من التجربة العراقية: المصالحة الوطنية والعدالة الانتقالية

فضيل الأمين

عند الحديث عن المصالحة الوطنية والعدالة الانتقالية تبرز اشكالية هامة في اذهان معظم المهتمين بالأمر. وتتمظهر هذه الاشكالية في السؤال الآتي: أيهما يأتي أولا؟ العدالة أم المصالحة.

وهذا السؤال على أقصى درجات الأهمية، لما له من أثر على نجاح أو فشل كل من المصالحة والعدالة، ومن ثم من أثر على استقرار المجتمع والأمن والنجاح في العبور بالبلاد إلى الديموقراطية وبناء المستقبل الخالي من الغبن والظلم والاقصاء والتهميش.

وفي اعتقادي، وحسب أراء خبراء عالميون في شؤون المصالحات الوطنية والعدالة الانتقالية ومنهم من عايش التجربة العراقية بكل آلامها ومآسيها وتجارب أخرى في عدد من الدول الاوروبية الشرقية ودول أفريقية وآسيوية، فإن العدالة الانتقالية هي جزء من مشروع المصالحة الوطنية وأساس من أسسه. فبدونها لن تكون هناك مصالحة. وهي، أي العدالة الانتقالية، تقع ضمن إطار المصالحة الوطنية واهدافها وليست منفصلة عنها بأي شكل من الأشكال.

وانفصال العدالة الانتقالية عن المصالحة قد يجعلها تتحول إلى غول مفترس يمكن أن يأتي على كل فرص وامكانيات نجاح المصالحة الوطنية ويقضي عليها.

والعدالة الانتقالية تعني المحاسبة واقامة العدل وتحقيقه لمن عانى تحت النظام القمعي السابق. وهي جزء من تحقيق العدالة للضحايا وذويهم وجزء من تحقيق العدالة للوطن من الذين ظلموه واهدروا امكانياته وثرواته وسرقوها وشردوا شبابه واضطهدوا الشعب. هؤلاء لابد أن يتعرضوا للمحاسبة وأن يدفعوا ثمن جرائمهم. ولا يمكن أن تكون هناك مصالحة وطنية حقيقية دون مشروع عدالة انتقالية يتعامل مع ملفات الظلم والاضطهاد. والعدالة الانتقالية هي جزء ممن علاج الماضي والتعامل مع الآمه وتجاوزاته من أجل تحقيق العدالة وتضميد الجراح ووضع أسس مستقبلية للتعامل مع التجاوزات والظلم في المستقبل وخلق الرادع اللازم لذلك.

جرائم الحرب: التعذيب والاغتصاب والقتل الجماعي 

ويجب ان تعرج هنا على الافعال المشينة والجرائم الكبرى التي تمت خلال فترة الحرب. مثل التعذيب والتمثيل والاغتصاب والتنكيل والقتل الجماعي للمدنيين. هذه تعتبر ضمن “جرائم الحرب” ويطبق عليها قوانين جرائم الحرب الدولية ويتم عقاب مقترفيها على هذا الأساس. وهي افعال تخرج عن اطار العدالة الانتقالية التي تتعامل مع ممارسات النظام خلال فترة الحكم الماضية.

ولكي يتم تطبيق العدالة الانتقالية لابد ان يكون هناك نظام قضائي قادر وقوانين مشرعنة دوليا تحدد الجرائم وسبل ضمان المحاكمات العادلة. ويمكن بالتعاون مع المؤسسات الدولية المختصة إنشاء محكمة ليبية خاصة تخضع للمراقبة الدولية تتولى هذه القضايا وتتعامل معها وتعمل مباشرة تحت الاجهزة الليبية الوطنية وبإشراف وتعاون قضائي دولي. فيما تستمر الحكومة الانتقالية في أداء دورها والتعامل مع القضايا والملفات الهامة مثل الأمن والخدمات والاقتصاد والاستعداد للانتخابات وبناء الاجهزة والمؤسسات الاساسية للدولة والهياكل الديموقراطية الاساسية للبلاد.

وكل ذلك يجب أن تكون ضمن منظومة المصالحة الوطنية الهامة والاساسية التي يجب أن تضبط ذلك وتحدده كي لا يتوسع مبدأ العدالة الانتقالية ويتم الاغراق فيه ليتحول إلى اطار انتقامي أو استعدائي أو أساس لتسوية الحسابات بين المتخاصين السياسيين والفرقاء المختلفين.

