يستعجلون العفو والمصالحة....لماذا؟ 

د. ابومالك العلاقي

"الثورة كفعل تاريخي؛ هي خط فاصل بين ما قبل وما بعد" مقولة تاريخية لا يختلف عليها اثنان وان تناطح حولها عنزان..! وبما انها كذلك، والشواهد كثيرة تاريخيا، فوجب اذن ان يُجبْ فعل ما قبل الثورة وينسف، حتى لا يختلط أديم ما بعد الثورة، المعمد بدماء الشهداء، بشوائب الماضي الذي ما قامت الثورة الا بسببه، وكنتيجة لواقع مرير ضد ارادة الشعب، وذلك لترسيخ مفهوم جديد لعلاقة الجميع ببعضهم، ومن ثم علاقة هذا الجميع بمن يختاروه ليقود دفة الكائن الوليد بفعل الثورة. هذه حيثيات مسلم بها، لا نوردها هنا لنناقشها او لنثبت صحتها من عدمه، بقدر ما نؤكد على انها مسلمات لا تزال سارية في الزمان والمكان الذي نعيشه، وليتذكرها اولو الالباب لعلهم يرشدون.

وبعد؛ فأن ثورتنا الفتية بالتأكيد ليست استثناء عن غيرها من نماذج الثورات، التي اطاحت بأعتى الدكتاتوريات والنظم الاستبدادية، ولنا في نماذج تلك الثورات شواهد كثيرة، بداية من الثورة الفرنسية، التي تعتبر بحق أم الثورات، فقد اطاحت ليس فقط بتركة الاستبداد والاقطاعية الموغلة قدما وعراقة في المجتمع الفرنسي آن اذ، بل تعدت ذلك في مراحل اخرى، الى القضاء على بعض من شايعوا الثورة في بداياتها كأمر واقع، ومن ثم حاولوا التسلق وسرقة نجاحات الثورة لآنفسهم في لحضة من لحضات التحول الثوري، التي قد تطول او تقصر حسب وعي الافراد فيما بات يعرف اصطلاحا "بالقطة تأكل ابنائها".

ما جرنا الى هذه المقدمة التي لها ما بعدها، هو ما نراه اليوم من تدافع نظنه طبيعيا " ما يسمى بتصحيح المسار" بين من لهم مصلحة حقيقية في قيام الثورات، وبين من دفعت بهم الاقدار ليكونوا في مقدمة متناولي دفة القيادة. ان هذا التدافع امر طبيعي تماما، لا تكاد تخلو منه ثورة من الثورات، ولا نرى حاجة للغوص أكثر في مجاهل التاريخ، فلنا في هذه العجالة ما نقوله غير ذلك.

ان ما يسترعي الانتباه وبشكل يدعو الى التساءل المُلِحْ بأداة الاستفهام لماذا.. ما يرد في الخطب المرتجلة لمسؤولينا الجدد، بضرورة تحلي الليبيين بروح العفو والتسامح، والتأكيد على سرعة تفعيل ما يسمى بالمصالحة الوطنية. حدث ذلك حتى قبل اتمام معركة تحرير سرت واصبح هذا المطلب يتكرر في كل مناسبة وحين، وكأنه كتب على الليبيين الا ان يعفوا ويصفحوا عمن سامهم الذل الوانا، وقتل ابنائهم وسرق اموالهم وهتك اعراضهم على مدى عقود طويلة، والانكى ان بعض اولائك الزمرة لا زالوا يتنعمون بتلك الاموال المقدرة بالمليارات، سواء في الداخل او في الخارج، اما الادهى من ذلك، فأن بعضهم تجرأ فدخل حكومة تسيير الاعمال من اوسع ابوابها، مقسما بشرفه ان سيدافع عن حقوق الليبيين، طبعا كما دافع عنها ضمن حكومات الطاغية السابقة للثورة، ناهيك عن الاخرين المجهولين ممن هم في المجلس الانتقالي من ممثلي المناطق.

المثير في الامر، ان ذلك الاستعجال في الدعوة الى المصالحة، حتى قبل ان تجف دماء بعض الشهداء والجرحى، قد تم بالدعوة لمؤتمر مصالحة، دعيت لحضوره اطراف عدة، وغابت عنه اطراف عديدة. والسؤال المنطقي في هكذا حالة: هل يعتقد هؤلاء ان مشروع المصالحة الوطنية، هو مجرد مؤتمر يعقد، تلقى فيه الكلمات الرنانة، المليئة بالعواطف الجياشة، وقد تذرف على هامش هذر تلك الكلمات دموع منهالة، من افراد لا يُعلم من هم، ولا اية جهة يمثلون، وينفض لقائهم كما بدأ، جماعات ووحدانا، حتى لا نقول زرافات وافيالا..! ام ان مشروع المصالحة والعفو هو مشروع وطني متكامل، بل هو في اعتقادي من اهم المبادئ التي يجب ان تنال وقتا وجهدا وتنسيق، ومن اعلى مستويات الهرم الديموقراطي الذي لم يكتمل تشكيله بعد.

