Warning: include(/home/content/l/i/b/libyaforum/html/new/media/system/utf.php) [function.include]: failed to open stream: No such file or directory in /home/content/71/3922071/html/index.php on line 18

Warning: include() [function.include]: Failed opening '/home/content/l/i/b/libyaforum/html/new/media/system/utf.php' for inclusion (include_path='.:/usr/local/php5/lib/php') in /home/content/71/3922071/html/index.php on line 18

Warning: include(/home/content/l/i/b/libyaforum/html/modules/mod_breadcrumbs/tmpl/javascript.php) [function.include]: failed to open stream: No such file or directory in /home/content/71/3922071/html/index.php on line 21

Warning: include() [function.include]: Failed opening '/home/content/l/i/b/libyaforum/html/modules/mod_breadcrumbs/tmpl/javascript.php' for inclusion (include_path='.:/usr/local/php5/lib/php') in /home/content/71/3922071/html/index.php on line 21
الإسلاميون والديمقراطية

الإسلاميون والديمقراطية

الإسلاميون والديمقراطية

بقلم: الشيخ راشد الغنوشي

 

إذا قصدنا بالديمقراطية نظام الحكم المستند للإرادة الشعبية، المعبر عنها من خلال انتخابات حرة نزيهة، يتساوى في حق المشاركة فيها كل المواطنين على قدم المساواة ناخبين ومنتخبين ضمن ترتيبات يتفقون عليها، حيث تتوفر للجميع على قدم  المساواة الحريات والحقوق الأساسية  في الاعتقاد والتعبير وتكوين الجمعيات والتأثير في الرأي العام، وحيث يكون القضاء نزيها مستقلا والتداول على مراكز السلطة الأساسية متاحا ضمن ترتيبات  يتفق عليها بحرية.

  
وإذا كان المقصود بالإسلاميين الحاملين لرسالة الإسلام في إحياء عقائده وتحريرها مما علق بها من الضلالات، وإعادة الارتباط بينها وبين حياة الناس ومسالكهم وأنظمتهم الفردية  والجماعية في سائر المجالات، بما يحرر دار الإسلام من كل محتل وظالم وينفذ إرادة الله جل جلاله في إقامة شريعته، وتحقيق مقاصدها في توحيد صف الأمة، وبسط العدل بينها، والشورى والحرية، والمساواة والرحمة، والسماحة، تعزيزا لوحدتها وشحذا لملكاتها وتيسيرا لاكتشاف ذخائر الكون وتسخيرها للناس بما يحفظ حياتهم، ويطور ثقافتهم وحضارتهم، وذلك عبر إطلاق وتحرير طاقات الأمة لتنهض بواجباتها الشورية وإمكاناتها الاجتهادية الفردية والجماعية مستفيدة في ذلك من كل إبداع بشري يتساوق مع مقاصد الشريعة أو لا يتصادم معها في الأقل، بما يضمن كرامة المواطن وحرياته ويشجع مبادراته في سائر المجالات، كما يضمن تماسك الجماعة وقوامتها وسيادتها على دولتها في إطار مرجعية الوحي العليا.

إذا كان هذا هو ما نقصده بالديمقراطية فما موقف عموم الإسلاميين بالمعنى المتعارف عليه من هذا النظام السائد اليوم في العالم نموذجا للحكم المعاصر، والذي لا يرى بديلٌا عنه في عصرنا غير الحكم الفردي الدكتاتوري الذي لا  تزال البشرية تكتوي بناره وتناضل بكل طاقاتها ضده، حتى أن حركة الإصلاح الإسلامي منذ قرن ونصف على الأقل جعلت من الاستبداد عدوها الأول، وحمّلته مسؤولية انحطاط الأمة بما جعل أهم علاج  قدمته للاستشفاء من هذا الداء الوبيل، داء الانحطاط، هو مقاومة الاستبداد والتبشير بحكم الشورى عبر ما سماه مصلحو القرن التاسع عشر في الآستانة ومصر وتونس بالتنظيمات، أي تقييد سلطة الحاكم بالقانون "اقتباسا" من النموذج  الغربي، فما موقف الإسلاميين بعد أكثر من قرن ونصف من الإصلاح من هذا النموذج السائد؟


