|
إشكالية التعايش في المجتمعات الاسلامية
علاء الخطيب: هناك جدل صاخب يدور حول مفهوم التعايش و التقريب والذي دعاني لسبر غور هذا الموضوع هو فساد العلاقات بين مكونات الجسد الواحد وما يحدث من مماحكات وصراع وتناحر وإستنهاض مقيت لغرائز القومية والطائفية والاثنية في بقاع مختلفة من العالم الإسلامي. فالأسئلة المطروحة في هذا الجدل هي هل أن إشكالية التعايش في المجتمعات الإسلامية تكمن في الخصوصيات أم في الثوابت أم في الإثنين معا ً,
أم في الثقافة والموروثات الاجتماعية (العادات والتقاليد) أم في نظرياتنا التربوية الدينية , وهل التعايش يعني الذوبان في الآخر وإلغاء الخصوصيات والإستغناء عن الثوابت , وهل نقصد بالتعايش المصطلح السياسي أم الأقتصادي أم نعني به التعايش الديني الحضاري الثقافي , وللأجابة عن هذه الأسئلة لابد لنا من تعريف المصطلح وتحديده أولا ً, فتعريف المصطلح يضع أيدينا على المفتاح لفهم العلاقة بين المفاهيم المتقدمة وبالتالي لفهم الموضوع الذي بين ايدينا. .
فالمصطلح كما عرفه علماء اللغة هو لفظٌ يضعه أهل عرفٍ أو اختصاصٍ معيّن ليدل على معنى معيّن يتبادر الى الذهن عند اطلاق ذلك اللفظ . ولو رجعنا الى المعنى اللغوي للتعايش، الذي هو أصل المصطلح ، نجد في المعجم الوسيط ، كلمة تعايشوا : أي عاشوا على الألفة والمودّة، ومنه التعايش ، وعَايَشَه : عاش معه. والعيش معناه الحياة، وما تكون به الحياة من المطعم والمشرب والدخل, و جاء في معجم (لوبوتي لاروس) ان التعايش يعني قبول رأي وسلوك الآخر القائم على مبدأ الاختلاف و إحترام حرية الآخر وطرق تفكيره وسلوكه وآرائه السياسية والدينية، فالتعايش وجودٌ مشترك لفئتين أو جماعتين مختلفتين, وهو يتعارض مع مفهوم التسلط والأحادية والقهر والعنف.
وإذا أمعنا النظر في مدلولات مصطلح التعايش الذي شاع في هذا العصر، والذي ابتدأ رواجُه مع ظهور الصراع بين الكتلتين الشرقية والغربية اللتين كانتا تقسمان العالم إلى معسكرين متناحرين قبل سقوط جدار برلين وسقوط الاتحاد السوفياتي،نجد أن البحث في مدلول هذا المصطلح يقودنا إلى جملةٍ من المعاني تحتمل مفاهيم متضاربة ولكن يمكن أن نقسمها الى ثلاثة مفاهيم رئيسية هي :
التعايش السياسي الأيديولجي :
وهو العمل على إيجاد قنوات إتصال عن طريق الحوار للحد من الصراع و إحتواء الخلاف , ويمكن أن نعبر عنه بتعايش الضرورة أوالحاجة التي تقتضيها الحياة ومصالحها أو ما يطلق عليه بالعايش السلمي , وأول من أطلق هذا المفهوم بالمعنى المتقدم هو الرئيس السوفياتي السابق ( نكيتا خروشوف)2 .
التعايش الأقتصادي:
هو تعاون بين المجاميع البشرية متمثلةً بحكوماتها ويُحدد في الأطُر القانوية والاقتصادية من أجل المصلحة والمنفعة المتبادلة.
التعايش الديني و الثقافي و الحضاري:
وهو عملية البحث عن المشتركات ونقاط التقاء الارادات في قضية ما وتقريب المصطلحات والمفاهيم المشتركة , وهي عملية بحث دائم نحو المشترك ورفض الخلاف , وبمعنى آخر هو عملية إنفتاح نحو الآخر من خلال لغة واحدة ذات مفردات مختلفة ولهجات متعددة, وبتعبير آخر هو تعاون في المشترك الحضاري والإنساني المستند الى لغة الحوار الهادئ بعيدا ً عن إستنهاض غرائز الصراع والكراهية , فالبحث عن مشتركات الخير هو مانقصد به التعايش الذي هو صورة عن إستقرار السلوكيات الاخلاقية الإجتماعية , وهو رسالة الاديان جميعا ً بل هو صوت الفطرة الانسانية.
