Warning: include(/home/content/l/i/b/libyaforum/html/new/media/system/utf.php) [function.include]: failed to open stream: No such file or directory in /home/content/71/3922071/html/index.php on line 17

Warning: include() [function.include]: Failed opening '/home/content/l/i/b/libyaforum/html/new/media/system/utf.php' for inclusion (include_path='.:/usr/local/php5/lib/php') in /home/content/71/3922071/html/index.php on line 17

Warning: include(/home/content/l/i/b/libyaforum/html/modules/mod_breadcrumbs/tmpl/javascript.php) [function.include]: failed to open stream: No such file or directory in /home/content/71/3922071/html/index.php on line 20

Warning: include() [function.include]: Failed opening '/home/content/l/i/b/libyaforum/html/modules/mod_breadcrumbs/tmpl/javascript.php' for inclusion (include_path='.:/usr/local/php5/lib/php') in /home/content/71/3922071/html/index.php on line 20
LibyaForum.org خذوا حفنة من تراب مصراته إلى بيوتكم

خذوا حفنة من تراب مصراته إلى بيوتكم

 بقلم: عبدالرحمن شلقم *

 

إنها الساعة الثانية والنصف بعد الظهر، أنا على متن طائرة الخطوط الجوية الإيطالية «أليتاليا» المتوجهة إلى نيويورك. ها أنا أشرع في الابتعاد مرة أخرى عن وطني، هنا في روما التي عشت فيها وعملت فيها سفيراً مدة تزيد عن عشر سنوات، روما التي تقابل ليبيا على الشاطئ الآخر من المتوسط، أحس فيها ببعض من نسائم وطني، الذي يحرقه القذافي ويخنق أهله. كثيراً ما يلتف حولي سؤال يعصر جسدي وروحي وقلبي، متى يا ترى أحط على أرض الوطن الغالي، أتنفس عبيره المقدس، المضمَّخ بعطر الحرية بعدما اغتسل بدم الشهداء العظام؟ كلما صعَّد الطاغية عدوانه على مدننا وقرانا، واندفع شبابنا العظيم بصد ذاك العدوان بالنحور والصدور، بأسلحة خفيفة، أحس بأن المسافة نحو الوطن تقصر، والحلم بالعودة إلى أرض المقاومة والرجولة والفداء يكبر، يتسع، ويمتد. اتسع بركان الثورة العربية الكبرى ليمتد من تونس إلى مصر فليبيا فاليمن فسورية فالجزائر، لكن البركان الليبي كان له وهجه اللامع الساطع، له دمه المتدفق، وصوته الزلزالي المدوي.

عبأ الطاغية قوافل آلته الحربية وحشد كتائبه التي يقودها أولاده المرضى المجرمون، ومعهم عشرات الآلاف من المرتزقة من كل فج ومن كل لون، يحتلون، يدمرون، يحرقون ويغتصبون بأوامر معمر القذافي ليصب كرهه وحقده على الليبيين والليبيات، يحرق ما أخضرَّ وما يبس. كل الثورات العربية واجهت عنف الطغاة لكن ثورة ليبيا كان لها تفردها، تبعاً لتفرد القذافي بشخصية دموية ديكتاتورية لم يشهد لها التاريخ مثيلاً. لقد تفوق القذافي على كل الجبابرة والطغاة، فلأول مرة في التاريخ يشن طاغية حرباً شاملة على من يفترض أنه شعبه.

فرضت ثورة ليبيا نفسها على الدنيا فملأتها وشغلتها، فهي الوحيدة بين الثورات العربية التي سارع مجلس الأمن للوقوف معها وأصدر قرارات ضمن الفصل السابع من أجل حماية الليبيين من بطش الطاغية، وعبأ الطيران العسكري العالمي لضرب أدرع القذافي الحديدية الهمجية، وتحدث رؤساء العالم الكبار عن ليبيا مدينة مدينة، حتى كأن الرئيس الأميركي أوباما أو الفرنسي ساركوزي، أو رئيس الوزراء البريطاني كاميرون علماء جغرافيا أو مرشدون سياحيون في مدن ليبيا المختلفة. وتسابقت وسائل الإعلام على تغطية أخبار الثورة في ليبيا، كأنها ظاهرة العصر بل الزمان، وتسابق الصحافيون والمحللون العسكريون والمعلقون السياسيون يركضون وراء أحداثها المندفعة المثيرة. وأصدر مجلس الأمن قرارات ملزمة تعاقب القذافي وعائلته وعملاءه، في وسط ذلك الزخم المركب وفوق جبل الأحداث ارتفع اسم مصراته، مصراته التي قارعت صواريخ القذافي ودباباته ومدافعه وكتائبه ومرتزقته أسابيع عديدة، لم يرهقها الجوع، ولم يهزها نهر الدم ولم يكسرها جنون القذافي الحديدي، جن الطاغية فدفع بكل ما لديه من مرتزقة وكتائب وآليات حولها الـثوار الأحـرار إلى رماد ودخان وحطام.