مما يؤسف له أنه لا يزال يسبح في بحر ثقافة الإسلاميين عدد من المفاهيم غير المحددة تحديدا علميا دقيقا في تصورهم للدولة الإسلامية التي يجاهدون بكل الوسائل لإقامتها، وهو ما يجعلهم فريسة للأوهام ومصدرا لإشاعتها من دون تكليف أنفسهم عبء التحديد العلمي له، متأثرين بردود الفعل على ما يصدر من خصومهم وأعدائهم من مسالك وثقافة وأفكار واقترانات غير علمية. من ذلك مثلا أنه يكفي أن تكون مسائل الديمقراطية والسيادة الشعبية والمساواة وحقوق الإنسان، وحقوق النساء والأقليات، وحرية الإبداع الفني وكثير من مفاهيم الحرية المعاصرة، يكفي أن  يكون هذا الجهاز المفاهيمي قد اتخذ صورته المعروفة في إطار الثقافة الغربية، وباعتبار ما انتشر  حول هذه الثقافة من كونها لم تتأسس على تقديس الديانات بل على العلمانيات، وبسبب ما تشيعه ثقافتها وأجهزة إعلامها وفنونها والمنتسبون لها والمبشرون بها من تحلل وفساد وتمرد من ربقة الدين والأخلاق، حتى تفشو في الوسط  الإسلامي المقهور من مظالم قوى الهيمنة الغربية سوابق أحكام من دون تمحيص، حول أنظمة ومفاهيم ارتبطت بالغرب رغم أن أصولها هي أرسخ في ديننا وتراثنا مثل الديمقراطية وحقوق الإنسان وما إليها من هذه المفاهيم، يعتبرونها غير قابلة للانفكاك عما اقترنت به في بعض الدوائر الغربية من فلسفات الإلحاد والعلمنة والتمرد على الله والنبوات ونشر التحلل والفساد وتدمير مفاهيم الشرف والعائلة.

ويزيد الطين بلة التأكيد المتكرر من قبل أوساط علمانية من بني قومنا وحتى من بعض الغربيين  للتلازم المطلق بين تلك المفاهيم وبين الفلسفات المادية والعلمانية، وأنه ليس أمام الإسلاميين إذا راموا الإفادة من مفاهيم الديمقراطية وحقوق الإنسان إلا أن يقبلوا الغرب جملة واحدة، تماما على غرار ما كان يردده أسلافهم من شبلي شميل وأضرابه من تأكيد أن الثمن الوحيد الذي على المسلمين أن يدفعوه إذا ابتغوا الإفادة من مكاسب الحداثة كالتقدم العلمي والتقني هو خلعهم لربقة الدين، واعتناق دين العلمانية والكفر بالله. مع أن العلمانية لا تعني بالضرورة الإلحاد بقدر ما تعني رفض سلطة رجال الدين من أجل نقل السلطة للشعب، وليس في ذلك ما يضار الإسلام في شيئ  من هذا الوجه.

فضلا عن أن العلمانية التي تعادي الدين جملة وتعمل على تهميشه جملة ليست هي كل العلمانية، وإنما صنف منها فقط،  ليس بينه وبين الديمقراطية أو العلم ارتباطا ضروريا بل هي مدرسة فلسفية. فلقد وجدت العلمانية ومعها التقدم العلمي في الاتحاد السوفيتي وفي الأنظمة الفاشية من دون ديمقراطية، بينما عرفت أنظمة مثل تركيا وتونس وأمثالهما العلمانية من دون ديمقراطية ولا تقدم علمي، فما وجه الاستحالة في أن  توجد بالتالي  الديمقراطية من دون علمانية كما هو الحال في إيران، حيث لا يشك منصف في وجود أقدار من الديمقراطية مثل الانتخابات النزيهة والصحافة الحرة والبرلمان الممثل لم تنعم بمثلها أنظمة الحداثة العربية على كثرة تبجحاتها.

