English Articles
 

الرئيسة arrow فكرية arrow قضايا فكرية arrow جدلية الثقافي والسياسي
PDF Print E-mail
قضايا أساسية - قضايا فكرية
Written by محمد الفقيه صالح   
Dec 11, 2025 at 10:59 PM

جدلية الثقافي والسياسي

محمد الفقيه صالح : "... كان أقصى ما يمكن أن يفعله الثقافيّ هو أن يستنكف عن المشاركة في حملات التضليل والتغطية على أي تجاوزات ، مع اغتنام كل سانحة لإبراز خطاب ثقافي مغاير للخطاب الإيديولوجي السياسي ومتمايز عنه . وقد افلح الثقافيّ – رغم إثخانه بالجراح – في خلق ملامح ضمير ثقافي وطني جاد ومسؤول ، ظل هو الأساس والمرجع في مدونة الثقافة الليبية المعاصرة ، التي ظلت محصورة – بفعل التجاهل الإعلامي الرسمي – في دائرة محلية محدودة .."

 

(1)

 

لا مجال للفصل بين السياسي والثقافي ، كما أنه لا مجال للمطابقة بينهما . تلك ركيزة أساسية تنطلق منها هذه المقاربة ، بما يفضي إلى أن المسألة ليست في وجود علاقة من عدمه بينهما ، بل في طبيعة هذه العلاقة . نسمع كثيراً عن " السياسة الثقافية " لأية دولة من الدول ضمن مجمل سياساتها في شتى الحقول والقطاعات ، ونسمع من جهة أخرى عن " ثقافة سياسية " تميزها عن ثقافة علمية مثلاً أو فلسفية أو أدبية أو قانونية وهلم جرا . أما يزعم السياسي إن السياسة هي الأشمل ، لأنها تحتوي في داخلها الثقافة وتخطط لها وتسيرها ، فضلاً عن كونها تسيطر – في الغالب - عليها ، أو على الأقل ، تحاول الهيمنة عليها ، فيما يذهب الثقافي ، أو منتج الثقافة ، إلى أن هذه الأخيرة هي الرحم الروحي الأكبر والأشمل ، وهي المرجع والأساس ، وما السياسة سوى بعد من إبعادها ، أو ثيمة من ثيماتها ؟.

 ألا يمكننا أن نتحدث – في هذا الصدد – عن " لحظة ثقافية " في فكر السياسي وأدائه ، تتجلى أكثر ما تتجلى ، حينما يعمد رجل الدولة ، بل السياسي في عمومه ، إلى نقد السياسة الرسمية أو الحزبية المحسوب عليها ، أو مراجعة أسسها الأيديولوجية ( البيروسترويكا على سبيل المثال ) ؟ .

 

وفي المقابل ألا يمكننا أن نتحدث أيضاً عن " لحظة سياسية " في أداء الثقافي وفعله حينما ينصرف إلى تأصيل الهوية الوطنية مثلاً ، أو إحدى الهويات الفرعية ، أو حين يسعى إلى تجديد الثقافة الوطنية ومراجعة أسسها مراجعة نقدية صارمة ؟ أما يحرث الثقافي بذلك الأرضية الاجتماعية لإحداث تطور في الوعي العام ، يفضي بدوره إلى تحول سياسي بعيد المدى ( كما هو الأثر الذي أحدثه – على سبيل المثال - فكر فلسفة التنوير في التمهيد للثورة الفرنسية )؟

 

(2)

 

هكذا يبدو واضحاً ، أن هناك حيزاً متشابكاً – لا مفر من التسليم به – هو الذي تتقاطع فيه دائرتا الثقافة والسياسة ، وإن ظل الحيز الأكبر في كل دائرة منهما مستقلا نسبياً ومتمايزا عن مثيله في الدائرة الأخرى ، ذلك أن لكل من الثقافي والسياسي حقله الخاص وآلياته وأدواته ومنهجياته وأسئلته ومهامه .

