ليبيا اليوم بين سلطة الشعب وسلطة القبيلة
د. علي سعيد البرغثي : قد لا اكون صائباً فيما سوف أقوله، ولكنني بكل تاكيد لست مخطئاً فيما أخلص اليه، خصوصاً بعد أن أتمت المؤتمرات الشعبية فى جميع أنحاء ليبيا استكمال التفاعل السياسى لتحديد قدرات الإدارة للمرحلة المقبلة. وفى تقديرى أن هناك تسليما راهنا يكتسب قناعة بأن ناتج هذا التفاعل يعكس طبيعة المجتمع الليبى الذى لايزال يتمسك بقواعد تفاعل تتنافى بكل تاكيد مع متطلبات نمو وتطور النظام السياسى الليبى .
وما حصل أثار عندى مزيداً من الدوافع لاعادة قراءة البيان الاول للثورة؟ وأجزم هنا إنني أكثر قناعة من أي وقت مضى بان فعل الراهن لايحمل جنات يمكن انتماؤها لهذا البيان ، وبعبارة اخرى أن رؤية القيادة التاريخية لسلطة الشعب ارتهنت بتغذية عكسية وقودها العصبية القبلية .
اعلم قبل تأصيل هذه الرؤية ان هناك ردود افعال سوف تكون قاسية واخرى ستكون مناصرة ولكننى لا اتطلع الى القبول بقدر ما اتطلع لان تتحول ردود الافعال الى حوار يكسب نظامنا السياسى مزيداً من الديناميكية والنمو . ولهذا اود القول ان الخطر الحقيقى ان تتحول القبيلة الى دولة والاخطر من ذلك ان تحدد القبيلة الفعل والفاعل و المفعول به ، والدليل على ذلك تعكسه ثلاث مشاهد اساسية :-
المشهد الاول:
الذي يسوق القول بالقول ان التفاعل السياسى فى اطار المؤتمرات الشعبية من اجل شغل المواقع سيولد تآزم اجتماعى، وان القناعة المكتسبة مفادها ان محاصصة المواقع قبلياً يحفظ التناغم الاجتماعى: قناعة لا اتفق معها لانها تعكس قراءة خاطئة لعمق البيان وخلاصة مجحفة لحق المواطن .
المشهد الثاني:
ويتصل بمواصلة تعزيز الدور السياسي للقبيلة في مقابل مفهوم المواطنه وليس هناك من شك أن مناخ التنمية السياسية و تطور أي نظام سياسي معاصر يرتهن بالضرورة بتقدير مميز لمفهوم المواطنه و ليس لتمسك ضيق بدالة القبيلة . وهنا أقول أن العمود الفقرى لتأكيد سلطة الشعب لابد وأن يعتمد على مفهوم المواطنه بدلاًلاتها المعاصرة ومتطلباتها الملحه .
المشهد الثالث :
ويتصل بغلق قنوات الحوار والتفاعل في وقت ندرك جميعاً أن هناك شكوى متزايدة بشان عزوف المواطن عن المشاركة في مداولات المؤتمرات الشعبية، وبكل تأكيد أن السبب الحقيقى وراء هذا العزوف هو الفعل القبلي الذي ينتصر لمسلمات ونتائج تفكك الارتباط مع أهمية الحوار والتفاعل في المؤتمرات الشعبية وهنا أجزم بأن هناك علاقة عكسية بين الفعل القبلي وأهمية الحوار والتفاعل السياسي وسيكون الناتج الطبيعي لهذه العلاقة العكسية أنه كلما تحكم الفعل القبلى اغلق في وجه المواطن باب الحوار والتفاعل .
إن الروابط الاجتماعية التي توصف في ليبيا بالقبيلة وفي غيرها بمكونات اجتماعية أخرى تبقى قيمة مضافة لتعزيز المواطنه ، وان تشوية الطبيعة الاجتماعية للقبيلة يشكل ثقلاً يتطلب التخلص منه لتحديث النظام السياسي الليبي، وقد يكون من المناسب أن نبدأ دون تأخير في إيجاد الحلول اللازمة حتى لا تتحول القبيلة إلى دولة وفي تقديرى أن معالجة الوضع الراهن يتطلب معالجة تدريجية لحالة الاختلال الراهنه لكى نعيد التوازن لاستجابة اكثر معاصرة، والاهم من ذلك التمسك بمفهوم الكفائة والقدرة وليس الانتماء والمحاصصة القبلية في ادارة الدولة الليبية.
12مايو 2010
|