والمفهوم الأخير هو ما يهمنا في هذا البحث لذا سيكون تركيزنا عليه دون سواه .
التعايش بين وحدة الولاء وتعدديته:
تنحصر إشكالية التعايش الديني الحضاري في مجتمعاتنا الإسلامية في الولاءات العمودية المتعددة مثل الطائفية و القبلية والإثنية والدينية المشوهه لتصل الى الولاءات القبلية , وهو ما يمكن تسميته (بطغيان التقاليد على التعاليم ) أي طغيان الخصوصيات على الثوابت , والانتقاد الأساسي لهذه الولاءات هو تناقضها مع المشترك الأكبر وهو الولاء الإنساني المتصل بالولاء العام وهو الولاء لتعاليم السماء أي لله الذي يقول في كتابه الكريم (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) ولتعارفوا تعني لتعايشوا على أساس الولاء لله فالتعايش هنا ليس مبنيا ً على غرائز الشر بل مستند الى قوى الخير الكامنة في النفوس البشرية التي يفجرها الولاء الأكبر, فالولاءات المتعددة عائق أساسي أمام التعايش الحضاري وبالتالي هو العقبة الكأداء امام التطور للوصول الى مجتمع حضاري إنساني, ولعل الصورة التي رسمها القرآن الكريم لوحدة الولاء وتعدديته توضح ما نذهب اليه . يقول الله سبحانه وتعالى ( اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ) ولننظر الى كلمتي (ولي ) و كلمة ( أولياء) فالأولى للذين آمنوا تجمعهم وحدة الولاء وهي الايمان بالله المفضي الى النور والحياة والعاقبة الحميدة, وأما الآخرون فتفرقهم تعددية الولاء المنتهية الى الظلام , والظلام هنا تعبير ٌ عن عدم الاستقرار والتخبط ونخلص الى القول أن وحدة الولاء من الثوابت و ما عداها خصوصية يمكن ان تتبدل.
نماذج تاريخية للتعايش الديني :
إن من أنصع النماذج التاريخية للتعايش الديني صورتان حدثتا في صدر الإسلام ووقعتا في المدينة المنورة وهما ( المؤاخاة وعهد المدينة المنورة بين النبي (ص) واليهود ) ,ونموذج آخرحدث في الدولة العثمانية وهو (نظام الملل), سنأتي عليه لاحقا ً.
الأول المؤاخاة: بحث فيه النبي عن المشترك الأكبر الذي يتم على أساسه التعايش بين المهاجرين والانصار فكان الاسلام هو المشترك الذي يوحدهم فأعلن المؤاخاة وكما يقول الامام علي ( ع) ( أخ ٌ لك في الدين ), ولعل بعضهم يعترض هنا على مثالي في المؤاخاة ويقول إنهم أهل دين واحد ولايحتاجون الى المشترك ولكني أقول إنَّ النبي حينما بحث عن المشترك بين المهاجرين والأنصار كان يعلم أن ترسبات البيئة التي عاشوا فيها المسلمون في الجاهلية لانزال باقية ولو بالعقل الباطن لبعضهم , كالغرائز القبلية والتفاخر بالاولاد والاموال وغير ذلك ويعلم النبي (ص) أيضا ً أن هناك غرائز للنفاق ستنهض بين المجتمع الجديد نتيجة لعوامل إنسانية وتربوية طبيعية تعمل على بث الفرقة , كل ذلك دعته للتأكيد على المشترك الذي بيناه.
