقل إلا أن أصدر ‏بيانا انتقد فيه الجريدة التي كان لها الحظ الأوفر في معارضة الحرف العربي قال فيه: "وتبين للوهلة ‏الأولى أن موقف جريدتكم لا يخلو من خلفيات ويحن إلى عهد غابر عرف بتسلط لاجوداناته الذين ‏خلفوا في بعض الشعب من بلادنا بعض مظاهر القمع الفكري... وهل أحتاج هنا إلى التذكير بأن ‏المغرب بلد له خصوصياته وشخصيته وهويته... ولا جدال في أن اللغة العربية أهم أركان هذه ‏الهوية"‏

نتساءل: ما الذي يخفيه موقف النـزوعي الانبهاري من الحرف اللاتيني، رغم هذه العلاقة الفريدة ‏التي أقامها المغاربة الناطقون بالأمازيغية وغيرهم مع الحرف العربي؟ الجواب يمدنا به ابن خلدون في ‏أحد فصول مقدمته المعنون بـ(أن المغلوب مولع أبدا بالاقتداء بالغالب في شعاره وزيه ونحلته وسائر ‏أحواله وعوائده)، "وذلك لاعتقاده الكمال في من غلبه وانقاد إليه"‏‏. هذا جواب نضيفه إلى الرغبة في ‏فك الارتباط بين ما هو عربي وأمازيغي، وتقليص حيز وجود اللغة العربية التي هي لغة كل المغاربة ‏دون استثناء.‏

إن الحديث عن الحرف الكوني بشأن الأبجدية اللاتينية، إضافة إلى أنه يعبر عن الانبهار بما عند ‏الآخر والزهد فيما تملكه الذات، فهو يخفي نوعا من المركزية الأوربية التي تم تجاوزها في خطاب ما ‏بعد الحداثة، والتي تتحكم في كتابات الكثير من النـزوعيين وغيرهم ممن لا يستحضرون النقد ‏والتفكيك في تعاملهم مع المنتجات الفكرية. فالحرف اللاتيني لأنه ارتبط بأوربا وأمريكا؛ أي ارتبط ‏بالدول التي صنعت الحضارة الراهنة بقوتها وكشوفاتها العلمية، ولأنه كان أول الحروف دخولا إلى ‏الحاسوب وإلى وسائل الإعلام والاتصال الحديثة، فإنه اكتسب نتيجة ذلك سلطة لا يتوفر عليها أي ‏حرف آخر، لذلك تجد النـزوعي يعمل على تبنيه ظنا منه أنه بذلك سيتبنى الحضارة والقوة، بينما هو ‏في الحقيقة لا يعمل سوى على الشرعنة للهيمنة الغربية ولتفوق "الرجل الأبيض" على مختلف الشعوب ‏الأخرى. دائما نفس النظرة السحرية وتقديس الأشياء التي في ملك الآخر.‏

إن النـزول بالحرف العربي إلى درجة الصفر على مستوى أصوات أعضاء المجلس الإداري ‏للمعهد، يكشف عن الكثير من الجوانب المسكوت عنها في الخطاب الأمازيغي بصيغته النـزوعية، ‏ومن بينها على الخصوص رفض كل ما له علاقة بالمكون الثقافي العربي. في مراحل سابقة وفي أكثر ‏من مقال وقفنا عند هذا الملمح وانتقدناه وأظهرنا لا علميته وارتكازه على الأساطير والعقد، فكان الرد ‏دائما: هذه حالات خاصة وشاذة لا تلزم إلا أصحابها، هل هذا الرد أصبح مقبولا بعد أن تبنت أعلى ‏هيئة مختصة في البث في قضايا الثقافة الأمازيغية نفس الموقف؟