 

تتركز مهمة السياسي في الإمساك بقياد الدولة وسلطة الإدارة ، أو السعي إلى تملكهما ، من أجل تسيير شؤون المجتمع وفقاً لنهج أو خط محدد ومصالح معينة ، متوسلا في ذلك الأدوات الإقناعية ( الأيديولوجيا ) والإكراهية القهرية ( أجهزة القمع ) ، أما الثقافيّ فتتمحور مهمته حول وظائف التأسيس والتأصيل والنقد في حقل الفكر والمعرفة والأيدولوجيا والسياسة والوعي ونسق القيم والخبرة الجمالية .

 

تتأطر العلاقة بين الثقافيّ والسياسيّ – إذن – في بقعة متحركة ومتوترة ، هي برزخ ما بين الفصل والوصل ، تتراوح الحركة فيها بين التأقطب والتوازن ، بين تحكم السياسيّ وتمرد الثقافيّ ، بين إلحاق الثقافيّ بالسياسيّ واستقلاله أو تأبيه على الانقياد والذيلية . وهي بالإضافة إلى ذلك علاقة إشكالية ومركبة ،يتوازى فيها الثقافيّ والسياسيّ ويتقاطعان أو يتدافعان ، يتناغمان و يتناقضان ، يتحالفان أو يتصالحان ويتصارعان إلى حد النحر والتناحر . ينزع السياسيّ غالباً إلى التبرير ، ويتوخى الواقعية والمنحى العملي ، فيما يجنح الثقافيّ إلى النقد والمراجعة وإعادة التأسيس ، مدججاً بذخائر المعرفة والحلم والخيال والمثال . وحينما يستقوي السياسيّ على الثقافيّ بسلطة الإدارة والأيدولوجيا القمعية ، لا يملك الثقافيّ إلا أن يتحصن بملكوت الضمير وذاكرة الجماعة ورحم الفكرة وسلطة الكلمة ، وكأنما هو جدل محتدم بين ضعف القوة ( لدى السياسيّ ) وقوة الضعف ( لدى الثقافيّ ) .

 

(3)

 

تلك هي الملامح العامة للعلاقة المتشابكة بين الثقافيّ والسياسيّ ، لكن الأمر يستدعي – فيما أعتقد – مزيداً من التحديد والتعيين لصور هذه العلاقة وتجلياتها كما تبدت عملياً وواقعياً وتاريخياً على الصعيد العربي ، كإطار عام ، وضمن نطاق تجربتنا الليبية في خصوصياتها الوطنية القطرية ، ذلك أن التاريخ فيما يختص بتحليل الظواهر الإنسانية والإجتماعية وفحص الفرضيات المتعلقة بها ، يمثل – كما نعلم – النظير المنهجي الممكن للمختبر العلمي في تحليل الظواهر الطبيعية والتحقق مما يطرح بشأنها من فرضيات .

 

في هذا الإطار ، يمكننا الحديث فيما يتعلق بالعلاقة بين الثقافيّ والسياسيّ على صعيد التجربة العربية المعاصرة ، عن ثلاث لحظات أساسية ، على أن لا يحول ذلك دون درس الخصوصيات القطرية واستنطاقها :-

 

أولاً - لحظة التأسيس النهضوي :

وفيها تصدّر الثقافيّ جبهة الصراع والمواجهة مع الأخر الاستعماري والحضاري في آن واحد ، وتصدى لأسئلة الواقع العربي الإسلامي وهو ينكشف على ضعفه وهشاشته أمام التحدي الاستعماري الكاسح . الثقافيّ في هذه اللحظة هو الذي صاغ الفكر السياسيّ ، وأعاد بناء الوعي الوطني والقومي والديني ، وصاغ مشروعاً شاملا للنهوض والتحرر ( الأفغاني ، محمد عبده ، الكواكبي ، قاسم أمين وغيرهم ) . في هذه اللحظة يتملك الثقافيّ السياسيَّ و يؤسس له ويحدد وجهة السير ، في مواجهة الطغيان والاستبداد التركي وتمثلاته المحلية ، أو في مواجه الحدث الاستعماري ، إلى الحد الذي نجد فيه قادة الفكر والثقافة يتولون– في نفس الوقت – القيادة والتوجيه السياسي ، الأمر الذي يعكس علاقة تناغم وتكامل واضحة بين الفكر والحركة ، أو بين الثقافي والسياسي في لحظة التأسيس النهضوي .

