Warning: include(/home/content/l/i/b/libyaforum/html/new/media/system/utf.php) [function.include]: failed to open stream: No such file or directory in /home/content/71/3922071/html/index.php on line 18

Warning: include() [function.include]: Failed opening '/home/content/l/i/b/libyaforum/html/new/media/system/utf.php' for inclusion (include_path='.:/usr/local/php5/lib/php') in /home/content/71/3922071/html/index.php on line 18

Warning: include(/home/content/l/i/b/libyaforum/html/modules/mod_breadcrumbs/tmpl/javascript.php) [function.include]: failed to open stream: No such file or directory in /home/content/71/3922071/html/index.php on line 21

Warning: include() [function.include]: Failed opening '/home/content/l/i/b/libyaforum/html/modules/mod_breadcrumbs/tmpl/javascript.php' for inclusion (include_path='.:/usr/local/php5/lib/php') in /home/content/71/3922071/html/index.php on line 21
تنمية الثقافة وثقافة التنمية: (مجلة عراجين 8) 2/2

تنمية الثقافة وثقافة التنمية: (مجلة عراجين 8) 2/2

تنمية الثقافة وثقافة التنمية: (مجلة عراجين 8) 2/2

 بقلم: سالم العوكلي

 

التنمية الثقافية من منظور إسلامي:

إن وضع الإسلام في سياق الأديان المتباطئة والمقاومة للتقدم هو منحى يدعمه الوضع الراهن لمعظم الدول الإسلامية وبمعزل عن العواطف يمكننا أن ننتقد التصور والفهم الحالي لجوهر الإسلام الذي لا ننسى أن في ظله قامت حضارة مهمة، لكن لهذه الانتكاسة أسبابها المعقدة والشائكة والتي وإن ساهمت فيها عوامل خارجية وداخلية عديدة، تتكبد مسؤوليتها جزء من التصور الاجتماعي العام لمفهوم الثقافة الإسلامية التي بالتأكيد هي في حاجة لمراجعة ونقد ذاتي شفاف، لذلك فالتنمية الثقافية من المنظور الإسلامي باعتبار أنه يشكل جزءاً كبيراً من ثقافتنا ووجداننا وسلوكنا، تصدر عن منطلقاتٍ أربعةٍ، يمكن إيجاز الحديث عنها فيما يلي:

أولاً: تحديد منابع الثقافة الإسلامية، للعلاقة الوثيقة بين الثقافة، أي ثقافة، وبين المجتمع، مهما تكن هويته وطبيعته. وعلى هذا الأساس، فإن التنمية الثقافية في بلدان العالم الإسلامي، تنطلق من تحديدٍ موضوعيٍّ لهوية الثقافة، ولجوهرها، ولأبعادها جميعاً.

ثانياً : ضبط المصطلحات وتقعيدها، والتأكيد على إنسانية الثقافة في المنظور الإسلامي، يتطلب القيام بعملية دقيقة لضبط المصطلحات وتجلية المفاهيم، وتأصيلها، حتى لا تتداخل المعاني، ذلك أن السمات الإنسانية التي تصطبغ بها الثقافة الإسلامية، وفي مقدمتها سمتا السعة والشمول، وخاصيتا التفتّح والمرونة، وصفة التسامح، كفيلة بإفراز مجتمع ذي مسلكيات حضارية ديمقراطية من شأنها أن تدفع بطموح التنمية قدماً، وعلى ضوء هذا المعنى، فإن القصد من عملية (التنمية)، من حيث هي تنمية أولاً وقبل كل شيء، هو خدمة الإنسان في المقام الأول، روحياً وثقافياً، واجتماعياً واقتصادياً. كذلك فإن التنمية الثقافية، هي في جوهرها تنميةٌ لصالح الفرد والمجتمع، وهي عملية إنسانية شاملة تتداخل فيها عوامل شتى، تبدأ وتنتهي بكفالة الخير والنفع للإنسان، وضمان التقدم والرقي له، ولمجتمعه، في توازن دقيق، هو من صميم طبيعة الثقافة الإسلامية، على وجه الإجمال.

ثالثاً: رسم معالم العمل الثقافي المراد تنميتُه، وإذا كانت مجالات العمل الثقافي بصفة عامة تشمل مختلف أوجه النشاط الإنساني دون استثناء، فإن التنمية الثقافية لا تقصر عن الوفاء بمتطلبات هذا النشاط، ولاينبغي لها أن تقصر في مجال دون آخر، بحيث يمتد مفعولها إلى جميع هذه المجالات، وتشمل مختلف الميادين الثقافية المتعارف والمصطلح على أنها مجالات للعمل الثقافي.