لقد سبق لنا أن قلنا بأن الخطاب النـزوعي يعيد إنتاج الأدبيات الفرنسية التي كان لها ما يبررها على ‏اعتبار أن المستعمر اعتمد سياسة "فرق تسد"، لذلك عمل منظرو الاستعمار الفرنسي على الحديث عن ‏أمازيغي مختلف تماما عن العربي وعملوا على تضخيم الخصوصيات فيما بين الطرفين، وخصوا ‏الثاني، على المستوى القانوني بالشرع، بينما حاولوا مأسسة العرف وجعله ركيزة لتعميق التمايزات ‏بين مكونات الشعب المغربي، كما تحدثوا عن ثقافة أصيلة في مواجهة الثقافة الدخيلة أي الثقافة العربية ‏الإسلامية، متجاهلين ما يقرب من أربعة عشر قرنا من التفاعل والتداخل الذي نتج عنه مكون ثقافي ‏يستحيل تفكيك مكوناته ونسبة بعضها إلى هذا الطرف والبعض للطرف الآخر، وهو ما ينطبق على ‏ساكنة المنطقة نفسها والتي تصاهرت فيما بينها وتبادلت المواقع الجغرافية والثقافية حيث تمزغ العربي ‏وتعرب الأمازيغي، فانتفى بذلك الصفاء العرقي الذي يحاول البعض اليوم بعثه من خلال بناء صفاء ‏ثقافي وهمي، كما حاولوا إعادة تشييد الذاكرة من جديد فذهبوا إلى أن الأمازيغي أوربي الأصل بينما ‏التاريخ والحفريات والافتراضات العلمية تكذب ذلك... ‏

إجراءات كثيرة وأفكار لا عد لها، كان الهدف منها كما هو واضح وكما أكدنا أكثر من مرة، نشر ‏عقلية الأقلية لدى فئة من المغاربة، والتأسيس من خلال ذلك لضرب اللحمة الاجتماعية التي كانت تقف ‏حاجزا أمام تحقيق أهداف المستعمر على الوجه الأكمل وبأقل كلفة ممكنة، ودلالة الصفر وحدها كافية ‏لتأكيد حضور ظلال هذا الفكر لدى فئة من المهتمين بالثقافة الأمازيغية. قد نتهم بأننا نبالغ ونركب ‏رمز الصفر لتحميله من الدلالات ما لا يتسع له أفقه، فالأغلبية ترى بأن المسألة الأمازيغية تطرح اليوم ‏من زاوية نظر حداثية، ومن رؤية ترتكز على الوعي العصري بالهوية. الرد على هذا سهل، ‏فالرمز لا يُحَمَّل بالدلالة إلا بتوفر مؤشرات تهبها المصداقية وتجعل المعنى المختار راجحا على غيره، ‏والمؤشرات أكثر من أن تحصى، نكتفي هنا بإيراد أقوال تغني عن التعليق وتزكي كل ما قلناه وتعيدنا ‏إلى الطروحات الكولونيالية بامتياز، "إنه أفضل بكثير للأمازيغية أن تبقى على ما هي عليه، ‏محظورة... وممنوعة من المدرسة والإعلام، وغير معترف بها كلغة وطنية، على أن تصبح لغة وطنية ‏ورسمية بنص الدستور، ومعترفا بها في المدرسة والإعلام والإدارة، لكن بالحرف العربي. إنها مسألة ‏حياة أو موت، مسألة أن تكون أو لا تكون الأمازيغية"‏ ‏!!، ومن باب المزايدة والظهور بمظهر الأكثر ‏غيرة على القضية وإمعانا في معاداة العربية وكل ما يرتبط بها، يصل الأمر بالبعض إلى القول بأن ‏‏"الحركة الأمازيغية، إذا كانت موحدة حول شيء ما، فإنها موحدة حول شيء واحد هو: لا لاستعمال ‏الحرف العربي لكتابة الأمازيغية. فإما أن نأخذ مسافة عن اللغة والثقافة العربيتين وإلا فلا وجود ‏لنا"‏ ‏!!‏