وإذن فهذا الإقتران المضلل الذي روجه غلاة العلمانية في وسط قطاع من الإسلاميين مستغلين ضعف تكوينهم في مجال الفكر السياسي والفلسفات المعاصرة بما جعلهم يرددون في شكل مؤسف شعارات لا يكادون يفقهون لها معنى، من مثل لوك المقابلة بين سلطة الشعب على أنها عنوان الديمقراطية، وسلطة الله على أنها عنوان الحكم الإسلامي، للاستنتاج الساذج على أن التناقض بينهما حتمي ولازم، وهو ما يعرض حكم الإسلام في صورة بشعة جدا ومضللة، وكأن الإسلام لن يحكم إلا عبر قهر الشعوب! وأنه حيث سيتم الاحتكام للشعب، فالإسلام سيخرج لتوه من النافذة!. وهؤلاء الإخوة بحكم وضعهم النفسي المنفعل من مظالم الغرب في حق أمتنا، وبحكم الاقتران الفعلي في الغرب وحتى النظري بين الديمقراطية والعلمانية والتحلل والاستعمار، وبحكم ضعف التكوين النظري الفلسفي والفكري السياسي في وسط كثير من الدعاة والكتاب الإسلاميين، فقد انتشرت كالنار في الهشيم فكرة  تكفير الديمقراطية، أو في الأقل التحفظات عليها، ولا يختص بذلك تيار منهم دون الآخر كما يتبادر للذهن، بل هو قد انتشر لمدى بعيد في معظم أوساطهم. يكفي أن نعلم أن أكبر مؤسس للحركة الإسلامية المعاصرة الشيخ حسن البنا قد اشتهرت عنه الدعوة لحل الأحزاب وتعويضها بجماعة واحدة تعبر عن إرادة الأمة. وجاءت الثورة التي دعمها الإخوان لتحقق هذا النموذج بأكثر مما أراد الأمام رحمه الله.


وللإنصاف فإن الثقافة المجافية للتعددية لم تكن بضاعة خاصة بالإسلاميين بل كانت ثقافة عالمية ولا سيما في البلاد المستعمرة المقهورة. للأسف بعض الرفاق الذين انتقلوا بسرعة البرق من عقائد دكتاتورية البروليتاريا الى شعارات الديمقراطية يحتكرونها بل يتخذونها متاريس للهجوم على الإسلاميين يحاولون نسيان عامل التاريخ في تطوير الأفكار. فلماذا يكون الإسلاميون استثناء يحرصون على تحنيطه بدل الرهان على تطويره وتشجيع كل خطوة على هذا الطريق؟ مع أنه لا مصلحة لأوطاننا في تأجيج ثقافة الحرب، بل هي أحوج ما تكون إلى تغذية ثقافة الوفاق. غير أن ما صدر عن الإمام الشهيد حسن البنا من موقف أملته روح عصره، إلى جانب ما تلاه من حادثة اضطهاد الإخوان على يد الدكتاتوريات التي حكمت المنطقة، لا سيما وكثير منها رفع شعار الديمقراطية. كل ذلك أسهم  في تنمية أقدار من الجفاء والحواجز –إلى حين- بين الإخوان وعموم الوسط الإسلامي والديمقراطية وسلطة الشعب، لاسيما مع ما أصله سيد قطب رحمه الله بقلمه البديع ودمه الغزير من نفور بين الإسلامي المعاصر والديمقراطية.