فمن المهم جداً جداً الحذر من تسييس مشروع المصالحة الوطنية والعدالة الانتقالية.

أما بخصوص المصالحة الوطنية فهي كما تسمى، مصالحة وتصالح. والمصالحة والتصالح امر يستدعي وجود ما يجب التصالح من أجله. ولهذا فهو أمر لا يقع إلا بين من بينهم ما يستدعي ذلك من خلاف أو صراع أو تجاوز أو صدام أو وجود مظالم أو كل ذلك جميعاً.

والهدف من المصالحة هو الإقرار بوجود تلك الاسباب التي تستدعي المصالحة والاتفاق على الاعتراف بها والرغبة في فهمها وتجاوزها والعفو عنها ضمن اطار وطني يغلّب مصلحة الوطن ويؤكد ويشدد على عدم وقوع ذلك في المستقبل وعدم تكراره والاتفاق على اسس تضمن ذلك.

ومن اهداف المصالحة الوطنية قطع الطريق على الاقصاء والتهميش والالغاء وتجاوز عواطف الكراهية والانتقام والخروج بالمجتمع والبلاد من الماضي وكوابيسه إلى المستقبل وآماله وفرصه. وفي نفس الوقت وضع كل في محله وتحميل المخطئ مسؤولية معنوية تدفعه إلى العمل بإخلاص وقوة وحماسة من اجل التكفير العملي عن اخطاء وتجاوزات الماضي من خلال المشاركة الايجابية الفاعلة في المنظومة الديموقراطية الجديدة. ويجب على المتصالحين أن يفهموا أن كل الاطراف يجب ان تقدم التنازلات المطلوبة من اجل المضي إلى الأمام.

وهنا بعض الدروس من التجربة العراقية للمصالحة الوطنية والعدالة الانتقالية:

ـ في محاولة من الاطراف المعارضة لقطع الطريق على النظام السابق، قامت المعارضة العراقية عند استلامها الحكم باصدار قانون “اجتثاث البعث” وهو قانون يشبه ما قامت به ألمانيا عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية عندما تبنت قانون يحرم ويجتث النازية. وقامت القوى العراقية بإدخال هذا القانون ضمن الدستور العراقي الامر الذي حرم ملايين المنتمين لحزب البعث من وظائفهم ومن كل مزاياهم وتم منعهم من الحصول على وظائف أو عمل. هذا الأمر ادى إلى قمع طائفة كبيرة من ابناء الشعب ووقع ما يمكن ان نسميه “العقاب الجماعي”. الامر الذي دفع هؤلاء إلى الخروج على الدولة وحمل السلاح. فالدولة التي رفضتهم ارغمتهم على محاربتها. وكان لهذا الامر اكبر الاثر في نشوء المجموعات المسلحة التي قادها المحرومون ممن تم “اجتثاثهم” وطردهم ومنعهم من حقوقهم المدنية وحتى الانسانية. وما بين الانتقام والانتقام المضاد عاشت العراق ولا تزال تعيش القلاقل وغياب الأمن والاستقرار. الدرس هنا، من لا يجد له كرسي على الطاولة سيقوم بعمل طاولة خاصة به يجمع عليها من هم على شاكته ويستخدم طرق واساليب من ضمنها العنف للحصول على ما يعقتد انها حقوقه. ويحاول محاربة ما يعتبره ظلم تجاهه. الاقصاء والعقاب الجماعي هو مضاد ومعيق ومجهض للمصالحة الوطنية.

ـ الحكومة العراقية بعد اصدار وتطبيق هناك اجتثاب البعث، اطلقت مشروع المصالحة الوطنية واستثنت منه من كان عضواً في حزب البعث. أي استثنت من كان يجب ان تجد صيغة للمصالحة معهم من صغار البعث وممن لم تتلوث ايديهم بالدم ولم تنتفخ جيوبهم بأموال الشعب. والنتيجة ان فصائل الحكومة جلست لتتصالح فيما بينها. وفشل مشروع المصالحة الوطنية العراقية.

ـ المصالحة تقتضي الإخبار عن الحقيقة، واستبعاد من كان له صلة في الحكم السابق من مبدأ المصالحة يفوّت الفرصة للوصول إلى الحقيقة والاخبار عنها. ولهذا ايضا لا تزال مليارات الدولارات التي تم تهريبها من العراق ضائعة في العالم.