ومن هذا المرتكز، فإن الميادين التي يتحرك في إطارها العمل الثقافي المرادُ تنميتُه، تصبّ جميعُها في اتجاه عام واحد، هو خلق الحوافز التي تؤدي إلى تحقيق القدر المناسب والمتاح من الوحدة الثقافية بين أفراد المجتمع، من منطلق التشبث بالقيم التي تشكّل ثوابت ثقافية وحضارية، هي القاسم المشترك بين أبناء المجتمع الإسلامي.

رابعاً: رصد مجالات التثاقف مع الأمم الأخرى، حيث تتميّـز الثقافة الإسلامية عبر تاريخها بأنها ثقافة قادرة على التجاوب مع متطلبات كل عصر ومستجداته.

وفي هذا الإطار، فإن للثقافة الإسلامية من المرونة والانفتاح على الثقافات الأخرى، ما يمكّنها من إغناء ثقافات الغير والانتفاع بما لدى هذه الثقافات من عطاءات إبداعية تساهم في تجديد الثقافة وإنمائها، وتطوير الأعمال الثقافية وتحديث وسائلها. ورغم تغليب المفهوم السائد للإسلام في صدد التعامل مع مجتمعاته والقفز على كثير من المعطيات الثقافية الأخرى التي طالت تلك المجتمعات ضمن أدائها المتأثر بمعطيات العالم والعصر إلا أنه لا يمكن تجاهل الاختلالات العديدة التي ألمت ببنية الثقافة لدينا المشطورة بين رغبة أكيدة في الاستفادة من تجارب رائدة، وحاجة ماسة إلى التمسك بالقيم الاجتماعية والدينية للمجتمعات الإسلامية، والأمر كما يشخص المفكر عزيز العظمة في معرض تعليقه على تقرير التنمية الإنسانية العربية لسنة 2003 المنشور بجريدة الحياة لا يخلو من التعقيد والتركيب: "إن نظرة تاريخية متفحصة تفيد بأن النظام المعرفي والنظام الثقافي المنسوب إلينا بالغ التعقيد والتركيب والحراك، يتداخل فيه الديني بالعلماني، والتراثي بالحداثي، والخرافي بالعلمي، ويتصادم فيه هذا مع ذاك ويتصارعان ويتوافقان في سياق تحولات اجتماعية وثقافية عنيفة أحياناً، ويجب عدم التقليل من أهميتها بداعي عدم الاكتمال أو عدم الكمال أو أداء صورة سوداوية كلية بل وشاملة".

إن أساليب التنميط التي واجهتها ثقافتنا سواء من الخارج أو من الداخل جعلت من هذه الثقافة حقل تجريب منهجي فرغها من حقيقتها ومن بعدها الانثروبولوجي الذي ينقذها من خسارات التعميم التي شيدت عليها جل الخطط النهضوية والتنموية، والتي بدورها وجدت نفسها في النهاية في الفراغ، إن التقارير المختلفة لا تخلو من حقائق إحصائية لكن تحليلها العلمي هو الذي يقع في حقل واسع من التهجين والاختلالات الناتجة عن غياب مراكز دراسة محلية، موضوعية وعلمية، يمكنها أن تشير إلى مواطن الخلل وطرق المعالجة المفيدة. هذا القصور يشير إليه صادق العظم في قراءته لتأويلات تقرير التنمية المذكور، فيعلق بمرارة: (لست أفهم تماماً دواعي هذا الحط من شأننا، والميل إلى تغليب القول النمطي بتخلفنا الخلقي، عدا ما قلته وأشرت إليه على أنه أداء صورة بالغة الجزئية والانطباعية قد تكون محقة في وصف بعض قطاعات الثقافة العربية، خصوصاً في صياغتها الصحافية والتلفزيونية الأجنبية والعربية، وفي الأقوال الصاخبة في السياسة التي ترى على سبيل المثال أن الإسلام دين ودنيا" وهي مقولة يأخذ بها التقرير الثاني، عكس ما تفيد به المعارف العلمية في التاريخ والاجتماع، وعلى ما يذهب إليه الحس المشترك القائم على الانطباع السريع والمستسهل بدلاً من التقصي" أو أن الدين الإسلامي عماد الفكر والسلوك العربيين، أيضا من دون مستند علمي أو حتى مستند في المعارف التي تذهب إلى عكس ذلك.  لا أرى مبرراً لهذه الأقوال إلا ما قد يدعو إليه الوجه المشهدي للسياسة وللمجتمع العربيين في العقدين الأخيرين، خصوصاً في ظروف الانكسار القومي وانسداد أفق التنمية واستكانته إلى الوصفات السهلة).