 

ثانيا- لحظة الحداثة الليبرالية :

وفيها تمايز الثقافيّ عن السياسيّ ، وإن كان هناك حيز متداخل ومتشابك ظلا يتحركان فيه ، حيث استمر السؤال النهضوي مطروحاً ، لكنه أخذ في هذه المرحلة صيغة التساؤل عن الإطار الملائم لبناء الدولة والمجتمع العربي الحديث في ظل سؤال إشكالي آخر ، هو سؤال الهوية . لقد أزداد الواقع في هذه اللحظة تعقدا وتركيباً ، وطرح مهام جديدة اقتضت تبلور السياسيّ ، كوظيفة ودور ، في صورة تشكلات حزبية ، تعبر عن مصالح ومطامح طبقية وفئوية ، إما ضمن إطار وطني ، أو في إطار عقائدي أوسع ، وكل ذلك في سياق تشكيلة رأسمالية كولونيالية تابعة .

 

من جانب أخر مضى الثقافيّ قدما في تطوير فكر النهضة ، وفقا للأسئلة الجديدة التي طرحتها دولة الاستقلال ، رافعا راية التحديث والحداثة الفكرية والسياسية ، ومنخرطاً في مشروع طموح لتجديد الثقافة تحت وطأة التحدي الحضاري الغربي الحديث ، ومعطيا في سياق كل ذلك صياغات مختلفة لسؤال الهوية الحضارية .

 

في هذه اللحظة يتوازى الثقافيّ والسياسيّ ويتوازنان ، ويقر كل منهم للآخر بدوره ووظيفته وفاعليته . المثال النموذجي لنمط هذه العلاقة يجسدها ما انتهى إليه اللقاء العاصف بين العقاد والنحاس باشا في مصر ، إبان ثلاثينيات القرن الماضي ، حين غضب النحاس ونهض قائلاً باعتداد و شمم " أنا زعيم الأمة " ، فرد عليه العقاد بندية واعتداد هو الآخر" وأنا كاتب الشرق " .

 

ثالثاً - لحظة المصادرة الشمولية :

وفيها يستحوذ السياسيّ ( ممثلا هنا بالدولة والأيدولوجيا الشعبوية ، وبالصيغ المذهبية المغلقة للأحزاب القومية والدينية والماركسية ) على المشهد برمته ، حيث يعمد جاهدا إلى إلغاء دور الثقافيّ ، إما بمصادرته وإلحاقه بجهازه الأيديولوجي ، أو بقمعه – في حالة التأبي – ونفيه خارج دائرة الفعل والمشاركة . الثقافيّ في هذه الحالة إما أن يؤثر الأمان والسلامة بالامتثال والذوبان في آليات سلطة الأيديولوجيا الشعبوية أو الحزبية ، أي أن يتلاشى ويغيب عن الفعل التاريخي المتمايز ، وإما أن يتحصن بالعناد والرفض ، مفضلا الوجود الصامت المقموع في ظل الاستقلالية والاعتداد بالتمايز ، على الظهور الصائت الممسوخ كتابع ذيلي للسياسيّ .

 

في لحظة المصادرة الشمولية ، يتراجع الثقافيّ كدور ووظيفة وإنجاز ، إلى حد الضمور و التلاشي ، ويستبدل به السياسيّ منظومة إيديولوجية جاهزة ثابتة مغلقة ، كأداة للإقناع والتضليل والتبرير ، ولا يجد الثقافيّ أمامه في هذه الحالة سوى خيارين أحلاهما مرّ : إما الاندماج في الأيدولوجيا الشعبوية ، أو النفي خارج دائرة الفعل ، وبذلك تصطبغ العلاقة بين الثقافيّ والسياسيّ ، في هذه اللحظة ، بصبغة الارتياب والتوجس وسوء الظن ، بل والضغينة أيضا ، وفي مثل هذه الوضعية يتمظهر الثقافيّ المتحصن باستقلاليته في بضعة احتمالات ، أهمها :

 