لقد أكد محمد شفيق ‏ في الكثير من دراساته قبل احتدام معركة الحرف وتحكم السياسة في الثقافة، ‏على التقارب الموجود بين العربية والأمازيغيات؛ فأبرز أوجه الشبه المتعددة بين اللغة العربية ‏والأمازيغية، فمن حيث الصوتيات يمكن القول أن البون ليس شاسعا بين الصوتيات العربية والصوتيات ‏الأمازيغية وأن تطورها عبر الزمان كان فيه نوع من التوازي، كما أن المعطيات الصرفية والنحوية ‏‏- دائما حسب شفيق - في الأمازيغية تتلاقى وبعض المعطيات الصرفية والنحوية العربية؛ من ذلك ‏طرائق الجمع والتأنيث، وتقارب عدد من الضمائر المتصلة. ورغم اختلاف اللغتين على مستوى ‏المعجم فإن التفاعل بينهما وبفعل عملية الاقتراض الذي عرفته الأمازيغية قربت بين المعجمين، بل ‏أكثر من ذلك فإننا نجد بين اللغتين تواردا في مجال الخلق المعجمي نتيجة طغيان الجذر الثلاثي في كلا ‏اللغتين، هذا بالإضافة إلى ما ذكره شفيق من أن مصادر الأفعال المزيدة قياسية فيهما معا؛ اسم الفاعل ‏في البربرية يبتدئ دائما بالميم، كما هو الشأن في اسم الفاعل المشتق من الفعل العربي المزيد؛ أفعال ‏الاستفعال في العربية تبتدئ بالسين وهي من حيث وظيفتها الدلالية شبيهة بالأفعال الأمازيغية التي ‏تبتدئ بالسين والمؤدية لمفهوم التفعيل والإفعال؛ الفعل المطاوع للمجرد من حيث مدلوله يبتدئ بالنون ‏في اللغتين كلتيهما. وقد دفعت هذه التشابهات الكثير من الدارسين إلى اعتبار الأمازيغية لغة حامية ‏سامية أي إفريقية آسيوية ونذكر من بينهم مارسيل كوهن ‏S.‎‏ ‏Cohen‏ وروسلر ‏Rössler‏ وسالم ‏شاكر ‏Chaker ‎‏ ودافيد كوهن ‏D. Cohen‏ .‏

واليوم من خلال أقوال كتلك التي أوردناها أعلاه، ومن خلال الصفر الذي خصت به اللغة العربية، ‏نشهد انهيار تراث محمد شفيق بكامله والذي بناه على توثيق العلاقة بين اللغتين، كما نلمس الرغبة ‏العنيدة في فك الارتباط بكل ما له علاقة بالعربية، ليس فقط على مستوى الحرف أو اللغة، بل على كل ‏المستويات (التاريخ، الجغرافيا، الثقافة، السياسة، الرموز...) وكل ذلك ناتج عن تصور للهوية خضع ‏لعملية تفقير خطيرة تعيد إنتاج سيناريو اعتمده بعض المثقفين المصريين الذين دعوا في الخمسينيات ‏والستينيات إلى القطع مع كل ما هو عربي والبحث عن المجد الفرعوني وكل ما يتصل بالعصور ‏السابقة على الإسلام باعتبارها المرحلة الممثلة لهوية ووجدان الشعب المصري الذي عربه الإسلام ‏وطمس أصوله الحقيقية، وهذا ما عبر عنه لويس عوض بقوله مصر فرعونية لا عربية أبعدوا شبح ‏العرب عن مصر، العرب استعمروا مصر وشوهوا وجهها الحضاري!! ‏

لقد أكدنا في أكثر من مقال بأن هذا الاتجاه هو اتجاه نخبوي، إذ أن أغلب المغاربة لا توجد لديهم أية ‏حساسية تستلهم هذه الأقوال الشاذة تجاه الثقافة العربية، إنهم يتمثلون في سلوكهم اليومي مواقف علماء ‏أمثال المختار السوسي وابن باديس الجزائري، وهذا ما نلمسه واضحا في قول محمد بلحاج عضو ‏المكتب الوطني لجمعية الحركة الأمازيغية بهولندا، فبعد مجموعة من الأجوبة التي يلمس من خلالها ‏تنقيصه من اللغة العربية و الحط من قيمتها، يعقب على ذلك بقوله: " أنا شخصيا لا أستطيع أن أذهب ‏إلى والدي وأقول له بشكل مباشر إن اللغة العربية ليست لغتنا وإننا لسنا من العرب أو ما شابه ذلك"، ‏هذا القول وحده كاف للدلالة على انفصال هذا التصور عن كافة المغاربة وهو ما يفرض على نشطاء ‏الحركة الأمازيغية إعادة النظر فيه وممارسة نوع من النقد الذاتي حتى لا يتحولون إلى شبه "أنبياء" ‏يمارسون الدعوة في صحراء "خالية" من البشر.‏

 


Email Drucken Favoriten Twitter Facebook Myspace Stumbleupon Digg MR. Wong Technorati aol blogger google reddit Yahoo

Add comment


Security code
Refresh