الموقف إزاء التراث:

يشكل التراث بمفهومه الشامل خلفية معرفية ووجدانية لأي مجتمع بما يحمله من عديد القيم السلوكية والجمالية، ومن الأسباب المهمة التي طرحها المفكر عزيز العظمة ومسؤولة إلى حد ما عن مدى الالتباس في التعامل مع التراث في فعل التنمية: جدل التقليد والتحديث ـ نهج الذرائعية ـ تهميش الجماعة الشعبية. وهي عوامل تشكل في مجملها حقلاً التباسياً كبيراً جعل من موقفينا؛ الشوفيني أو الإلغائي، تجاه التراث عاملاً سلبياً في إعادة إنتاج علاقته بالسلوك الراهن، ففي كلا حالتي التبجيل أو الازدراء نغيب عاملاً ثقافياً مهما من عوامل تحديد مسلكيات المجتمع في إطار التنمية التي أدى تنميطها من قبل المجتمعات المتفوقة إلى محاولة استجلاب آليات عولمية إليها تتصادم مباشرة مع طبيعة ثقافة المجتمع المستهدف الذي كثيراً ما يتم صبغه بالتخلف دون محاولة استبطان إمكاناته الثقافية الكامنة التي من شأن التعامل الموضوعي معها أن يجعلها إحدى أدوات التمايز تجاه فكرة التقدم التي تتأتى نسبيتها من نسبية الثقافة.

وتحيلنا طبيعة هذا التداول مع التراث لدينا والتركيز على جانبه البدوي إلى مشكلة تغييب فعل المدينة وثقافتها وهي سمة تميزت بها الكثير من المجتمعات العربية، والدول النفطية على وجه الخصوص، مما أدى إلى العديد من الإرباكات، يتمثل أهمها في تلك الازدواجية الظاهرة في مفهوم العامة للتنمية الذي يجسد الميل للجموع بين الرغبة في تحقيق الرفاه الاجتماعي مع عدم تغيير في نمط الحياة الاجتماعية والتقاليد.

المدينة والتنمية:

نظراً لإمكانية تحديد نوع من تشكل ثقافتين متباينتين في لبييا منذ عقود، وهي الثقافة المدنية والثقافة المضادة (البداوة) يمكننا أن نتطرق إلى علاقة المدينة بكل تمثلها الثقافي بالتنمية، ومن ثم تأثير الثقافة المضادة في مشاريع التنمية والتقدم، حيث يمكننا أن نختصر مراحل تاريخنا الحديث بمشروع أيديولوجي شامل يسعى إلى عسكرة الريف وترييف المدينة.

مفهوم المدينة:

يذكر الباحث ماهر يعقوب في مقالته عن المدينة العربية والمستقبل ـ المنشورة في العدد228 من مجلة المستقبل العربي ـ عدة تعريفات لمفهوم المدينة من وجهات نظر عدة: "فقد اعتبرها لامبارد مكاناً تتباين فيه الناس والفعاليات والإدارات الاجتماعية، وتتميز عن الريف بشكل متدرج من الانعكاسات الاجتماعية فأكد على الجانب المادي للمدينة، وربط شنايدر تعقيداتها بقناعة الساكنين، وتمثل من وجهة نظره الحرية وحماية وجودنا، والثقافة، والمستوى المعيشي، مصادر جذب المدينة، وحدد وظيفة المدينة الأساسية في توفير الأمن النفسي والاجتماعي والاقتصادي، بينما تناول ديكنسون مفهوم المدينة من خلال الوظائف التي يمارسها السكان داخل المدينة دون ممارسة حرفة الزراعة، ولا يعني أن الزراعة لا تمارس فيها، بل لن تكون هي الحرفة السائدة، وميز بارك وبرجس ومكنزي في كتابهم المدينة اقتراحات لاستقصاء السلوك البشري في البيئة الحضرية عن وظيفة المدينة قديماً وحديثاً، حيث كانت حربية سابقاً وتجارية حالياً، فضلاً عن اشتراكها بالخصائص نفسها التي ذكرها لابارد، إذ يمكن استغلال خصائصها تلك لتنمية القوى الكامنة عند الإنسان، وهذا يتفق مع علاقة المدينة بالتنمية، وقد قرن ويل ديورانت الثقافة بالزراعة والمدنية بالمدينة، بحسب اللفظ الإنجليزي، واعتبر المدينة مكاناً لتجمع الأفكار ومضاعفة الاختراعات وإنتاج الفنون، وشبه واغنر المدينة ببوتقة تنتج من خليط غير متجانس أفكاراً خلاقة، فهي على حد قوله، لابد من أن تتوفر فيها الحدود الدنيا من سلطة وقوانين قادرة على أن تستفز الطاقات بشكل تلقائي وعن طيب خاطر في أي مكان من دون تمييز، أما المدينة من وجهة نظر وليام روبسن فلا تعدو أكثر من مكان لتحقيق الذات الإنسانية باعتبارها موطن إنجازاتها ومطلبها في الديمقراطية والمعرفة والعدالة".