أ‌) أن يقتصر على وضعية الدفاع ، فيؤول به الأمر إلى خانة التهميش والعزلة ، وفي هذه الحالة تظل المهمة الرئيسية المطروحة في أجندته ، هي الحفاظ على ما يمكن الحفاظ عليه من رأسمال رمزي وضمير نزيه ، معتداً باستقلاليته ، في مواجهة تغوّل السياسيّ وهيمنته . وفي ظل هذه الوضعية ، التي يتم فيها تسييج فضاء الفكر والثقافة بالممنوع وغير المسموح بالتفكير فيه واللامفكر فيه ، تنتفي إمكانيات الحوار والتفاعل الخصيب ، مما يحول دون تهيئة المناخات الملائمة لإنجاز مشروعات ثقافية كبيرة وطموحة تنهض بالمجتمع وتدفع به نحو آفاق رحبة ، الأمر الذي من شأنه أن يصيب الفكر والثقافة في مقتل .

 

ب‌) أن يتسرب الثقافيّ ، المقموع والممنوع ، من شقوق المجتمع وهوامشه وزواياه المتوارية ، من خلال إنتاج ثقافة بديلة ، غير رسمية ، مهمشة ومقصية ، شبه سرية، أحرى بنا أن نسميها " ثقافة الظل المقاوم " . في هذا الاحتمال يتحول الثقافيّ المتحصن باستقلاليته ونزاهته التاريخية ، والمتمسك بدوره ومسؤوليته التاريخية ، إلى درع للحرية وراية لها وضمير حارس للحلم بها ، لاسيما إذا ما انقسم السياسيّ على نفسه إلى شعبوي تسلطي ، وآخر ديمقراطي إنساني ، إذ يتجه الوضع آنئذ إلى إعادة صياغة العلاقة بين الثقافيّ والسياسيّ ، في تبديه الديمقراطي ، ضمن شرط مهيأ لمقاومة التسلط الشعبوي الشمولي ، الأمر الذي من شأنه أن يعيد العلاقة بين الثقافيّ والسياسيّ إلى صيغة التكامل والتوازن من جديد ، بعد أن ظلت تعاني من اختلال مبهظ لصالح التسلط الشعبوي والانغلاق الأيديولوجي ، ومن الواضح أن الضرر في اختلال هذه العلاقة لا يقتصر على الثقافيّ فحسب ، بل يطال أيضاً السياسيّ في مضمونه الديمقراطي .

 

(4)

 

