|
دعوة للمصالحة الوطنية ، أم ' تفتوفة ' للتعويض؟!
إدريس ابن الطيب: " المصالحة الوطنية ليست مجرد دفع أموال مهما كانت طائلة لأشخاص انتهكت حقوقهم بل تشمل ضرورة تحقق القبول والرضا وبدون تحقق هذا فلن نصل إلى نتيجة محمودة ، كما أن الدولة – باعتبارها خصماً في هذه الحالة – لا يحق لها أن تحدد هي من جانب واحد قيمة التعويضات التي يجب أن تدفعها ، بل يجب أن تشكل لجنة محايدة لا تشمل السجناء ولا مسئولي الدولة لتقدير قيمة التعويضات لكل حالة أو فئة ، ويمكن اختيار هذه اللجنة من رجالات القانون الشرفاء ، وما أكثرهم في بلادنا ".
^^^
قـــرأت - كما قرأ غيري – الإعلان الصادر عن أمانة اللجنة الشعبية العامة للعدل والذي يدعو إلى تعبئة نماذج سماها الإعلان نماذج ( المصالحة الوطنية ) للحصول على تعويضات مالية لثلاث فئات من السجناء السياسيين هـــي :-
1ـ المحكومين بالبراءة مع استمرار حجزهم .
2ـ الذين قضوا مدة إضافية على الحكم الصادر بحقهم .
3ـ الذين لم يحالوا إلى المحاكمة أي لم يتحصلوا على حق المحاكمة
وقـد سبب هذا الإعلان بعض الارتباك لدى السجناء السابقين من الفئات المختلفة مصحوباً بكم كبير من التفاؤل في حل المشكلة برمتها ، وتم تحميله كثيراً من التأويلات التي لا تنطبق عليه وإدخال فئات أخرى لم يشملها الإعلان ، بما يعكس – في مجمله – رغبة حقيقية لدى هؤلاء السجناء في تجاوز الماضي بشكل يرضيهم ، خاصة وأن ظروف معظمهم المالية ليست على ما يرام .
لكنني رأيت في هذا الإعلان رغبة صادقة من أمانة العدل في تنظيم شئون العدل بما يكفل تطبيق القوانين بصدد هذه الفئات التي انتهكت حقوقها بشكل واضح ، لأن مثل هذه الحالات كان يجب ألا توجد أصلاً في أي بلد متحضر ، ووقوع الظلم الصارخ على هذه الفئات أمر لا خلاف حوله – فيما يبدو – بين كافة أطراف الدولة الليبية ، كما أن تصدي أمانة العدل لتعويض هؤلاء هو عمل تقوم به نيابة عن أجهزة الدولة التي ارتكبت هذه الانتهاكات .
والحقيقة أن هذا عمل محمود ومشرف وهام من قبل السيد المستشار مصطفى عبد الجليل أمين العدل الذي يقوم بإدارة شئون وزارته بعقلية القاضي على عكس غيره من القضاة الذين يديرون جلسات محاكماتهم بعقلية الوزير والسياسي ، فلو قام كل وزير في ليبيا ' بتنظيف ' وزارته من انتهاكات القانون ومخالفاته لكنا فعلاً نعيش في بلد يسود فيه القانون ولاقتربنا قليلاً من الفردوس الأرضي ، ولذلك فإن تبدأ بهؤلاء الذين هم ضحايا ' عدم تطبيق القانون ' أمر له بالغ الدلالة والأهمية .
لكن هذا الإعلان ليست له علاقة بالمصالحة الوطنية إلا بقدر ما يمكن أن تشكل أمانة العدل الجهة الاستشارية لتحقيق المصالحة الوطنية ( العادلة ) ، أو اعتبار هذه الخطوة هي ' البداية ' في مسلسل المصالحة الوطنية الطويل ، فالمصالحة الوطنية مصطلح سياسي وليس قضائياً ولذلك فإن على المقبل على التعاطي مع هذا الملف النظر إلى مجموعة كبيرة من العوامل والفئات التي لم يشملها الإعلان المذكور والتي تشمل أعداداً هائلة من الشعب الليبي .