الثاني عهد المدينة المنورة لليهود: وكان هذا العهد عبارة عن ميثاق للأمن والسلام ، والتعايش في ظل العدل والتفاهم وتحديد الحقوق والالتزامات المتبادلة . فقد جاء في هذا الميثاق ما يأتي : إن يهود بني عوف أمّة مع المؤمنين، لليهود دينهم ، وللمسلمين دينهم. وهنا بحث الرسول عن المشترك بين المسلمين واليهود فكانت الوحدانية والانسانية وتم على أساسها التعايش بين المختلفين, فقد جاء عن علي ٍ (ع) وبهذا المعنى ( نظير ٌ لك في الخلق).
نظام الملل في الدولة العثمانية :هو نظام الاقليات الذي استحدثته الدولة العثمانية التي كانت عبارة عن فسيفساء من الأعراق واللغات والديانات لحجمها وإتساع رقعتها الجغرافية , ونظام الملل العثماني هذا شكل نموذجا متطورا للتعايش بين المذاهب والطوائف والجماعات الدينية والفرق الصوفية وغيرها في مرحلة القوة التي امتدت طوال القرنين السادس والسابع عشر, و قد صدر نظام الملة في الأول من يناير1454م في عهد السلطان محمد الفاتح، وقد بُني على أسس إسلامية مستنبطة من المذهب الحنفي، المذهب الرسمي للدولة العثمانية، فأعطى الحرية الدينية لكل الطوائف بما يتفق مع الشريعة الإسلامية، ونص النظام على انتخاب الرؤساء الدينيين من قبل أفراد الملة ( الأقلية)، على أن يقترن تعيين البطريرك أو الأسقف أو رئيس (الاقلية ) المنتخب بصدور البراءة السلطانية، ومنح رؤساء الطوائف حق رعاية الشؤون العامة والشخصية لطوائفهم . فقد أعطى نظام الملة العثماني لكل طائفة حق إدارة شؤونها الدينية بنفسها، وبناء مؤسساتها التربوية، والثقافية، والاجتماعية، وإدارة أوقافها عبر مجلس ملي لكل منهم دون تدخل مباشر من جانب السلطنة. تجدر الاشارة هنا الى مسألة مهمة في هذا النظام وهي أن الطوائف التي كانت تعيش في كنف الدولة العثمانية لم تكن كلها تحصل على هذه الامتيازات ألا أن يُعترف بها الباب العالي كطائفة رسمية , يكون لها حق الولاية على جميع الأمور الدينية والتعليمية والرعاية الإجتماعية والتنظيم القانوني للأحوال الشخصية من زواج ومواريث... وأيضاًَ الأوقاف والتعداد وجميع السلطات التي كانت موكلة إلى شيخ الإسلام وعهدت الدولة بذلك إلى القادة الدينيين المنتخبين (البطاركة) وكانت الدولة هي السلطة الرقابية على الإنتخابات البطريركية ومنذ ذلك الحين أصبحت الحياة الإجتماعية منظمة في إطار الإنتماء الطائفي وأصبح لمنصب البطريرك بجانب الشق الديني جانباًَ إدارياًَ وقضائياًَ أيضاًَ، وصارت لأحكامه قوة القوانين التي تنفذها - إن دعت الحاجة - جنود الأنكشارية العثمانية .