ومهما تباينت وجهات النظر بخصوص هذا المفهوم فإنها دون شك تشترك في كون المدينة هي البيئة المناسبة للابتكار وتوليد الأفكار، والإدارة الاجتماعية، ونمو الاقتصاد، وتحقيق الذات، ونمو الديمقراطية والمعرفة، والتي تشكل في مجملها تربة خصبة لقيام أية تنمية مع سلوكيات تجيد توظيف هذه التنمية والحفاظ على استمراريتها.

كما يعرض الباحث نفسه مفهوما للتنمية انطلاقا ًمن مفهوم المدينة حيث يستشهد بمقولة ميردال الذي يرى "أن التنمية هي حركة صعود إلى أعلى تشمل النظام الاجتماعي بأسره، ويذكر ويبستر أن الفقر يعني نقص أو افتقاد شيء، وأن التنمية بالنسبة لأغلب المنظرين هي معالجة هذا النقص"، ومهما تعددت الأفكار حول هذا المفهوم إلا أن في الحصيلة كما يرى ماهر يعقوب "أن التنمية نشأت من التجربة الحضرية.. لذا ينبغي أن يكون للمجتمعات الوطنية التزام بهذه الفكرة بشكل مستمر، وإن لم يتوفر لكل المجتمعات الوطنية بسبب تركز القوى الكابحة بيد السلطات غير الوطنية التي ترى في التنمية تهديداً لمصالحها وقوتها".

إنه بالإمكان ملاحظة ملحمة التغني بقيم البداوة وهجاء المدينة بشكل واضح في أدبياتنا الثورية والسياسية التي ربطت المدينة بالاستعمار والخيانة والانحلال، الشأن الذي أثر إجرائياً في كل مشاريع التنمية التي تم إنجازها وفق قيم الثقافة الرعوية، حيث الترحال الدائم من مشروع إلى آخر ومن تشريع إلى نقيضه، والذي في مجمله أنتج اقتصاداً يعتمد على الصفقات السريعة والانتظار والكفاف، ووفق هذه الثقافة اجتاحت البنية القبلية والعشائرية مشاريع التنمية لتعيث فيها فساداً، وفي أفضل الأحوال يمكننا أن نرى العديد من المظاهر الخادعة للتنمية، خاصة في الدول الغنية المعتمدة على مصدر دخل واحد متمثل في النفط، هذه المظاهر البادية في تنمية الجانب الاستهلاكي لدى الفرد دون الأطر الهيكلية للمدينة، وهو اتجاه يخدم الأنظمة غير الوطنية وإن كان ظاهره يحقق الرفاهية للمجتمع لفترة زمنية مفقود منها البعد المستقبلي للأجيال اللاحقة.

أزمات محلية للمدينة:

- تشترك المدينة والتنمية في أنساق واحدة للتطور، كالابتكار ومراكمة الخبرة والتحول الاجتماعي والسياسي والمرونة، وهي أنساق لها علاقة وثيقة بعملية التحضر التي من شأنها أن تدفع بالطاقات الكامنة لدى أهل المدن من أجل التغيير التنموي الملبي لرغبة الرفاه من خلال التأثير في الحياة الاجتماعية.

- التنمية الاقتصادية ليست إجراء ماديا مفصولا لكن لها وظيفتها الاجتماعية باعتبارها عاملا تربويا يهدف إلى تغيير السلوك والمواقف والأفكار، يؤدي في النهاية إلى إنتاج ثقافة مغايرة تتبدل فيها طبيعة العلاقات وأنماط التبادل.

- إن مناطق التماس الحضاري بين مدننا ومدن العالم وفق المعايير الراهنة (التقانة، مستوى الدخل، مستوى المعيشة)، تسبب زحفاً سكانياً كبيراً باتجاه تلك المدن التي تتورم بهوامش فقيرة تربك علاقاتها وخطط تنميتها التي من المفترض أن تصدر للمحيط، كما يسبب هذا التمركز الخدمي إهمال المدن الأخرى، والناتج مدن ضخمة تقدم الكماليات والرفاه مقابل مدن صغيرة مهجورة من المفترض أن تقدم الضروريات.

- تزدهر في بلادنا مدينة واحدة أو مدينتان في الحد الأعلى على حساب بقية المدن، وهذا بدوره سيخلق المتاعب للطرفين ويعطل المشاريع التنموية نتيجة حالة عدم التوازن والإرباك الذي يحدث للمدن التي تعرضت للتعرية والمدن التي تعرضت للترسيب.

- لكل مدينة خصائصها السكانية والديموغرافية والاقتصادية والمناخية والموقعية، وعدم اختيار نشاط اقتصادي يناسب هذه الخصائص يؤدي بمشاريع التنمية العشوائية إلى الفشل التام، كأن تقام مشاريع زراعية مكلفة في الصحراء ومصانع ضخمة في مناطق الأراضي الزراعية والتي تؤدي بدورها إلى تلويثها.