هذا على الصعيد العربي العام ، أما في نطاق التجربة الليبية ، فلم يكن الأمر مختلفاً كثيراً ، بل يمكن القول إنه لم يكن سوى تنويع على السياقات العامة الرئيسية للعلاقة بين الثقافيّ والسياسيّ عربيا . فلحظة التأسيس النهضوي ، على المستوى العربي ، تتمظهر ليبياً في صورة تأسيس لتأصيل الهوية الوطنية من خلال المقاومة الجهادية والسياسية ، حيث يطغى شاغل مواجهة الحدث الاستعماري في البداية ، ثم المساعي السياسية لنيل الاستقلال الوطني فيما بعد ، على الثقافيّ والسياسيّ في آن معا ، فيما يتلامح السؤال النهضوي خافتا ومتوارياً في خلفية الصورة، لدى بعض قادة الحركة السنوسية وكبار مثقفي الحواضر الليبية الرئيسية ، لأسباب ترجع – في ظني – إلى طرفية البنية الإقتصادية الاجتماعية الليبية وضعفها وهشاشتها ، مقارنة بمثيلتها في مركز المنطقة العربية بمصر والهلال الخصيب . في هذه اللحظة ، يتشكل الثقافيّ في ليبيا ، من إندغام الوعي الديني التقليدي بالوعي الوطني الحديث ، في مركب جديد ، كان بمثابة الأساس والمرجعية للسياسيّ ، فكراً وحركة ، أي أن الثقافيّ – في هذه اللحظة – تكرس بالكامل لقضية التحرر والاستقلال الوطني ، ولذلك اتسمت العلاقة بينه وبين السياسيّ فيها – كما حدث على المستوى العربي – بالتناغم والتكاتف والتكامل إلى حد الاعتماد المتبادل ، بل يمكن القول إن الأولوية انعقدت في ليبيا ، بعد انكسار الحركة الجهادية ، للثقافيّ الذي تقدم ليصوغ الفكرة الوطنية ويقود ساحة المقاومة السياسية ، فشهدنا شعراءنا وأدباءنا ، إبان سني الثلاثينيات والأربعينيات من القرن الماضي ، يتصدرون المشهد الثقافي والسياسي الوطني في نفس الوقت ، فيعمدون إلى تشكيل الجمعيات والمنظمات والأحزاب ، ويقودونها على درب الاستقلال الوطني ( احمد وعلي الفقيه حسن ، إبراهيم الأسطى عمر ، على المصراتي مجرد أمثلة في هذا الخصوص ) ، وكأن وجود الثقافيّ في المرحلة الجهادية لم يكن سوى وجود سياسي كامن ، أو وجود سياسي بالقوة ، لم يلبث حين آذنت اللحظة المناسبة ، أن تحول إلى وجود سياسي بالفعل في مرحلة دولة الاستقلال طرأ متغيران جديدان ، في ما يخص العلاقة بين الثقافي والسياسي في ليبيا ، هما. الدولة الليبية الحديثة ، على المستوى الرسمي ، والأيدولوجيا القومية الشعبوية ، ممثلة في الناصرية والبعث والقوميين العرب ، مع تأثيرات يسارية ماركسية محدودة ، على المستوى غير الرسمي . انفصل هنا الثقافيّ عن السياسيّ وتمايزا ( كما هو الشأن في لحظة الحداثة الليبرالية العربية ) ، وكأنهما غادرا بساطة تكوين اللحظة التأسيسية الأولى ووضوح أبعادها ومهامها ، باتجاه علاقة أكثر تعقداً وتركيباً ، حيث شهدت العلاقة بين الثقافي والسياسي مسارين متوازيين ، فمن ناحية حظي الثقافيّ بهامش من الاستقلالية في علاقته بالدولة ، مكنته من أن يؤسس لتحديث الثقافة في ليبيا وتجديدها ، كما احتفظ بمسافة واضحة بينه وبين السياسي الشعبوي الذي كان يتحرك وينمو في الأوساط الشعبية خارج دواليب السلطة ، ناقلا إلى الساحة الليبية توجهات الأيديولوجيا الشعبوية المشرقية واسترابتها من استقلالية الثقافيّ والاستخفاف به والتهوين من شأنه .

 

الجدير بالملاحظة أن الثقافيّ في مرحلة الاستقلال انتقل اهتمامه وإنجازه من الشاغل التحرري وتأصيل الهوية ، إلى شاغل تأصيل الكيان القطري الوطني ، ولذا بدا الانشغال بالتاريخ الوطني واضحاً في خلفيات الحركة الأدبية والفكرية ، وشهدت المدرسة التاريخية والتراثية الليبية في هذه الظروف والمناخات تطورا ملحوظا ، وإن كان ذلك في غير المسائل التي تثير حفيظة الدولة ، حيث أمتنع الثقافيّ مثلا عن مراجعة تاريخ الحركة السياسية الوطنية إبان الأربعينيات ، امتثالا منه للسياج الذي ضربته السلطة الملكية حول هذا الموضوع .ولا ريب في أن الدولة الليبية كانت تنظر بعين الرضا إلى مجمل توجهات الثقافي حينذاك ، لكونها تؤصل لها كدولة على الصعيد الثقافي ، فيما نظر إليها القومي الشعبوي بحسبانها تأصيلا منحرفا للإقليمية القطرية ، وكل ذلك مهد لتعقيدات العلاقة بين الثقافيّ والسياسيّ في لحظتها الليبية الثالثة .

 

لقد اتجهت الدولة الشعبوية في ليبيا منذ بدايتها إلى تضيق الخناق على الثقافيّ ومحاولة إلحاقه بجهازها الإعلامي والإيديولوجي ، الذي أرادت له أن ينفرد بصياغة الوعي العام ، من خلال خطاب شعبوي يتجاوز الهوية الوطنية ويقفز عليها ، باتجاه انتماء قوموي شامل مقطوع الصلة بالتفاصيل والخصوصيات القطرية المحلية ، وظلت تنظر بعين الريبة والاستنكار إلى استقلالية الثقافيّ ،لأنها ترى فيه منافسا لها على التملك الثقافي للمجتمع ، فضلا عن اعتباره ملاذاً للسياسي المصادر – بدوره- والمختلف ، ومحل اختمار لظهوره على مسرح الاجتماع السياسي ، وقد دفعها كل ذلك إلى شن حملات قاسية متتالية استهدفت قمع الثقافيّ ، فضلا عن السياسيّ ، وتخويفه وشل إرادته وفاعليته.