ورغم أن حظ الجماعة الإسلامية في شبه القارة الهندية من الاضطهاد كان أقل من أخواتها العربيات، حيث يبلغ ثقل الضغط الغربي أقصاه، فإنه بسبب الملابسات التاريخية لم يختلف فكر المودودي كثيرا عن فكر الإخوان في التحفظ على الديمقراطية، لدرجة اعتبر نظام الحكم الإسلامي هو أقرب إلى الثيوقراطية الإلهية. وهو ما يجعل مسألة التحفظ على الديمقراطية بدرجة أو أخرى لا تخص تيارا واحدا من تيارات الحركة الإسلامية لا سيما في الخمسينيات وما بعدها حتى الثمانينيات والتسعينيات، فالأخوان المسلمون كبرى الحركات الإسلامية لم تقدم على تجاوز تراث البنا في التعددية السياسية وفي القبول بمشاركة المرأة ناخبة ومنتخبة إلا منذ بضعة سنوات، ولا تزال بعض فروعهم مثلما هو عليه الأمر في الكويت ترفض في إصرار بعدا من أبعاد الديمقراطية: المساواة بين الجنسين- بحكم تأثير البيئة التي لا تزال تستنكف حتى من حق المرأة في قيادة سيارتها-ولكن حركة التقدم على خط الديمقراطية ماضية وإن بتدرج.

بل إن الجماعات الأشد في رفض الديمقراطية من بعض الإخوان وبعض السلفيين، هم حزب التحرير الذي يجاهد جهادا  ناصبا من أجل تكفير الديمقراطية، واعتبار أن لا حرية في الإسلام بل تقيد بالحكم الشرعي مقيما جدارا لا يعبر بين الاثنين. أما التيار السلفي فليس له موقف مميز من الديمقراطية، ففي أوساطه من يمارس العملية الديمقراطية ممارسة كاملة، كما هو الأمر في الكويت وفي السودان، يشارك السلفيون اليوم في الحكم القائم، وفي الجزائر كان أشد دعاة السلفية حرارة وتأثيرا الشيخ علي بالحاج - فرج الله  كربه-  قد شارك مشاركة فاعلة في تأسيس الجبهة الإسلامية، ودعم بكل قوة مشروعها الانتخابي، ومشاركتها ضمن حكم ديمقراطي، كما دافع حتى وهو في السجن عن العقد الوطني وهو مشروع لحكم ديمقراطي للجزائر، وفي مصر تقدم عدد من الجماعات الإسلامية المحسوبة على الفكر السلفي بطلب اعتماد جماعة الشريعة حزبا سياسيا ليعمل ضمن الديمقراطية. فأين هي الجماعات السلفية التي توفرت أمامها فرصة للعمل السياسي في إطار الديمقراطية ورفضتها؟ أما الذين يتحدثون عن رفض الديمقراطية في بيئة سياسية تكاد تنعدم فيها السياسية، فلا عبرة برفضهم لأن رفض ما هو غير موجود نوع من فقه الرأيتيين (أرأيت)، وضرب من التنطع والحرب مع طواحين الهواء مع ديمقراطية غير موجودة، بينما هم يطحنهم الاستبداد فما يفعلون إلا أن يسوقوا الماء الى طواحينه. والموقف الأكثر حماقة موقف الجماعات الفارة بجلودها من جحيم الاستبداد تحتمي بالديمقراطية. ومع ذلك تراها وكأنها لم يبق ما تحاربه غير النظام الديمقراطي. لقد أعيت الحماقة من يداويها.