إن المصالحة الوطنية لا تقف عند حد تطبيق القوانين وإنما تتجاوزها إلى ضرورة إعادة النظر في مجموعة من التشريعات الجائرة والتعسفية والتي لدينا منها الكثير والتي صدرت على أساس منها إعداد من الأحكام الجائرة ، كما أنها لا تقف عند ضمان ' حق المحاكمة ' وإنما تتجاوزها إلى ضمان حق المحاكمة ( العادلة ) وهو الأمر الذي لم يتحقق سواء في الأحكام الصادرة عن محكمة الشعب السابقة أو المحاكم الاستثنائية الثورية أو المحاكم التخصصية الحالية بل وحتى بعض الأحكام الصادرة عن محاكم الجنايات خلال عقدي الثمانينيات والتسعينيات والتي تم فيها مخالفة قانون الإجراءات سواء فيما يخص جهات القبض أو جمع الأدلة أو صحة إجراءات التقاضي أو حتى ضمان حق الاستئناف بالطعن في الحكم ، ويمكن أن أقدم مثالاً لهذا النوع من القضايا متمثلاً في القضية رقم 40/1978 / نيابة أمن الثورة التي أحيلت إلى محكمة الجنايات وأصدرت فيها حكماً بالسجن المؤبد على اثني عشر كاتباً وأديباً رغم عدم تمتع من قام بالقبض بصفة مأمور الضبط القضائي وعدم توفر المحكمة على أية أدلة سوى المضحك منها ، وأنا – بهذه المناسبة – أدعو السيد المستشار مصطفى عبد الجليل أمين العدل لإعادة فتح ملف هذه القضية وإعادة محاكمة المتهمين فيها وفق إجراءات قانونية سليمة تضمن تحقيق العدالة .
والمصالحة الوطنية لا تشمل السجناء السابقين والقتلى منهم فقط بل أنها تمتد إلى ضرورة جبر الضرر للذين تضرروا بالتبعية كالأولاد والزوجات والأمهات ، ولنا في الحكم الرائع الذي حكم به المستشار مصطفى عبد الجليل في أوائل التسعينيات لمواطن بتعويضه وأمه وزوجته وأولاده خير مثال خاصة مع التسبيب الرائع الذي استند إليه الحكم ، وهو بالمناسبة حكم لم ينفذ حتى الآن ، كما أنها – أي المصالحة الوطنية – يجب أن تشمل أولئك الذين اضطهدوا بسبب وجود أخ أو قريب سجين أو معارض ومنعوا من استكمال الدراسة أو تقلد الوظائف أو السفر إلى الخارج . وهو الأمر الذي لا علاقة لهم به ' فلا تزر وازرة وزر أخرى ' .
المصالحة الوطنية من اختصاص السياسيين ولذلك فإن عليهم العمل على إيجاد الصيغة المناسبة والمرضية والعادلة لإعادة اللحمة بين أفراد الشعب الليبي وإزالة الضغائن ، وأنا هنا أتوجه إلى المهندس سيف الإسلام القذافي باعتباره على رأس قيادة مشروع ليبيا الغد أن يستجيب إلى الدعوة التي طالما دعونا إليها وهي تنظيم مؤتمر وطني عام للمصالحة الوطنية عبر المصارحة والمكاشفة يشمل الليبيين جميعاً من الداخل والخارج ، تشكل له لجنة تحضيرية متنوعة تضع جدول أعماله وتحدد زمان ومكان انعقاده بما يكفل نجاحه في أجواء الشفافية والوضوح والحرص على الوطن وتجاوز الجراح خاصة مع وجود هذا القدر الكبير من الوعي الوطني بأهمية تجاوز الماضي لدى المتضررين وأهمية التأكيد على تجاوزه أيضاً بحرمان كافة السياسات التي أدت إلى هذا الوضع من ممثليها الذين مارسوها عبر إعلانهم التخلي عن تبنيها هذا الدور دون الحاجة إلى الدخول في أ ي صراع شخصي مع أي منهم ، واعتقد أن الدولة الليبية الآن لا تواجه أية مصاعب خارجية قد تغلّب الجانب الأمني على حساب الوطن و ثقة الدولة بنفسها وبأطروحتها التي يجب أن تكون واضحة و صريحة هي التي يجب أن تكون الدافع المحرك وراء العمل على انعقاد هذا المؤتمر .