 

ما قامت به الدولة الشعبوية في ليبيا حيال الثقافيّ تجاوز كثيرا ما قامت به مثيلاتها العربيات . فقد كان للثقافي في تلك البلدان حضور نسبي ، وإن كان مسيجاً ببعض المحظورات والممنوعات ، أما في ليبيا فقد تجاوز الأمر الفروع إلى الجذور ذاتها ، فلم يكن مسموحا للثقافيّ إلا بان يذوب في الايدولوجيا الرسمية ويعيد إنتاجها في خطابه ، أي أن التناقض والتنافر هنا – بين الثقافيّ والسياسيّ – بدا أكثر حدة منه في أنظمة شعبوية عربية أخرى . فكيف كانت استجابة الثقافيّ في ليبيا لضغوط السياسيّ الشعبوي الرسمي وقمعه ؟ هل خضع له وذاب في جهازه الأيديولوجي ؟ أم سايره واحتفظ بمسافة بينهما مع عدم استفزازه أو إغضابه ؟ أم سعى إلى الإفصاح عن رفضه ومقاومته ضغوط السياسي ومحاولاته لاستيعابه واحتوائه ؟

 

الجدير بالنظر - في هذا الصدد – واللافت للانتباه ، أن الثقافيّ في مواجهته ضغوط السلطة الشعبوية في ليبيا ، احتفظ بنفس إستراتجيته السابقة ، وهي محاولة الحفاظ على استقلاليته ، من خلال الاستمرار في تأصيل الكيان ، وتنمية المدرسة التاريخية والتراثية الليبية ، وبلورة أدب وفن ليبي يعكس الخصوصية المحلية وينفتح على الحداثة ، يستوي في ذلك التيار التقليدي والتيار التقدمي الحداثي ، مع الحرص على تفادي كل ما من شأنه أن يستثير السياسي الشعبوي ، أي الحرص على إظهار الحياد حيال ما يشهده الواقع من سلبيات وقمع ، وكان أقصى ما يمكن أن يفعله الثقافيّ هو أن يستنكف عن المشاركة في حملات التضليل والتغطية على أي تجاوزات ، مع اغتنام كل سانحة لإبراز خطاب ثقافي مغاير للخطاب الإيديولوجي السياسي ومتمايز عنه . وقد افلح الثقافيّ – رغم إثخانه بالجراح – في خلق ملامح ضمير ثقافي وطني جاد ومسؤول ، ظل هو الأساس والمرجع في مدونة الثقافة الليبية المعاصرة ، التي ظلت محصورة – بفعل التجاهل الإعلامي الرسمي – في دائرة محلية محدودة، ولم يقيض لها الإشهار والإسناد الرسمي الكافي لتسويقها على المستوى الجماهيري الداخلي الواسع ، ناهيك عن المستوى العربي الأوسع .

 

استخلاصات ونتائج :

قدمنا في الورقات السابقة عرضا تحليليا تاريخيا وجيزا لجدلية العلاقة بين الثقافي والسياسي في عمومها وكما تبدت لنا عربياً وليبياً ، ونخلص من كل ذلك إلى جملة من النتائج والملاحظات نوجزها في الآتي :

 

أن العلاقة بين الثقافيّ والسياسيّ ، لا تعدو كونها تجسيداً وانعكاساً لطبيعة النظام السياسي وطريقة تسييره للشأن العام . فهي علاقة تكامل وتضافر وتكاتف ، حينما ينفتح السياسي ( وبالتحديد سلطة الدولة ) على كافة مكونات المجتمع بهدف تطوير الاجتماع السياسي ، وهي علاقة صراع وتدافع إذا ما عمد السياسيّ إلى تجاوز تلك المكونات أو مصادرتها .