شباب مصراته رفعوا أهرام الإرادة بماء الدم وحجارة الأجساد ونشروا عبق الحرية بأرواح الشهداء. مصراته الصمود والصدام، ستالينغراد القرن، أيقونة الحرية، وعنوان الحق. سرت روحها في الأرواح، والتف اسمها حول ضمير الدنيا، وهتف بعظمتها ضمير البشرية. من هنا، من الشاطئ الآخر للمتوسط أتجه إليك يا مهجة وطني، يا أغنية عمري، ورعشة وجداني، أناديك حباً، وأهتزّ لك عشقاً وتنشد روحي إليك تعظيماً وتكبيراً. يا حبيبتي، و يا حشاشتي، أهديت ليبيا دمك ولحمك وروحك، نقشت تاج حريتها بزفرات مهج شبابك المجللين بالوسامة وجمال شهامة الرجال. لقد دخل تعبير «الانتفاضة» الذي نحته الثوار الفلسطينيون بالأرواح والدماء إلى كل قواميس الدنيا، تعبيراً عن رفض الاحتلال والخضوع، وها هو اسم مصراته يدق أبواب الضمائر الحرة في كل الدنيا مرادفاً للحرية.

مصراته لم تعد مدينة فوق قطعة من أرض ليبيا، أو تجمعاً بشرياً يتعاطى الحياة كما يفعل بقية سكان الأرض. لا، مصراته الآن معنى، وجرح، وصرح، عملاق يشتعل، يراه الناس من كل مكان وسيشع في كل زمان، مصراته، أسطورة الحرية، أسطورة الزمان. لو كان الهواء يعبَّأ في القوارير المزخرفة، لعبئي هواؤها في أجمل القوارير ليكون عطراً للحرية، ولتمكَّنَ البشر لأول مرة من أن يستنشقوا الحرية عطراً. ولو كان للتراب أن يكون معدناً يغطي قيمة العملات، لَحُقَّ لتراب مصراته أن يكون أغلى الأغطية لكل أنواع العملات. إن الشمس عندما تسطع فوق أديم مصراته يصير ضوؤها وهجاً قدسياً يشع بطقوس الحرية.

الآن وأنا أبتعد جواً عن نسائم بلادي وعن درة تاجها ـ مصراته ـ أكتب وصيتي.

عندما أموت أريد أن أدفن في أرض ليبيا الحرة، في الوطن الحر يكون للتراب اسم وهوية وعبق، يصير القبر كوة مغلقة تختزلُ الوطن، وترمّز الكيان. القبر في التراب الحر ينسج كفناً خاصاً، آخر، غير ذلك الذي يلفك به الحانوتي، يعجن حنوطاً لا يعرفه ذلك الذي يمتهن وضع الأجساد في قطع القماش، أريد أن يكون كفني من خيوط الحرية، وحنوطي من تراب وطني المعجون بدم الحرية. إذا غادرت الروح واستراح الجسد وأودعت الكوة الأبدية، أن توضع تحت رأسي حفنة من تراب «مصراته» ليكون حنوطي القدسي، حتى يسكن معي نبضاً من الوطن وعبقاً لا يتقادم ولا يزول من عطر الحرية الأبدي. ففي كل حصاة من اديم مصراته يتوهج اسم ليبيا ويدق قلبها، ويفوح أريجها. في كل حبة تراب من مصراته، تسكن بذرة إعجاز، ومجرّة خلود. في «حفنتي» الأخيرة تكمن الأوائل والأواخر ويغفو الوجود، الذي أغفو فيه.