والخلاصة من كل ذلك أن الفكر السياسي الإسلامي المعاصر لم يتفق على صورة إسلامية لحكم إسلامي معاصر سواء في مستوى الحكم أو المعارضة خارج النظام الديمقراطي. وإن  ما حصل في الجمهورية الإسلامية من تطور بدأ مع الخميني رحمه الله بالرفض الشكلي للحكم الديمقراطي،  وقد بلغ الرفض للديمقراطية لدرجة تكفيرها من جماعة خط الأمام، رغم أنهم منذ البداية لما نزلوا الى أرض الواقع لم يسعفهم تراثهم بكلمة يتحدثون بها عن دولتهم، إلا أن يمدوا أيديهم في شجاعة إلى جهاز الدولة الحديثة ليتحدثوا عن الجمهورية، وعن مجلس الشورى، والانتخابات واستقلال السلطات، وتطوروا مع التجربة وضغوط الزمن إلى أن صاروا يتحدثون بكل جلاء عن المجتمع المدني وعن الديمقراطية الإسلامية، بينما كانوا شبيهين بحزب التحرير أو ببعض الجماعات السلفية والإخوانية في رفض الديمقراطية أو التحفظ عليها بما يشبه الرفض. وهو ما يؤكد تاريخانية المشروع الإسلامي وخضوعه للتطور كسائر الظواهر الإجتماعية، وذلك في كل ما يتعلق بآليات وتفاصيل أنظمة الحياة، مما هو مناطق فراغ -حسب تعبير الشهيد الصدر- متروكة لعقول الناس وتجاربهم واجتهاداتهم.
ومما يمكن استنتاجه في علاقة الحركة الإسلامية بالديمقراطية ما يلي:

1- تشترك كل الحركات الإسلامية في التأكيد على أن الحكم جزء من الإسلام، ورفض العلمانية بما هي فصل للدين عن الدولة، كالتأكيد على ضرورة التسليم بأن المرجعية العليا  في الدولة تشريعا وتنفيذا وثقافة ينبغي أن تكون لنصوص الوحي كتابا وسنة المرجعية العليا لكل المؤسسات. الحقيقة أنه ما من ديمقراطية إلا وسلطة الشعب وإن تكن من الناحية النظرية مطلقة، فإنها في الواقع لا يمكن أن تعمل وتتحرك إلا في إطار ثقافي معين، تم التصريح به في توطئة الدستور أم كان متضمنا، من مثل الجمهورية،  ومبادئ حقوق الإنسان، فأن يكون الإسلام إطارا مرجعيا في ديمقراطية إسلامية فليس ذلك بدعا في الفكر السياسي الديمقراطي. فالتداول على السلطة في الديمقراطية يبدو من الناحية النظرية مطلقا، بينما هو في الواقع تداول بين الأشباه وليس بين الأضداد، تداول بين قوم توصلوا إلى وفاقات كبرى حول مشروع مجتمعي وثقافة، وتبقى بعد ذلك للعملية الديمقراطية، ولصناديق الاقتراع وغيرها من آليات الديمقراطية الحسم في التفاصيل. ولذلك ترى مثلا موضوع العلاقات الخارجية لا يكاد يطرح أصلا بين محاور الصراع الانتخابي، لأنه جزء من الوفاق العام المعبر عن المصلحة القومية التي لا تختلف الأحزاب الكبرى التي يقع التداول بينها على السلطة حولها.