 

أن الصيغة المثلى للعلاقة بين الثقافيّ والسياسيّ ، هي صيغة التوازن ، إذ يتهيأ فيها لكل منهما أن ينصرف بكامل إمكانياته إلى أداء دوره ووظيفته وتحقيق إنجازه على أكمل وجه ممكن .

 

أن الظروف التي يتاح فيها تمايز واضح بين السياسي والثقافي ، أي عدم إلحاق الثقافي بالسياسي وإدماجه فيه ، غالبا ما تغتني بمشروعات ثقافية أساسية وكبيرة ، تؤذن بانتقال الوعي العام إلى آفاق أبعد وأرحب ( مشروعات طه حسين والعقاد ولطفي السيد ومصطفى وعلي عبد الرازق وأحمد أمين وسلامة موسى وغيرهم ، إبان الحقبة الليبرالية بمصر ، ومشروعات الجابري والعروي وطه عبد الرحمن وغيرهم في المغرب)

 

أن الدور القيادي الذي اضطلع به الثقافيّ ، أو بعبارة أخرى غلبة الوعي الثقافي على الوعي السياسي في لحظة التأسيس النهضوي عربيا ، والتأسيس لتأصيل الهوية الوطنية ليبياً ، إنما ارتبط بظروف خلخلة الدولة المحلية ( دولة محمد علي في مصر) أو تدميرها ( الدولة العثمانية في ليبيا ) .

 

أن القدر المحدود لتواجد الثقافيّ وحضوره في مرحلة الدولة الشعبوية في ليبيا ، والقدر الأوسع لتواجده وحضوره إبان الحكم الملكي ، إنما يرجع إلى ابتعاد الثقافيّ عن نقد الأوضاع العامة ، بما في ذلك التعدي على الحريات ومصادرتها ، صوناً – فيما يبدو – لوجوده هو ( أي الثقافي ) من المصادرة والإلغاء . والحالات المحدودة التي بادر فيها الثقافي إلى إبداء مواقف النقد والاعتراض ، تعرض فيها خلال الحكم الملكي لبعض الضغوط والمضايقات ( قضية خالد زغبية عام 1958مثلا ) ولقمع أشد وأشرس إبان العهد التالي ( اعتقال العديد من المثقفين والكتاب في قضايا مختلفة ، أبرزها وأوضحها على مستوى العلاقة بين الثقافي والسياسي هي قضية مجموعة 1978) .

 

انطلاقا مما ورد في النقطة السابقة ، يعنّ لنا أن نتساءل : هل التوجه الذي غلب على مجمل مسيرة الثقافة الليبية ، منذ الفترة الاستعمارية حتى اليوم ، نحو التاريخ والتراث قصد التأصيل والتأسيس ، كان استجابة لحاجة ملحة طرحها الواقع والظرف التاريخي الخاص ؟ أم أن هذا التوجه الغالب إنما يعكس – في حقيقة الأمر – حالة الضعف والهشاشة التي تنطوي عليها البنية الثقافية الليبية ، إذ تدفع حالة الضعف تلك بالثقافي إلى التحصن بالتاريخ والتراث في مواجهة رياح الطمس والإلغاء والقمع والمنع والمصادرة ؟ أم أن واقع الحال يقبل الجمع بين هذا الافتراض وذاك ؟ وفي كل الأحوال ، هل نتوقع للثقافة الليبية ، إذا ما أتيحت لها هوامش واسعة من الاستقلالية والحرية، أن تغادر هاجسها التأصيلي ، وهو بالأساس آلية دفاعية ، باتجاه اتخاذ مبادرات جديدة وجريئة أكثر تغلغلا في الواقع الحي واشتباكا مع ثقافة العصر ؟

 

 نقلا عن مدونة سريب للكاتب أحمد الفيتوري ـ 2 ديسمبر 2009

<Previous   Next>

 

الرئيسةوجهات نظرفكريةسياسيةالاصلاححركيةتنمويةدوليةتاريخيةعامةوطنيةمغاربيةمشارقيةعربية دراساتحواراتندواتالبرلمانمختارات كتب ودواوينتقارير ودراسات
 
 

Mambo is Free Software released under the GNU/GPL License.