نداء

قد يهونُ العمرُ إلاّ ساعةً وتهون الأرض إلاً موضعاً. ما هو الوطن؟ إن محاولة الإجابة على هذا السؤال مغامرة لا يفرضها منطق ولا يلح عليها ظرف، لأن الكلمة في كثير من الأحيان غلاّبة، طاغية، مرهقة، تحكم الزمان وتعيد إنتاج المكان، وتنضج المضمون وتغيره في كل ثانية وليس في كل دقيقة. الوطن في هذا اليوم وفي هذا المكان ينفذ إلى كل شيء ويقهر كل ما عداه ويستولي على ما فوق الأشياء وما فيها وما في أسفلها، يخلق المشاعر، ويسري في الأرواح.

الوطن بالنسبة لكل من تشرف بحمل هوية الانتماء إلى ليبيا، يعني مشاعل وحرائق ودماء أو آهات حزن وقشعريرة كبرياء وأنفة. ليبيا هذا الاسم السحري الذي لا يتبدل من مقدمته أو من خلفه هي اليوم هاتف الحرية الإنساني، زعماء الكون حفظوا أسماء مدنها وقراها... يا إلهي ها هو رئيس أميركا باراك أوباما ينطق اسم «أجدابيا» كما ينطقه أي عجوز من قبيلة المغاربة، وها هو رئيس وزراء بريطانيا كاميرون يلعلع باسم مصراته كما يتلذذ بذكره أي شاب من شباب المقاتلين في شارع طرابلس أو في «الدفنية» أو في «طمينه» التي تنشر فيها كتائب معمر القذافي زخات الموت. مصراته تهفو لها أرواح بني البشر في مشارق الأرض ومغاربها، وترفرف فوقها آهات الليبيين، افتخاراً وانفعالاً وتعاطفاً، مصراته التي تلألأ فيها الرمز، وتجسدت فيها شهقة الدم، هي عصارة الإرادة الليبية الحمراء، هيجت ذاك الثور الطاغية معمر القذافي فحول صواريخ سكود إلى قرون الجنون، والقنابل العنقودية إلى فحيح الكراهية الحارق، فسالت دماء مصراته فوق ترابها، وتحولت كل حصاة إلى مارج يكتب اسم ليبيا، الذي يحرق مرتزقة الطاغية. لا أشك في أن «الوطن» هو الروح القدس التي تتوهج في داخل أسود مصراته، فيقتحمون مجنزرات القذافي ويغالبون صواريخه، وأن كل شيء في مصراته مسكون بأنشودة من اهتزاز دقات قلب ليبيا. وهكذا تتحول كل حصاة فيك يا مصراته إلى أيقونة عشق وإعجاز، إلى ذرة من الوجود والوجد الليبي، تنطلق في زغرودة ملائكية، تحظى بكل طلقة من زناد الحرية، تصرع الكائنات المأجورة. مصراته يا ستالينغراد القرن، يا كربلاء ليبيا الحبيبة، كل حبة رمل فيك ركعة صلاة، وكعبة حرية، وومضة يقين. وسكنت حرارة الإيمان والولاء والتقديس والحب أديم تلك المدينة المقدسة.

حمل المؤمنون مدينتهم في ثنايا سجادتهم التي يركعون عليها، في قطعة صغيرة من حجارة كربلاء، يسجدون عليها في كل صلواتهم. في تلك القطعة الصغيرة من أديم كربلاء يكمن زمان ومكان وولاء وأرواح ومنها يفوح عبق القربى، وفيها تتجسد أرواح الإيمان والانتماء. مصراته هي كربلاء كل ليبي، وهي ترابنا المقدس، وندائي ورجائي إلى كل ليبي أن يأخذ حفنة من تراب مصراته، يرشها في بيته، سيكون البيت وطناً، سيتنفس الأولاد أريج الحرية، ويمتلئ القلب بأوكسيجين ليبيا الصافي ويصير الدم واللحم والعظم كوناً في الحق الأبدي، لا يطاوله طاغية ولا يقهره جبار. هذا ندائي ورجائي. 

* مندوب المجلس الوطني الانتقالي الليبيي  لدى الأمم المتحدة

4 مايو 2011 – عن صحيفة الحياة


Email Drucken Favoriten Twitter Facebook Myspace Stumbleupon Digg MR. Wong Technorati aol blogger google reddit Yahoo

Add comment


Security code
Refresh