2- بينما بدأ موقف الحركة الإسلامية مائلا إلى القبول بالديمقراطية وحسن الإفادة مما كانت توفره الأنظمة في المرحلة ما قبل الثورية، حيث كانت كثير من البلاد تحكم بأنظمة شبه ليبرالية في سوريا والعراق ومصر وتونس والمغرب. غير أنه مع انفضاض هذه المرحلة وقيام أنظمة ثورية أو بوليسية معادية للديمقراطية قامت بحل الأحزاب أو افراغها من كل محتوى ديمقراطي، واضطهاد المعارضة، ولا سيما الإسلامية، وتولت هذه تطوير فكر ثوري رافض للديمقراطية، داعيا مع سيد قطب لإنشاء قاعدة صلبة تتولى إعادة الأمة الضالة للإسلام وتقيم شرع الله. غير أنه مع هزيمة الأنظمة الثورية واضطرار الأنظمة للانفتاح لتنفيس الاحتقان، رفعت القيود وفتحت أبواب السجون وانفسح المجال أمام قدر من العمل الديمقراطي، وأخذ الإسلاميون يستفيدون من المساحة التي أتاحتها الديمقراطية، فدخلوا البرلمانات وشاركوا في العمل النقابي جنبا إلى جنب مع خصومهم العلمانيين والشيوعيين،  كل ذلك من دون أن يتطور فكرهم المجافي للديمقراطية بالقدر ذاته، غير أنه بحكم  طبيعة الإنسان التي لا ترتاح للتناقض  بين الممارسة والنظر، بين العقيدة والفعل فقد أخذ الإسلاميون يراجعون مواقفهم من الديمقراطية، فأصدر الإخوان مثلا في وسط التسعينيات موقفا إيجابيا من التعددية ومشاركة المرأة، ولكنهم ظلوا شأن معظم الإسلاميين المتحمسين للديمقراطية ناهيك بالرافضين، متحفظين تجاه التنظير المسوغ لأحزاب علمانية، مع أنهم يسألونها شرعية لوجودهم باعتبارها حاكمة، ويتداولون السلطة معها في مستوى النقابات ويتعاملون معها حتى بالتحالف في المستوى السياسي، وهو ما أبقى  على مسافة بين الفكر والممارسة في قبولهم بالديمقراطية، فكيف يسوغ  طلب الشرعية من الأحزاب والأنظمة العلمانية الحاكمة على أساس مبدأ المساواة في المواطنة وهي قيمة ديمقراطية، ثم لا يرى مكان في مجتمعنا لتلك الأحزاب العلمانية. وذلك ما يجعل فكر الجماعات الجهادية الرافضة للديمقراطية جملة والتعددية في إطارها الإسلامي رغم كارثيته، الأكثر تماسكا نظريا من الجماعات المعتدلة، التي على ما حصل في فكرها من تطور في اتجاه القبول بالديمقراطية أسلوبا للحكم والمعارضة، فإن هذا التطور لم يصل غايته في القبول بتعددية كاملة يستمد فيها الحكم شرعيته الوحيدة من الشعب، حيث يكون الحزب الإسلامي تسري عليه نفس القاعدة، فله أن يعتقد أنه وحده على الحق، ولكن عليه أن يقف مع غيره على نفس المستوى منتظرا ما ستحسم به أو لغيره صناديق الاقتراع فيرضاه، إذ ليس أمامه من سبيل ليحصل على حقه في نقل برنامج حزبه نظاما لحكم المجتمع إلا أن يكون الناس قد ارتضوه أو أغلبيتهم. ويستمر في الحكم ما استمر برنامجه مقبولا منهم، ولهم في كل حين أن يسحبوا منه تلك الفرصة لينتقل إلى صفوف المعارضة ليأخذ مكانه حزب آخر قد نجح في إقناع الناس ببرنامجه. معنى ذلك أن على الإسلامي أن يميز بين حقه في أن يعتقد أنه على الحق وأنه يستمد مشروعه من مرجعية الوحي-حسب اجتهاده- وبين حق الآخرين بنفس القدر أن يعتقدوا فيما شاؤوا، وأن تكون لهم نفس الفرص في عرض برامجهم على الناس وترغيبهم في قبولها برنامجا لحياتهم، فإذا نجح وفشلنا فله نفس الفرصة للحكم على أساس مبدأ المواطنة، أي التسليم بأن الوطن ملك لجميع أهله بالتساوي، بقطع النظر عن معتقداتهم وآرائهم، وأن فرصته في الحكم تستوي مع فرصة غيره، وهي تنحصر في نجاحه في إقناع أغلب مواطنيه ببرنامجه بقطع النظر عن مصدر ذلك البرنامج سماويا كان أم أرضيا. أحسب أن هذا الطور هو الذي تستشرفه الحركة الإسلامية المعاصرة التي قبلت أغلبيتها أجزاء كثيرة من الديمقراطية، ولكنها لم تقبل بعد مبدأ قيام الحكم على أساس المواطنة، واعتبار أغلبية المواطنين مهما اختلفت مذاهبهم. وأن الوطن ملك للجميع على اعتبار أن أوطاننا الحديثة لم يتأسس الحكم فيها مثل أوطاننا ما قبل الاستعمار على شرعية الفتح، فلقد انهارت تلك الأوطان وأنظمة حكمها تحت سنابك الغزاة الغربيين، وقامت حركات تحريرية شارك فيها المواطنون بمحتلف اتجاهاتهم الإسلامي والعلماني، المسلم والنصراني، بما جعل شرعية الحكم تتأسس على أساس جديد غير الفتح، وإنما التحرير كما لاحظ ذلك بعمق المفكر الإسلامي د.محمد سليم العوا.