انهم ينظرون لأمر المصالحة والعفو بطريقة بدائية، كما لو انه يقع بين أفراد متخاصمون، او بين قبيلتين متناحرتين على استغلال الكلأ والمرعى. الا يدرك اولائك ان مبدأ المصالحة يستوجب عدة مبادئ قانونية في الاساس، تبدأ اولا بأعتقال كل من له شبهة في ارتكاب جرائم بحق الليبيين، سواء كانت تلك جرائم قتل او نهب للمال العام وما اكثرها، وتتدرج تلك الجرائم حسب عِظمِها وما نتج عنها من ضرر، وكذا زمان وقوعها، ثم التأكيد على عملية التقاضي النزيه بين الاطراف الداخلة في عملية المصالحة، ليأخذ كل ذي حق حقه، وتكون سيادة القانون هي الفيصل ولا شئ غير ذلك. ثم من خول هؤلاء المتكلمون على امر المصالحة وضرورة العفو عن ازلام الطاغية في اسرع وقت، هل ليفلت هؤلاء من العقاب، بعد كل ما اقترفته اياديهم، ام هل تم استرداد ما نهبوه من اموال الليبيين بغير وجه حق، حتى يعفى عنهم، شئ يدعو للاستغراب حقا.

إن المُخوّل الوحيد بأمر المصالحة الوطنية الشاملة هم الليبيون ككل، عن طريق ممثليهم المزمع انتخابهم بالطريقة الديمقراطية الحرة، كسلطة تشريعية، وحين الاستفتاء على دستور مُنظِم للعملية السياسية، وارساء قواعد السلطة القضائية، عندها فقط يمكن الحديث عن مشروع وطني للمصالحة الوطنية، والا فأن دماء الشهداء، الذين دفعوا ارواحهم ثمنا للتخلص من ربقة حكم شمولي ظالم، قد تذهب هباء فعلا وهذا ما لا يرضاه الليبيون بأئ حال، واما الاموال المنهوبة والمهربة بالمليارات، فحدّث ولا حرج، وقد تساءَل احدهم متحسرا: فاتنا ان نأخذ بنصيبنا من الاموال كما اخذ غيرنا ونهب وسرق واغتصب طالما العفو والمصالحة هو المآل..!


Email Drucken Favoriten Twitter Facebook Myspace Stumbleupon Digg MR. Wong Technorati aol blogger google reddit Yahoo

Add comment



Refresh

للإتصال بنا: [email protected]

أعضاء الحكومة الإنتقالية المؤقتة

أعضاء المجلس الوطني الإنتقالي

القائمة الكاملة بعد التحرير 

الإعلان الدستوري

المجلس الوطني الإنتقالي

سقط المكابر 

رائعة الدكتور العشماوي في الطاغية القذافي

للإستماع للقصيدة بصوت الشاعر

بطـاقة إلى مصراتة

شعر الدكتورة فوزية بريون

صفحة المجلة والملفات

 

 

 جديد المنتدى الليبي

العدد السابع

العدد السادس

أبوبكر على النوري: "لا تنمية مستدامة بدون تربية مستدامة"  

العنف السياسي في شمال أفريقيا: مصاعب التحرر غير المكتمل .. إعداد أنوار بوخرص

**

قضايا التخطيط واتخاذ وتنفيذ القرار في السياسة الخارجية الليبية: أسئلة - والأجوبة الغائبة 

**

محاضرة للدكتور أبوبكر ابعيرة عن "واقع سياسات التنمية الإدارية في ليبيا"

( 1) (2 )  (3)

رمــال متـحـركة

  تأثير الفضائيات على وسائل الإعلام في العالم العربي

ورقة الدكتور عبد المجيد النجار
ورقة الدكتور محمد بشاري

من ندوات المنتدى


ندوة المواطنة والديمقراطية

ندوة المجتمع المدني

لمحات ومحطات


 

من مطبوعات المنتدى

 

 

  

النسخة العربية      النسخة الإنجليزية

من آخر إصدارات الأستاذ محمود الناكوع

 

خفايا الإنقلاب وجريمة تشاد

 

 

 المؤتمر الوطني الأول للتنمية المستدامة

tanmia conf.jpg - 4.29 Kb 

 

الجزء الأول       الجزء الثاني

المؤتمر الوطني الأول للسياسات العامة في ليبيا

 

من إصدارات أخبار ليبيا

شاهد عيان عن العهد الملكي

من إصدارات الشفافية ليبيا