نماذج حالية للتعايش:
الأقليات في الغرب /الأقلية الإسلامية نموذجا ً :
قد أختلف مع الكثير في نظرتي لوضع الأقليات في العالم الغربي وأقصد به (أوربا وأمريكا وأستراليا) من حيث واقع التعايش في هذه البلدان الغربية , فالمعروف أن هذه البلدان تستوعب العديد من الجاليات الأجنبية التي تحمل العديد من الثقافات المختلفة عن الثقافة الغربية , ويطلق على هذه المجتمعات بــ (MULTI CULTURES اي متعددة الثقافات ولكن المشترك الاكبر بين السكان الأصليين والجاليات الوافدة هو( المواطنة والقانون ) فالجميع هم واحد في نظر القانون وهم مواطنون والجميع يحصل على حقوقه الإنسانية كحق التعليم وحق العلاج وحق السكن والضمان الإجتماعي وحق الانتخاب وحق ممارسة الشعائر الدينية وغير ذلك من الحقوق , فالجالية الاسلامية مثلا ً تتمتع بحقوقها الإنسانية من ممارسة شعائرها الدينية وبناء المساجد وأماكن العبادة وتحصل على الدعم الحكومي لقاء ذلك , وتتمتع بالعطل الدينية في الأعياد , فضلا ً عن أن هناك حقاً بتعليم اللغة الاصلية لهم وفتح المدارس الخاصة بهم وما الى ذلك من حقوق ,في حين حرم الكثير من هؤلاء الجاليات من هذه الحقوق في بلدانهم الاصلية علاوة ً على البلدان الاسلامية التي لجاؤا اليها سابقا ً قبل مجيئهم الى الدول الغربية . فالمشترك الإنساني واضح بشكل ملفت في هذه الدول , ولعل بعضهم يعترض على قولي هذا بأعتبار أن هناك ممارسات عنصرية في هذه البلدان وتضييقاً على المسلمين خصوصا ً بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر – ايلول- فإن هذه الممارسات ليست على مستوى القانون وإنما على مستوى الاشخاص , فالقانون يضمن التعايش بين الجميع على اساس المشترك الإنساني بغض النظر عن العرق والدين واللون وهذه حقيقة لامراء فيها في المجتمعات الغربية . فقد تمتعت هذه الجاليات بفترة من الاستقرار والرخاء منذ اربعينيات القرن الماضي وحتى أحداث سبتمر ولكن ما مارسه المتشددون إنعكس سلبا ً على وضع الجاليات الإسلامية وكان له تأثير ولكن ليس بشكل كبير وأقصد من الناحية القانونية , ولا ننسى أن بعض الجاليات حملت من مواطنها الأصلية عادات وتقاليد ومفاهيم البعض منها مشوهة مثل ختان البنات وضرب النساء وجرائم الشرف , ومنع الفتيات من التعليم وارغامهن على الزواج وإجبار الاولاد قسريا على التربية ولبس البرقع واستفزاز الاوربيين من خلال الملابس القصيرة وإطالة اللحى بشكل مثير ولغة خطاب أئمة المساجد المتشددين القادمين من بيئات مختلفة لا يعرفون البيئة الغربية ومتطلباتها , وغيرها بحجة أنها جزء من التعاليم والثوابت الدينية وأن الدين يأمر بها, وتغيرها يعتبر مساس بالثوابت الدينية , بينما إعتبر بعضهم الخصوصيات الإجتماعية خطا ً أحمر من الكفر أن نتجاوزه , دون النظر الى خصوصيات الزمان والمكان الذي يعيشون فيه , وقد نقلوا صورا ً خاطئة مشوهة عن الإسلام للغرب , وبالتالي حدثت حالة الصدام والخلاف وهذه ايضا ً ليست بالحالة العامة , فأنا هنا أقول أن المشكلة لم تكن كامنة في ثوابتنا الدينية بقدر ما كانت في خصوصياتنا الاجتماعية التي إعتبرناها جزأً من تعاليمنا وثقافتنا الدينييتين وهذا ما قصدته في البداية بـ ( طغيان التقاليد على التعاليم ). هذه السلوكيات الثقافية والإجتماعية الشاذة للبعض في معظمها عاجزة عن التطور في اطار الثوابت وضرورات الزمان والمكان وحاجة إنسانهما , شكلت وتشكل أخطر وأهم عائق من عوائق التعايش بين المجتمع الغربي والجاليات الاسلامية. ناهيك عن الاحداث الارهابية التي ضربت نيويورك ومدريد ولندن وسواهما من المدن الاوربية وإنعكاساتها على العقل الغربي المتأثر بأعلامه الى حدٍ بعيد .
المراجع:
1ـ كراس الفكر الاسلامي – مؤسسة البلاغ
2ـ هو معجم عربي من إصدار مجمع اللغة العربية بالقاهرة سنة 1965 م ويتألف من 1100 صفحة-
3ـ معجم مصطلحات موسوعي فرنسي سمي على اسم ( بيير لاروس) صدر في 1905م في باريس (بتصرف)
4ـ الاسلام والتعايش بين الأديان في افق القرن الواحد والعشرين- عبد العزيز التويجري- الاسيسكو-
5ـ سورة الحجرات الآية 13
6ـ سورة البقرة الآية 257 .
10 ديسمبر 2009
|