3- في حدود علمي رغم أن عددا من المفكرين الإسلاميين، منتمين أو غير منتمين لحركات إسلامية، قد اقتربوا كثيرا من القبول الكامل بالديمقراطية نهجا في المعارضة والحكم، سواء بسبب ما لاقوا من ويلات الدكتاتورية أو بسبب توفر أقدار من الانفتاح السياسي في بعض الأقطار، إلا أن القبول الكامل بكل آليات الديمقراطية نظريا وعمليا لم يصدر إلا من حركات إسلامية قليلة، منها حركة النهضة التونسية، وذلك منذ إعلانها عن نفسها حزبا سياسيا سنة1981.

4- لا تمثل الحركة الإسلامية بين التيارات السياسية الرئيسية العربية استثناء في تحفظاتها على الديمقراطية. وبصرف النظر عن التيار الليبرالي الذي بشر بالديمقراطية ومارس أقدارا منها في ظل النفوذ الغربي، إلا أنه بسبب قبوله لذلك النفوذ قدم صورة منفرة من الديمقراطية، وهو ما أتاح الفرصة لخصومها أن ينقضوا عليها. أما التيارات اليسارية فموقفها لا يزال غير مختلف كثيرا عن أخواتها الإسلاميات من حيث توزعها بين قبول تام للديمقراطية من دون اقصاء للتيار الإسلامي وبين استئصاليين لا يرون لمن يعتبرونهم أعداء للديمقراطية ويعنون بهم الإسلاميين من أسلوب للتعامل غير الأساليب الستالينية. أما أنظمة الحكم السائدة فليس لها من مذهب غير المحافظة على الحكم وامتيازاته. وما عدا ذلك من الإيدولوجيات فمجرد ملابس يمكن ارتداؤها حسب الطقس والحاجة، وهو ما يجعل العقبة الكؤود في طريق التحول الديمقراطي بعد العقبة الخارجية وهي الأعوص، أنظمة الحكم المتشابكة مصالحها مع الخارج. ويبقى المشكل المقدور على علاجه: كيف السبيل الى بسط ثقافة المواطنة والسماحة والتعدد والقبول بالاحتكام لسلطة الشعب وتداول السلطة عبر انتخابات نزيهة لا تقصي أحدا؟ ومهما طوحنا بعيدا، فليس من بحث جاد يمكن أن يوصل إلى هذه الثقافة الديمقراطية خارج الإسلام وتراثه، باعتباره المكون الأعظم للشخصية القومية للأمة، وبقدر الابتعاد عنها، أو الجمود على مواريث اجتهادية معينة فيها، ورفض البحث عن وفاقات بين تيارات النخبة على اختلافها بدل تأجيج الصراع. سيظل الاستبداد والنفوذ الخارجي في مأمن، والصراع بين النخب ومعارضة المعارضة أكبر حقائق الواقع، واسرائيل والتخلف  والتجزئة في راحة. "تعالوا الى كلمة سواء بيننا وبينكم" وبصرف النظر عن التيار اليبرالي، فليس لدى التيارين الرئيسين الذين كانت حملتهما شديدة على التيارين الليبرالي والإسلامي ما يفخران به، ويزايدان على الحركة الإسلامية في مسالة الديمقراطية. وبصرف النظر عن الدول  القومية الحاكمة بقوانين الطوارئ وأجهزة الاستخبارات ونظام الحزب الواحد والزعيم القائد على النمط الستاليني، فإن الأحزاب القومية كالماركسية كان قفزها سريعاً ولكن في غير رشاقة، من الرفض العقائدي والعملي للديمقراطية، لا لتبنيها من خلال مراجعة للنفس، وتقويم جاد للمسار، ونقد للماضي وإعادة القراءة في النصوص الماركسية والقومية. بما يفسح مكانا للديمقراطية وللآخر، وهو ما فعلته بعض الحركات الإسلامية، أو بإعلان التخلي عن تلك النصوص، لم تفعل لا هذا ولا ذاك، وإنما اندفعت بمجرد تساقط البنيان الماركسي وهزيمة النموذج القومي العلماني الذي نسج على منواله، اندفعت في عناق عجيب للديمقراطية البرجوازية التي طالما أوسعتها لطما وشتما، بل ذهبت إلى أكثر من ذلك، إذ اتخذت بعض أجنحتها من الديمقراطية وحقوق الإنسان والحداثة والمجتمع المدني ترسانة مسلحة في محاربة الإسلاميين، وتكفيرهم ديمقراطيا، لتسويغ افتراسهم على يد أجهزة البوليس، بحجة الدفاع عن الديمقراطية كما حدث في تونس والجزائر مثلا.