ولنترك الجميع يتحدثون بصدق ومسؤولية ومكاشفة حتى يتم الوصول إلى توصيات محددة من هذا المؤتمر بغض النظر عن الزمن الذي يستغرقه ، توصيات تكون ملزمة للدولة بشكل خاص ولا يكون مصيرها كمصير الأحكام بالتعويض التي صدرت عن القضاء وترفض الدولة تطبيقها .
ولا يمكن لأية مصالحة بطريقة أخرى ملتوية ومبتورة ومعتمدة على سياسة ' التفتوفة ' إلا أن تترك جيوباً عديدة من ( خرّاج ) الإحساس الفادح بالظلم الذي لا يمكن أن يتنبأ المرء بتطوراته ، وهو أمر لا يفيد أحداً سواءً الدولة أو المواطن المظلوم ، فتجاهل أهمية تصفية النفوس سيؤدي – على المدى البعيد – إلى مزيد من التراكم السلبي وانعدام الثقة حتى في مشروع ليبيا الغد برمته ، وهو ما سوف يفقد المشروع زخمه الشعبي الذي يحتاج إليه للتوجه نحو المستقبل .
والمصالحة الوطنية ليست مجرد دفع أموال مهما كانت طائلة لأشخاص انتهكت حقوقهم بل تشمل ضرورة تحقق القبول والرضا وبدون تحقق هذا فلن نصل إلى نتيجة محمودة ، كما أن الدولة – باعتبارها خصماً في هذه الحالة – لا يحق لها أن تحدد هي من جانب واحد قيمة التعويضات التي يجب أن تدفعها ، بل يجب أن تشكل لجنة محايدة لا تشمل السجناء ولا مسئولي الدولة لتقدير قيمة التعويضات لكل حالة أو فئة ، ويمكن اختيار هذه اللجنة من رجالات القانون الشرفاء ، وما أكثرهم في بلادنا .
إن المبادرة الهامة التي قامت بها جمعية حقوق الإنسان بمؤسسة القذافي للتنمية برئاسة الأستاذين محمد العلاقي ، ومحمد طرنيش بالدخول في الحوار الصريح والمكاشفة والاستماع إلى رأي أسر ضحايا مذبحة بوسليم هي في حقيقتها خطوة غاية في الأهمية ، بل أنني اعتبرها ' بروفة ' لفكرة المؤتمر الوطني العام للمصالحة الوطنية التي أدعو إليها ، كل ما في الأمر أن علينا أن نتحلى بمزيد من الشجاعة والثقة في النفس والثقة في الآخرين ، إن بناء الثقة هو الخطوة الأولى الأكثر أهمية بين أطراف المصالحة ، وهي أمر لا يتم إلا بالحوار الذي يتضمن أيضاً تنمية القدرة على الاستماع الصبور .
وإنني على ثقة من أنه إذا ما اتجهت الدولة بإجراءاتها الفعلية نحو احترام آلام الضحايا وأُسرهم والاعتراف أمامهم بالأخطاء فسوف تجد منهم كل تقدير وتفهم وحس وطني عميق يتعالى على الخصومة ويعمل من أجل الأجيال القادمة .
أما ما عدا ذلك فإنها ستبقى مجرد ' تفتوفة ' تدخل جيب سجين سابق مفلس قد يعتبرها ' بلة ريق ' بسبب ظروفه .
لكن الهم الوطني العام سيبقى كما هو بانتظار أن نلجأ إلى الطريقة السليمة قبل فوات الأوان .
4 ديسمبر 2009 |