- العلاقات الاجتماعية الخالية من التوترات المؤثرة في كيان المجتمع هي انعكاسات التنمية الاقتصادية، فإذا كانت التغييرات الاقتصادية التي يضخمها النفط أكبر وأسرع من التغييرات الاجتماعية والثقافية، ينتج عن ذلك تفاوت كبير يسبب خللاً في كلا التنميتين الاقتصادية والاجتماعية (ويمكننا أن نلاحظ في مدننا التوترات والانقسامات القبلية والعرقية بسبب المصالح الآنية، كما يمكننا ملاحظة المبالغ الضخمة التي صرفت على المشاريع الاقتصادية مقابل مبالغ هزيلة تم رصدها للتنمية الاجتماعية والنتيجة فشل تلك المشاريع الضخمة).

الديمقراطية والتنمية:

ثمة جدل حار بين الديمقراطية والتنمية، أيهما يسبق الآخر أو بالأحرى أيهما يوصل إلى الآخر، لكن في الواقع ليست العلاقة تراتبية، بل هي متزامنة ومتناغمة، فلا يمكن أن تقوم تنمية اقتصادية أو اجتماعية إلا وفق إصلاح سياسي يسعى إلى صياغة أرضية واسعة للاختيار، وحرية التبادل، والطمأنينة والتي تحضنها جميعاً أرضية دستورية وقانونية، ومناخ مفتوح للتعددية، والتي من شأنها كلها أن تخلق مناخاً للفرد كي ينخرط في فعاليات التنمية دون خوف عبر مساهمته السياسية الفعالة، والبديل لغياب السلطات الدستورية والقضاء المنفصل عن الدولة والصحافة الحرة هو استشراء الفساد الذي يأتي على الأخضر واليابس، فالديمقراطية هي قبل كل شيء ثقافة ترعى حس المبادرة والتنافس الشريف وتتيح مجالاً واسعاً للكشف والمحاسبة، وتهيئ للمجتمع أرضية تنافسية لا بقاء فيها إلا للمشاريع التنموية الناجحة ذات الجدوى الاقتصادية.

يعرض المفكران توماس كوترو وميشال هوسن في كتابهما (على أبواب القرن الواحد والعشرين .. أين أصبح العالم الثالث) وصفاً للتقرير العالمي حول التنمية البشرية المنشور سنة 1991م من قبل برنامج الأمم المتحدة من أجل التنمية، ويتضمن لأول مرة تصنيفاً للبلدان وفق (دليل الحريات الإنسانية)، حيث ذكر في هذا التقرير أربعين نوعاً من الحريات الممكنة، بدءاً من حق المواطن للسير بحرية في بلاده ـ تعليم أفكار وتقبل معلومات ـ إلى المساواة الاجتماعية والاقتصادية للأقليات الإثنية ـ المساواة الاجتماعية والاقتصادية للنساء ـ وحق تحديد عدد الأولاد ـ وحرية التعبير وغيرها، كل بلد علامة من صفر إلى 40.

على رأس هذا التصنيف تأتي بالطبع البلدان الغنية، وخاصة بلدان أوروبا الشمالية.. وتأتي بعض الدول العربية في ذيل القائمة فيما يخص الحريات والتنمية: تونس (11) مصر(11) الكويت (8) الجزائر(8) المغرب (7) سوريا(5) ليبيا (5)، ويعكس هذا التقرير مدى ارتباط التنمية بالديمقراطية والحريات التي من شأنها أن تخلق مجتمعاً طموحاً ومغامراً ومنتمياً إلى وطنه.

ولا يخفى على أحد أن الأنظمة المستبدة متوافرة في معظم دول العالم الثالث، وهي التي تبقي الأكثرية الساحقة من الناس في الأمية والجهل والخوف، هيمنة الدولة على كل الأنشطة، ودورها المباشر في تكوين شرائح انتهازية لا تجيد سوى الاختلاس والسمسرة .