5- الوضع العربي الذي اكتوت كل التيارات بنار دكتاتوريته بقطع النظر عن نوعية الشعارات المرفوعة لبرالية أم قومية أم اشتراكية أم إسلامية، يفرض على كل قوى التغيير أن تراجع مساراتها بجد في اتجاه الحسم الكامل مع كل فكر يؤصل لإقصاء الآخر المخالف ويفرض وصايته على المشترك وطنا ودينا ومصلحة عامة، من أجل استمداد شرعية لحكم الناس من طريق آخر غير إرادتهم الحرة المعبر عنها بأفضل طريقة متوفرة في عصرنا وهي الديمقراطية، مجردة من كل خلفيات أيدلوجية، غير احترام الإنسان وتكريمه والمساواة بين الناس واعتبار الشعب مصدرة كل سلطة. وما تبقى فأدوات قابلة للتطور. والى أن نجد خيرا منها، فليس أمامنا غير القبول بها، وإسداء الشكر للذي طورها، وهو ما نقل شورانا من مستوى القيمة الخلقية، إلى نظام سياسي أتاح أدوات عملية ليكون القرار الذي يهم الناس معبرا عن إرادتهم، كما أتاح التوفيق بين قيمتي الحرية والوحدة وتداول السلطة، ونقل الصراع عليها من أدوات القوة كما كان حالنا منذ ما بعد الراشدين إلى المستوى الفكري السلمي. وهذا التطور العظيم هو ما ينقص أمتنا لتنطلق. وذلك ما يفرض علينا جميعا أن ندع المكابرة جانبا لننطلق جادين في مراجعة جادة للنفس، بدل الانشغال بمماحكة الآخر وتتبع عوراته. ورحم الله من أهدى إلي عيوبي. وعاش من عرف قدره. وفي الحديث "حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا". وفي الكتاب العزيز "قلتم أنّى هذا ؟ قل هو من عند أنفسكم" آل عمران الآية 165.

15 ديسمبر 2010 عن موقع الشيخ راشد الغنوشي


Email Drucken Favoriten Twitter Facebook Myspace Stumbleupon Digg MR. Wong Technorati aol blogger google reddit Yahoo