ـ المصالحة تقتضي عملية الاخبارعن الحقيقة في وضع عدالة نزيهة وغير منحازة ولا تخضع للانتقام. وهذا يعني ان العدالة الانتقالية والمصالحة يجب الا تخضع للانتقام ولا للتسييس.

ـ في العراق تم تسييس العدالة الانتقالية، واصبح استهداف السنة عبر استهداف البعثيين واستهداف البعثيين من اجل تقليص دور السنة أسلوب تقوم به المجموعات الشيعية التي تعتبر اضطهاد صدام هو بطريقة أو اخرى اضطهاد سني للطائفة الشيعية لابد من الانتقام له. وفي يمكن استخدام نفس الاسلوب في التعامل مع قبائل أو مدن أو مناطق. في ليبيا يمكن الوقوع في نفس الخطأ ولكن بطريقة اخرى مثل استهداف قبيلة القذاذفة أو تاورغاء أو ورفلة او بني وليد او سرت أو الطوارق. وهو امر ان وقع أو يقع سيكون مكلفاً. فالعقاب الجماعي أمر يخالف أسس المصالحة الوطنية وأسس الشريعة والقانون والقيم.

ـ لابد من التفريق بين المجرمين الكبار القادة وبين التابعين. فالتابعين هم فاعلون وضحايا في نفس الوقت. وفي الوقت الذي تستهدف فيه العدالة الانتقالية المجرمين من القادة الكبار، يجب أن تستهدف المصالحة الوطنية التابعين الصغار.

ـ الجنوح إلى اللين أفضل من الافراط في الشدة والانتقام. والموازنة بين اللين والعفو وبين الحسم والوضوح والقوة أمر مهم. فلابد ان يفهم ويدرك من تسوّل له نفسه أن الشعب سيكون قوياً وحاسما لمن تسوّل له نفسه المساس بالأمن والاستقرار. وأن اللين لا يعني الارتخاء والضعف ولا الجبن.

المنارة


Email Drucken Favoriten Twitter Facebook Myspace Stumbleupon Digg MR. Wong Technorati aol blogger google reddit Yahoo

Add comment



Refresh

للإتصال بنا: [email protected]

أعضاء الحكومة الإنتقالية المؤقتة

أعضاء المجلس الوطني الإنتقالي

القائمة الكاملة بعد التحرير 

الإعلان الدستوري

المجلس الوطني الإنتقالي

سقط المكابر 

رائعة الدكتور العشماوي في الطاغية القذافي

للإستماع للقصيدة بصوت الشاعر

بطـاقة إلى مصراتة

شعر الدكتورة فوزية بريون

صفحة المجلة والملفات

 

 

 جديد المنتدى الليبي

العدد السابع

العدد السادس

أبوبكر على النوري: "لا تنمية مستدامة بدون تربية مستدامة"  

العنف السياسي في شمال أفريقيا: مصاعب التحرر غير المكتمل .. إعداد أنوار بوخرص

**

قضايا التخطيط واتخاذ وتنفيذ القرار في السياسة الخارجية الليبية: أسئلة - والأجوبة الغائبة 

**

محاضرة للدكتور أبوبكر ابعيرة عن "واقع سياسات التنمية الإدارية في ليبيا"

( 1) (2 )  (3)

رمــال متـحـركة

  تأثير الفضائيات على وسائل الإعلام في العالم العربي

ورقة الدكتور عبد المجيد النجار
ورقة الدكتور محمد بشاري

من ندوات المنتدى


ندوة المواطنة والديمقراطية

ندوة المجتمع المدني

لمحات ومحطات


 

من مطبوعات المنتدى

 

 

  

النسخة العربية      النسخة الإنجليزية

من آخر إصدارات الأستاذ محمود الناكوع

 

خفايا الإنقلاب وجريمة تشاد

 

 

 المؤتمر الوطني الأول للتنمية المستدامة

tanmia conf.jpg - 4.29 Kb 

 

الجزء الأول       الجزء الثاني

المؤتمر الوطني الأول للسياسات العامة في ليبيا

 

من إصدارات أخبار ليبيا

شاهد عيان عن العهد الملكي

من إصدارات الشفافية ليبيا