العقد الضائع:

يعكس هذا التقرير إلى حد كبير مدى التناسب الطردي بين اضمحلال الحريات وانخفاض التنمية، وباعتبار أن ليبيا كانت نموذجاً حياً لهذا التناسب، سنحاول هنا أن نستعين بوضع الحرية الاقتصادية كنموذج بارز لباقي الحريات، ومدى تأثير مستوى حرية الاقتصاد في نسبة المداخيل التنموية، معتمدين على دراسة الباحث أ. فتحي عبدالحفيظ المجبري (السياسات العامة والأداء الاقتصادي: بحث تطبيقي في دراسة تأثير سياسات التحرير الاقتصادي على مستوى الدخل الفردي)، التي شارك بها في المؤتمر الوطني الأول للسياسات العامة في ليبيا الذي أقامه مركز البحوث والاستشارات بجامعة قاريونس، والتي ركز فيها على عقد الثمانينيات وما بعده، هذه الفترة التي تسمى في أميركا اللاتينية بالعقد الضائع، وقد تميزت هذه الفترة في ليبيا بمستوى عال من تحديد الحريات في النشاط الاقتصادي والثقافي والمؤسسات الأهلية، وتميزت بحالة شاملة من المصادرة والقمع الذي كان حصيلة تغييرات جذرية في البنى الهيكلية للدولة بدأت مع عقد السبعينيات، وهي إجراءات تصادمت إلى حد كبير مع الطبيعة الاجتماعية والبنية الثقافية لهذا المجتمع الحديث، التي تربت العديد من شرائحه بعد الاستقلال، وقبل بداية إنتاج النفط، على المشاركة في الإنتاج والنشاطات الاقتصادية المختلفة؛ الزراعية في الأرياف، والتجارة والصناعات الصغرى في المدن، يقول الباحث في هذا الصدد: "تبنى الاقتصاد الليبي ولسنوات عديدة جملة من التشريعات التي قيدت ـ إلى حد كبير ـ هامش الحرية الاقتصادية، وحصرت حق مزاولة النشاط الاقتصادي في يد أجهزة الدولة فقط، وفرضت العديد من القيود على حجم ونوعية الثروة التي يمكن أن يقتنيها الأفراد"، ويعرض الباحث عدة نتائج إحصائية كارثية لما ترتب عن هذه الإجراءات التي تتناقض مع طبيعة ثقافة المجتمع ومع طبيعة الميل الإنساني الفطري للتملك والعمل الحر والرفاه، حيث بلغ في تلك الفترة متوسط الحرية الاقتصادية في ليبيا 29% والذي يعتبر أقل بكثير من المتوسط العالمي البالغ 58%، بل أن متوسط الحرية الاقتصادية في ليبيا يعتبر أقل من المتوسط السائد في مناطق العالم المختلفة.. ومع استخدام المتوسط العالمي وانحرافه المعياري بلغ 2.39 ـ % وهذا يعني أن مؤشر الحرية الاقتصادية في ليبيا يقل عن المتوسط العالمي بمقدار أكبر من انحرافين معياريين، وهو ما يعني أن أكثر من 99% من بلدان العينة حققت مستويات حرية اقتصادية أعلى من الاقتصاد الليبي "ويعود الباحث رغم هذه الأرقام المفجعة ليؤكد أنه بالرغم من أن ليبيا حققت مستوى حرية اقتصادية منخفضا جداً فإنها تمكنت من تحقيق مستوى دخل فردي أعلى من متوسط الدخل العالمي، ويفسر هذه النتيجة المضللة بأن صادرات النفط عوضت تأثير مستوى الحرية الاقتصادية على الدخل الفردي في ليبيا، ولتوضيح ذلك يقترح الباحث جدولاً يعرض بيانات مجموعة مختارة من البلدان حيث يوضح أن مستوى الحرية المنخفض في لاوس والبالغ 32% قد ترافق مع مستوى دخل منخفض قدره 330 دولاراً سنوياً، أي أنه لولا توفر صادرات النفط لأنتجت السياسات التقييدية في ليبيا مستوى دخل مقارب لذلك الذي حققته لاوس، ويوضح الجدول أيضاً أن بلداً مثل لبنان، الذي لا يتوفر على أية احتياطيات نفطية أو ثروات طبيعية تذكر، استطاع أن يحقق مستوى دخل قدره 5097 دولاراً، يفوق ذلك الذي حققته ليبيا بحساب مدخول النفط، وذلك بفضل سياسة لبنان الأكثر تحرراً اقتصادياً.. أما الإمارات والتي استغلت مواردها النفطية في إطار أوسع من الحرية الاقتصادية فقد حققت مستوى دخل قدره 22328 دولاراً، وهو ما يساوي تقرياً خمس أضعاف الدخل المتحقق في ليبيا.

إن ذكر هذه المؤشرات الهامة ليؤكد على أهمية توسيع هامش الحريات في أي مجتمع يسعى إلى استثمار موارده وتحقيق نهضة تنموية ترفع من مستوى الحياة والرفاهية، ويشكل هذا الجانب أحد أهم المداخل الثقافية للتنمية، التي لا تتحقق إلا بالعمل على نشر ثقافة المساهمة والإنتاج والجدوى وتحقيق الذات، التي ترعاها قوانين وتشريعات تعطي أكبر قدر من الحرية للمبادرات الفردية في كل المجالات، وعلى رأسها المجال الاقتصادي الذي تشكل حريته مؤشراً لكل الحريات الأخرى، ودليلاً على مدى التطور الديمقراطي.

إن التقييد الذي تم في ليبيا للنشاط الاقتصادي كان ناتجا عن ثقافة مضادة لطبيعة وثقافة المجتمع، وهي التي أحالت قيماً تنموية إلى حقل التهم، فغدا الطموح والنشاط استغلالاً، والانفتاح استلاباً وعمالة، والنشاط الفردي احتكاراً، والطموح جشعاً، وأحلام الفرد أفكاراً هدامة، وتحقيق الذات أنانية، والاستفادة من تجارب الغير اغتراباً، والرفاهية مسبةً. وكل هذا القيم هي جوهر التنمية الإنسانية، فضربت بذلك كل مشاريع التنمية في مقتل لنصل إلى أدنى حد للمؤشرات العالمية، والنتيجة حالة من الفساد الشامل في جل المؤسسات وتراجع للانتماء والروح الوطنية، وانقلاب شامل للقيم. ففي الستينيات وبداية السبعينيات لم نكن مثلاً نسمع بالرشوة، وكانت هناك المحسوبية التي تعكس بنية المجتمع القبلية والعشائرية، لكن الرشوة التي انتشرت في العقدين الأخيرين لم تكن لها علاقة بثقافة المجتمع ولكنها نتيجة الانغلاق الاقتصادي وتدني مستوى الدخل الفردي، والأنكى من ذلك أنها غدت علنية وأحياناً مصدرا للتفاخر أمام ثقافة مجتمع مشوهة تبجل الحصول على الثروة بأية طريقة.

وأمام هذا الواقع لا يكفي أن نعي ذلك وأن ندق نواقيس الخطر، بل صار محتماً علينا أن نعي جيداً أسباب هذه الأوضاع وفشل المعالجات التي تمت تجربتها، والحال أن الحس العام في ميدان التنمية تربكه الأكليشيهات والأفكار المسبقة التي انتشرت لدينا في العقود الأخيرة، والتي ثبت بطلانها.

خلاصة:

- الثقافة أمر هام في التنمية الاقتصادية، ويتوجب على الحكومات ومؤسسات العون الإنمائية ومجامع الفكر والجامعات مواجهة مسألة الثقافة والتغير الثقافي.

- إن دمج التحليل الثقافي والتغير الثقافي في مزيج عوامل تصميم السياسات والمشاريع يؤدي إلى تسريع وتيرة التنمية الاقتصادية.

- دعم البرامج التي تسهم في تطوير المؤسسات السياحية والثقافية والإعلامية والدينية ودعم المؤسسات غير الحكومية.

- المعايير الأساسية للتنمية الشاملة التي تتمثل في الأداءات الاجتماعية والاقتصادية والبيئية والتنمية الثقافية. وتعتبر هي المورد الطبيعي لدعم البرامج الإستراتيجية، وبالتالي فإن هذه المعايير تحتاج إلى توازنات مشتركة ترتبط بالعامل الزمني والمكاني للتركيبة الاجتماعية وخصوبة البيئة وواقعية الرؤية. ولاستدامة هذه الأدوار يتطلب تطوير المهارات الشخصية وتوفير المستلزمات الخدمية وتعزيز قانون حماية الفرد.

- البراعة أو المهارة شأن بالغ الأهمية في المجتمع وفي عملية التنمية.  وليس ممكناً تعميم المهارة في المجتمع إلا إذا أصبح رأس مسلمات الحياة العامة فيها أن المعرفة العقلية العلمية هي المناط الأوحد، أو على الأقل المناط الغالب عملياً، للاحتكام في شؤون التنمية وفي شؤون الحياة العامة.  أما ما عدا ذلك، فقد يكون مجازاً للتغني والتنوير والاستساغة الجمالية.

- التركيز على مؤسسات المجتمع المدني في مكونه الأهلي، من أندية ومنتديات ومنابر وجمعيات أهلية وتطوير التشريعات المنظمة لها لتوسيع هوامش حرية مشاركتها، من أجل نشر الوعي الثقافي والجمالي الذي من شأنه أن يبلور تناغماً بين التنمية في المجالات الثقافية والاجتماعية والاقتصادية ضمن مناخ من الشفافية وحرية تبادل الآراء والنقد الحر.

- استثمار التعليم الابتدائي في غرس قيم الوطنية والانتماء، وسلوك يحترم المكان والبيئة ويحفز روح المبادرة والابتكار المبكرة لدى التلاميذ.

- في ظل هجرة العقول إلى الخارج، أو ركونها إلى الهامش في الداخل، لا بد من توفير مناخ جاذب ومحفز لهذه العقول للمشاركة في إنعاش الثقافة التنموية وتطوير وسائل التنمية، ورصد جوائز قيمة لكل تميز أو اختراع في ضروب المعرفة المختلفة.

- سن قوانين تضمن استقلالية وحرية الصحافة والوسائل الإعلامية المختلفة لتؤكد دورها كمؤسسات رقابية من جانب، ولكي تساهم بدورها التوعوي في ترسيخ ثقافة التنمية من جانب آخر.

- ثمة إجماع لدى المحللين العرب على أن المنتوج المعرفي العربي في مجال العلوم الاجتماعية والإنسانية ضئيل ومتدني المستوى، جانح للعمومية ولتغليب الخطاب الإيديولوجي والغرض السياسي المباشر وغير المباشر.  وثمة إدراك بأن غياب الدراسات الميدانية كمّا وكيفاً يعطل إمكانية تشكيل صورة واضحة للتضاريس الداخلية والعامة للظواهر الثقافية والدينية في المجتمعات العربية المعاصرة، لذلك وجب العمل على الاهتمام في مراحل التعليم المختلفة بالعلوم الإنسانية التي مازال يوجه لدراستها ذوو المعدلات الضعيفة من الطلاب، إضافة إلى العمل على تأسيس مراكز مؤهلة تقنياً وفنياً للدراسات الميدانية المتعلقة بشؤون السكان والثقافة والتنمية.

- ينبغي للسلطات القائدة لمسيرة البلد أن تتخلص من الهيمنة الخارجية من جهة ونزعاتها الفردية من جهة ثانية، كي يكون بإمكانها خدمة المواطن وتعزيز الثقة التبادلية معه وتخليصه من سلبيته في المنظور التنموي، لتتمكن عند القيام بالتنمية الاقتصادية من أن تركز على الخصائص الاقتصادية والاجتماعية والثقافية الكامنة في طاقاته ومواهبه.

- إن وجود نظام تعليم جيد يخلق علاقة بين البحث العلمي والتنمية يتطلب إعادة النظر في المناهج الدراسية وتركيزها على كل ما له علاقة بالتنمية المحلية، لأن عملية التنمية تحتاج إلى مهارات حرفية، والنظام التعليمي الذي يناسبها سينمي تلك المهارات ويطور من ثقافتهم التنموية.

- إن معرفة إمكانات كل مدينة من مدننا، وطبيعة الجوانب المميزة فيها للاستفادة من استثمارها وتطويرها، يجعلنا قادرين على أن نوظف تلك الامتيازات بشكل تكاملي لخدمة البلد بأكمله.

- العمل على أن لا يكون التخطيط للمراكز الحضرية أو الريفية على حساب جمالياتها لأن ذلك ينعكس على إحساس مجتمعنا بالجمال والفن، وبذلك يفقد أهم ميزة من ميزات الرقي وهي الذوق العام وكيفية التعامل مع المحيط والنظرة إليه.

- ينبغي على مخططي مدننا وقرانا أن يركزوا جهودهم على توزيع الزيادة السكانية في المراكز الحضرية والريفية من خلال تعرفهم على خطة التنمية الاقتصادية للدولة ودراستهم للخصائص الإقليمية للمدن والأرياف.

- التحضر يعني انتقال نسبة من سكان الريف إلى المدينة واندماجهم فيها وتغيير نمط حياتهم، لكن ما حدث لدينا بعكس ذلك وبطريقة أقرب إلى ترييف المدينة، لذلك لابد من دراسة هذه الظاهرة على المستوى الديمغرافي والاجتماعي والثقافي، ورسم السياسة التي تؤثر في تركيب مجتمع المدينة وتطوره.

- أثبتت الدراسات التنموية المختلفة أن العلاقة طردية بين مدى الحريات في المجتمع وبين أفق أدائه التنموي، لذلك لا بد من العمل على صياغة دستور وسن تشريعات قانونية من شأنها أن تفتح هامشاً كبيرا لحريات التعبير والصحافة والتنقل والمشاركة السياسية.

- تأتي حرية الاقتصاد على رأس مجمل الحريات أهمية في تحفيز العقل التنموي وتفجير الطاقات المبدعة، وبالتالي فإن الانطلاق المدروس والمتدرج نحو الاقتصاد الحر سيخلق ثقافة تنموية شعبية لدى جميع القطاعات وينمذج سلوكاً يتسم بالمبادرة والمغامرة، ويفرز قيماً اقتصادية تليق بمتطلبات المرحلة بدل ذهنية السمسرة والصفقات السريعة وسرقة المال العام السائدة الآن.

22 ديسمبر 2010

 يتم نشر هذا المقال وبقية المقالات من هذا العدد من عراجين بالإتفاق مع هيئة تحرير المجلة

 


Email Drucken Favoriten Twitter Facebook Myspace Stumbleupon Digg MR. Wong Technorati aol blogger google reddit Yahoo